Follow by Email

mardi 27 novembre 2012

لسنا في بلد الحرّيّة...أفلا تعقلون؟




1-       
أصبحت الوصفة معروفة : يُخلط رطلٌ من المصلحة العليا للوطن بمثله من عجين حفظ النّظام العام ، يُضاف قليل من بهارات القانون وتحصين الثّورة أو حماية المقدّسات وهويّة البلاد و يوضع الخليط في فزن التّرهيب على نار هادئة في البداية ثمّ ترفّع درجات الحرارة شيئا فشيئا. وحين يحمرّ العجين ويتماسك ، اِسق الكتلة كلّها بمرق الخوف. كلوا بعد ذلك الطّبقَ هنيئًا مريئًا إلى حدّ الإحساس بالشّبع إذلالا وإهانة وقهرا.
هكذا يَتعلّم مشاريعُ المستبدّين من كتب الطّبخ العالميّة كيف يصنعون أطباق الدّكتاتوريّة النّاشئة، والبقيّة متروكة لحذق الطّبّاخين ونوعيّة اللّوازم وما يتوفّر في كلّ مطبخ من مكوّنات.


2-   
 مطبخنا الثّقافي بدأ إعداد بعض المفتّحات التي تؤكل قبل طبق الاستبداد. هناك في الجنوب ظهرت، في سياق الثّورة ، حركة فنّية لشباب اختاروا أن يكونوا معبّرين بفنّ الغرافيتي عمّا يتلجلج في صدور النّاس العاديّين.
شبّان انتدبوا أنفسهم ، ليخرجوا الشّعارات المحتجّة على بؤس الواقع من العابر الزّائل فيثبّتوها على حيطان الشّوارع.
حركة احتجاج سمّت نفسها "زواولة الفنّية" تجمع بين الموقف السّياسي والمقاربة الفنّية. لم يبتدعوا شيئا ولكنّهم ، بغريزتهم وثقافتهم ، يصوغون فنًّا ثوريًّا له تقاليد في تاريخ الثّورات ، في ضرب من اكتساح الفضاء العام لاستعادته من الدّكتاتور.
ويبدو أنّ الثّورة انتهت لدى البعض وعلى ثقافتها التي جاءت معها أن ترحل. معادلة قديمة جديدة: منطق الدّولة مقابل منطق الثّورة ، فعلى أيّ جانبيْك تميل ؟
جاء الخبر من قابس : قوات الأمن تحجر مواد رسم وتلوين تستعمل في الغرافيتي وتستنطق شاهين بالرّيش ورفيقه في حركة "زواولة الفنّيّة" أسامة بوعجيلة قبل إحالتهما على قضائنا المستقلّ العادل.
والتّهمة تهمتان : "نشر أخبار زائفة من شأنها أن تنال من صفو النّظام العام" و"خرق قانون الطّوارئ والكتابة على عقارات تابعة لأملاك الدّولة دون رخصة طبقًا للفصل 303 من المجلّة الجزائيّة والأمر عدد 50 المؤرّخ في جانفي 1978".
رائحة كريهة قديمة تفوح من قمامات القوانين والأوامر وإحساس فظيع بأنّه سبق لنا أنْ سمعنا مثل هذا الكلام البذيء الذي حطّّم ، من قبل ، مستقبل شباب من النّقابيّين والطّلبة والمعارضين.
حقًّا إنّ التّاريخ يعاود نفسه في شكل مهزلة أو مهزلة مضاعفة : الأخبار الزّائفة ، النّظام العام ، الكتابة على عقارات تابعة للدّولة ، قانون الطّوارئ ، أمر جانفي 1978 ... كلّ هذا يعود بعد ثورة ولدتها مثل هذه العبارات التي تواجه بها الدّولة مواطنيها حين يحملهم شوق الحرّية ونشوتها إلى قول ما يجيش في الصّدور.
كلّ هذا بسبب فنّ مقاوم محتجّ رافض بمقتضى تعريفه نفسه ونقصد فنّ الغرافيتي.
 هل أصبحت شعارات من قبيل ما رسمه الشّابّان  شاهين بالريش وأسامة بوعجيلة :"الشّعب يريد حقّ الزّوّالي" و"باعوا دمك يا شهيد" و"الزّوالي دفنوه وعينو حيّة" معكّرة لصفو النّظام العام ؟ هل أصبحت صورة "حنظلة" ناجي العلي مهدّدة لعقارات الدّولة ؟ أيّة جرأة أو جسارة في مثل هذا الوصف العادي لبعض أحوالنا ؟ أم أنّ الحقيقة ، كما قال الآخر ، في حدّ ذاتها ثوريّة مزعزعة للنّظام العام المختلّ أصلاً؟
3-   
شكرًا لأمننا الجمهوري وقضائنا المستقلّ فقد مكّنانا من التّعرّف إلى حركة فنيّة شابّة لم نسمع بها قبل. من هنا فصاعدًا سنهتمّ بـ"زواولة الفنّيّة" لأنّها تقول الحقيقة الثّوريّة ولا تنشر الأخبار الزّائفة ولأنّها تحلم بنظام عام للحرّيّة ، ولأنّها تساهم في إعادة تملّك النّاس للفضاء العام ولأنّها، أوّلا وآخرًا ، تفضح ترسانة قوانين الدّكتاتوريّة وأوامرها المعادية لحرّية الرّأي والتّعبير.
شكرًا لأمنِنا الجمهوري وقضائنا المستقلّ فقد أثبتا لنا أنّنا لسنا كما توهّم بعضنا في  بلد حرّية مادام لنا بعد الثّورة ولا فخر سجينُ رأي باسم المساس بالمقدّسات ،
لسنا في بلد حرّية مادام  لنا لاجئ سياسي في رومانيا بسبب رأيه ،
لسنا في بلد حرّية ولنا زوجة معارض سياسي قُتل لآرائه السّياسيّة تطلب اللّجوء السياسي إلى بلدان حرّة حقًّا،
 لسنا في بلد حرّية مادام بعض الفنّانين التّشكيليّين يجرجرون في المحاكم ليفسّروا لقضائنا المحترمين أعمالَهم الفنّيّة المستفزّة.
شكرًا لكلّ من صمت أو شارك أو تواطؤ فحبّات المسبحة إذا كرّت لن ترحم منّا أحدًا وعجلة الدّكتاتوريّة ستدوس من هو مغرم بوصفة إعداد طبق الاستبداد قبل غيره. أفلا تعقلون ؟


1 commentaire:

illusions a dit…

نص رائع لواقع مرير