Follow by Email

mardi 13 novembre 2012

ما الذي يدبّر بليل..ونهار؟



1
يصمّ منّا الآذانَ ، منذ مدّة،حديث عن "دكتاتوريّة ناشئة" في البلاد وخطر استبداد قادم يدبّر بليل ..ونهار أيضا.غير أنّ في هذا الحديث بعض المبالغة وكثيرا من المخاوف.
    فالماسكون بزمام السلطة عندنا لم ينتزعوها بالغصب والغلبة والعنف ولا يفتقدون إلى ضرب من الشرعيّة المدنيّة المسنودة بالمؤسّسات.ثمّ إننا لسنا أمام سلطة مجتمعة بيد واحد أحد أو مجموعة أو حزب من غير شريك.لذلك يعسر أن نرى في النظام القائم قهرا أو سلبا للحرّيّات السياسيّة يخرج عن قواعد اللّعبة دون رقيب أو حسيب.
   وربّما جاز لنا أن نرى في الطابع المؤقّت لرموز السلطة القائمة الثلاثة شيئا ،قليلا أو كثيرا ، من التخبّط وضعف التدبير ومشاكل في التسيير لا يبرّرها دائما السياق الاستثنائيّ.
    غير أنّ في تجارب التاريخ ما ينبئنا بأنّ الشرعيّة الانتخابيّة لا تكفي للوقاية من داء الاستبداد وبأنّ الأساس المكين لهذا الاستبداد إنّما هو الشعبويّة المقيتة والثورجيّة الكاذبة ومنطق الأغلبيّة المريدة .فكم من مستبدّ ارتقى على ظهر الشعب وبانتخابات نزيهة ليتربّع على سدّة السلطان فيعضّ عليها بالنواجذ إلى أن تُقتلع ، ولو بعد حين، من فمه بالدم النازف من لحم الناس.
2
   لئن كنا على ثقة في حكمة جلّ نخبنا وتشبّعها بقيم الحرّيّة ومواصفات الأنظمة الحديثة وقدرتها على وضع دستور ممتاز فإنّ تيّارات تحتيّة ، مضمرا بعضها ومظهرا بعضها الآخر،تنسج للاستبداد والفساد مهادا مهدّدا بذهاب ريحنا جميعا.
     فمن هذه المخاطر، وهي في الثقافة والتصوّرات الذهنيّة ،أنّ الغلبة السياسيّة تحدّد بالجموع والكثرة والعدد.ويبنى عليها باستدلال ساذج أنّ رأي الجماعة الكثيرة هو الصواب والحقّ الذي ينبغي أن يتّبع.ولو سايرنا منطق الجموع لما تقدّمت المجتمعات لأنّ الأمّة الحقّ هي أمّة الأذكياء لا الأمّة التي يستوي فيها العالم والجاهل و المبدع والمتّبع والفلاسفة والدهماء.ولو سايرنا منطق العدد مطلقا لأصبح عتاة الدكتاتوريّة الواصلين إلى عرشهم بشرعيّة الصناديق أحقَّ بأن يتّبعوا ويخفض لهم جناح الذلّ.
    ومن هذه المخاطر ، وهي أيضا من ساذج التصوّرات وخسيسها، أن تتّخذ الديمقراطيّة مرقاة لغايات انقلابيّة ومشاريع ليست من جوهرها.فليس العيب في العمل على تغيير بنية المجتمع وثقافته بل العيب في أن يكون ذلك التغيير لاحتكار جميع مناحي الحياة في أيدي فئة مهما كان حجمها ولإخضاع الناس إلى نمط موحّد واحد من أنماط السلوك والتصوّر يكره عليه من لا يرضى به باسم الدين او باسم قراءة له بائسة أو باسم مذهب أو نحلة.فثقافة الديمقراطيّة تكره الانقلابات وتنبني على التعدّد والاختلاف وتتأسّس على حماية الأقليات.ولكنّ ما نراه من سعي إلى الأسلمة من أسفل بجمعيّات وتنظيمات ومدارس موازية وتوظيف لبيوت العبادة وحتّى بمخيّمات الدعوة والتدريب على القتال لمن أمارات هدم الأساس من مشروع العيش المشترك.
     ومن المخاطر، وهذه في الواقع والممارسة وإن كانت لها بالثقافة السائدة صلة،هذا الصمت المتواطؤ عن قطعان المجرمين بالجملة والتفصيل،قطعان تسرح في البلاد ولا من حسيب.مجرمون يزرعون الحقد ويمارسون العنف ويبذرون الخوف في النفوس ضدّ النساء والمثقّفين والفنّانين والمعارضين والجامعيّين وحتّى المؤمنين في المساجد والجوامع والأضرحة وبعض السفارات الأجنبيّة.ثمّ يقال لنا هم أصحاب رأي وهم أبناؤنا فلا تجعلوا منهم شياطين وإلاّ حكموكم بعد حين.فأيّ رأي يحترم إذ ينفي حرّيّة الآخرين في التعبير؟ وأيّ ابن هذا الذي يشيع الرعب في العائلة ؟ وأيّ تهديد بحكمٍ قائم على الإيديولوجيّات المغلقة العنيفة باسم الحريّة والديمقراطيّة؟
    حقّا لم يأتوا من المرّيخ ولكنّهم غرباء عنّا نزلوا من سماوات مذهبيّة قاتمة السواد مرسلين في قلوب الناس حجارة من خوف وترهيب أصابتهم في مقتل كما أصابت غيرهم .وذلك انبناء على منطق عنيف لا نهاية بادية له لأنه من جوهر ثقافة الموت المدعومة بالمال الفاسد والتأويلات السقيمة وقتامة الاقصاء والتهميش والعيش في ضواحي الحداثة المعطوبة.ولكن ، في الحالات جميعا،من حقّ الناس على من ائتمونهم على عيشهم وأمنهم أن يحتموا بالدولة ممّن لا يعترف بها.
3
أفلا يحقّ لنا والحالة تلك أن نعتبر الرغبة في الهيمنة على الدولة وضمان وضع اليد على كلّ شيء فيها من جهة وغضّ الطرف عن الخوف الذي تشيعه بعض المجموعات وخطّة الأسلمة من القاعدة من باب ترديد قول القائل " أمطري حيث شئت فخراجك (السياسيّ؟) لي" ؟ ألا يحقّ لنا أن نرى في تلك الرغبة وفي هذه الرهبة مقدّمتين كبريين لإنشاء دكتاتوريّة من صنف جديد قديم وبابا يفتح لعودة الاستبداد؟