dimanche 10 mai 2015

كتبت كما أحب أن أقرأ الروايات




حوار : كارم يحيى
جريدة الأهرام، الأحد 10 ماي 2015 

مع أن " الطلياني " هي الرواية الأولى للتونسي شكري المبخوت إلا أنها فازت بجائزة البوكر للرواية العربية هذا العام . ولكن قبل ضجة " البوكر " و حين كنت في تونس نهاية ديسمبر الماضي أبلغني غير مثقف بأن "الطلياني " تعد رواية العام بالنسبة للقراء والمهتمين بالأدب في البلاد. وأيضا بأنها تعد اضافة متميزة لمسيرة الروائيين التونسيين وأعمالهم كـ" الدقلة في عراجينها " لبشير خريف في عقد الخمسينيات. ولاحقا "أطفال بورقيبة " لحسن بن عثمان و"روائح ماري كلير" للحبيب السالمي.
و المبخوت بالأصل باحث وأكاديمي متخصص في اللغة والأدب على مدى نحو ربع قرن .وقد حاورناه في القاهرة لدى حضوره لملتقي الرواية العربية في شهر مارس الماضي ووقتما كانت روايته بين القائمة القصيرة للروات المرشحة لجائزة البوكر العربية .وبدأ الحوار بسؤال عن لماذا تأخرت روايته الأولى بعد كل هذا العمر والتجربة النقدية ، فأجاب:
ـ لم أقرر أن أكتب رواية .لكن الموضوع فرض نفسه كما فرض الشكل نفسه أيضا فيتناول هذا الموضوع . لم يكن في المسألة أي تخطيط مسبق .لكن في جميع الحالات جاءت الرواية فمرحبا بها . وكل أشكال الكتابة التي مارستها من قبل من عامود صحفي أو مقال أو بحث أكاديمي أو ترجمة تماما كالرواية تعبر عن حاجة مالدي. وقبل هذه الرواية كانت لي خربشات أدبية .لم أكتب القصة . لكن في شبابي كتبت الشعر الحديث .ثم تخليت عنه لأنشغل بالبحث الأكاديمي.
هل كانت مثل هذه الرواية ممكنة الكتابة والنشر قبل الثورة التونسية 2010/2011 ؟..,ماهي ظروف كتابتها وكم استغرقت من الوقت ؟
حقا الرواية فرضت نفسها على بعد الثورة. بدأت كتابتها في نهاية عام 2012 وأنهيت مسودتها الأولى بعد ستة أشهر .
هل الرواية وشخصية الطلياني بطلها مستمدان من خبرة حياتية ذاتيه بدأتها انت شخصيا طالبا في الجامعة بتونس؟
هذه الرواية محض تخيل . ولا تتحدث عن اشخاص حقيقيين .لكنها أرادت ان تكون رواية لجيل كامل .هو جيلي أنا . فالملامح العامة للشخوص تترواح بين ماهو فردي لأن الحداثة هي فتح لامكانية ان يصنع الانسان مساره الشخصي وبين هموم جيل كامل يتشابه في شواغله واهتماماته الكبرى . ودائما ما يجرى طرح فكرة ان الرواية بمثابة سيرة ذاتية . ولو كان الأمر كذلك لاحترمت شرط ميثاق السيرة الذاتية .وهو التصريح بانها هكذا . لأن المسألة تتصل بالنزاهة الفكرية والأخلاقية للكاتب .
روايتك تبدأ بالحادثة الغرائبية حين ضرب عبدالناصر "الطلياني " الشيخ علالة وهو يدفن أبيه في المقبرة عام 1990 وتنتهى بصفحات بمثابة كشف عن الشيخ علالة وزوجته "لالة جنينةفي حي " باب الجديد " بالعاصمة . واللافت انك أبقيت اسم الحي والكشف عن لغز البداية الى ص 315 أي الى ماقرب نهايتها . وهكذا يتضح انك اتبعت هندسة وحبكة تقليدية .ولكن متقنة .. لماذا اخترت هذه التقنية تحديدا؟
حقا بناء الرواية قام تقريبا على لغز .ووظيفة الراوى ان يعود القهقرى والى الوراء بالسرد ليكشف عن سر هذا اللغز. لكن الأهم من اللغز والاعتداء على علالة هو المسار الذي سار فيه عبد الناصر "الطلياني" .وهذه هي الرواية .وكما قال أحد النقاد هي رواية الطريق وعثرات الطريق. ولاشك انني اتبعت حبكة تقليدية عن قصد .شخصيا كتبت هذه الرواية كما أحب أن أقرأ أنا الروايات .ومع هذا فإنني احترم التجريب في الرواية . بل اعتبره ضروريا لاختبار امكانات سردية جديدة .لكنني أحب أكثر الروايات التيتشدني بصرف النظرعن أسلوب سردها . وأنا أرى ان الافراط في التجريب كالافراط في الكتابة النمطية قد يضعف الرواية باعتبارها سعيا لادخال القارئ في عالمها التخيلي .وشخصيا مازلت أحب الحكايات كالطفل الذي كنت .وعلي أي حال فان البناء التقليدي ليس تهمة .والمهم هو قدرة الرواية على ان تجذبك الى عالمها .
الراوي يلعب دورا محوريا في هذه الراوية .فهو أحيانا مطلع على الأسرار كاملة .وأحيانا بقدر ما تبوح بها الشخصيات وخاصة صديقه الطلياني .. والقارئ لا يعلم تماما بملامح الرواي إلا قرب نهاية الراوية .. الى أي حد كان تهميش ملامح الرواي ضرورة فنية ؟
استعمال الراوى على هذا النحو كانت له وظائف عديدة . ومن بينها الايهام بموضوعية مايروى .وعلى اعتبار انه وهو يسرد يميز بين ماسمعه وبين مواقفه الشخصية وتخميناته في تعليل سلوك الشخصيات .وأعتقد ان أكثر شخصية "أليفةلدى قارئ هذه الرواية هو الراوى لأنه يعطي الانطباع بانه يقوم باشراك القارئ معه . لكن الجانب الأهم أن"الطليانيرواية جيل ومسارات مختلفة داخل هذا الجيل .وشخصية الراوى هي وجه آخر ان شئنا لشخصية عبد الناصر الطلياني .وكأنه الوجه الذي لم تكن له جرأة الطلياني .وما يهمني في نهاية الأمر هو إبراز تعدد هذه المسارات الفردية وتشابكهه.وكيف تكون نفس الشخصيات في ذات الوضعيات لكنها تسير في اتجاهات متنوعة.ولأن هذه الرواية أيضا هي رواية الهويات الفردية المأزومة.
ثمة لعبة تزامنات بين العام والخاص ... يلفت النظر مثلا انقلاب بن على ضد بورقيبة 7 نوفمبر 1987 مع وفاة أم زينة زوجة الطلياني وأيضا خيانته لها مع صديقتها نجلاء في منزل الزوجية ..
هذا التزامن اذا تركنا قراءته الرمزية ـ لأن به جانبا رمزيا ـ هو تعبير مكثف عن أفراد وشعب يبحث عن كينونته .ويمثل كذلك بالخصوص الجانبين أو المحورين الأساسيين للرواية . وهما الجانب النفسي الفردي والجانب الإجتماعي العام .
حالة التفسخ الاجتماعي في أحياء تونس العاصمة وبين المثقفين في نهاية عهد بورقيبة ومع صعود بن على قدمته هذه الرواية بوضوح .. هل تعتقد بأن الوعي بهذا التفسخ كان قائما في نهاية عقد الثمانينيات وبهذا الوضوح؟
هذا لتبيان الإطار العام الذي تتحرك فيه الشخصات .وهو من جهة أخرى يبرز تحولات داخل المجتمع التونسي .وليس المهم مدى وضوحها .بل المهم هو مدى تعرف التونسيين على أنفسهم في المرآة التي قدمتها لهم . وهي هذا النص . وهذه التحولات ترتبط بالأزمات التي عاشها المجتمع التونسي و تعطل مشروع التحديث مع اتباع سياسة ليبرالية همشت قطاعات في المجتمع .وحقا لم تكن هناك سياسة للمدينة ( تونس العاصمة ) بحيث وقع انفجار جغرافي سكاني استتبعه سلوكيات جديدة نجدها في جميع المدن العربية .فالتدهور وتبدل القيم ضرب مجتمعا يدعى المحافظة بقدر ما يدعي الحداثة في حين انه يبحث عن توازنه وهويته الجماعية . وما أسميته انت بالتفسخ الاجتماعي هو صورة لتحولات هذا المجتمع المأزوم.
أحد المحاور المهمة في الرواية هو صراع الرجل والمرأة في مجتمع تونسي يتغير .. هذاالفشل في بناء علاقات انسانية سوية رغم القوانين الحداثية المتقدمة للاحوال الشخصية والمساواة في التعليم .. هل ترى في فشل علاقة الطلياني بزينة حكما على حداثة بورقيبة ؟
الحداثة في تونس لها وجوه ايجابية جدا مثل التي اشرت لها في سؤالك .و هذا التحديث كسر البنية التقليدية الى حد ما .لكن هذه البنية القديمة استطاعت المحافظة على نوع من الصلابة مع التكيف والتعايش مع النمط الجديد. ومثل هذه الوضعية ليست مسئولية بورقيبة أو غيره .وإنما هي نتاج لدينامية اجتماعية تتطلب عقودا أخرى كي يحسم المجتمع التونسي أمره .وهنا فإن الأزمة لاتخص المرأة وحدها . لكنها بالقدر ذاته أزمة الرجل .ولأن كليهما يفتقر الى اعادة تعريف هويته الفردية ودوره الاجتماعي . وبالقطع أنا لا أكتب خطابا في تمجيد الحداثة أو المرأة التونسية .ودور الروائي هو التسرب من الشقوق في البنايات التي تبدو متماسكة .
الحوارات بين الشخصيات في هذه الرواية تقوم على اللغة الفصحي .. لكن الأجزاء السردية بالنص تعرف استخداما مكثفا لكلمات من العامية المحلية التونسية .. كيف تفسر هذا التناقض؟
استخدام الفصحي في الحوار اختيار فني .ولأن الجانب المحلي لا يبرز بالضرورة فياستعمال اللهجات .وهذه الرواية ذات نكهة تونسية محلية .لكن القراء المفترضين هم كل القراء العرب وليس التونسيين فقط.
وماذا عن الجزء الثاني لهذه الرواية .. وهل تستكملها بنفس الراوي ؟
الجزء الثاني اصبح جاهزا للنشر. لكنني أعطي الجزء الأول فرصه كي تتم قراءته . والجزء الجديد يواصل متابعة مسار عبد الناصر " الطليانيوتعثراته في الطريق خلال عقد التسعينيات .تركناه في الجزء الأول وقد سافر الى العراق مراسلا لوكالة الأنباء الفرنسية . ولكن فترة العراق تم طيها سريعا للنظر في حياته بعد عودته الى تونس . وربما تكون هناك اجزاء أخرى لهذه الرواية . فهي بمثابة بنية مفتوحة يمكن ان تتواصل الى أيامنا هذه . أما بشأن الراوي فانني أواصل بنفس الأسلوب وحتى وان تغيرت المناخات التخيلية .
هل كنت تتوقع ان تصل روايتك الأولى هذه الى القائمة القصيرة لبوكر ؟
دار النشر هي التى رشحت الرواية للجائزة وليس أنا . ووصولها الى القائمة القصيرة تتويج يسعدني في حد ذاته ويمثل اعترافا أدبيا بهذه الرواية . لكن حقا لم يكن مطروحا في ذهني مسألة البوكر .
هل ترى ان روائيين أو نصوصا أدبية بعينها أسهمت في تكوينك كروائي ؟
ـ ليست لي قراءات متميزة . بالقطع قرأت الرواية في نماذجها الجيدة .أحب كثيرا نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف و الياس خوري والطيب صالح .وهذه مجرد أمثلة أذكرها . لكنني قرأت ايضا الرواية الفرنسية والروسية والأمريكية الحديثة وروايات أمريكا اللاتينية .وليس في قراءاتي ما يشذ عن بقية القراء. لكن الاجابة على سؤال يتعلق بكيفية تكون حساسية الروائي وأسلوبه المتميز فهذا أمر معقد تصعب الإجابة عليه . فمابالك لو تحدثت عن نفسي .


المبخوت.. يُطلق المارد أخيراً!



حجي جابر (روائي من أريتريا)
 جريدة الوطن (قطر)، 10 ماي 2015  

في مارس الماضي، وفي مصر، خرجتُ رفقة الروائيين التونسيين شكري المبخوت وكمال الرياحي لزيارة مكتبات القاهرة الشهيرة. كانت فرصة أيضاً للسؤال عن «الطلياني»، رواية المبخوت التي دخلتْ حينها القائمة القصيرة لجائزة البوكر. دخلنا مكتبة مدبولي وسط البلد، لم يعرّف شكري المبخوت عن نفسه، وإنما اكتفى بالسؤال عن روايته. وجدنا نسخة أو اثنتين على ما أذكر. اشتراهما المبخوت، وشرع في التوقيع على إحداهما وأهداها لي. هنا تنبّه البائع أنه إزاء الكاتب، فترك ما بيده ومنح المبخوت كامل اهتمامه. تبرّعتُ بإخباره أن هذه الرواية وصلت للقائمة القصيرة وقد تنال البوكر. وهنا أخذ الحديث وجهة طريفة؛ فقد تساءل البائع عن قيمة الجائزة، وحين أخبرناه حوّل الرقم سريعاً إلى الجنيه المصري، قبل أن يبادر بفرح أنّ هذا المبلغ بإمكانه أن يجلب للمبخوت أجمل شقة في القاهرة. ضحكنا وضحك المبخوت وهو يقول للبائع إن هذا أمر سابق لأوانه. لكنّ البائع الذي كان قد رتب كل شيء في مخيلته أكد لشكري المبخوت بيقين غريب أنه سيفوز بالجائزة. الآن وقد تم الإعلان عن فوز رواية الطلياني بالجائزة، يبدو أن المبخوت أصبح مديناً لذلك الرجل بشكل أو بآخر، وعليه أن يضع ذلك في اعتباره في زيارته القادمة للقاهرة.
لكنّ القصة تبدأ قبل ذلك بكثير..
شكري المبخوت، مدير جامعة منوبة، والناقد والباحث الرصين اختار أن يدلف إلى عالم الرواية أخيراً، وهي خطوة تحمل الكثير من الإغراء، لكنّها في المقابل ورطة كبيرة يصطدم بها كثير من النقاد الذين يجربون الكتابة الروائية. فبمجرد مغادرة كرسيّهم العالي حيث يوزعون الكثير من النقد والانتقاص أحيانا هنا وهناك، يأتي دور الممارسة والخضوع لنقد الآخرين، وغالبيتهم هنا من الروائيين الذين ينتظرون الشماتة في الناقد وقد جرّب ما كانوا يعانونه دون أن يضعه في الاعتبار.
شكري المبخوت نجا من كل ذلك في روايته الأولى، بل وذهب بعيدا لحد التفوق على كل منافسيه، ضمن حدود المسابقة وظروفها بالطبع، لأن المبدع كان بداخله مكتملا، كان كالمارد ينتظر لحظة انعتاقه ليحقق الأمنيات في كل اتجاه، وكان الأمر متوقفاً على المبخوت في اختيار توقيت الكشف عن مارده. ولعلّ فوز الرواية في ظرف شهرين بجائزة معرض الكتاب في تونس، ثم جائزة الكومار التونسية، وأخيراً جائزة البوكر، يثبت ذلك ويدعّمه.
أقول هذا لأني لمستُ إلى أي حد نحن إزاء مثقف أصيل، له رؤيته وفهمه العميقان للفن. ذائقته والتقاطاته المدهشة أثناء حواراتنا، كانت تُنبئ عن الفنان بداخله. لكنّ كل ذلك كان يجري دون استعراض أو محاولات لإظهار حجم ثقافته، وهذا فرق آخر. فشكري المبخوت مبدع من طينة الكبار، متواضع بشوش مع الجميع، يستمع باهتمام، ويضحك من قلبه، ولا أزال كلما خطر لي تتصدر ضحكته الضاجّة المحببة المشهد كاملا، وهو يقول لي بلهجته التونسية البديعة «ياولدي اشبيك».

مبارك لتونس، ولشكري المبخوت، ولنا جميعاً، وقبل هذا وذاك، مبارك للرواية العربية فارسها الجديد.

«الطلياني»: صفحة تونسية من الهمّ العربيّ


خالد الحروب
كاتب وأكاديمي عربي
الحياة، الأحد، 10 ماي 2015
أدهشنا شكري المبخوت، الأستاذ الجامعي والناقد التونسي، بروايته المبدعة «الطلياني»، التي استحقت الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية، على رغم أنها تجربته الروائية الأولى. وأدهشنا في حفل استلامه الجائزة في أبو ظبي قبل عدة أيام حين أهداها الى نساء تونس والنساء العربيات، ذلك أن أي قارئ للرواية لن يخطر في باله نسبتها إلى أدبيات النسوية العربية، على رغم الصوت العالي للمرأة فيها. بطل الرواية رجل، عبد الناصر، فائض الحضور والرجولة، كما أن أبطال وشخوص الرواية الآخرين من الرجال يسيطرون على فضاءاتها الأوسع. على هامش الحفل، وفي حوار تلفزيوني مشترك سألته عن ذلك فقال إن عبد الناصر، بطل الرواية وضحيتها، هو نتاج نسائها: حبيبته ورفيقته في النضال الماركسي زينة هي التي توجه تكونه الفكري، جنينه زوجة الشيخ المخاتل والنفعي هي التي توجه تفتحه الجسدي والجنسي، أمه وأخواته، وعشيقته نجلاء، وحتى عشيقته السويسرية العابرة شقيقة زوجة أخيه، كل منهن تصوغ جزءاً من حياته. هكذا إذن يصير عبد الناصر كأنما هو جانب من هذا المجتمع الذي هو في نهاية الأمر صنيعة امرأة مجتمعات العرب حيث كانت. لربما كان هذا هو السبب الذي قرّب شخصية عبد الناصر، البالغ الوسامة الى درجة تشبيهه بالطليان والأوروبيين ونعته في الحارة والمدرسة بلقب «الطلياني»، إلى قراء وقارئات الرواية. يرون فيه وفي تناقضاته وحيرته ونجاحاته وإخفاقاته ونبله وسفالاته وتضحيته وخياناته، شظايا حياتهم المبعثرة. في محيط عبد الناصر تتحرك تونس ومجتمعها وأفكارها وسياستها ودولتها وجامعها. هذه حقبة بن علي، وهي ترث البورقيبية وترفع كل مزاعم التحرر من وطأة القائد الأب، ثم تنهار أو تكاد على عتبات الربيع العربي. تحمل شعارات تحرر المرأة وتحريرها... وتسجنها في تلك الشعارات، تحمل شعارات خصوصية التجربة الديموقراطية التونسية وتواصل نحرها على مذبح الاستبداد والسلطوية. على ضفاف السياسة المأزومة والمجتمع المنشطر، والتدين المتسارع، واليسار الآفل، تنفتح نيوليبرالية السوق لتساهم بدورها في طحن منظومات القيم وقلبها وعكسها. عبد الناصر هو الممثل الشرعي لمسيرة متعثرة لكنها حالمة وطامحة، فيها غدر كثير، لكن تظل تناضل كي تصل إلى كوّات الأمل. إبداع شكري المبخوت في هذه السردية الممتعة يكمن بالضبط هنا، في تخليق شخصيات حية تنبض بالدم والحياة، نرى أنفسنا فيها. لهذا، يتابع في حديث ممتع، جاءته صبايا تونسيات كثيرات يسألنه أين هو عبد الناصر وكيف يمكن أن يعثرن عليه. يردن التعرف إليه، حضنه، وتقبيله. قال لشابة يافعة، لكن عبد الناصر، وهو من صنع خيالي، سيكون بعمر والدك لو وُجد الآن. أجابته لا يهم فلقد عشقته. رد عليها، لكن خان زوجته مع صديقتها، ردت عليه لا يهم لقد عشقته. المبخوت ضخ في شوارع تونس وجوهاً لكائنات خيالية، لكنها باهرة، لأنها مرايا للعابرين والعابرات يرون فيها ربما ما لا يريدون أن يروا. لأجل ذلك وغيره كثير استحق وروايته الفوز.
تعاود «طلياني» المبخوت، في الصورة الأعرض، التوكيد من دون أن يكون ذلك همها الرئيس، على تشابه الهموم العربية مشرقاً ومغرباً، وتشابه ردات الفعل عليها. يصير استنساخ التعامل مع تلك الهموم من الجار العربي جزءاً من عناصر الصورة الكلية. لماذا، مثلاً، تعاقبت ثورات الربيع العربي من بلد عربي لآخر، ولم تنتقل الى بلدان الجوار غير العربي: إلى النيجر وتشاد، أو تركيا وإيران، أو أثيوبيا وأريتريا، على سبيل العدوى تأملاً؟
في «الطلياني» نقلب ملفات إرث البورقيبية التي شكلت تونس مابعد الاستقلال، وتمثلاتها المتنوعة: ثقافة، واجتماعاً، وتسيساً... واستبداداً. والبورقيبية، وكما كانت الأتاتوركية، حالة تفيض بالدراما، ذاك أنها متعددة الأوجه وحمالة للتفسيرات، وفيها وعليها ما يكفي ويؤهلها للتمرد على أي محاولة توصيف اختزالية. هي قاطرة تونس نحو الحداثة ولولاها لربما ظل البلد يترنح في زنقات التقليد، ثقيل الخطوة، ومتردد الاتجاه كما هو حال كثير من البلدان العربية والإسلامية. وهي، أي البورقيبية، مقام المرأة التونسية ودفعتها إلى موقع متقدم قياساً بنظيراتها في الجوار العربي وربما بعده. لكنها، أي البورقيبية، كانت استبدادية وأبوية صرفة أيضاً تحوم حول «المجاهد الأكبر» وما يراه ويقرره. في عنفوان شبابه ونضجه وعطائه، امتلك جبروت الشخصية كي يقود البلاد ويفرض رؤيته لتونس المنطلقة نحو المستقبل والمنفلتة من الماضي. في مراحل العنفوان تلك داس على المعارضة وهمّشها، يسارييها أولاً ثم إسلامييها. حُشر المعارضون في الجامعات واتحادات الشغل، وانفرد القائد الأوحد بتوجيه دفة البلاد.
لكن عندما استبدت حتمية الزمن بالقائد واحتلت الشيخوخة والعجز ما كان نصيباً للعنفوان واليقظة، تقدم أحد أكثر مساعديه إخلاصاً لينقذ البلاد ممّا صار يرى نزقاً في القائد. صار لا بد من إنقاذ البلاد من مؤسسها وحاميها الأول، فجاء زين العابدين بن علي. وعد الشعبَ ويسارييه وليبرالييه وإسلامييه بعهد دستوري جديد قوامه الثورة على فكرة «تسلم الحكم مدى الحياة». كان ذلك سنة 1987، وكلنا نعرف بقية القصة بعد ذلك. هذه هي السردية العريضة للواقعة التونسية في النصف الثاني من القرن الماضي وصولاً الى لحظة سقوط «المنقذ» بن علي. خلف هذه السردية كانت حياة المجتمع تمور بكل ما تمور به مجتمعات العرب: امتدادات عميقة ومتواصلة وراسخة للموروث الاجتماعي، والديني، والقبلي، والأبوي، يعشش بعيداً ورغماً من أحلام النخب، سواء كانت حاكمة أم معارضة، يسار متصاعد يبحث عن موقعه بين حكم ليبرالي الصفة لكنه استبدادي النزعة، وإسلاموية ناهضة تعتاش على الموروث وتحرض وارثيه على رفض الحداثة، بنى اقتصادية هشة لم تتمكن من تطهير رقاع الفقر العريض ولا من استيعاب أجيال الشباب الذين فاض كثيرهم في شوارع البطالة تتلقفهم تنظيمات متطرفة، أو عصابات التشرد، أو بكل بساطة مشاعر الضياع والتوهان. قليلهم تمكن من الهرب من الأوطان والهجرة إلى الخارج والارتماء في أحضان الغرب المشتوم صباح مساء، وكل ذلك وغيره تحت سيطرة نظام سياسي مطبق الإحكام على المجتمع، فيه الحريات السياسية مجففة، والمناصب العليا ونصف وربع العليا محجوزة للمنافقين والمتسلقين والمداحين.
في قلب تلك التناقضات وفي بيئة متوسطة عادية نتعرف، وفي المشهد الأولى من الرواية، إلى عبد الناصر، الشاب المتمرد الناقم على عائلته، وهو يسير ساهماً في جنازة والده الحاج محمود. في لحظة الدفن والعشرات من محبي الحاج يتحلقون حول القبر ويرددون الأدعية والآيات وراء «الإمام علاله»، إمام جامع الحارة الذي يزجي رأس الحاج محمود فوق اللحد، ينتفض عبد الناصر ويضرب بقدمه وجه الإمام بكل قوة فينفر منه الدم، ويغادر المقبرة ساهماً والكل تصعقه المفاجأة، ومعها تتحول الجنازة إلى فوضى مباغتة. بعد هذا المشهد الافتتاحي نحتاج إلى أكثر من ثلاثمائة صفحة كيف نفهم سبب هذا التصرف «الأرعن» الذي لم يكن ليليق بابن الحاج محمود صاحب السيرة الحميدة المشهود لها من الجميع. حوقل الناس وعادوا الى بيوتهم مذهولين، ولا يقل عنهم ذهولاً القراء، الذين استعجلوا تقليب الصفحات لمعرفة السبب. بين دفتي الكتاب، ومن ضربة الشاب اليساري المتمرد وجهَ السلطة الموروثة وإلى معرفتنا بأن إمام الجامع ذاك حاول مراراً الاعتداء جنسياً على عبد الناصر أيام كان ولداً صغيراً، يحوم في الحواري وحول الجامع، نجوب مع المبخوت في حكايا تونس، وتوتراتها، وناسها، وفقرها، وأيديولوجياتها، وحيرتها، ونسائها، وسِيَر العشق المكتمل والمنقوص.
عبد الناصر، والذي يعرفه الجميع بلقب أُسبغ عليه باكراً، وهو «الطلياني»، نظراً لـ «وسامته الأوروبية»، شخصية درامية بامتياز، وفيه كل التناقضات الممكنة. فهذا اليساري المهجوس بتحقيق العدالة والمساواة في المجتمع، والمناضل عن حقوق الناس في وجه السلطة، هو نفسه الشخصية المرذولة من قبل عائلته، وهي العائلة التي لا يهتم بها، وكأنها تقع خارج تعريف «الشعب» و «المجتمع» الذي يدافع عنه. نبله في النضال وفي الحب عندما تعرف إلى زينة، الريفية القروية، المُبهرة في الجامعة وفي تفوقها في الفلسفة، لا يوازيه إلا نذالاته وخياناته المتكررة لمن اعتبرها قديسة قلبه. تنظيراته في ضرورة الثورة الجذرية واقتلاع الوضع القائم واستبداله، تنزوي تدريجياً لصالح أفكار «الإصلاح من الداخل» والاقتراب من دوائر النظام والاشتغال في ماكينته. أفكار «الإصلاح من الداخل»، عملياً وحياتياً، يقع جذرها في الحاجات المادية وإكراهات الحياة، والتنظير المؤدلج لها ليس سوى التكرار المعروف لنفس القصة، حيث تُوظف مهارات لغة الأيديولوجيا لسوق المسوغات والمبررات لنقض تلك الأيديولوجيا نفسها، أو تحويرها لتتواءم مع الخيارات الجديدة.
شقيق عبد الناصر، صلاح الدين، يقدم إطلالة مُعلمة في الرواية، فهو المتفوق دراسياً، والذي أنهى الدكتوراه في الاقتصاد ويعمل في سويسرا مع مؤسسات دولية كبرى تريد أن تقود دول العالم المتخلفة الى سياسات تحرير السوق وليبراليته. زينة، المناضلة والمتفلسفة وحبيبة ثم زوجة عبد الناصر، يقتلها طموحها، ثم تفترسها ماديات الحياة عندما تحس بطعم المال والمرتب الشهري. تحاول أن تتعامل مع الحرية التي «منحها» بورقيبة لنساء تونس، فتلتبس عليها الأمور. تقول: «لقد أعطانا بورقيبة قيداً جديداً ظنناه انعتاقاً فتورطنا. لم يعد بإمكاننا أن نعود إلى الوراء. وإذا أردنا أن نتقدم تعذر علينا ذلك. أما البيت فسجن صغير، وأما الشارع فسجن كبير، أحدهما يعمره سجان بليد لا تنتهي طلباته، طفل صغير دللته أمه ولم يستطع الفطام منها، والآخر يعمره السفلة بتحرشهم بالنساء وعنف لغتهم الجنسية الناضحة كبتاً ونظراتهم التي تعري المرأة تعرية».
ليست هذه مراجعة للرواية، بل بعض التأملات في بعض ما جاء فيها، ومن دون هذه الملاحظة نكون قد ظلمنا شكري المبخوت وصنيعته «الطلياني».




samedi 2 mai 2015

الجنس حرية بديلة لجيل الانكسارات في رواية الطلياني


الغربي عمران
(محمد الغربي عمران  كاتب قصة قصيرة، روائي، وسياسي يمني، معروف بروايته المثيرة للجدل المصحف الأحمر)

يقدم لنا المبخوت المجتمع التونسي خلال سنوات حكم بورقيبة وحتى انقلاب بن علي وحكمه . من خلال عدة شخصيات يأتي على رأسها عبد الناصر (الطلياني) الحائزة حياته على الخط العام أو أنها رسالة الرواية إلى القارئ كنموذج للشباب التونسي في عهد بورقيبة وما يمثله مجتمع تونس اليوم . زينة أو (أنروز) وهو اسمها البربري الذي توارى وفق توجيهات بورقيبة المانعة للأسماء الغير عربية من التداول. 
ثم تأتي نجلاء .. وصلاح الدين .. وللا جنينة.. وسي عبد الحميد.. وسي محمود. وأسماء أخرى تأتي في المستوى الثالث والرابع من حيث الحضور والتأثير على سير أحداث الرواية.
فضاء العاصمة التونسية هو المكان حيث تنامت الأحداث وتصارعت الشخصيات وتفاعلت مع محيطها لتصنع لنا رؤية للمجتمع التونسي في تلك السنوات.
بداية الرواية هي نهايتها .. حيث سرت بلبلة بين من حضروا جنازة سي عبد الحميد والد عبد الناصر- أو الطلياني كما راج هذا الاسم الذي جاء نتيجة للونه المختلف عن بقية إخوانه ولشعره الأشقر ولون عينيه- لحظة اعتدائه بالرفس على إمام مسجد الحي الذي هبط القبر ليوسد والده . ولم يشاهد غير من كانوا محيطين حول فوهة القبر وهو يردد بغضب "يلعن دين والديك.. يامنافق.. يانذل.. ياساقط.. اخرج من غادي يانيك..." أبعدوه الناس مهتاجا.. وأخرجوا إمام المسجد الذي كان ينزف دما من أنفه .
تلك البداية الجاذبة لرواية شكري.. حين أبرز عدة لقطات أو مشاهد لتلك الحادثة .. مشهد الجنازة وما حدث فيها .. ثم مشهد أسرة الطليان وتباين وجهات النظر حول تصرفه "ولد الحرام لا ينتظر منه غير العيب!" هذا ما قالته أمه حين سمعت بما حدث . هكذا جعل الناس يتساءلون جاذبا القارئ للبحث حول أسباب تصرف الطلياني ذلك التصرف الغير أخلاقي في لحظات لا تحتمل غير الحزن واحترام مشاعر من حوله. 
وهكذا أبحر بنا المبخوت دون تقديم أي إجابة أو ما يدل على من مبرر لتصرف الطلياني الشين. ذاهبا في استعراض حياته منذ أن كان طفلا صغيرا.. راسما تلك العلاقات بينه وأخواته الإناث وأخوه صلاح الدين القادم من سويسرا حيث يقيم ويعمل . ومن هنا يختطف الكاتب القارئ في رحلة من الألاعيب الحكائية المشوقة حول فترات دراسة الطلياني الابتدائية وما يليها وتلك العلاقة المميزة مع أخوه صلاح.. ثم سنوات دراسته الثانوية والجامعية .. ونشاطه في أوساط الطلبة نقابيا وسياسيا .. وتلك العلاقات التي تنشأ على مدى تلك السنوات .. مسلطا الضوء على حياة المجتمع التونسي في أهم سنوات حكم بورقيبة .. وتوجهاتها وتلك الحركات السياسية التي تنشط سرا عبر طلبة الجامعة وتكويناتهم الشبابية وأطروحاتهم ومظاهراتهم واعتصاماتهم .. وما ينتج من صدامات مع أجهزة الأمن ومن صراعات فيما بينها.
في هذه الأثناء تبرز شخصية جديدة بين طلبة الجامعة(زينة) أو أنروز ابنه الريف التونسي الفقير .. تجيد الجدل والخطابة وطرح أفكارها بشكل مؤثر في أوساط الطلبة .. ليلتقي بها الطلياني بغية ضمها إلى تياره اليساري بتوجيهات من رئيسه .. تعجب بوسامته ويعجب بأفكارها .. ويتطور الإعجاب إلى علاقة حب عاصف.. ويستمر كل منهما لضم الآخر إلى اتجاهه.. ليقتنعا بأن تظل علاقتهما بعيدا عن الاستقطاب.. تستمر تلك العلاقة إلى الزواج السري.
علاقة الطلياني وزينة المحور المركزي للرواية .. بعد أن أبتعد بنا الكاتب عن الحدث الأول -الاعتداء على الإمام- ليدخلنا في دوامات حكائية متعددة وإن كانت علاقة الطلياني وزينة .. تتناسل بشكل متواصل إلى حكايات متصلة بشخصيات الأخرى للرواية.. وهكذا كلما ظهرت شخصية قدم لنا المبخوت حكاياتها وصلتها بالحكاية الجامعة أو المحورية .. لتتجمع تلك الحكايات على شكل خيوط بين يديه..مقدما لنا من خلالها نبض الشارع التونسي وتحولاته الاجتماعية والسياسية ونواحي أخرى من حياته .
فصلاح الدين وهو الأخ الأكبر لعبد الناصر(الطلياني) له حكاية وثيقة الصلة بمسار حكاية الطلياني .. فهو الأكثر تفوقا والداعم المادي لأخيه بعد أن غادر تونس وأستقر خارجها ليعمل هناك .. يقدمه الكاتب ومنذ طفولته الأولى كشاب مثالي ومتماسك وناجح ومتفوق في جميع مسارات حياته. في الوقت الذي يقدم لنا الطليان شاب متمرد تقوده غرائزه الدائمة للنساء والكحول .. منشغلا بنضاله اليساري لخلق مجتمع تسوده العدالة والمساواة على النهج الاشتراكي.
وزينة الطالبة المتفوقة في الجامعة والمناضلة في أوسط الطلبة من خلال خطبها ونقاشاتها الناقدة دائما للجميع.. والتي استشعرت بعض التنظيمات السياسية بخطورة نقدها ليقرروا تصفيتها .. وكان عبد الناصر من نبهها لذلك الخطر. 
ونجلاء صديقة زينة وعشيقة الطلياني سرا.. لها حكايتها.. وحكاية أخرى لسي عبد الحميد رئيس التحرير في صحيفة كبيرة حيث يعمل الطلياني محررا بها.
وهكذا هي حكايات بقية شخصيات الرواية من الراوي زميل عبد الناصر في السكن والدراسة الجامعية .. الذي جعله الروائي راو عليم من خلال زمالته لزينة من جهة ومعرفته ببقية الشخصيات.. إلا أن الكاتب وقع في خطأ فني ربما تنبه له بعد نشر الرواية .. حين أعطاه قدرات معرفة كل ما يدور بين شخصيات الرواية دون استثناء .. بينما هو راو مشارك لا يمكن أن أن يمتلك ذلك.. وقد ظهر ذلك الخلل الذي يجعل القارئ يتساءل حول الفرق بين العليم والمشارك وعدم مقدرة المشارك في معرفة ما يدور في أكثر من مكان في نفس الوقت الذي يكون هو في مكان محدد وقت تلك الأحداث والنقاشات المتعددة بين الشخصيات .. دون أن يكون مشاركا في تلك الأحداث أو متواجدا في تلك الأمكنة.
لم يكن لي كقارئ إلا أتابع القراءة على أكتشف أجوبة لتلك الأحداث التي تتوارد .. لأجد نفسي رويدا رويدا شريكا له في استكمال بعض ما يمكن أن نسميه ردم الفجوات الإبداعية التي رسمها الكاتب بمهارة. ففي ذلك الصراع الطلابي المحتدم بين تيارات العمل النقابي لطلاب الجامعة أجدني شريك .. وفي تلك العلاقات الملتبسة بين تلك التنظيمات وأجهزة القمع .. وذلك الصراع بين الشباب المتطلع لتغيير تلك القيم الاجتماعية والقواعد السياسية .. وتلك العلائق بين عالم الصحافة وعالم السياسة .. وزرع عشرات المخبرين .. وذلك الصراع الخفي بين صناع الرأي وأجهزة الدولة.. كل ذلك من خلال ما يعتمل في عقل الطلياني والذي يعمل ليل نهار على تحقيقه.. حين كان يؤمن بالحقيقة المجردة التي كان يحلم بتقديمها عبر مقالاته وما يحرره في تلك الصحيفة التي يعمل بها . وأمر آخر ذلك الطريق الذي يسلكه رئيس التحرير في إدارة الصحيفة والمسافة بين صانع الحدث في دوائر السلطة وصانع الخبر .
ولذلك يجد القارئ نفسه أما رواية مميزة من خلال ذلك الأسلوب الذي أتبعه الكاتب في الإمساك بأكثر من حكاية .. دون أن يفلت أحد خيوطها .. وقد أبرز مهاراته في ظفر تلك الخيوط ليقدم لنا هذا العمل في جديلة غاية في التشويق والإثارة .. محولا كل خيط إلى طعم يسعى القارئ للوصول إلى نهايته.. وفتح مغالقه ليفاجأ بأن تلك الحكايات لا يصله نهاياتها إلى ما يريده الكاتب.. مولدا منها حكايات أخرى.. 
ورغم تلك التشعبات وذلك الإسهاب الذي يثقل على القارئ إلا أن الكاتب قد أحكم حبكة روايته ليتوه بالقارئ وكأنه في رهان مع نفسه ألا يفلت أي قارئ بدأ من أول حدث ..أو يدع صفحاتها جانبا دون أن يكون له موعد متجدد حتى نهايتها.
وعند اقتراب الرحلة من نهايتها يبدأ الكاتب في فتح منديل أسرار الرواية.. لتأخذ بفتح أسرارها .. فهاهي الفتاة ريم تدير مؤخرتها للطلياني بدلا عن فرجها لتتداعى كل الأجوبة و أسباب ضرب الطلياني لإمام المسجد في لحظات دفن أبيه .. وقد أعادته ريم ومؤخرتها إلى محاولة إمام المسجد الاعتداء عليه صغيرا في أكثر من مرة . وهاهي زينة تتحدث عن اغتصاب طفولتها وسط ظلام دامس.. ولا تعرف من الفاعل غير أنها تشك في أبيها وأخيها . لتتابع كشف تلك الحكايات المغلقة التي أثرت على شخصيات الرواية وسير أحداثها.
وهاهو الكاتب يساعد القارئ على الخروج من الصراع النفسي الذي أدخله فيه من خلال صراع الطلياني مع نفسه ومع زوجته زينة التي انتهت معظمها إلى أجوبة مخيفة.. وهاهي حكاية الإمام وزواجه من للاجنينة تفضح المستور. وهاهم شباب المخدرات من صغار السن يتحولون إلى قطاع طرق ومجرمين .. لتبرز عصابات تهدد المارة .. ممن أهملوا من رعاية الدولة أو عنايتها.. لتنتشر تلك العصابات في ليل الشوارع باحثين عن فرائس وضحايا.
وهاهي كل الحكايات عارية في نهايات تقدم لنا مجتمع يسعى إلى التغيير نحو الأفضل .. بعد انقلاب بن علي على بورقيبة وحلول سلطويين جدد لا هم لهم إلا إحكام قبضتهم على المجتمع وتسليط أدواتهم عليه .
وهنا يقدم الكاتب الجنس والخيانة كغطاء لإخفاقات جيل بأكمله.. يعاني من التسلط وعدم الإفساح لطموحاته وآماله في حياة الحرية والعدالة والرخاء. 
يهيم الطلياني من بار إلى آخر طول لياليه باحثا عن طرائده من البنات دون توقف.. يعيش مع نجلاء صديقة زوجته لحظات حميمة في عدة أماكن وعلى فراشها .. ومع أخت زوجة أخيه حين زارهم خارج تونس ترافقه زينة .. ولم تتوقف تلك الخيانات.. ودوما تبدأ علاقات مع منيريد بالنظر إلى ما يحملنه من جوانب روحية وثقافية كما هي علاقته مع كل من صادفهن لتتبخر كل تلك الجوانب ويجده القارئ مناد إلى الجسد وإشباع تلك الغرائز الحيوانية.
ومثلما قدم لنا الكاتب الطلياني قدم نجلاء شابة تعيش حرة من أي ارتباط بعد فشل زواجها الأول .. وتصرح بأنها لا تفضل الارتباط مرة أخرى .. على قاعدة : بدلا من أن أكون امة لأحدهم لما لا يكون الجميع تحت رغبتي؟! ولم تعش نجلاء كما أرادت بل انتقلت بعد علاقتها بالطلياني إلى أفق جديد إلى بيع جسدها لمن يدفع أكثر. 
وها هي ريم لا تتأخر في تقديم جسدها ولو بطرق مختلفة لمن يطرق بابها دون إبطاء .. وها هي زينة تغادر تونس بعد أن أنهت زواجها السري من الطلياني لتعيش مع فرنسي مسن في باريس وفق هواها.
يقدم الكاتب الجنس والجوع إليه كغطاء لانكسارات جيل بأكمله .. جيل يعاني من التسلط وغياب العدالة . 
من ناحية فنية قدم لنا الكاتب نجلاء كنسخة متطابقة لزينة .. في لغتها ووعيها بما يحيطها.. في طرحها ونظرتها للعلاقة بين الرجل والأنثى.. زفي جوانب الحرية وقيم المساواة ... ولم يأتي بشخصية مختلفة عن شخصية صديقتها.. حتى أن سقوطها في عالم الرذيلة كان مشابها لحياة زينة في باريس رغم تلك المبادئ التي حملنها .
اتكأ الكاتب على أحداث ووقائع تاريخية وأسماء معروفة وأقترب في أسلوب رصد تاريخ تونس بما لا يختلف كثيرا عن علم التاريخ . ما يطرح سؤالا هل هذا العمل رواية سيرية دون الكاتب الكثير من حياته .. كأحد شخصيات الرواية. أو أنه أستعار أحد الشخصيات التي يعرف سيرة حياته ليقدمها لنا.
الرواية تنقل القارئ إلى أوساط مجتمع نابض بالحياة.. وتنجح في تقديمه كما هو.. ولذلك يعيش القارئ لحظات الصراع بين شخصياتها ليشعر بأنه جزء من ذلك.. فزينة وانشغالاتها المبالغ فيه بتحصيلها العلمي على حساب حياتها الاجتماعية والعاطفية .. والطلياني والإغراق في الجنس ينقلنا إلى واقع الشخصيات المريضة .. وسقوط نجلاء رغم ظهورها بمظهر المرأة الواعية بقيم السمو الإنساني في عالم الرذيلة. كذلك زواج للا جنينة من رجل عنين .. لتنغمس مع صبيان الأسر المحيطة بها في إشباع رغبتها.. وكان يمكنها أن تعيش حياتها خارج نطاق جيرانها.
رواية تميز الكاتب بتقديم المجتمع التونسي وان ابرز الجنس كعنصر مسير .. صحيح بأن الكاتب لم يقحمنا في ما صوف .. بل أن كل ذلك جاء في سياق طبيعي.. ما قدم لنا تلك الشخصيات كائنات مجني عليها.. في الوقت الذي لفت انتباهي ..هل ما عاشته شخصيات الرواية يقارب ما نعيشه . 
الرواية تستحق ما وصلت إليه -القائمة القصيرة للبوكر- وتستحق المركز الأول إذا ما قارناها بزميلاتها الخمس في القائمة القصيرة للبوكر.. مع ما لشوق الدراويش من تميز وإدهاش .. ولرواية لينا هويان من رصد تاريخي ممتع .


حكاية الجنس في رواية الطلياني


"القبلة"  لغوستاف كليمت

مها عزّوز


 حكاية الجسد مدخل آخر يمكن أن نتوسّله لرواية"الطلياني".  فأصل الحكاية انتقام للجسد.  جسد ظل محافظا على عذريته يتأبّى على الاختراق. ولكن محاولة هامشية ظلت تتعقّبه.  وللطلياني هذه الحاسة الخارقة التي تحصّنه من الوقوع في الفخ في كل مرة.  هذا علالة "الفرانقي" القديم يتحوّل بقدرة قدير سيدا في بيت سيد ، له ابنته والنصف في مملكته سوى ما حبته به الأقدار.  وعلى قدر ما كان السيد الأصيل كريما يهب خادمه بسخاء ،كان السيد الجديد عاجزا عن العطاء.  ولا يمكن أن يكون لصلبه أي امتداد. وظل علالة مقززا لزوجته يحاول أن يسد نقصه عن طريق الأطفال الأصلاء أيضا، يستغل سذاجتهم وضعفهم.  ولا أحد يدري عدد من تحرش بهم ولكن الراوي يعلم والقارئ يعلم أيضا أن الطلياني ظل منيعا. غير أن السرّ ظل حبيسا في نفسه ولم يفصح عنه ولم ينتقم وإن كان قد سمح لنفسه أن يرتع يافعا في ما تأتّى من جنائن تعاف "علالة" وتقبل تستدرجته فلا يصدها وتدلله فيستطيب دلالها.  
لم يفكر الناصر في الانتقام من الهامشي غير معروف الأصول الذي ورث البيت والسيدة ثم تدرّج في المراتب الاجتماعية حتى غدا إماما للعباد.  أفيكون ذلك خطأ الطلياني الذي أودى به إلى الانكسار وترسّب الخطأ في نفسه كالمرض يسري ولا رقيب ولا ينتبه له حتى آل إلى العجز؟
كان ذلك السر الأخير الذي آلت إليه الرواية.  والطلياني عاجز بين يدي ريم.  هذه المرأة الحسناء الجميلة التي أثارت شهوته فطاردها وعرف أخبارها ثم جاءته مطواعا تبذل نفسها مقابل دور في شريط.  هي رمز لجيل جديد جاء متسلقا لا هاجس له إلا بلوغ الشهرة والمجد عن طريق أسهل السبل.  مثلت ريم الجيل الذي أنجبته ولاية بن علي وما كان أصعب أن يتعاون الطلياني بكل ثقافته ومعرفته وأخلاقه وطموحه مع هذا الجيل أوأن يقذف بجزء منه فيه.  لذلك كان العجز وما أحسبه إلا تعففا عن جيل جديد من المتسلقين.  لقد كان إعراض الطلياني عفويا للاختلاف النوعي بين الجيلين وقام الطلياني عن ريم زاهدا في إغراءات هذا الجسد يحمل بذور الانتقام. 
نعم لم تستجب فحولة الطلياني للغوص في التفاهة التي مثلها الجيل الجديد وعاد ينتقم لجيله ويفضح من أرادوا به سوءا ويؤكد أن جيله ما كان يوما من المخترقين غير أن اللافت أن عجز الطلياني أمام ريم ساوقه موت الأب البيولوجي للطلياني ولكن موتا آخر صادفه وهويقوم عن علاقة حسية هي الأشهى عنده وبها كان أكثر احتفاء :علاقته بنجلاء.  وما قام عنها حتى جاءه نبأ وفاة الزعيم وفاة سياسية بعد الانقلاب. 
اقترن الموت بالحس مرتين في نّص الرواية وكان الطلياني يشرب نخب نجلاء حين وقع الانقلاب. فهل كان يشرب على نخب رحيل "الأسد الشارف" أم كان يتمتع بالحرية الوحيدة التي ظلّت مكفولة في عهد ذلك الأسد أم أنه كان يمارس قناعاته في الإصابة من ملذات الجسد بحساسية وفن وبلا غصب وكأن به حاسة سادسة تؤكد أن حتى جمال روح نجلاء وقناعاتها ستعرف هي الأخرى الفساد بعد أن تدور رحاه في كامل البلاد وتطحن كل العباد وتستدرج الأنثى المتحررة إلى مقاصير رجال السياسة المغلقة.

ورغم أن الطلياني أقبل على نجلاء وريم بحس المستميت في الإقبال على الملذات بذوق عال وفن ومعرفة 
إلا أنه كان يدرك منذ البداية أن علاقته بهما لن تكون إلا ظرفية محدودة طارئة.  وأن كلتيهما لم تكونا إلا هامشا من هوامش هذا الجيل أوذاك.  لذلك لم ينكر على نفسه الإقبال على غيرهما في علاقاته. ولقد تميّزت علاقته مع زينة البربرية المثقفة الجامعية التي لم يشأ أن تربطه بها علاقة لا شرعية وإن قرّ في نفسه للشرع معنى آخر غير ذلك المتعارف عليه. إذ لم يدن الطلياني إلا بدين المساعدة وقطع الطريق على الفساد بمختلف مظاهره ولما رأى زينة لا تستطيع أن تدرس وتدرّس معا إلا بموجب الزواج لم يبخل به عليها.  وبعد فليست زينة إلا ذلك الوجه الآخر للجيل الذي أنجبته الفترة البورقيبية.  هي نقيض نجلاء.  تفانت هذه في العناية بالحس وأهملته تلك حتى لنخال أنها هي عينها التي نعتها ذات يوما ساخرا " الرفيق بوك علي" ولئن حاولت أن تستفيد حينا من نصائح نجلاء إلا أنها سرعان ما كفت عن ذلك منصرفة إلى بحوثها ورغبتها في الالتحاق بالجامعة وصبر الطلياني وصابر وأينعت علاقته بها وبرعم الجنين في رحمها كالحلم.  وبدا لوهلة مولد النور الذي سيطهرهما من كل الأدران.  وتهيآ له اغتسالا قبل وأثناء الجماع ولكن الحلم لم يثمر ولم يزهر ولم تتدل عناقيده ووئد جنينا بسب رداءة الظروف الحافة. كل الظروف التي همشت البلاد.
قصة الجنس إذن في رواية الطلياني هي أيضا قصة الجيل الذي مثلته شخصية الطلياني. جيل ملاحق منذ بداية الاستقلال كتم خوفه حتى كاد يؤخذ به. وأصاب من لذائذه شذر مذر. ولكنه لم يجن من الملذات إلا السراب.  وقد تساوق الجنس والموت في الرواية تساوقا عجيبا حتى كأنهما يتناسلان. وشرب الطلياني نخب الانقلاب على بورقيبة.  ثم طار السكر وبقيت خيبة الرئيس الجديد فكان لزاما أن يكفّ الطلياني عن الشرب من الكأس نفسها وقد بان له أسنها ليتهيأ للانتقام ثم يتدارك أخطاء الجيل الذي مضى وإن من بعيد مهيئا بذلك الظروف للولادة الجديدة.


vendredi 1 mai 2015

أولاد أحمد...




العزيز أولاد أحمد،

أعرف أنّ التدرّب على معاشرة الألم مرهق ولكنك منتصر لا محالة على ذاك "المرض الأمّيّ" الذي تمكّن من الجسد النحيل.
أعلم أنّك أنت، شاعرنا الجميل، من يرفع معنويّاتنا ولست في حاجة إلينا إلاّ على سبيل الأنس والألفة. فقد واجهت، مذ بدأت تعيد للعلامات مداليلها وللكتابة فتنتها، ضروبا من الأمّيّة وألوانا من الأمراض التي تصيب منّا الروح إصابات بالغة.
ماذا نقول لك تعاطفا ومواساة أو ودّا ومحبّة خاصة؟ فأنت عندي تصوغ منذ عقود متنك في نقد المسلّمات من موضع يقع وراء اللياقة البدنيّة ولياقة المدلول الراسخ المطمئنّ إلى غبائه لذلك توهّجت منك الروح فأضاءت، ببساطة بديعة ووضوح فاتن، ما عتّمه سلطات اللّغة المتيبّسة والمعاني الوفاقيّة وسياسة قهر الخيال وتدجين الأجساد.
كيف تطلب البلاد شفاءك، بيمينها ويسارها وما بينهما من يمين مستديم، وهي التي تعاني الأسقام والآلام؟ عليك أنت أن تطلب شفاءنا وتسعى إليه مواصلا إنتاج فائض معنى الحرّيّة، مطلق الحرّيّة الأخّاذة الآسرة. فالقوم، كما ترى، ينتظرون أن تمنحهم الحياة فائض زيفها المعمّم وأوهامها المغرية. قل لهم قولا حسنا تطابق فيه الدوالُّ المدلولات ويوافق فيه المستحيلُ الممكنَ ليكون الواقع على صورة النفس الصافية.
لقد انتشر الثورجيّون الكاذبون في كلّ منعطف وعاد من فقدوا الحياء إلى عاداتهم القديمة. فعد إليهم بالنعال لتذكّر الناس ببسائط الأشياء وواضح المعاني.
لهذا وغيره نطلب شفاءك بكلّ أنانيّة الباحثين عمّا يشدّهم إلى الحياة وسخاء المحبّين المخلصين.
نطلب شفاءك لأنّك صوت نادر في جوقة البهتان المتفشّي كذاك المرض الأمّيّ.
نطلب شفاءك العاجل لأنّ نصّك ثروة وطنيّة ومدوّنة أساسيّة تقول بعض أحلامنا التي نتهجّاها متلعثمين أو ننساها لشدّة وطأة تفاصيل اليوميّ البائس على نفوسنا المتعبة.
نطلب شفاءك لأنّنا نحبّك، نفسا ونصّا، حبّا خالصا.