Follow by Email

samedi 2 mai 2015

الجنس حرية بديلة لجيل الانكسارات في رواية الطلياني


الغربي عمران
(محمد الغربي عمران  كاتب قصة قصيرة، روائي، وسياسي يمني، معروف بروايته المثيرة للجدل المصحف الأحمر)

يقدم لنا المبخوت المجتمع التونسي خلال سنوات حكم بورقيبة وحتى انقلاب بن علي وحكمه . من خلال عدة شخصيات يأتي على رأسها عبد الناصر (الطلياني) الحائزة حياته على الخط العام أو أنها رسالة الرواية إلى القارئ كنموذج للشباب التونسي في عهد بورقيبة وما يمثله مجتمع تونس اليوم . زينة أو (أنروز) وهو اسمها البربري الذي توارى وفق توجيهات بورقيبة المانعة للأسماء الغير عربية من التداول. 
ثم تأتي نجلاء .. وصلاح الدين .. وللا جنينة.. وسي عبد الحميد.. وسي محمود. وأسماء أخرى تأتي في المستوى الثالث والرابع من حيث الحضور والتأثير على سير أحداث الرواية.
فضاء العاصمة التونسية هو المكان حيث تنامت الأحداث وتصارعت الشخصيات وتفاعلت مع محيطها لتصنع لنا رؤية للمجتمع التونسي في تلك السنوات.
بداية الرواية هي نهايتها .. حيث سرت بلبلة بين من حضروا جنازة سي عبد الحميد والد عبد الناصر- أو الطلياني كما راج هذا الاسم الذي جاء نتيجة للونه المختلف عن بقية إخوانه ولشعره الأشقر ولون عينيه- لحظة اعتدائه بالرفس على إمام مسجد الحي الذي هبط القبر ليوسد والده . ولم يشاهد غير من كانوا محيطين حول فوهة القبر وهو يردد بغضب "يلعن دين والديك.. يامنافق.. يانذل.. ياساقط.. اخرج من غادي يانيك..." أبعدوه الناس مهتاجا.. وأخرجوا إمام المسجد الذي كان ينزف دما من أنفه .
تلك البداية الجاذبة لرواية شكري.. حين أبرز عدة لقطات أو مشاهد لتلك الحادثة .. مشهد الجنازة وما حدث فيها .. ثم مشهد أسرة الطليان وتباين وجهات النظر حول تصرفه "ولد الحرام لا ينتظر منه غير العيب!" هذا ما قالته أمه حين سمعت بما حدث . هكذا جعل الناس يتساءلون جاذبا القارئ للبحث حول أسباب تصرف الطلياني ذلك التصرف الغير أخلاقي في لحظات لا تحتمل غير الحزن واحترام مشاعر من حوله. 
وهكذا أبحر بنا المبخوت دون تقديم أي إجابة أو ما يدل على من مبرر لتصرف الطلياني الشين. ذاهبا في استعراض حياته منذ أن كان طفلا صغيرا.. راسما تلك العلاقات بينه وأخواته الإناث وأخوه صلاح الدين القادم من سويسرا حيث يقيم ويعمل . ومن هنا يختطف الكاتب القارئ في رحلة من الألاعيب الحكائية المشوقة حول فترات دراسة الطلياني الابتدائية وما يليها وتلك العلاقة المميزة مع أخوه صلاح.. ثم سنوات دراسته الثانوية والجامعية .. ونشاطه في أوساط الطلبة نقابيا وسياسيا .. وتلك العلاقات التي تنشأ على مدى تلك السنوات .. مسلطا الضوء على حياة المجتمع التونسي في أهم سنوات حكم بورقيبة .. وتوجهاتها وتلك الحركات السياسية التي تنشط سرا عبر طلبة الجامعة وتكويناتهم الشبابية وأطروحاتهم ومظاهراتهم واعتصاماتهم .. وما ينتج من صدامات مع أجهزة الأمن ومن صراعات فيما بينها.
في هذه الأثناء تبرز شخصية جديدة بين طلبة الجامعة(زينة) أو أنروز ابنه الريف التونسي الفقير .. تجيد الجدل والخطابة وطرح أفكارها بشكل مؤثر في أوساط الطلبة .. ليلتقي بها الطلياني بغية ضمها إلى تياره اليساري بتوجيهات من رئيسه .. تعجب بوسامته ويعجب بأفكارها .. ويتطور الإعجاب إلى علاقة حب عاصف.. ويستمر كل منهما لضم الآخر إلى اتجاهه.. ليقتنعا بأن تظل علاقتهما بعيدا عن الاستقطاب.. تستمر تلك العلاقة إلى الزواج السري.
علاقة الطلياني وزينة المحور المركزي للرواية .. بعد أن أبتعد بنا الكاتب عن الحدث الأول -الاعتداء على الإمام- ليدخلنا في دوامات حكائية متعددة وإن كانت علاقة الطلياني وزينة .. تتناسل بشكل متواصل إلى حكايات متصلة بشخصيات الأخرى للرواية.. وهكذا كلما ظهرت شخصية قدم لنا المبخوت حكاياتها وصلتها بالحكاية الجامعة أو المحورية .. لتتجمع تلك الحكايات على شكل خيوط بين يديه..مقدما لنا من خلالها نبض الشارع التونسي وتحولاته الاجتماعية والسياسية ونواحي أخرى من حياته .
فصلاح الدين وهو الأخ الأكبر لعبد الناصر(الطلياني) له حكاية وثيقة الصلة بمسار حكاية الطلياني .. فهو الأكثر تفوقا والداعم المادي لأخيه بعد أن غادر تونس وأستقر خارجها ليعمل هناك .. يقدمه الكاتب ومنذ طفولته الأولى كشاب مثالي ومتماسك وناجح ومتفوق في جميع مسارات حياته. في الوقت الذي يقدم لنا الطليان شاب متمرد تقوده غرائزه الدائمة للنساء والكحول .. منشغلا بنضاله اليساري لخلق مجتمع تسوده العدالة والمساواة على النهج الاشتراكي.
وزينة الطالبة المتفوقة في الجامعة والمناضلة في أوسط الطلبة من خلال خطبها ونقاشاتها الناقدة دائما للجميع.. والتي استشعرت بعض التنظيمات السياسية بخطورة نقدها ليقرروا تصفيتها .. وكان عبد الناصر من نبهها لذلك الخطر. 
ونجلاء صديقة زينة وعشيقة الطلياني سرا.. لها حكايتها.. وحكاية أخرى لسي عبد الحميد رئيس التحرير في صحيفة كبيرة حيث يعمل الطلياني محررا بها.
وهكذا هي حكايات بقية شخصيات الرواية من الراوي زميل عبد الناصر في السكن والدراسة الجامعية .. الذي جعله الروائي راو عليم من خلال زمالته لزينة من جهة ومعرفته ببقية الشخصيات.. إلا أن الكاتب وقع في خطأ فني ربما تنبه له بعد نشر الرواية .. حين أعطاه قدرات معرفة كل ما يدور بين شخصيات الرواية دون استثناء .. بينما هو راو مشارك لا يمكن أن أن يمتلك ذلك.. وقد ظهر ذلك الخلل الذي يجعل القارئ يتساءل حول الفرق بين العليم والمشارك وعدم مقدرة المشارك في معرفة ما يدور في أكثر من مكان في نفس الوقت الذي يكون هو في مكان محدد وقت تلك الأحداث والنقاشات المتعددة بين الشخصيات .. دون أن يكون مشاركا في تلك الأحداث أو متواجدا في تلك الأمكنة.
لم يكن لي كقارئ إلا أتابع القراءة على أكتشف أجوبة لتلك الأحداث التي تتوارد .. لأجد نفسي رويدا رويدا شريكا له في استكمال بعض ما يمكن أن نسميه ردم الفجوات الإبداعية التي رسمها الكاتب بمهارة. ففي ذلك الصراع الطلابي المحتدم بين تيارات العمل النقابي لطلاب الجامعة أجدني شريك .. وفي تلك العلاقات الملتبسة بين تلك التنظيمات وأجهزة القمع .. وذلك الصراع بين الشباب المتطلع لتغيير تلك القيم الاجتماعية والقواعد السياسية .. وتلك العلائق بين عالم الصحافة وعالم السياسة .. وزرع عشرات المخبرين .. وذلك الصراع الخفي بين صناع الرأي وأجهزة الدولة.. كل ذلك من خلال ما يعتمل في عقل الطلياني والذي يعمل ليل نهار على تحقيقه.. حين كان يؤمن بالحقيقة المجردة التي كان يحلم بتقديمها عبر مقالاته وما يحرره في تلك الصحيفة التي يعمل بها . وأمر آخر ذلك الطريق الذي يسلكه رئيس التحرير في إدارة الصحيفة والمسافة بين صانع الحدث في دوائر السلطة وصانع الخبر .
ولذلك يجد القارئ نفسه أما رواية مميزة من خلال ذلك الأسلوب الذي أتبعه الكاتب في الإمساك بأكثر من حكاية .. دون أن يفلت أحد خيوطها .. وقد أبرز مهاراته في ظفر تلك الخيوط ليقدم لنا هذا العمل في جديلة غاية في التشويق والإثارة .. محولا كل خيط إلى طعم يسعى القارئ للوصول إلى نهايته.. وفتح مغالقه ليفاجأ بأن تلك الحكايات لا يصله نهاياتها إلى ما يريده الكاتب.. مولدا منها حكايات أخرى.. 
ورغم تلك التشعبات وذلك الإسهاب الذي يثقل على القارئ إلا أن الكاتب قد أحكم حبكة روايته ليتوه بالقارئ وكأنه في رهان مع نفسه ألا يفلت أي قارئ بدأ من أول حدث ..أو يدع صفحاتها جانبا دون أن يكون له موعد متجدد حتى نهايتها.
وعند اقتراب الرحلة من نهايتها يبدأ الكاتب في فتح منديل أسرار الرواية.. لتأخذ بفتح أسرارها .. فهاهي الفتاة ريم تدير مؤخرتها للطلياني بدلا عن فرجها لتتداعى كل الأجوبة و أسباب ضرب الطلياني لإمام المسجد في لحظات دفن أبيه .. وقد أعادته ريم ومؤخرتها إلى محاولة إمام المسجد الاعتداء عليه صغيرا في أكثر من مرة . وهاهي زينة تتحدث عن اغتصاب طفولتها وسط ظلام دامس.. ولا تعرف من الفاعل غير أنها تشك في أبيها وأخيها . لتتابع كشف تلك الحكايات المغلقة التي أثرت على شخصيات الرواية وسير أحداثها.
وهاهو الكاتب يساعد القارئ على الخروج من الصراع النفسي الذي أدخله فيه من خلال صراع الطلياني مع نفسه ومع زوجته زينة التي انتهت معظمها إلى أجوبة مخيفة.. وهاهي حكاية الإمام وزواجه من للاجنينة تفضح المستور. وهاهم شباب المخدرات من صغار السن يتحولون إلى قطاع طرق ومجرمين .. لتبرز عصابات تهدد المارة .. ممن أهملوا من رعاية الدولة أو عنايتها.. لتنتشر تلك العصابات في ليل الشوارع باحثين عن فرائس وضحايا.
وهاهي كل الحكايات عارية في نهايات تقدم لنا مجتمع يسعى إلى التغيير نحو الأفضل .. بعد انقلاب بن علي على بورقيبة وحلول سلطويين جدد لا هم لهم إلا إحكام قبضتهم على المجتمع وتسليط أدواتهم عليه .
وهنا يقدم الكاتب الجنس والخيانة كغطاء لإخفاقات جيل بأكمله.. يعاني من التسلط وعدم الإفساح لطموحاته وآماله في حياة الحرية والعدالة والرخاء. 
يهيم الطلياني من بار إلى آخر طول لياليه باحثا عن طرائده من البنات دون توقف.. يعيش مع نجلاء صديقة زوجته لحظات حميمة في عدة أماكن وعلى فراشها .. ومع أخت زوجة أخيه حين زارهم خارج تونس ترافقه زينة .. ولم تتوقف تلك الخيانات.. ودوما تبدأ علاقات مع منيريد بالنظر إلى ما يحملنه من جوانب روحية وثقافية كما هي علاقته مع كل من صادفهن لتتبخر كل تلك الجوانب ويجده القارئ مناد إلى الجسد وإشباع تلك الغرائز الحيوانية.
ومثلما قدم لنا الكاتب الطلياني قدم نجلاء شابة تعيش حرة من أي ارتباط بعد فشل زواجها الأول .. وتصرح بأنها لا تفضل الارتباط مرة أخرى .. على قاعدة : بدلا من أن أكون امة لأحدهم لما لا يكون الجميع تحت رغبتي؟! ولم تعش نجلاء كما أرادت بل انتقلت بعد علاقتها بالطلياني إلى أفق جديد إلى بيع جسدها لمن يدفع أكثر. 
وها هي ريم لا تتأخر في تقديم جسدها ولو بطرق مختلفة لمن يطرق بابها دون إبطاء .. وها هي زينة تغادر تونس بعد أن أنهت زواجها السري من الطلياني لتعيش مع فرنسي مسن في باريس وفق هواها.
يقدم الكاتب الجنس والجوع إليه كغطاء لانكسارات جيل بأكمله .. جيل يعاني من التسلط وغياب العدالة . 
من ناحية فنية قدم لنا الكاتب نجلاء كنسخة متطابقة لزينة .. في لغتها ووعيها بما يحيطها.. في طرحها ونظرتها للعلاقة بين الرجل والأنثى.. زفي جوانب الحرية وقيم المساواة ... ولم يأتي بشخصية مختلفة عن شخصية صديقتها.. حتى أن سقوطها في عالم الرذيلة كان مشابها لحياة زينة في باريس رغم تلك المبادئ التي حملنها .
اتكأ الكاتب على أحداث ووقائع تاريخية وأسماء معروفة وأقترب في أسلوب رصد تاريخ تونس بما لا يختلف كثيرا عن علم التاريخ . ما يطرح سؤالا هل هذا العمل رواية سيرية دون الكاتب الكثير من حياته .. كأحد شخصيات الرواية. أو أنه أستعار أحد الشخصيات التي يعرف سيرة حياته ليقدمها لنا.
الرواية تنقل القارئ إلى أوساط مجتمع نابض بالحياة.. وتنجح في تقديمه كما هو.. ولذلك يعيش القارئ لحظات الصراع بين شخصياتها ليشعر بأنه جزء من ذلك.. فزينة وانشغالاتها المبالغ فيه بتحصيلها العلمي على حساب حياتها الاجتماعية والعاطفية .. والطلياني والإغراق في الجنس ينقلنا إلى واقع الشخصيات المريضة .. وسقوط نجلاء رغم ظهورها بمظهر المرأة الواعية بقيم السمو الإنساني في عالم الرذيلة. كذلك زواج للا جنينة من رجل عنين .. لتنغمس مع صبيان الأسر المحيطة بها في إشباع رغبتها.. وكان يمكنها أن تعيش حياتها خارج نطاق جيرانها.
رواية تميز الكاتب بتقديم المجتمع التونسي وان ابرز الجنس كعنصر مسير .. صحيح بأن الكاتب لم يقحمنا في ما صوف .. بل أن كل ذلك جاء في سياق طبيعي.. ما قدم لنا تلك الشخصيات كائنات مجني عليها.. في الوقت الذي لفت انتباهي ..هل ما عاشته شخصيات الرواية يقارب ما نعيشه . 
الرواية تستحق ما وصلت إليه -القائمة القصيرة للبوكر- وتستحق المركز الأول إذا ما قارناها بزميلاتها الخمس في القائمة القصيرة للبوكر.. مع ما لشوق الدراويش من تميز وإدهاش .. ولرواية لينا هويان من رصد تاريخي ممتع .


1 commentaire:

Lotfi Aïssa a dit…

لازلت أعتقد أن أرفع تقدير يمكن أن تحصل عليه مغامرة المبخوت الروائية لا ينبغي أن يزيد عن شكرنا الصادق له على دعوتنا إلى الكفّ وعبر تجاويف القصّ والحكاية من الخلط الأعمى بين تحرير الإنسان كفرد وتشغيل آليات الوصايةالمختفية بدهاء وراء ستائرالنضال السياسي والاجتماعي تونسيا وعربيا.
"لا أزال مصرّا على أن رواية شكري البخوت ترتقي إلى مستوى "التقريض العبثي لمفتعل الأفراح ومسترق، اللذات المتسلل من تجاويف مشاهد الحانات المعربدة والغرف المغلقة التي تغشاها روائح الانعاض وتعرّق الأجسادالمتلويّة من فرط الالتحام وتدفق صنابير الشهوة، لكي تفتح أعيننا على جسامة تكلّس فكر نخب يسار تونسيا وغربته المؤذنة بفساد مادته طوال عشرية ثمانيات القرن الماضي الحالكة.
كاماسوترا باذخة تذكّرنا بأجواء "ديكامرون" بوكاش و"ساتيركون" بيترون الفاجعة، تلك التي يندفع أبطالها تحت مفعول خوف مدمّر في طواف هستيري وجنوح ماجن إلى الهروب إلى الأمام حيث لا فكاك من السقوط في الهاوية.
رواية شكري المبخوت البكر تشريح مفزع بنكهة شبقية لسياقات انحدار يسار تونسي رث، لم يبرح الوقوف عند محطات لم تعد تصلها بقطار اللحاق بالتحضّر أية سكة."
تتمثل لحمة روايةالطلياني الحيّة من وجهة نظري الخاصة في ما اقترحته علينا من افتتاحيات صُحفية لم يكن من حقّنا قراءتها زمن تغول دولة الفكر الأعرج، ذلك أنبل أهدافهاالذي يجدر بأي جائزة مهما سمى شأوهاأن تنوّه حقيقة براسمه