Follow by Email

mercredi 25 mars 2015

“الطلياني” والفساد القاتل في الواقع العربي


قراءة في رواية “الطلياني” والفساد القاتل في الواقع العربي
فاطمة عطفة
جريدة رأي اليوم، 25 مارس 2015

رواية جميلة ومشوقة، يتمنى قارئها أن لا يتركها قبل أن ينتهي منها. ومن الجملة الأولى يطرح الكاتب مشكلة ارتكبها البطل، ساعة دفن والده، إذ يبدأ العمل الروائي بهذه المفاجأة الغريبة: “لم يفهم أحد من الحاضرين في المقبرة يومها لِمَ تصرّف عبد النّاصر بذلك الشكل العنيف، ولم يجدوا حتى في صدمة موت الحاج محمود سببًا مقنعًا”.
كانت الجنازة كبيرة احتراما لما تتمتع به عائلة الحاج الراحل من مكانة مرموقة في تونس العاصمة، وفيها رجال إعلام وسياسة وبعض الوزراء. وعبد الناصر، حين يدعوه خاله للوقوف مع المصلين، ينهره بحنق وامتعاض: “تعرف كما يعرفون أني لا أصلي ولا أصوم”. ونتصور أن هذا طرف من المشكلة، وليس جوهرها حيث انقض عبد الناصر على الإمام يضربه حتى أدماه، وهو يلحد أباه، لكن “لم يشهد الحادثة إلا من كان في الدوائر الأولى”. (ص 7)
الرواية مؤلفة من 12 فصلا، تبدأ بـ “الزقاق الأخير” وتنتهي بفصل “رأس الدرب”، وخلال هذا التصميم الدائري يتابع الراوي سيرة عائلة الحاج محمود، وزوجته الحديدية زينب، وابنيه: صلاح الدين الاقتصادي، المهاجر إلى سويسرا، وأخيه الأصغر عبد الناصر الملقب بالطلياني لأن ملامحه توحي بذلك، إضافة إلى ابنتين، لا يمر ذكرهما إلا لماما. والراوي صديق الطلياني، لكن الكاتب لا يكشف لنا اسمه. وتشكل الجامعة صورة مصغرة عن الجماعات الحزبية في تونس، من أقصى اليمين الإسلامي إلى أقصى اليسار الماركسي، مرورا بالوسط الليبرالي والاشتراكي. ويشكل بطل الرواية: عبد الناصر في الحقوق وزينة في الفلسفة أبرز ملامح هذه الصورة، وإن كانت سيطرة الإسلاميين وشبحهما المنذر  باستلام السلطة، رغم الملاحقات الأمنية لهم، أخطر ما تواجهه الحركة الطلابية والبلاد بوجه عام.
سأكتفي هنا بذكر لقب عبد الناصر (الطلياني) بدلا من اسمه المركب، أو باعتباره (البطل)، رغبة بالاختصار. وحين يقوم الإسلاميون بحركة إضراب واحتجاج قوية تؤدي إلى حملة اعتقالات، ويكون الطلياني وزينة من جملة المعتقلين خطأ. وفي المعتقل يستدعيه ضابط كبير ويعامله باحترام، ثم يخبره أنه كان من أبناء حارته وينظر إلى عائلته باحترام، وينصحه بأن يخفف من مواقفه الحادة ويؤكد له أنه غير مطلوب وكذلك زميلته زينة، ثم يتركه في المكتب منتظرا مع كومة من الصحف ويخرج مغلقا الباب وراءه بالمفتاح. لكن الطلياني لا يجد في الصحف ما يستحق ضياع الوقت، ويغريه مكتب الضابط المغلق فيقوم بتقليب الأوراق وفتح الأدراج بحثا عن الأسرار، ويفاجأ في أحد الملفات بتقارير عنه وعن غيره، فيضع أحدها في جيبه ويعود إلى مكانه بسرعة حين سمع حركة المفتاح في الباب، وعند الوداع ينصحه الضابط بأن يهتم بزينة. ويبدو أن الضابط خرج بقصد لكي يبرهن للبطل، بعد فترة، أن عين الأمن ساهرة وهم يعرفون كل شيء ويتغاضون كثيرا عن الحماقات الصغيرة، لأنه يكاشف عبد الناصر بسرقة الملف ويكتفي بلومه على ذلك!
أدت حادثة الاعتقال المؤقت إلى اقتران البطلين، ولكن بعقد صداق وليس بعقد زواج معلن أمام أهل زينة، بل يبقى الأمر سرا دون علمهم وهم في الريف البعيد، ويكون الشاهدان: أخت الطلياني الصغرى والراوي، إذ يقول: “كنت أنا شاهد زينة بطلب منهما. فهما لا يثقان في أحد، ثم إنني صديق طفولة الطلياني والمرافق الرسمي لزينة في الكلية”. (ص 121-122)
بدأ الطلياني يعمل بعد التخرج في الصحافة، وسرعان ما تألق في عمله، بينما تعمل زينة في التدريس وتتابع التحضير للدكتوراه. وفي أحد الأيام يكتب مقالة بعنوان “حقائق مذهلة قد تساعد على كشف المؤامرة”، وقبل نشرها يأخذ رأي رئيس التحرير سي عبد الحميد، وبعد أن اطلع “سيد الصحافيين في تونس على بعض الجمل قال له: “أين تظن نفسك في أمريكا.. في فرنسا.. من سيحميك؟”.
- “لكن لا شيء ضد الدولة في ما كتبت.. ومعلوماتي من مصادر عليمة..”.
- “لا تهم مصادرك.. هذه المعلومات ذات طابع أمني لا يحق لك استعمالها..”.
– “مصادري أمنية ثابتة. ألم تقل لي إن الصحفي الحقيقي هو الذي له صلات بالأمن دون أن يصبح واشيا؟”.
- “صحيح ولكن لكي تعرف اتجاهات الريح.. لا لكي تقف في مهب الريح عاريا.. الفرق كبير. أنت الأن من سيحميك؟”.
– “الصحفي يقول الحقيقة وينقل الخبر.. إنه تحقيق وليس مقال رأي”.
ابتسم سي عبد الحميد ابتسامة:
- “اسمع يابني.. الحقيقة في تونس لها مصدر واحد هو الدولة.. وهذه الأيام وزارة الداخلية هي الدولة.. والدولة هي الداخلية عندنا.. لم يطلب منك أحد أن تحل محل الوزير بن علي. له ثقة الزعيم فلا تشاركه في ما يعرفه. دعك من كذبة الحثيقة. ثم ما رأيك لو كانت مصادرك تريد أن تتلاعب بك؟”. وبعد فترة يحدث الانقلاب على بو رقيبة ويستلم زين العابدين بن علي الحكم، والجيل الشاب يستبشر خيرا لأن البيان الذي صدر كان مبشرا بالديمقراطية، لكن سرعان ما تتكشف الأمور.
وقبل الزواج تخبر زينة الطلياني أنها تعرضت في القرية لحالة اغتصاب ليلي دون أن تعرف الفاعل، ولم تخبر أحدا من أهلها، وقد تغاضى عبد الناصر عن هذا الموضوع أملا في أن يساعدها لتخفيف أثر هذه العقدة النفسية التي تعاني منها. لكن زواجهما ينتهي بالطلاق بعد موت أمها. وخلال زيارتها لأهلها مع صديقتها بصحبته ولم تخبر أحدا منهم بأنه زوجها، لكنهم تصوروا أنه زوج صديقتها، وقد آلم الطلياني هذا الاستهتار، ثم أجرت عملية إجهاض دون أن تخبره بذلك أيضا، وكان هذا كافيا لانفصالهما.
بعد الطلاق يغرق بالشراب والسهر واقتناص الملذات دون تمييز. ونكتشف سر المشكلة التي حدثت في البداية، حين يكشف الطلياني لصديقه الراوي أن الإمام حاول اغتصابه أكثر من مرة في طفولته، رغم أنه عنين ومتزوج ابنة الإمام السابق، لكن يحاول الاعتداء على الغلمان أملا في إنعاش رجولته عسى أن تتحسن علاقته بزوجته التي ملأت رائحتها الزنخة الحارة.

الروائي شكري المبخوت مهندس بارع في بناء عمله الروائي، وبراعة التوازن بين الخاص والعام، وهو يورد العديد من الأحداث التونسية بتواريخها المحددة. وقد بدأ الرواية من تصرف الطلياني، لكي يجعل القارئ يلهث مسرعا حتى ينتهي من قراءتها ويكتشف السر. وربما أجمل ما في هذا العمل أن الكاتب يترك الكثير لخيال القارئ حتى يستكمل الأحداث التي يعرفها أو سمع عنها، ولا بد أن يصاب القارئ بالصدمة من هول الفساد المستشري في الدولة، أي دولة، وخاصة من خلال ما يكشف رئيس التحرير للطلياني الذي يعمل معه في صحيفة رسمية. يقول الراوي: “باح عالم الصحافة والثقافة لعبد الناصر بأسراره كلها. أصبح يراه مارستانا كبيرا دمر نزلاءه بالأكاذيب والأوهام والخمرة والكبت والظطلة أحيانا. زال الفارق الكيفي بين حملة الأقلام والفكر وحملة الخناجر وباعة الخمر خلسة”. (ص 272). ويحسب للرواية معرفته العميقة بأحداث بلده سنة بسنة سواء بالحركة الطلابية أو العمالية، وجهاز الدولة الإداري وخاصة وتحديد المؤسسة الهيمنة صاحبة القرار.

mardi 24 mars 2015

"الطلياني" لشكري المبخوت: جملة آمنة نحو خاتمة محسوبة

"الطلياني"لشكري المبخوت..
جملة آمنة نحو خاتمة محسوبة



جريدة السفير بتاريخ 2015-03-14 
رواية «الطلياني» (دار التنوير)، المرشحة ضمن القائمة القصيرة للبوكر (2015)، باكورة التونسيّ «شكري المبخوت» سيرةٌ من وجهين:
الوجه الاول عرضٌ لحقبة مفصليّة من تاريخ تونس الحديث خلال الحقبة البورقيبية ومن ثمّ بدايات السياق المأساوي الذي سارت به البلاد إثر انقلاب «بن علي» الذي حوَّل الدولة إلى جهاز بوليسيّ. على سبيل المثال، يردف الراوي على لسان أحد شخوصه «لهذه البلاد قابلية للفتح والاخضاع. ركّبها القرطاجيون والوندال والرومان والفاتحون والشيعة والخوارج وبنو هلال والاتراك والاسبان والفرنسيون. توجعت قليلا ولكنها كانت تحتضنهم بصدر رحب. ورغم قشور المحافظة والتدين ظلت تمارس عهرها ولا تطلب إلا الستر. لقد فهم «بن علي» هذا واستوعب الدرس جيدا ولن يتركها إلا بالدم.. ص273».
أمّا الوجه الثاني فهو سيرة الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية إذ تربطهما علاقة حبّ وزواج فاشلة. «زينة» أستاذة الفلسفة اللامعة الآتية من الريف وعبد الناصر «الطلياني» بملامحه، والصحافي خريجُ كلّية الحقوق ذو الاصول البلديّة البرجوازية.
على أن الوجهين يحيلان بالضرورة على حال واحدة. الحال الذي نتجت من مآلات التجربة البورقيبية التحديثيّة لناحية الوصول بالبلاد الى انسداد في الأفق السياسي قبيل انقلاب «بن علي» وهي، في صورتها الضمنية، الحال ذاتها إذ أفضت بالعلاقة الحميمة بين «زينة» و «عبد الناصر» إلى الطلاق.
يشرّح السرد بدقة من خلال مسارات العلاقة المضطربة بين زينة وعبد الناصر جوانب مركزيّة من أوضاع تونس آنذاك لا سيما التشكلات السياسية والحزبية والطالبية ومناهج الرقابة والقمع التي وأدت إمكانيات الابداع، الصحافية على وجه التحديد، وأخلت البلاد لدوائر التفاهة والفساد «باح عالم الصحافة والثقافة لعبدالناصر بأسراره كلها. أصبح يراه مارستانا كبيرا دمر نزلاءه بالاكاذيب والاوهام والخمرة والكبت... زال الفارق الكيفي بين حملة الاقلام والفكر وحملة الخناجر وباعة الخردة خلسة ص272» .
وإلى ذلك فإن السرد في رواية المبخوت الأكاديميّ، الباحث والناقد في مجال الادب واللغة، يتّكئ في الاساس على تأويل سلوكيّات تينك الشخصيّتين المأزومتين والغارفتين ذاتيّا بإشكاليّتيهما. إنّها محاولة للبحث عن ملاذات نفسية آمنة تسمح باجتياز مطب ذاكرة بيتيّة طفولية قاسية عند الاثنين. إنه السرد الذي بقدر ما يرتكز على تشريح وتوصيف الاطارات الخارجيّة من حول الشخوص فإنّه يحيل مرارا وتكرارا على الدواخل إذ أراد لها الكاتب أن تبدو حتى في اللحظات الاكثر قربا في العلاقة كتلتين تستعصيان على رسم مربع آمن ومستدام للعلاقة.
يتداخل راوي القصّة، صديق «عبد الناصر» في سياق السرد مرات قليلة. وهو إلى وجوده في السياق السرديّ يبدو محايدا ويعطي الانطباع بكونه خارج السرد نهائيّا حتى ليمكن الاستغناء عنه.
في الخلاصة، نحن أمام سردٌ كلاسيكيّ سهل منبسط، لا يدع للقارئ مجالا لتكوين مناخات ذهنية يحفّزها الشغف من خارج البناءات الجدليّة المعروضة جيّدا في هذا النصّ لناحية الرؤية التفصيليّة إلى تونس. إنه النصّ الاكاديمي الجيد الذي يبتغي حمل القارئ بالجملة الآمنة إلى الخاتمة.



vendredi 20 mars 2015

"الطليانى" رواية تؤسّس للوعى بهويّة تونس



  بقلم   د. صلاح فضل  
 
جريدة "المصريّ اليوم"، بتاريخ 20/ 03/ 2015

فى إطار المعيار النقدى الذى اقترحته لتقييم الأعمال الروائية طبقاً لدرجة نجاحها فى «التمثيل الجمالى للحياة» نلمس مستويات هذا التمثيل فى الأعمال الإبداعية الجديدة، وأبرزها ما يؤسس للوعى بهوية الوطن، ويلتقط روح الشعب، ويجسد خواصه البشرية، على مستوى الفرد ومزاجه، والجماعة ونزوعها، فى لحظة تاريخية معينة، تستقطب رواسب ما سبقها، وتنبئ عن وعود مستقبلها، على أن تتدفق هذه الرؤية فى شرايين العمل الإبداعى خلال تصويره التخيلى أو الفانتازى لتيار الحياة بالواقع أو الرمز، دون أن تتعالى على القارئ المتمرس.
ومن يتذكر «عودة الروح» لتوفيق الحكيم مثلاً، أو «ثلاثية نجيب محفوظ»، يدرك دورهما فى بلورة الوعى الوطنى بالهوية المصرية، رواية «الطليان» التى خرج بها علينا أستاذ تونسى رصين هو شكرى المبخوت - دون سوابق سردية فيما أعلم - تقدم لنا نموذجاً بليغاً لهذا النوع من الأعمال الكبرى التى أخذت تؤسس لهويات أقاليم الوطن العربى، فقد سبق لى أن قرأت وعرضت لعشرات المبدعين والمبدعات الموهوبين فى تونس، لكنى لم أجد لديهم هذا البعد الرائد بنضج واكتمال.
لقد استطاع شكرى المبخوت أن يجمع إلى النبرة الصافية الإيقاع الصحيح فى توزيعه وتمثيله الجمالى للحياة هناك، كما تتراءى لراوٍ عليم تتعدد مواقعه وأصواته، فيندغم حيناً فى إحدى الشخصيات أو يطل على المشهد من سمائه القريبة، أو ينخرط فى تشريح نماذجه وكشف بواطنهم باعتباره صديقاً لهم، بما يجعل من السرد على تقليديته يتلبس بمذاق حداثى مراوغ، كأنه يتراوح بين الحضور والغياب بتوازن دقيق، على أن كثافة التحليل الثقافى فى السياسة والمجتمع والإشارات النافذة لجذور الأوضاع الراهنة زمن السرد - وهو نهاية الثمانينيات عند انقلاب بن على وتنحيته لبورقيبة، الزعيم التاريخى للبلاد، وصانع نهضتها الحديثة.
هذا التحليل لا يطغى على نبض العرق الإنسانى فى النماذج الروائية، حيث تلتف معظم خيوطها حول شخصية عبدالناصر، قائد الفصيل اليسارى فى حركة الطلاب الجامعية، قبل أن يصبح أكثر شباب الصحفيين نباهة وثقافة وقدرة على جذب زملائه، خاصة «زينة»، بنت عصر بورقيبة المتمردة على أصولها القروية المتواضعة، والمشبعة بكبرياء المهرة البربرية الجموح وفتنتها الطبيعية الغامرة، أما لماذا سمى عبدالناصر - وهو المولود فى ستينيات القرن الماضى إبان جيل الافتتان العربى بالزعيم المصرى رغم التباعد السياسى - لماذا سمى بالإيطالى فلأنه كان مختلفاً عن إخوته، فهو أجملهم وأقربهم إلى شكل الإيطاليين الذين كان سكان العاصمة التونسية يشاهدونهم قبل عصر الفضائيات فى قناة «الراى أونو» التى كانت تصلهم بسهولة وتدس فى سريرة كل منهم نماذج الحياة الأوروبية فى الملبس والسلوك المتحرر الجرىء.

المواقف المسنونة
تنتصب فى الرواية عدة مواقف ناتئة مسنونة تمثل الشواهد الكبرى على إيقاعها المضبوط، أولها يأتى فى مفتتح فضائحى صارخ، حيث يصاب حضور جنازة الحاج محمود - والد عبدالناصر وأخيه الأكبر صلاح الدين الباحث الجامعى المرموق والخبير الدولى فى المؤسسات المالية - يصابون بالذهول بعد أن أقيمت صلاة الجنازة فى الباحة الواسعة الملحقة بالمقبرة، وتقدم الإمام علالة الدرويش ليتسلم الجثة كى يودعها القبر، فإذا بعبدالناصر يهجم عليه بشكل هستيرى ليضربه بالحذاء ويسبه ويلعنه فى نوبة هياج عارم ليمنعه من تدنيس الجثمان الطاهر.
يتعالى الصخب وتختلط الأصوات ويعجل الحاضرون بدفن الشيخ وينصرف الجميع، بمن فيهم كبار القوم، دون تقديم واجب العزاء لأهل الميت الذين ارتبكوا ولم يصطفوا لتقبله، يلتزم الجميع الصمت وهم يستنكرون ما فعله عبدالناصر الذى يخر فاقداً للوعى، ويتعين على القارئ أن ينتظر لنهاية الرواية حتى يفهم بواعث عبدالناصر لهذا الهياج الاضطرارى الذى يمثل ذروة أزمته الوجودية مع رمز التحلل والفساد والنفاق الاجتماعى الرخيص، مع بقايا الجروح الغائرة فى أعماق وجدانه فى ثأره الشخصى من الإمام المعتوه وزوجته العجيبة «للاجنينة»، الوحيدة التى فهمت الموقف حينئذ وعلقت قائلة: «عبدالناصر على حق، ولو كنت مكانه لفعلت أكثر مما فعل».
هذا الإبهام الذى يظل معلقاً فى نفس القارئ طيلة العمل يمد خيوط الفضول ليغلق الدائرة فى الختام المقنع المشبع، مما يجعل الرواية ذات بنية دائرية، تتخللها معالم ومسارب أخرى فاصلة فى تشكيلة تقنية مورقة وممتعة.
أما المشهد السينمائى الثانى فيقع قبل ذلك بعامين، فى ساحة كلية الآداب بجامعة منوبة بتونس، حيث كان التجاذب الطريف بين عبدالناصر، زعيم اليساريين المحترف، وزينة، زهرة المناضلات الحرائر قد قادهما إلى لقاء عضوى فى قلب معركة دبرها الأمن ليتخلص من طلبة الجماعات الإسلامية المتربصين بالجامعة لإغراقها فى الاضطراب السياسى، ولأن أتباع الأمن، أو الأعوان، كما يسميهم الكاتب، يأخذون العاطل بالباطل عادة، فقد انهالوا على الرفيقين مع الآخرين ضربا بالهراوات.
لم يجد الفتى بدا من أن يرتمى على زميلته ليحميها، «حيث وضع يديه على رأسه منبطحاً فوقها، غطى رأسها برأسه وهو يصرخ ويسب ويلعن، رأت قطرات من الدم تنسال عليها، عادت معه واعية إلى الحلم، أخذت تقبله من الرقبة ثم جذبته إليها وغرقا فى عناق أنساهما أوجاع الضرب، أخذ الأعوان ينعتونها بالعهر ويهددونها بالاغتصاب والقتل، خرج العميد من مكتبه وصرخ فى رجال الأمن كى يتركوا الطلاب ويغادروا الجامعة، امتثلت الشرطة وتركت الطالبة، لكنهم اعتقلوا الطالب الذى ما لبث أن أفرج عنه الضابط المختص الذى تصادف أن كان من أهل حيه بعد أن حاول تجنيده ليعاونه فى مقاومة الطلاب الإسلاميين.
ينبثق بين الرفيقين عشق عارم منذ تلك اللحظة، تبوح له زينة بمواجعها الغائرة، تتخرج فى الجامعة قبله لأنه كان حريصاً على الرسوب الاختيارى ليظل قائداً للتنظيم، تتقدم لإعداد ملفها للتدريس فى التعليم الثانوى، لا تسلم لها وزارة الداخلية البطاقة رقم ٣ الضرورية للعمل لأنها نقابية وناشطة سياسية تشارك فى الاجتماعات العامة.
تلجأ للسلطات الجامعية حتى تصل إلى وزير التعليم دون أن تقوى أى جهة على عصيان التوجيهات، «حرارة خانقة هذا الصيف كما لم تشهدها البلاد من قبل، مظاهرات تكاد تكون يومية، اعتقالات هنا وهناك، احتد الصراع بين أجنحة القصر، لا حديث إلا عن خلافة الزعيم المجاهد الأكبر الذى لم تبق له سوى هيبة أسد سجين»، يلجأ عبدالناصر لجاره ضابط الأمن الذى كان يحتفظ بملفات الطلاب، هو وحده الذى استطاع منحها استمارة رقم ٣ لأنه يعرف نجابتها وتفوقها، ولا يمكن للأمن أن يقتل الأذكياء من أبناء الجامعة ويحرم منهم مستقبل البلاد.

هنا يبث الكاتب فى ثنايا متابعته الشيقة لقصة هذه العلاقة تحليلات عميقة للأوضاع السياسية والاجتماعية، وتعبر زينة التى اقترنت بعبدالناصر بنظام الصداق دون الزواج، ولا يشرح الكاتب الفرق بينهما - عن وضعية المرأة التونسية التى تعيش بين سجنين هما البيت والشارع، الأول يعمره سجان بليد لا تنتهى طلباته، طفل صغير دللته أمه، والثانى يعمره السفلة المتحرشون من الرجال فى الشوارع، كانت ترى أن المجتمع التونسى برمته طارد لكل الأذكياء من أبنائه، محبط لطموحهم المعرفى والإنسانى، ودافع لهم للهجرة إلى الشمال الأوروبى.

بلورة الوعى
لا نستطيع أن ندرك أبعاد ما يحدث فى تونس اليوم دون أن نتأمل حوارات الشخوص الروائية، مثل قول سى عبدالحميد، رئيس تحرير الصحيفة الرسمية الفرنسية، التى التحق بها المحرر الشاب، «نحتاج إلى سنوات من الصراع والدماء المهدورة حتى يعرف الإسلاميون ما معنى الدولة، سيذهب الكثيرون بين الأرجل فى لعبة السلطة.. خذ تاريخ البلاد، ذهبت فرنسا فبنى بورقيبة الدولة من بقايا ما وجده، لم يسيطر بقوة السلاح، بل بقوة الدولة وإرادتها، مر بجميع الأزمات من اليوسفيين إلى القوسيين والماركسيين، ونحن الآن منذ الثورة الإيرانية فى مرحلة الإسلاميين» فيرد عليه عبدالناصر الثورى «لكن الظروف تتغير، سياسة الإصلاح الهيكلى أدت إلى كوارث، الدولة تكاد تفلس بتوجيهات البنك الدولى وصندوق النقد.

الوضع كارثى يمكن أن ينفجر فى أى لحظة، وهذا ما يعطى للإسلاميين فرصة الركوب على الحال الثورية، كانت تونس حينئذ تعيش لحظة انتظار انقلاب بن على الذى أجل المد الثورى نيفا وعشرين عاماً بقبضته البوليسية الحديدية، لكن رد الصحفى العجوز يدفع هذه الجماعات المتربصة بالثورة «هؤلاء الإسلاميون ليسوا أبناء مجتمعنا، إنهم امتداد لتنظيم عالمى وراءه أموال كثيرة من أجل ضرب الأنموذج التونسى».. إنهم يكرهون حداثة بورقيبة ومجلة الأحوال الشخصية ومكاسب نسائنا.
أنسيت أنهم أبناء حسن البنا وسيد قطب والمودودى ولا صلة تربطهم بخير الدين والحداد والشابى وابن عاشور.. خليط من إخوان مصر ووهابية ابن باز وحاكمية الخومينى»، ومع أن هذه الكتابة تتم الآن بأثر رجعى، تنسب فى الظاهر لوعى الشخوص نهاية الثمانينيات بينما هى وليدة التجربة التاريخية بعد ثورة الياسمين التونسية وفشل النهضة فى احتواء السلطة واستمرار تربصه وكرهه للنموذج التونسى الحداثى فإن ما تزرعه فى وجدان القارئ المحلى من ناحية وما تبلوره فى وعى القارئ الأدبى يبرز ملامح الهوية الوطنية فى السياسة والاجتماع، فى الفن والحياة، فى المشاعر وحالات النزق.
وهنا لابد من الإشارة إلى الموقف المسنون الرابع الذى تجلى فيه وعى المرأة التونسية وإصرارها على فضح من يبتزها رغماً عنها، منزهة وهى تعد بإصرار عنيد أبحاثها وامتحاناتها للدخول فى سلك التعليم الجامعى يشهد لها الجميع بالكفاءة والجدارة تفاجأ برسوبها لأنها رفضت تحرش الأستاذ المشرف عليها ومراودته لها، لم تفعل ذلك لمجرد وفائها لرفيق مسكنها بل احتراماً لذاتها، فقد كانت تتبادل الإعجاب مع أستاذ آخر فرنسى لم تلبث أن هجرت عبدالناصر للالتحاق به والعيش معه، واجهت الأستاذ بعنف شديد وفضحته علناً فى مشهد مدوٍ ولم يغير من النتيجة شيئاً على إدراك الجميع لصدقها فى إدانته.

أما عبدالناصر فقد وقع فى براثن الحياة الفوضوية والعبث والنزق بعد هجر زينة له، وأخذ يتذكر جرحه الغائر منذ صباه، عندما حاول الصبى «علالة الدرويش» الذى أصبح إماماً فيما بعد، تجريب ذكورته المحبطة فيه، ودأبت زوجته اللعوب «للاجنينة» على إشباع أنوثتها باستغلال طاقته الحيوية فى صباه الباكر، ظل هذا الإمام مدنساً فى وعى عبدالناصر فلم يطق مشهد قيامه بدفن أبيه لبعده الشديد عن قداسة ما يمثله الدين، فاتضح فى الصفحات الأخيرة بطريقة درامية محكمة سر المشهد الصارخ فى مطلع الرواية، وتبلورت رؤية الكاتب فى تمثيل مفاصل الحياة التونسية وتجسيد الوعى الشعرى العميق بها فى سردية بالغة الرهافة والجمال.


jeudi 19 mars 2015

لتونسي شكري المبخوت: انصعت للرواية واكتشفت قرّاء لا يقلّون أهميّة عن المختصّين

بعدسة رياض القرفالي
رؤى الحجيري
"الجريدة" الكويتية،
«الطلياني»، باكورة كاتبها، فرضت نفسها نتاجاً روائياً لافتاً في فورة سردية يشهدها المجال العربي يتعالق عبرها مع قضاياه السابقة والراهنة. 
«الطلياني»، رواية الهويّتين الفرديّة والجماعيّة متضمنةً سرديّة «تونس الجميلة»، حاضنٌ لم يضحِ بالفني انتصاراً للحدث أو الهاجس أو الغاية، بل رصد واقع الأمس (أواخر حكم برقيبة وأوائل حكم بن علي) ومن ثمّ مشهد اليوم، وغال خلف شخصيات وحبكات صانعاً شكلاً تعبيرياً منفلتاً من القيود وصارماً دقيقاً في آن، حتى تخال أن الرواية طالما شغلت الحيز الأكبر من اهتمامات الباحث والجامعي ورؤاه. 
د. شكري المبخوت المعروف بأبحاثه الأكاديمية في تونس، هو في العالم العربي اليوم الروائي صاحب «الطلياني»، لا سيما أنها وصلت إلى قائمة "الـبوكرّ القصيرة. معه الحوار التالي.

كيف ترى ترشيح باكورة إنتاجك الروائي «الطلياني» لـ"البوكر»؟

الترشيح هو في حدّ ذاته ضرب من الاعتراف الأدبيّ. أشعر أحياناً بأنّ الحديث عن «الطلياني» على أنّه أوّل عمل ورغم ذلك يصل في جائزة محترمة مثل الـ{بوكر» إلى القائمة القصيرة يثير لدى البعض شيئاً من الاستغراب ممزوجاً بالإعجاب. لكنّني لا أرى كتابة الرواية سلسلة من التمارين كلّما كثّفنا منها توصّلنا إلى كتابة نصّ جيّد. هكذا هي النصوص لكلّ منها حكايته وفتنته ومساره ومصيره. و"الطلياني» لفت الانتباه وشدّ القرّاء.
كتبت في اختصاصي العلميّ بحوثاً معروفة لدى المختصّين، وترجمت عدداً من الكتب. لكنّ الرواية جعلتني أكتشف قرّاء آخرين لا يقلّون أهمّيّة عن المختصّين.

بعد مرحلة لافتة من العمل الأكاديمي والصحفي، لماذا لجأت إلى الكتابة الروائية؟

لم أختر الرواية... لم يكن الأمر قراراً منّي. فرضت عليّ الرواية نفسها فانصعت راضياً مرضيّاً. وحين أستعيد تلك اللحظات الأولى التي انبثقت فيها «الطلياني» وتدفّقت كالسيل الهادر أفهم بعض الفهم ما وقع. كان جنس الرواية هو الوحيد القادر على استيعاب ما كان يشغلني من هواجس وتخوّفات بما يتيحه من مساحات واسعة وحرّيّة في التعبير عن التناقض والصراع وتفهّم الواقع بإعادة بنائه بالخيال. حينها اكتشفت عمليّاً في خضمّ الممارسة التخييليّة ما كنت أعرفه أكاديميّاً بصورة غائمة. ليست المسألة مراحل نتدرّج فيها بين أجناس الكتابة، بل هي في تصوّري هواجس وألوان من الحيرة الفكريّة تفرض اختيار هذه الصيغة أو تلك ممّا تتيحه أنماط الكتابة.

هل وصولك الى القائمة القصيرة سيجعل كتابة الرواية أكثر صعوبة عليك في المرحلة المقبلة، من بوابة «تجاوز الرواية الأولى»؟

ممكن، لا أعرف... ولكن لكلّ رواية شروطها وأسلوبها وفنّيّاتها. أرى أنّ هذه مشكلة القرّاء أكثر منها مشكلة الكاتب. مباشرة بعد «الطلياني» انكببت على رواية أخرى مختلفة في طريقة سردها وخصائصها. وأجد فيها شخصيّاً جماليّة مختلفة وأجواء روائيّة مغايرة. لكنّ كيف سيتقبّلها القرّاء؟ لا أدري! أرجو أن يكون قدرها مناسباً للجهد المبذول في كتابتها.

التحوّل السياسي في تونس، كيف أثَّر في روايتك؟

أثره عميق جدّاً. عشنا في أشهر قليلة بعد الثورة وإلى الآن ما يتطلّب جيلاً كاملاً أو أكثر لفهمه والإحساس به. مواقف وتصوّرات وصراعات وتحوّلات مذهلة. كلّ يوم يظهر سلوك جديد أو رأي غريب وتبرز مخاوف جديدة من الحاضر ومن الآتي.
تهاوت يقينيّات كثيرة كقشور الطلاء لتكشف أعوارنا وروعتنا كشعب لا يحبّ أن يعترف بأنه مزيج متفجّر من التحرّر والمحافظة إلى حد التزمّت، ومن الانغراس سلوكاً وتفكيراً في الحداثة الكونيّة مع أفكار أكل عليها الدهر وشرب ولكنّها مستحكمة فينا. و{الطلياني» بعض من هذه الإشكالات التي قلتها بلغة التخييل وبشخصيّات متوتّرة موجوعة مطعونة في الصميم مهزومة لكنّها توّاقة إلى الحريّة.

هل تعتبر أن نقد السياسة في الرواية يؤثر سلباً على تلقّيها، خصوصاً أنك تركّز على انتقاد الأيديولوجيا اليسارية وغيرها؟

 لم ألحظ ذلك في ردود فعل القرّاء بل سمعت منهم وقرأت في ما كُتب انبهاراً بجرأة الرواية في نقد أكاذيب السياسة وأوهام الأيديولوجيا اليساريّة وغير اليساريّة.
أعتقد أنّ حرّيّة الأفراد أهمّ من الأيديولوجيّات ونقد الأوهام ضروريّ لمثل هذه الحرّيّة. واليسار ليس فكرة مجرّدة إنّه شخوص ومصالح ومسارات فرديّة وأحلام ينبغي أن ننظر إليها في سياقها وفي وضعيّات محدّدة من الحياة اليوميّة. لم يعد اليساريّ، كغيره من حملة الأيديولوجيّات، كائناً مثاليّاً نمطيّاً بل هو في «الطلياني» إنسان مثل بقيّة الخلق بتميّزه وأوجاعه. فمثل هذه التصوّرات خاطئة تكذّبها الوقائع إذا نظرنا إليها نظرة إنسانيّة. ما يهمّني هو الإنسان أما الأيديولوجيّات تاريخيّاً ومعرفيّاً فإلى زوال.

 اسم بطل الرواية «الطلياني» وملامحه خليط بين الأندلسية والتركية، هل تشير بذلك إلى هوية جديدة هجينة في العالم؟

 هذه بعض خصائص فسيفساء بلدي الثقافيّة والأجناسيّة، فسيفساء رائعة. في الرواية أيضاً «زينة» البربريّة والمطبخ اليهوديّ والمعمّر الفرنسيّ الذي ترك أثراً، وغير ذلك. لكنّني أرى بلادي وليدة هذا التهجين مع عبقريّة خاصّة في وسم الوافدين عليها كلهم بميسم خاصّ من القرطاجيّين الذين جاؤوا من لبنان إلى بقيّة الغزاة، وصولاً إلى الفاتحين العرب الذي نشروا الإسلام وقبائل الهلاليّين الذين زحفوا عليها فخرّبوها لكنهم عرّبوها نهائيّاً. هؤلاء كلهم كانت تونس تستوعبهم وتصهرهم لتصنع منهم شيئاً جديداً تغتني به هوّيّتها. إنّها في قلب المتوسّط تجمع الرياح لتحوّلها إلى طاقة حضاريّة خلاّقة استثنائيّة.
المشكلة أنّ ذاكرة التونسيّين مثقلة، وفي الآن نفسه مصابة بداء النسيان، ومن دور السرد الغوص في هذه الطبقات وتحرير الذاكرة الجماعيّة من قيود الانتماء المبهم. نعم «الطلياني» بوجه من الوجوه رواية الهوّيّة الفرديّة والهوّيّة الجماعيّة وفيها جانب من سرديّة «تونس الجميلة» كما أسماها الشابي.

ما رأيك بتوصيف أحد النقاد لروايتك بأنها «كاماسوترا» بنكهة يسارية؟

تعبير جميل حقّاً من باحث مثقّف وقارئ للرواية فطن هو الصديق المؤرّخ لطفي عيسى. وعبارته عندي وجه من وجوه هذا التهجين الثقافيّ. لكنّ اللحظات الإيروسيّة في النصّ لم تكن من باب الزينة والتشويق إنّها تكشف في ظنّي جوانب من النفاق المعمّم وعذابات الجسد المقموع وأشكال التنكيل بالروح في ثقافة تخنق العادات والتقاليد والموروث، فيها قدرة الناس على الذهاب بعيداً في رسم مصائرهم.
استغربت ألاّ يرى هذا أحد الذين كتبوا على عجل نصّاً «نقديّاً» يتحدّث فيه عن «البورنوغرافيا» وهو لا يفهم معنى الكلمة. لم ير صلة المشاهد التي يحضر فيها الجسد بعذاب الشخصيّات وبحثها المحموم عن ذاتها. فسقفُ قمع الجسد في ثقافتنا مرتفعٌ جدّاً حتى أصبح كلّ حديث واقعيّ يرى فيها بكثير من النفاق والطهرانيّة الكاذبة «بورنوغرافيا»، حتّى لكأنّ كتابة البورنوغرافيا أمر سهل أو متاح لأيّ كان.
أين نحن ممّا نجده لدى أسلافنا من التيفاشي والشيخ النفزاوي، بل حتّى من أخبار وحكايات لدى أعلام النثر القديم مثل الجاحظ والتوحيديّ وغيرهم، من دون أن ننسى «ألف ليلة وليلة». الجهل بتاريخ الثقافة العربيّة الإسلاميّة إذا امتزج بسياسة النعامة وعدم إدراك الواقع كما هو في تعقيداته لا يؤدّي إلاّ إلى مثل ردود الفعل العاجزة عن فهم كنه النصوص.
 حول روايتك كتب أحد الكتَّاب: «نعم فهذه الرواية قد «قرأتني» شأنها في هذا شأن عدد محدود جداً ونادر جداً من الروايات الجيدة التي يتصفحها القارئ، فإذا بها تفرض عليه من حيث يدري أو لا يدري أن يخضع لأوامر فتنة أسلوبها ولذة»... هذه الملكة لديك، هل هي الموهبة أم نتيجة عملك الأكاديمي؟

لا أعرف هكذا أنا، وهكذا خلقت الرواية. وبالفعل لم يهتمّ أحد بعد، ربّما لصعوبة المهمّة ودقّتها، بأسلوب الحكي وفنّياته. ما هو ثابت أنّنا نستطيع تطوير مواهبنا بالاشتغال عليها. ولكن في جميع الحالات ينبغي أن تكون موجودة. إلا أن المعرفة الأكاديميّة لا تنفع كثيراً في كتابة الرواية إلاّ من جهة الصرامة والدقّة، فالرواية معمار يتطلّب دربة وصبراً وتفانياً. وهذه المواصفات نجدها في البحث الأكاديميّ.

هل ترى شروطاً بعينها «تصنع» الروائي الناجح؟

 لا أدري، سؤالك صعب. لم أفكّر في المسألة ولا أظنّ أنه توجد مثل هذه الشروط. هكذا أجيب بعفويّة... لا أعرف.

كيف تقيِّم الرواية التونسية كأكاديمي؟

لا أحبّ أن أقيّمها أكاديميّاً. ولكنّني أشير إلى أنّها تتضمن، في السنوات الأخيرة خصوصاً، نصوصاً رائعة متميّزة ما زالت لا تمثّل كمّياً رصيداً كبيراً ولا تمثّل حركة أدبيّة ذات معالم وسمات. والأسباب عدة يطول شرحها، وعلى رأسها النشر والتوزيع وعادات القراءة وضعف المؤسّسة الأدبيّة في بلادنا بسبب سياسة ثقافيّة فاشلة، بل كانت لسنوات عدة مدمّرة للإبداع محقّرة للكتّاب.

هل أثَّر الفضاء الافتراضي في كتابتك وكيف تنظر إليه عموماً؟

ما زلت في علاقتي بالمعرفة الأدبيّة تقليديّاً. أدخل العالم الافتراضي كبقيّة الناس ولكنّ وعيي لا يزال غير رقميّ. أحب القلم والورق وأتعامل مع لوحة المفاتيح كأداة سريعة ومع شاشة الحاسوب كحامل وليس كمنطق مختلف عن منطق المكتوب. لكنّني لا أنكر وجود محاولات في الكتابة الرقميّة جديرة بالمتابعة وإن لم تصل بعد إلى مراتب عالية من الإبداع. قد تكون كتابة المستقبل ولكنّه مستقبل لا يزال غامضاً. لا أرفض أيّ جديد، بل على العكس أنتبه إليه في انتظار الاستثناء الجميل الذي قد يظهر.

قلتَ في مقابلة إنك شاركت في لجان تحكيم أدبية، من هذا المنطلق كيف تقيِّم لجنة تحكيم جائزة البوكر نفسها؟

لا أحبّ الحديث عن لجنة رُشّح لها كتابي. هذه مسألة أخلاقيّة بالنسبة إليّ. كتبت بحثاً حول الجوائز الأدبيّة العربيّة لم أنشره للسبب نفسه بعنوان «الجوائز الأدبيّة العربيّة: من منطق الغنيمة إلى منطق التنمية الثقافيّة». الأمر الوحيد الذي أذكره عموماً أنّ الناس لم يفهموا بعد دور الجوائز عموماً في بناء المؤسّسة الأدبيّة لأنّ الغنيمة عندهم، أي المكافأة الماليّة ومن ورائها المجد الشخصيّ، تغلب في النظر إليها.

كيف تقرأ مقال بروين حبيب رداً على منتقدي لجنة التحكيم؟

بقطع النظر عن رأيها الذي عبّرت عنه ولا أتحدّث فيه للسبب نفسه الذي ذكرته إجابة عن سؤالك السابق، أشير إلى أنّه لا توجد جائزة أو لجنة لا تصوّب نحوها نيران النقد مهما فعلت. جائزة «نوبل للأدب» نفسها ألصقت بها تهم عدة. لكنّ الثابت أنّ من حصلوا عليها هم أدباء كبار في غالبيتهم متميّزون. إلا أن ما يزيد الأمر تعقيداً وجود سوابق في عدم النزاهة داخل لجان كثيرة هنا وهناك في عالمنا العربيّ على الأقلّ. أتذكرين أحد النقّاد كيف روى أنّه مكّن أديباً من الحصول على إحدى الجوائز ثمّ اقتسم معه قيمتها الماليّة؟ فالخلافات حول التقييمات الفنّيّة والنقاشات الأدبيّة الرصينة لا ينبغي لها أن تنقلب تشكيكاً في المفهوم الأصيل للجوائز ودورها في المنظومة الأدبيّة.


"الطلياني".. رواية تبعثر الأيام لتنظم الأمكنة




 كمال حمدي
صحيفة "عكاظ"، الثلاثاء 17 مارس 2015
من بين 180 رواية صدرت العام الماضي لروائيين من 15 بلدا عربيا، تم اختيار رواية «الطلياني» للدكتور شكري المبخوت ضمن القائمة القصيرة للروايات الست المرشحة لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية 2015.
ولقد جاء في تقديم هذه الرواية أنها رحلة في حياة طالب جامعي كان يساريا فاعلا وشاهدا في الجامعة التونسية وخارجها على أحلام أجيال تنازعتها طموحات وانتكاسات وانكسارات في سياق صراع سياسي طاحن وفي سياق تحولات قيمية خلخلت بنيان المجتمع التونسي.
والرواية كما هو واضح جاءت كلها في أسلوب سردي متدفق تدور أحداثها حول عبدالناصر الطلياني، ذلك الشاب الذي يختلف بملامحه الأندلسية التركية عن والده الحاج محمود الذي يعرف بورعه وتقواه.
تتمحور أحداث الرواية حول لغز اعتداء فاضح في المقبرة استهدف به عبدالناصر المكنى بـ «الطلياني» (أي الشخص المنسوب إلى إيطاليا) جارهم الإمام الشيخ علالة. وقد وقعت الحادثة سنة 1990 أمام المعزين خلال موكب دفن والده الحاج محمود.
والرواية في مشاهدها المختلفة تكاد تكون مخططات مكتملة لسيناريوهات سينمائية فيها كل ما تقتضيه من حبكة وتشويق وتفصيلات مفيدة في بيان الوضعيات والنفسيات وما يستلزمه من حوار متماسك مركز إضافة إلى طرافة الشخصية الرئيسة في الرواية عبدالناصر الطلياني المحببة إلى القارئ الصلبة حينا والهشة أحيانا أخرى بانكساراتها وخيباتها أيضا كما نجد بعض الشخصيات الأخرى الاستثنائية في المتن الروائي العربي وحتى غير العربي خصوصا زينة الطالبة اليسارية التي تزوجها البطل لفترة قصيرة قبل أن تهجره.
الطلياني رواية شاب تونسي أراد الحرية فوجد نفسه مكبلا بكوابيس الواقع وانسداد الآفاق وضغط الذاكرة، وهي في كل ذلك رواية ترسم ملامح مخاتلة لسيرة شاب بحث عن قيمة الحب النقي فوجد نفسه أسير عطور متنافرة لأجساد نساء كثيرات.
شخصيات الطلياني تلتقي في الذاكرة المتناثرة لهويات متمردة حينا مترددة أحيانا، وهي من هذا المنطلق تبرز المسافة بين الأحلام المجنحة والوقائع العنيدة وتبين من ناحية أخرى أبعادا من مضايق اليسار التونسي وإخفاقه ومن مأزق مجتمع متأزم؛ لذلك جاءت «الطلياني» حكاية أبطال بلا بطولات ورواية للخيبة المعممة والانكسارات المتتالية.
اعتبر الكاتب شكري الباصومي رواية «الطلياني» رواية الانكسارات بامتياز، فعبد الناصر وزينة اليساريان القويان الحالمان افترقا وتحطمت أحلامهما على واقع لا يمتلكانه، ومثلما انتقدت زينة اليسارية اليساري عبدالناصر قبل طلاقهما ساخرة: «مناضل طبقي وزعيم طلابي يأكل جراد البحر ويعيش عيشة البورجوازية».

لم يكن الانكسار والأحلام المغتصبة حكرا على اليسار بل كان رموز النظام مأزومين متأزمين.

الطلياني": توترات تونسية على إيقاع عربيّ



خالد الحروب
جريدة "الشرق"، الإثنين 23-02-2015


لا هو من قبيل الخفة في التعبير ولا السخرية في القول الزعم بأن تشابه الهموم العربية مشرقا ومغربا يُعد وجها من العناصر المشتركة التي تؤكد عوامل وحدة العرب، مثاليا ونظريا على الأقل، واستنساخ التعامل مع تلك الهموم من الجار العربي جزء من تلك العناصر أيضا. لماذا، تأملاً، تعاقبت ثورات الربيع العربي من بلد عربي لآخر، ولم تنتقل إلى بلدان الجوار غير العربي: إلى النيجر وتشاد، أو تركيا وإيران، أو إثيوبيا وارتريا، على سبيل العدوى مثلاً؟ على كل حال ليس هذا حديث هذه السطور، لكنه بعض مما تثيره قراءة الكاتب والمثقف التونسي القدير شكري المبخوت في روايته الممتعة "الطلياني".
هنا نقلب ملفات إرث البورقيبية التي شكلت تونس ما بعد الاستقلال، وتمثلاتها المتنوعة: ثقافة، واجتماعاً، وتسيساً،...، واستبداداً. والبورقيبية، وكما كانت الأتاتوركية، حالة تفيض بالدراما، ذاك أنها متعددة الأوجه وحمالة للتفسيرات، وفيها وعليها ما يكفي ويؤهلها للتمرد على أي محاولة توصيف اختزالية. هي قاطرة تونس نحو الحداثة ولولاها لربما ظلت البلد يترنح في زنقات التقليد، ثقيلة الخطوة، ومترددة الاتجاه كما هو حال كثير من البلدان العربية والإسلامية. وهي، أي البورقيبية، مقام المرأة التونسية ودفعتها إلى موقع متقدم قياساً بنظيراتها في الجوار العربي وربما بعده. لكنها، أي البورقيبية، كانت استبدادية وأبوية صرفة تحوم حول "المجاهد الأكبر" وما يراه ويقرره. في عنفوان شبابه ونضجه وعطائه امتلك جبروت الشخصية كي يقود البلاد ويفرض رؤيته لتونس المنطلقة نحو المستقبل والمنفلتة من الماضي. في مراحل العنفوان تلك داس على المعارضة وهمشها، يسارييها أولاً ثم إسلامييها. حُشر المعارضون في الجامعات واتحادات الشغل، وانفرد القائد الأوحد بتوجيه دفة البلاد.
لكن عندما استبدت حتمية الزمن بالقائد واحتلت الشيخوخة والعجز ما كان نصيبا للعنفوان واليقظة، تقدم أحد أخلص مساعديه ليخلص البلاد مما صار يُرى نزقا في القائد وليس حكمة فيه. صار لابد من إنقاذ البلاد من مؤسسها وحاميها الأول، فجاء زين العابدين بن علي. وعد الشعب، ويسارييه وليبرالييه وإسلامييه، بعهد دستوري جديد، قوامه الثورة على فكرة "تسلم الحكم مدى الحياة". كان ذلك سنة 1987، وكلنا نعرف بقية القصة بعد ذلك. هذه هي السردية العريضة للواقعة التونسية في النصف الثاني من القرن الماضي وصولا إلى لحظة سقوط المنقذ ابن علي. خلف هذه السردية كانت حياة المجتمع تمور بكل ما تمور به مجتمعات العرب: امتدادات عميقة ومتواصلة وراسخة للموروث الاجتماعي، والديني، والقبلي، والأبوي، يعشش بعيدا عن، ورغما من، أحلام النخب سواء أكانت حاكمة أم معارضة، يسار متصاعد يبحث عن موقعه بين حكم ليبرالي السمت لكنه استبدادي النزعة، وإسلاموية ناهضة تعتاش على الموروث وتحرض وارثيه على رفض الحداثة وتغريبها المجتمع، بنى اقتصادية هشة لم تتمكن لا من تطهير رقاع الفقر العريض، ولا من استيعاب أجيال الشباب الذين فاض كثيرهم في شوارع البطالة تتلقفهم تنظيمات متطرفة، أو عصابات التشرد، أو بكل بساطة مشاعر الضياع والتوهان. قليلهم تمكن من الهرب من الأوطان والهجرة للخارج والارتماء في أحضان الغرب المشتوم صباحا مساء، وكل ذلك وغيره تحت سيطرة نظام سياسي مطبق الإحكام على المجتمع، فيه الحريات السياسية مجففة، والمناصب العليا ونصف وربع العليا محجوزة للمنافقين والمتسلقين والمداحين.
في قلب تلك التناقضات وفي بيئة متوسطة عادية نتعرف، وفي المشهد الأول من الرواية، على عبد الناصر، الشاب المتمرد الناقم على عائلته، وهو يسير أسهما في جنازة والده الحاج محمود. في لحظة الدفن والعشرات من محبي الحاج يتحلقون حول القبر ويرددون الأدعية والآيات وراء "الإمام علاله"، أمام جامع الحارة، الذي يزجي رأس الحاج محمود فوق اللحد، ينتفض عبد الناصر ويضرب بقدمه وجه الإمام بكل قوة فينفر منه الدم، ويغادر المقبرة أسهما والكل تصعقه المفاجأة، ومعها تتحول الجنازة إلى فوضى مباغتة، بعد هذا المشهد الافتتاحي نحتاج إلى أكثر من ثلاثمائة صفحة كيف نفهم سبب هذا التصرف "الأرعن" الذي لم يكن ليليق بابن الحاج محمود صاحب السيرة الحميدة المشهود لها من الجميع، حوقل الناس وعادوا إلى بيوتهم مذهولين، ولا يقل عنهم ذهولا القراء الذين استعجلوا تقليب الصفحات لمعرفة السبب. بين دفتي الكتاب، ومن ضربة الشاب اليساري المتمرد لوجه السلطة الموروثة وإلى معرفتنا بأن أمام الجامع ذاك حاول مرارا الاعتداء جنسيا على عبد الناصر أيام كان ولدا صغيرا يحوم في الحواري وحول الجامع، نجوب مع المبخوت في حكايا تونس، وتوتراتها، وناسها، وفقرها، وأيديولوجياتها، وحيرتها، ونسائها، وسير العشق المكتمل والمنقوص.
عبد الناصر، والذي يعرفه الجميع بلقب أسبغ عليه باكراً وهو "الطلياني" نظرا لـ"وسامته الأوروبية"، شخصية درامية بامتياز، وفيه كل التناقضات الممكنة. فهذا اليساري المهجوس بتحقيق العدالة والمساواة في المجتمع، والمناضل عن حقوق الناس في وجه السلطة، هو نفسه الشخصية المرذولة من قبل عائلته، وهي العائلة التي لا يهتم بها، وكأنها تقع خارج تعريف "الشعب" و"المجتمع" الذي يدافع عنه. نبله في النضال وفي الحب عندما تعرف على زينة، الريفية القروية، المُبهرة في الجامعة وفي تفوقها في الفلسفة، لا يوازيه إلا نذالاته وخياناته المتكررة لمن اعتبرها قديسة قلبه. تنظيراته في ضرورة الثورة الجذرية واقتلاع الوضع القائم واستبداله، تنزوي تدريجيا لصالح أفكار "الإصلاح من الداخل" والاقتراب من دوائر النظام والاشتغال في ماكينته. أفكار "الإصلاح من الداخل"، عمليا وحياتياً، يقع جذرها في الحاجات المادية وإكراهات الحياة، والتنظير المؤدلج لها ليس سوى التكرار المعروف لنفس القصة، حيث تُوظف مهارات لغة الايدولوجيا لسوق المسوغات والمبررات لنقض تلك الايدولوجيا نفسها، أو تحويرها لتتواءم مع الخيارات الجديدة.
شقيق عبد الناصر، صلاح الدين، يقدم إطلالة مُعلمة في الرواية فهو المتفوق دراسياً، والذي أنهى الدكتوراه في الاقتصاد، ويعمل في سويسرا مع مؤسسات دولية كبرى تريد أن تقود دول العالم المتخلفة إلى سياسات تحرير السوق وليبراليته. زينة، المناضلة والمتفلسفة وحبيبية ثم زوجة عبد الناصر، يقتلها طموحها، ثم تفترسها ماديات الحياة عندما تحس بطعم المال والمرتب الشهري. تحاول أن تتعامل مع الحرية التي "منحها" بورقيبة لنساء تونس، فتلتبس عليها الأمور. تقول: "لقد أعطانا بورقيبة قيدا جديدا ظنناه انعتاقا فتورطنا. لم يعد بإمكاننا أن نعود إلى الوراء. وإذا أردنا أن نتقدم تعذر علينا ذلك. أما البيت فسجن صغير وأما الشارع فسجن كبير. أحدهما يعمره سجان بليد لا تنتهي طلباته. طفل صغير دللته أمه ولم يستطع الفطام منها، والآخر يعمره السفلة بتحرشهم بالنساء وعنف لغتهم الجنسية الناضحة كبتا ونظراتهم التي تعري المرأة تعرية".

ليست هذه مراجعة للرواية، بل بعض التأملات في بعض من جاء فيها، ومن دون هذه الملاحظة نكون هنا قد ظلمنا شكري المبخوت وصنيعته "الطلياني".