Follow by Email

mardi 27 novembre 2012

لسنا في بلد الحرّيّة...أفلا تعقلون؟




1-       
أصبحت الوصفة معروفة : يُخلط رطلٌ من المصلحة العليا للوطن بمثله من عجين حفظ النّظام العام ، يُضاف قليل من بهارات القانون وتحصين الثّورة أو حماية المقدّسات وهويّة البلاد و يوضع الخليط في فزن التّرهيب على نار هادئة في البداية ثمّ ترفّع درجات الحرارة شيئا فشيئا. وحين يحمرّ العجين ويتماسك ، اِسق الكتلة كلّها بمرق الخوف. كلوا بعد ذلك الطّبقَ هنيئًا مريئًا إلى حدّ الإحساس بالشّبع إذلالا وإهانة وقهرا.
هكذا يَتعلّم مشاريعُ المستبدّين من كتب الطّبخ العالميّة كيف يصنعون أطباق الدّكتاتوريّة النّاشئة، والبقيّة متروكة لحذق الطّبّاخين ونوعيّة اللّوازم وما يتوفّر في كلّ مطبخ من مكوّنات.


2-   
 مطبخنا الثّقافي بدأ إعداد بعض المفتّحات التي تؤكل قبل طبق الاستبداد. هناك في الجنوب ظهرت، في سياق الثّورة ، حركة فنّية لشباب اختاروا أن يكونوا معبّرين بفنّ الغرافيتي عمّا يتلجلج في صدور النّاس العاديّين.
شبّان انتدبوا أنفسهم ، ليخرجوا الشّعارات المحتجّة على بؤس الواقع من العابر الزّائل فيثبّتوها على حيطان الشّوارع.
حركة احتجاج سمّت نفسها "زواولة الفنّية" تجمع بين الموقف السّياسي والمقاربة الفنّية. لم يبتدعوا شيئا ولكنّهم ، بغريزتهم وثقافتهم ، يصوغون فنًّا ثوريًّا له تقاليد في تاريخ الثّورات ، في ضرب من اكتساح الفضاء العام لاستعادته من الدّكتاتور.
ويبدو أنّ الثّورة انتهت لدى البعض وعلى ثقافتها التي جاءت معها أن ترحل. معادلة قديمة جديدة: منطق الدّولة مقابل منطق الثّورة ، فعلى أيّ جانبيْك تميل ؟
جاء الخبر من قابس : قوات الأمن تحجر مواد رسم وتلوين تستعمل في الغرافيتي وتستنطق شاهين بالرّيش ورفيقه في حركة "زواولة الفنّيّة" أسامة بوعجيلة قبل إحالتهما على قضائنا المستقلّ العادل.
والتّهمة تهمتان : "نشر أخبار زائفة من شأنها أن تنال من صفو النّظام العام" و"خرق قانون الطّوارئ والكتابة على عقارات تابعة لأملاك الدّولة دون رخصة طبقًا للفصل 303 من المجلّة الجزائيّة والأمر عدد 50 المؤرّخ في جانفي 1978".
رائحة كريهة قديمة تفوح من قمامات القوانين والأوامر وإحساس فظيع بأنّه سبق لنا أنْ سمعنا مثل هذا الكلام البذيء الذي حطّّم ، من قبل ، مستقبل شباب من النّقابيّين والطّلبة والمعارضين.
حقًّا إنّ التّاريخ يعاود نفسه في شكل مهزلة أو مهزلة مضاعفة : الأخبار الزّائفة ، النّظام العام ، الكتابة على عقارات تابعة للدّولة ، قانون الطّوارئ ، أمر جانفي 1978 ... كلّ هذا يعود بعد ثورة ولدتها مثل هذه العبارات التي تواجه بها الدّولة مواطنيها حين يحملهم شوق الحرّية ونشوتها إلى قول ما يجيش في الصّدور.
كلّ هذا بسبب فنّ مقاوم محتجّ رافض بمقتضى تعريفه نفسه ونقصد فنّ الغرافيتي.
 هل أصبحت شعارات من قبيل ما رسمه الشّابّان  شاهين بالريش وأسامة بوعجيلة :"الشّعب يريد حقّ الزّوّالي" و"باعوا دمك يا شهيد" و"الزّوالي دفنوه وعينو حيّة" معكّرة لصفو النّظام العام ؟ هل أصبحت صورة "حنظلة" ناجي العلي مهدّدة لعقارات الدّولة ؟ أيّة جرأة أو جسارة في مثل هذا الوصف العادي لبعض أحوالنا ؟ أم أنّ الحقيقة ، كما قال الآخر ، في حدّ ذاتها ثوريّة مزعزعة للنّظام العام المختلّ أصلاً؟
3-   
شكرًا لأمننا الجمهوري وقضائنا المستقلّ فقد مكّنانا من التّعرّف إلى حركة فنيّة شابّة لم نسمع بها قبل. من هنا فصاعدًا سنهتمّ بـ"زواولة الفنّيّة" لأنّها تقول الحقيقة الثّوريّة ولا تنشر الأخبار الزّائفة ولأنّها تحلم بنظام عام للحرّيّة ، ولأنّها تساهم في إعادة تملّك النّاس للفضاء العام ولأنّها، أوّلا وآخرًا ، تفضح ترسانة قوانين الدّكتاتوريّة وأوامرها المعادية لحرّية الرّأي والتّعبير.
شكرًا لأمنِنا الجمهوري وقضائنا المستقلّ فقد أثبتا لنا أنّنا لسنا كما توهّم بعضنا في  بلد حرّية مادام لنا بعد الثّورة ولا فخر سجينُ رأي باسم المساس بالمقدّسات ،
لسنا في بلد حرّية مادام  لنا لاجئ سياسي في رومانيا بسبب رأيه ،
لسنا في بلد حرّية ولنا زوجة معارض سياسي قُتل لآرائه السّياسيّة تطلب اللّجوء السياسي إلى بلدان حرّة حقًّا،
 لسنا في بلد حرّية مادام بعض الفنّانين التّشكيليّين يجرجرون في المحاكم ليفسّروا لقضائنا المحترمين أعمالَهم الفنّيّة المستفزّة.
شكرًا لكلّ من صمت أو شارك أو تواطؤ فحبّات المسبحة إذا كرّت لن ترحم منّا أحدًا وعجلة الدّكتاتوريّة ستدوس من هو مغرم بوصفة إعداد طبق الاستبداد قبل غيره. أفلا تعقلون ؟


jeudi 22 novembre 2012

ما ناقشني جاهل ...




1
  حين طلب منشّط تلفزيّ من المفكر التونسيّ ذائع الصيت عربيّا أن يشارك في حوار سأله المفكر عن بقية المحاورين.فأنبأه بما استقرّ عليه الرأي فأجابه بسؤال إنكاريّ يفيد اعتذارا عن الحضور، قائلا:"كيف تريدني أن أتحاور مع شخص بيني وبينه أربعة عشر قرنا؟" .
   كان المفكر الهادئ  في طبعه الجريء في أفكاره يحتجّ على ما وصل إليه وضع المناظرات في تلفزاتنا.إذ استحالت المحاورة منافرة وانقلبت المجادلة مهاترة وأضحت المناقشات مباطلة ومغالطة.إنّها خصائص تلفزيون الواقع ببذاءته وسطحيّته وكشفه عن الأعوار والخور بعد أن فتحت الثورة الفضاء العمومي لكلّ من هبّ ودبّ دون الشروط التي يقتضيها الحوار في مثل هذه الفضاءات.
     فالمقصد الأسنى من الحجاج هو الإدارةُ العقلانيّة للاختلاف في الظنّيّات والانتقال من احتمال العنف في الواقع إلى إمكان صياغة خطابٍ تفاعليّ لبناء حقيقة مشتركة.بيد أنّ بين الحجاج واللّجاج خيطا أوهي من بيوت العنكبوت:فبدل الاضطلاع، في الحجاج ، بأمانة العقل لتوليد الحجج والتأسيس عليها يكون الانتقال إلى اللّجاج وهو المخاصمة والتمادي في الغلظة وكيل التهم بلا ضابط أو عقلة.
2
    وتقع وراء استفهام المفكّر التونسي اللامع استفهامات أخرى مضمرة.ألا تكون محاورة النظير والشبيه من باب المذاكرة والمقابسة فتأتي خالية من  المفاوضة والمراجعة؟ ألا تقتضي المحاجّةُ المخالفةَ في المنطلقات والمواجهة في الرأي حتى لا نقول المناقضة في الأطروحات؟
   لا ريب في أنّ هذا لا يخفى عن مفكّرنا غير أنه يرفض ، على الأرجح ،الاختلاف الوحشيّ الذي لا يقوم على ساق من العقل ولا يستند إلى أخلاق المناظرة وكفاءة المناظر المختلف.
   والحقّ أنّ جلّ ما يصدر عن ديكة الجدال في ساحات تلفزاتنا أشبه ، في أحايين كثيرة،بتنافر جذريّ في المرجعيّات يعسر معه أن توجد لغة مشتركة للتخاطب والمدارسة.فما الذي ينتظر ممّن يعالج مثلا قضايا مجتمعنا الحديث ، على تعقّدها، بمفاهيم ومصطلحات أكل عليها الدهر وشرب . فقد توقّفت عنده المعرفة بالمجتمعات في زمن ثقافي جرفه التاريخ النابض وظلّ منغرسا جامدا في الوجدان؟أليس ذلك مدعاة لسوء الفهم والتفاهم؟ ومتى استقامت ، في هذا الاختلاف الجذريّ الوحشيّ ،مباحثةٌ ومدارسةٌ؟ وما الغرابة في أن تنقلب إلى منافرة ومخاصمة ومسالطة؟
3
   لقد تحرّرت، في أيّامنا السعيدة هذه،قرائح المتناظرين كلّيّا من مكبوتاتها وانطلقت ألسنتهم بما يجيش في الصدور من أوهام وأحقاد وعلل نفسيّة وفكريّة.فطفت على الألسنة استيهامات محيّرة وتصوّرات مذهلة.فماذا نسمّي دعوة أحدهم إلى إيجاد حلّ لمشكلة تأخّر سنّ الزواج بالسماح بأربع نساء أو بإباحة التسرّي أو حتّى بالترخيص لفحولنا الأشاوس في أن يتزوّجوا بنت عشر وثلاث؟.
     فما الذي بوسع المرء أن يناقش في هذه " الآراء- الاستيهامات" و قد ردّ صاحبهابظاهر اليد ما حدث ، منذ أربعة عشر قرنا،من تبدّلٍ في البنية الاجتماعيّة وتغيّرٍ في أنظمة الأخلاق وتطوّرٍ في التصوّرات الثقافيّة؟ ما الذي يمكن التباحث فيه مع من يضرب عرض الحائط ما شهدته الإنسانيّة، ونحن عربا ومسلمين جزء منها أساسيّ ،ثقافيا واجتماعيّا ،شئنا أم أبينا،من تحوّلات عميقة في العلوم والنظريّات الاجتماعيّة والقانونيّة والنفسيّة؟ وعلى هذا القياس وإن اختلفت جزئيّات المسائل وتفاصيل التباينات ودرجات الحدّة في الاختلافات.
    تلك هي المسافة الفاصلة التي تساءل عنها تصريحا وتضمينا صديقنا المفكر التونسيّ ذائع الصيت عربيّا بين متزامنين أحياز الزمان والتاريخ متباعدين في منطق الوعي الثقافي وزمنيّة المعرفة.
    أعلى نخبنا التي مازالت تتمسّك بمسكة من عقل أن تردّد في ما بينها وبين نفسها قول أبي حنيفة برّد اللّه ثراه عن بعض أهل عصره:" ما ناقشني جاهلٌ إلاّ وغلبني.." حتّى إذا كانت غلبة لا تستند إلى روح التاريخ وتحوّلات العصر الجارفة؟ فإن هي عندنا إلاّ من باب التفنّن في إضاعة الوقت والوعي الحضاريّين حتّى تتطهّر العقول من صدئها وأوهامها وتبرأ النفوس من عللها وأحقادها . 

mardi 13 novembre 2012

ما الذي يدبّر بليل..ونهار؟



1
يصمّ منّا الآذانَ ، منذ مدّة،حديث عن "دكتاتوريّة ناشئة" في البلاد وخطر استبداد قادم يدبّر بليل ..ونهار أيضا.غير أنّ في هذا الحديث بعض المبالغة وكثيرا من المخاوف.
    فالماسكون بزمام السلطة عندنا لم ينتزعوها بالغصب والغلبة والعنف ولا يفتقدون إلى ضرب من الشرعيّة المدنيّة المسنودة بالمؤسّسات.ثمّ إننا لسنا أمام سلطة مجتمعة بيد واحد أحد أو مجموعة أو حزب من غير شريك.لذلك يعسر أن نرى في النظام القائم قهرا أو سلبا للحرّيّات السياسيّة يخرج عن قواعد اللّعبة دون رقيب أو حسيب.
   وربّما جاز لنا أن نرى في الطابع المؤقّت لرموز السلطة القائمة الثلاثة شيئا ،قليلا أو كثيرا ، من التخبّط وضعف التدبير ومشاكل في التسيير لا يبرّرها دائما السياق الاستثنائيّ.
    غير أنّ في تجارب التاريخ ما ينبئنا بأنّ الشرعيّة الانتخابيّة لا تكفي للوقاية من داء الاستبداد وبأنّ الأساس المكين لهذا الاستبداد إنّما هو الشعبويّة المقيتة والثورجيّة الكاذبة ومنطق الأغلبيّة المريدة .فكم من مستبدّ ارتقى على ظهر الشعب وبانتخابات نزيهة ليتربّع على سدّة السلطان فيعضّ عليها بالنواجذ إلى أن تُقتلع ، ولو بعد حين، من فمه بالدم النازف من لحم الناس.
2
   لئن كنا على ثقة في حكمة جلّ نخبنا وتشبّعها بقيم الحرّيّة ومواصفات الأنظمة الحديثة وقدرتها على وضع دستور ممتاز فإنّ تيّارات تحتيّة ، مضمرا بعضها ومظهرا بعضها الآخر،تنسج للاستبداد والفساد مهادا مهدّدا بذهاب ريحنا جميعا.
     فمن هذه المخاطر، وهي في الثقافة والتصوّرات الذهنيّة ،أنّ الغلبة السياسيّة تحدّد بالجموع والكثرة والعدد.ويبنى عليها باستدلال ساذج أنّ رأي الجماعة الكثيرة هو الصواب والحقّ الذي ينبغي أن يتّبع.ولو سايرنا منطق الجموع لما تقدّمت المجتمعات لأنّ الأمّة الحقّ هي أمّة الأذكياء لا الأمّة التي يستوي فيها العالم والجاهل و المبدع والمتّبع والفلاسفة والدهماء.ولو سايرنا منطق العدد مطلقا لأصبح عتاة الدكتاتوريّة الواصلين إلى عرشهم بشرعيّة الصناديق أحقَّ بأن يتّبعوا ويخفض لهم جناح الذلّ.
    ومن هذه المخاطر ، وهي أيضا من ساذج التصوّرات وخسيسها، أن تتّخذ الديمقراطيّة مرقاة لغايات انقلابيّة ومشاريع ليست من جوهرها.فليس العيب في العمل على تغيير بنية المجتمع وثقافته بل العيب في أن يكون ذلك التغيير لاحتكار جميع مناحي الحياة في أيدي فئة مهما كان حجمها ولإخضاع الناس إلى نمط موحّد واحد من أنماط السلوك والتصوّر يكره عليه من لا يرضى به باسم الدين او باسم قراءة له بائسة أو باسم مذهب أو نحلة.فثقافة الديمقراطيّة تكره الانقلابات وتنبني على التعدّد والاختلاف وتتأسّس على حماية الأقليات.ولكنّ ما نراه من سعي إلى الأسلمة من أسفل بجمعيّات وتنظيمات ومدارس موازية وتوظيف لبيوت العبادة وحتّى بمخيّمات الدعوة والتدريب على القتال لمن أمارات هدم الأساس من مشروع العيش المشترك.
     ومن المخاطر، وهذه في الواقع والممارسة وإن كانت لها بالثقافة السائدة صلة،هذا الصمت المتواطؤ عن قطعان المجرمين بالجملة والتفصيل،قطعان تسرح في البلاد ولا من حسيب.مجرمون يزرعون الحقد ويمارسون العنف ويبذرون الخوف في النفوس ضدّ النساء والمثقّفين والفنّانين والمعارضين والجامعيّين وحتّى المؤمنين في المساجد والجوامع والأضرحة وبعض السفارات الأجنبيّة.ثمّ يقال لنا هم أصحاب رأي وهم أبناؤنا فلا تجعلوا منهم شياطين وإلاّ حكموكم بعد حين.فأيّ رأي يحترم إذ ينفي حرّيّة الآخرين في التعبير؟ وأيّ ابن هذا الذي يشيع الرعب في العائلة ؟ وأيّ تهديد بحكمٍ قائم على الإيديولوجيّات المغلقة العنيفة باسم الحريّة والديمقراطيّة؟
    حقّا لم يأتوا من المرّيخ ولكنّهم غرباء عنّا نزلوا من سماوات مذهبيّة قاتمة السواد مرسلين في قلوب الناس حجارة من خوف وترهيب أصابتهم في مقتل كما أصابت غيرهم .وذلك انبناء على منطق عنيف لا نهاية بادية له لأنه من جوهر ثقافة الموت المدعومة بالمال الفاسد والتأويلات السقيمة وقتامة الاقصاء والتهميش والعيش في ضواحي الحداثة المعطوبة.ولكن ، في الحالات جميعا،من حقّ الناس على من ائتمونهم على عيشهم وأمنهم أن يحتموا بالدولة ممّن لا يعترف بها.
3
أفلا يحقّ لنا والحالة تلك أن نعتبر الرغبة في الهيمنة على الدولة وضمان وضع اليد على كلّ شيء فيها من جهة وغضّ الطرف عن الخوف الذي تشيعه بعض المجموعات وخطّة الأسلمة من القاعدة من باب ترديد قول القائل " أمطري حيث شئت فخراجك (السياسيّ؟) لي" ؟ ألا يحقّ لنا أن نرى في تلك الرغبة وفي هذه الرهبة مقدّمتين كبريين لإنشاء دكتاتوريّة من صنف جديد قديم وبابا يفتح لعودة الاستبداد؟
   

mardi 6 novembre 2012

التدافع في الدستور




1
كان أسلافنا من علماء العرب يقولون: " لا مشاحّة في الاصطلاح".والأرجح أنهم يقصدون أن وضوح المفاهيم يغني عن المهاترات في أمر الألفاظ والتسميات.
ومادام الشيء بالشيء يذكر فقد عادت إلى سطح الذاكرة هذه العبارة ونحن نقرأ ونسمع النقود الموجّهة إلى مسودة الدستور وتوطئته.
وقد ثبت في العلم بالخطابات ، عند أسلافنا وأهل عصرنا على السواء،أن معاني الألفاظ تستنبط من أكوان النصوص لا مما يُضمر في النفوس وأن أنماط القول تكيّف الدلالة. وثبت كذلك في دراسة لغة المفاهيم وبناء الأقاويل العلميّة أنّ التواطؤ على المصطلحات وما تفيده من ثابت المعاني لممّا ييسّر التخاطب بها والاستدلال عليها.وإلاّ انقلب الكلام مغالطات منطقيّة وتلاعبا بقواعد التفكير وأخلاقيّات المناظرة وأصول الفهم والإفهام.
وهذا كلّه بيّن في ما يدور من سجال حول الدستور.فالنصّ المطلوب عائد لا محالة إلى تقليد خطابيّ وسنّة علميّة وصنف الأقاويل التي سمّيت قانونيّة.
ولكلّ علم أهله، ولأهله مصطلحاتهم، وللمصطلحات ، عرفا وتواطؤا،دلالات يعرفها المختصّون  ومجموع العلماء.ولن يستقيم لنا الدستور المطلوب بغير احترام نمط القول وسننه لفظا ومعنى.
2
لقد تجشّم رجال القانون ونساؤه عناء التنبيه على ما في المسودّة من خرق لقواعد الصياغة ومن مبهم المصطلحات وغريب المفاهيم وحوشيّ التعابير التي دسّت دسّا في أعطافه.وهي لا تعود إلى جهل بأصول القول القانونيّ وإعرابه وأساليب إجرائه وقوانين كتابته فحسب.بل تعود كذلك إلى منهج الابتداء من الورقة البيضاء خارج السنن والتقاليد كأنّ الأمر إبداع حرّ  لا اتباع فيه.فعابوا مسودّة الدستور بأنها من قبيل الإنشاء الأدبي. وهو اتهام حزّ في نفوس بعض رجال الأدب.ولكنّنا لا نخال أهل القانون قد قصدوا ما فُهم من ظاهر لفظهم بل هم على الأرجح  قد نبهوا على  فارق أساسيّ بين الأدب بما يتيحه من حرّيّة في تصريف الكلام والنّصوص القانونيّة وما تستلزمه من صرامة في التعبير ودقّة في أداء المفاهيم وإجراء المصطلحات.
3
للكلمات ذاكرتها وللمعاني في مظانّها وسياقاتها تاريخ ولهما معا سطوة على الأذهان ما دامت  النصوص ، ومنها الدساتير، تؤوّل بمعارف القارئ الموسوعيّة على تنوّعها وتداخلها لا بأصول دلالاتها المعجميّة.
خذ لك تمثيلا عبارة التدافع في توطئة الدستور.فهي عبارة تحمل أصداء من دلالتها القرآنيّة ونثارا من تأويلات من استعادها من معجمها وسياقها الأصليّين.
يقول صاحب التحرير والتنوير مفسّرا الاية الكريمة "ولولا دفعُ الله الناسَ بعضُهم ببعض ٍ لفسدت الأرضُ"( البقرة ،251) أصل الدفع "الضرب باليد للإقصاء عن المرام" وهو " ذبّ عن مصلحة الدافع".
بيد أن الحديث في الآية عن الدفع وهو غير التدافع الذي يفيد معنى المشاركة والتفاعل في التوطئة رغم أنّ الآية في بعض القراءات على معنى " دفاع الله الناس".والدفاع هنا مبالغة في الدفع وليس للمفاعلة والمشاركة.
ولئن كان الدفع قانونا شاملا للموجودات والكائنات جميعا فهو يرتبط بالصلاح وحبّ الخير لأنّ " طبع النفوس الشرّيرة ألاّ تراعي مضرّة غيرها بخلاف النفوس الصالحة" على حدّ تعبير سماحة الأستاذ الإمام ابن عاشور الذي استخلص ما يلي:"ولولا دفاع الناس بأن يدافع صالحهم المفسدين لأسرع ذلك في فساد حالهم".ويضرب  الشيخ العلاّمة ابن عاشورمثال الحرب التي قد تكون من الأشرار فسادا ومن الأخيار دفاعا عن الحقّ.
وبصرف النظر عن الانزلاق من الدفع إلى التدافع فما الضامن لألاّ يُستعاد هذا المفهوم القرآنيّ دون ما يصاحبه من صلاح هو أقرب إلى المثل العليا منه إلى حفظ الحقوق؟وما الصالح إذا لم يُصَغْ  على مقتضى العَقد الاجتماعيّ المواطنيّ الذي يترجم إلى إجراءات تضمن العيش المشترك؟وما الفائدة التي ترجى من مفهوم رجراج غائم غامض من خارج المتن الحقوقيّ ولا منزلة له في الأصول البانية للخطابات القانونيّة؟ أفلا تكون التكلفة مع الغموض الاصطلاحيّ مرتفعة في دستور للحريّة والكرامة؟
حينها قد نفيق يوما ، على افتراض حسن النوايا ونبل المقاصد، على جهنّم من التأويلات والفهم المختلّ ونحن نقصد الحجّ إلى جنّة الحقوق والحرّيّات؟
 حقّا لا مشاحّة في الاصطلاح بين أهل العلم الواحد ولكن حين يختلط حابل التشقيق القانونيّ بنابل الإنشاء الأدبيّ تصبح المشاحّة في المصطلح فرضَ عينٍ على من لا يريد لعِقدنا ان ينفرط ولعَقْدنا أن ينقض.


vendredi 2 novembre 2012

بهجة الكتابة : المعنى وظلاله




تقديم كتاب الصديق مختار الخلفاوي : " هل غادرنا السقيفة؟ الحنابلة الجدد في تونس المحروسة"

قاعدة اللعبة في كتابة العمود الصحفيّ معروفة مألوفة:تحدّث في ما شئت فأنت حرّ ، وابدأ من حيث شئت فكل البدايات حسنة ولكن لا تنس الأسلوب بدءا وختما.
 ملاك القاعدة معادلة دقيقة لطيفة بين كثير من الحرّيّة في التناول والتنوّع في الموضوعات ،كأمراء النثر الأدبيّ القديم عند العرب، وكثير من الصرامة والجدّ في الصياغة والمعرض الحسن وإخراج الطلام.
ونجد ، في المقالات التي نشرها مختار الخلفاوي منجّمة بالصحيفة " الأولى انتشارا في تونس" على ما يزعم أصحابها، ثراء التنوّع وجودة الأسلوب ولكننا نجد أكثر من هذا وذاك.
    وهذا " الأكثر" في ظنّنا هو الموقف الثقافيّ الذي لا يتكئ على التنوّع ليتقلّب في خضمّ السياسة وحساباتها ومستنقع الإيديولوجيات وأوهامها فيسير على غير هدى.
   وهذا " الأكثر" من وجه ثان هو الرؤية النقديّة التي لا تتعلّل بأدبيّة النصّ والترفع عن الصراعات الظرفيّة لتحوّل الكتابة إلى تمرين في الأسلوب لا يخرج منه القارئ إلاّ بشقشقة لفظيّة تذهب برهان المهنى وتيقّظ الفكر.
وعلى هذا يتآلف في مقالات الخلفاوي الأسلوب الفاتن وطرائق سبك القول الناجع والاقتدار على الانتقال من اليوميّ الزائل إلى الفكري المتعالي.وجماع ذلك كلّه إنّما هو توقيع كاتب أصيل: كاتب يقايض المسافات بين " الشأن الجاري" والمراهنة على المعنى التاريخي في استرساله والموقف الذي يأخذ بقوّة كتاب التنوير العربي الإسلاميّ عموما والتونسيّ خصوصا.
   وليس مهما المنطلق. قد يكون حادثة قتل مشبوه كخبر القس البولوني بمنوبة أو أمّ منتقبة تصحب طفلها بلباس "أفغاني" إلى المدرسة، قد يكون خبرا من بطون كتب التاريخ كاستعذاب المقتدر باللّه صفع جلسائه أو حذاء الزعيم بورقيبة المثقوب،قد يكون بيتا من اجود ما قال المتنبي او مطلع اغنية يصدح بها فلاح في أقصى الريف التونسيّ.
  ولا تغرّنّك تلك التواريخ الشاهدة على الأحداث:18-02-2011  أو يوم الأحد 13 نوفمبر 2011 أو 3-4-5 جوان 2011 أو الإثنين 12-12-2011 ولا العودة إلى بغداد سنة 323 للهجرة أو الصين سنة 213 للميلاد أو قبلها حادثة السقيفة أو بعدها جميعا تاريخ سقوط الخلافة سنة 1924 .فإن هي، عندنا، إلاّ من باب التوثيق الذي يقتضيه الوعاء الصحفيّ أو نزعة الإيهام بالتحقيق والتدقيق .فصاحب العمود يعنيه ، أكثر ما يعنيه، ما يقع وراء هذه التفاصيل العابرة من دلالات كأنّه لا يعلم ان الأديب الذي يسكنه يُخيِّل الواقع والتاريخ ويقدّهما على مقاس تصوّره ووفق رؤيته فهو ليس أسير تفصيلات المؤرّخين وأخلاقيّات الصحفيّين مؤرّخي اللحظة الراهنة.
إنّ الأساسيّ في في هذه المدوّنة التي جمع فيها مختار الخلفاوي القليل مما كتب إنّما هو كيف يطرق أبواب موضوعه ليقول فكرته ، وكيف يعيد صياغة الأحداث والأخبار والمعاينات والأقوال ، وكيف يصوغ خطابا يمتزج فيه ، بسلاسة، السرد الشيّق والتحليل المعمّق والأسلوب الرائق الذي يجمع إلى متانة العربيّة وروعتها روح اللّغات التي يصنع بها الفكر الحديث.
مراهنة مرهقة تجعلنا نشعر أحيانا انّه "ينحت من قلبه" ليظلّ الذاتيّ الشخصيّ في هذه الكتابة ، وهو عنوان التوقيع الشخصيّ بنرجسيّته الجذريّة،أقوى من الحدثيّ الموضوعيّ الذي تلزم به مهنة الصحافة وأخلاقيّاتها أهلها.وهذا دأب أصحاب العمدة في كبريات الجرائد مذ أن ابتدع أصحاب الأقلام هذا الضرب من أجناس القول الصحفيّ.
     ولعلّه بسبب من هذا الوجه الأدبيّ السافر في المقالات الذي يضمّها هذا الكتاب اختار صاحبها أن يخرج من ضغوط " الشأن الجاري" ، دون ان ينفصل عنه تماما، إلى رحابة الكتاب وأريحيّته.كأنّنا امام  تردّد بين نرجسيّة الكاتب الذي لا يريد لخلاصة عقله أن تنسى حالما يلقى بالجريدة بعد قراءتها وبين رغبته في ألاّ ينعتق من إسار الكتابة السريعة التي تُستنبط أحيانا على عجل بما أن نهم المطبعة والخوف من البياض وإيقاع صدور الجريدة وتوزيعها لا يسمح بتروية النظر والتنقيح والتصحيح.وهذا بعض فضل الصحافة على الكتّاب والأدباء.
  لقد أحسن مختار الخلفاوي صنعا حين جمع ما هو مجتمع في أصل نشأته ، مجتمع في لوح عقله وفي نصّ الأعمق فكان يخرجه للناس على مقتضى ما تسمح به مساحة العمود الصحفي وإكراهاته وضغوطه.ولكنّه ، في كلّ مرّة، يقوله كالشعراء بشوقهم العميق إلى القول،مستانفا انفعالا أو انطباعا ومستلهما باعثا من بواعث الكتابة طربا أو رهبة ولكنه في حال من البهجة التي يعيشها الكاتب حين يستقيم أمامه نصّه. وهو أمر لا نخطئه بحكم تجربتنا في القراءة ومعاشرتنا للنصوص:دليلنا على ذلك أنّه يصيبنا كلّما قرأناه بالبهجة والجذل والفرح.