Follow by Email

mardi 13 août 2013

المكابرة والمقامرة والمغامرة


1
لعلّهم اتفقوا أو هم بصدد التوافق. لا يهمّ ذلك كثبرا. ستمرّ العاصفة، ولو مؤقّتا، لتبقى الآثار محفورة عميقا في الوجدان والواقع. فما حدث،كلّ ما حدث، مع مجلسنا التأسيسيّ الخارج من صناديق الانتخابات مكلّلا بشرعيّة بلا ضفاف ومع مؤسّستي الرئاسة والحكومة الناشئتين عن منطق الغنيمة والمحاصصة يدعو إلى العجب من السلوك السياسيّ الجديد للهواة والمزايدين والمتعطّشين للحكم ويدعو كذلك إلى السخط على الفشل الذريع في الالتزامات والعهود على الأقلّ. ورغم ذلك لا نسمع إلاّ لغة المكابرة والغرور السياسيّ والابتزاز العاطفيّ أُضيفت إليها بعضُ أفاويح الثوريّة الزائفة والديمقراطيّة الصندوقيّة حصرا والمؤامرة الخفيّة والانقلابيّة البائسة وشيءٌ من ملح الوطنيّة المنجّية من المحاسبة. لغة تدعو إلى الغثيان والتقزّز.
لتطئمنّ قلوب حكّامنا جميعا ولتمت معارضتنا بغيظها فلست أُعنى بالشرعيّة المهترئة ولا بالتفسير التآمري للفشل ولست أدعو إلى حلّ الحكومة ولا الرئاسة. لست مغامرا ولا مكابرا. ولكنّني أعجب في خضمّ هذا كلّه من سوء التقدير والعجز عن رؤية الواقع الحالي في تحوّلاته والسياق الإقليميّ والدوليّ في حركيّته.
فقد وارى المشيّعون جثّة الشهيد محمّد البراهمي في تلك الحفرة المظلمة ولكنّهم واروا أيضا وبالخصوص جسما سياسيّا قد تعفّن منذ أمد، منذ اغتيال الشهيد الآخر شكري بلعيد على الأقلّ. فقد انتهت صلوحيّته ونجاعته حين كابر المكابرون وتبيّن أنّهم صورة أخرى، ضمن منطق وضع اليد على غنيمة رمزيّة الثورة وأجهزة الدولة، من التجمّع المنحلّ. فقد خرجوا من التعبير عن بعض المجتمع إلى التمكين للجماعة. وكان ذلك إيذانا، عندنا، بالانقلاب الواقع لا بالانقلاب المحتمل.
2
لست أعجب إلاّ من الارتباك الذي دفع سياسيّين ووزراء ونوابا من مجلسنا الشرعيّ إلى التعامل مع جريمة الاغتيال كما لو أنّها جريمة قتل عاديّة جديرة بصفحات الجرائم والمحاكم في أحسن الأحوال. فيتكفّل بها الأمن تحقيقا والقضاء إنفاذا للحقوق وكفى اللّه السياسيّين شرّ التفكير والتدبّر وتحمّل المسؤوليّات جميعا. بل بلغ العيّ السياسيّ والفجاجة الأخلاقيّة ببعضهم إلى أن أنكر كلّ مسؤوليّة للفريق الحاكم في الاغتيال كأنّ الأمر متعلّق بدفع تهمة فحسب والدليل، عندهم، أنّ هذا يحدث في جميع البلدان والديمقراطيّات. منطق مضحك إلى حدّ البكاء المرّ على المنحدر الذي بلغناه.
لقد اتفق الجميع على أنّه اغتيال سياسيّ بكلّ وضوح وبساطة. وهو ضرب من الجرائم التي لا يُكتفى فيها بتحديد الفاعلين وضبط الدوافع ليغلق الملفّ. إذ الفارق النوعيّ بين الجريمة العاديّة والجريمة السياسيّة يكمن في أنّ الأولى تكتفي بذاتها وتنتهي بانتهاء الكشف عن ملابساتها ولكنّ للثانية سياقا تتنزّل فيه قبل وقوعها وأثناء حدوثها وكلّ ما يترتّب عنها من نتائج ومسؤوليّات.
3
ليكن: حزب الأغلبيّة بريء من دم الشهيدين مادامت السلفيّة الحمار القصير الذي يركبه كلّ راكب، والمغامرون المتمرّدون يحاكون جماعة الانقلاب المصريّ ولكنّ تونس ليست مصر وسيفشل الذين يكيدون للصناديق والشرعيّة الأبديّة.
ليكن ما تشاؤون ولكن من يتحمّل كلّ هذا الدم؟ من تراخى وبرّر ودافع عن المجرمين ومشاريع المجرمين أفرادا ومجموعات؟ من انزلق لسانه أكثر من مرّة ليكشف عن تصوّرات عنيفة أصيلة في تصوّراته الفكريّة وفي كلّ مرّة يخرج ناطق متلعثم ليوضّح المقاصد في حين أنّ النصّ محكم صريح؟ من رفض التوقيع على ميثاق مناهضة العنف؟ من عطّل كتابة الدستور باعتراضاته على ما ثبت في منظومة الحقوق والحرّيّات الكونيّة وتخوّفاته من أن نصبح مثل الغرب الكافر؟  وللأسئلة أن تتوالد في وصف حالتنا وسياق الاغتيال السياسيّ ولو على نحو إنكاريّ.
ليكن ما يشاؤون ولكنّني محتار في تسمية كلّ هذا: رعونة، غطرسة، غباء، غرور سياسيّ صندوقيّ ، ابتزاز، صلف، مكابرة، مقامرة،حماقة، قصر نظر...ولكم أن تواصلوا البحث في التسميات.

ولكنّ الثابت أن الأخطاء تكاثرت ولم تعد المقامرة والمكابرة تنفعان. فالأرجح أنّ رياح الجغرافيا السياسيّة التي أوصلت حكّامنا إلى كراسيهم قد تغيّرت بعد أن عجزوا، كما عجز نظراؤهم الذين حوّلوا ربيع العرب إلى خريف مخيف، عن الإيفاء بتعهّدين أساسيّين في اللّغة الدوليّة: اجتثاث الإرهاب وبناء الديمقراطيّة. إذا صحّ هذا فالمكابرة، في سياق الحال، رديف للمقامرة وقد تمهّد لمغامرة غير مأمونة العواقب. 

mercredi 3 juillet 2013

حين يستاء الوزير الفاشل مرّتين


1
تساءل أحد وزراء الفشل في حكومتي الفشل الأولى والثانية، وهو يستمع إلى نوّاب البرلمان الأوروبي في بروكسال، "نحن بصدد حضور مساءلة أمام المجلس الوطني التأسيسي التونسي ؟؟ شيء من احترام سيادة تونس يرحمكم اللّه". هذا ما تناقلته بعض الصحف. ولكن الوزير الذي وصل إلى وزارتين بمنطق توزيع الغنيمة لا لكفاءة تميّزه أكّد لإحدى الإذاعات أنّه يرى " تونس مقاطعة أوروبّيّة من خلال تعامل النوّاب الأوروبيين مع أعضاء الحكومة التونسيّة".
لمْ يسأل الوزير قبل ذلك لم ذهب هو وأعضاء الحكومة إلى هناك؟ وهل كان يعتقد أنّ الدخول إلى الحمّام الأوروبيّ كالخروج منه؟ هل كان ينتظر التصفيق على الثورة المغدورة أم مزيد المساعدات والقروض والصمت عمّا يقع؟ هل قرأ يوما ولو مقالا صحفيّا عن السياسة الخارجيّة وعلاقة بلادنا واقتصادنا بأوروبا؟ هل نسي أن بن علي ووزراءه سبق لهم أن تذمروا بدورهم ممّا تذمّر منه اليوم والتجؤوا مثله إلى معجم الشقشقة اللّفظيّة عن السيادة والوطنيّة واللّعب على العواطف التي لا تصرّف في بنوك السياسة الدوليّة ولا حتى في البنوك الوطنيّة؟ لمَ لمْ يتذكّر حديث السيادة عندما تفاوضت حكومته الأولى والثانية مع المقرضين والمموّلين لرهن البلاد واقتصادها؟
2
سأل البرلمانيّون الأوروبيّون الحكومة التي يرأسها من رشّ الناس في سليانة وحرّض على شكري بلعيد أكثر من مرّة وعجز بعد ذلك، وإلى الآن، عن الكشف عن قتلته، سألوه عن الإسلام السياسيّ وعلاقته بالحركات المتطرّفة وواقع حرّيّة التعبير والجدول الزمني للدستور وعن قتلة بلعيد ورابطات حماية الثورة المغدورة. هذه هي الأسئلة التي رأى فيها وزيرنا النابغة وحيد عصره مساسا بالسيادة الوطنيّة فأثارت استياءه. وحين يطرحها التونسيّون يصبحون من واضعي العصيّ في عجلة الترويكا ومن المنقلبين على الشرعيّة. ألم يكن من الأجدر أن يقدّم الإجابات عن أسئلة حقيقيّة تشغل بال التونسيّين وغير التونسيّين؟ بل هل يملك، وهو السياسيّ الذي يدّعي الثوريّة، هذه الإجابات المطلوبة الآن وهنا؟
كنّا نودّ لو حدّثنا أيضا، مادام الشيء بالشيء يذكر، عن وجود ممثّل شبكة دستورنا الذي رفع ورقة تطالب بالكشف عن حقيقة اغتيال شكري بلعيد. ألم يذكّره ذلك بحديث بن عليّ وإعلامه عن الاستقواء بالأجنبيّ والمساس بمصالح تونس في الخارج وتجريم كلّ من يعارضه خارج البلاد ويبلّغ صوت النخبة السياسيّة في المحافل الأوروبيّة والدوليّة؟ أليست هذه العصا عنده من تلك العصيّة؟ ألم يلاحظ أنّه بكلامه الوطنيّ جدّا يكشف عن أنّه يعيد إنتاج خطاب المخلوع وأزلامه ويستبطن آليّاته المضمرة والظاهرة؟
فلم أدخل الوزير الفاشل مرّتين يده في عشّ الدبابير إن كان يخشى اللّسع؟
3
كلّ هذا ويريدون منّا احترامهم واحترام سياسة الهواة والجائعين المتلهّفين على كعكة السلطة باسم الشرعيّة والثورة؟ فلماذا أدخلوا كلّ من هبّ ودبّ إلى البلاد لتخريبها ووقفوا يتسوّلون على الأعتاب باحثين كالذئاب المسعورة عن فتات مأخوذين بسكرة السلطة وحلاوة الحكم؟ ماذا فعلوا عدا الضحك على الذقون والتدرّب على حلاقة رؤوس الأيتام جميعا، أيتام الثورة وأيتام بن عليّ وأيتام الأمل الذي دمّروه؟
حصّنوا ثورتكم بأمثال هؤلاء الوزراء، مارسوا السياسة بمنطق الوطنيّات البائدة كلّما حشرتم في الزاوية، واصلوا فشلكم في ترتيب العلاقات مع الشركاء والأصدقاء والأعداء أيضا. قد تنتصرون مرّة أخرى بمنطق بن عليّ نفسه وإن تغيّرت المفردات وتبدّل القاموس. فهل، لجلّ المؤمنين بشرعيّة بلا ضفاف، أسطع من هذا بيانا على الفشل وانقضاء أجل الصلوحيّة السياسيّة لحكومة العجز والفشل؟



jeudi 20 juin 2013

محاولة لاستعادة اللّغة الخشبيّة

ولد الكانز وأضرابه


1
ليس لنا إلاّ أن نهلّل ونكبّر لصدور الحكم العادل على الفرخ المسمّى "ولد الكانز". فقد نال جزاء التجرّؤ على أمننا الجمهوريّ والتحريض على العنف في أغنية قبيحة بذيئة تمجّد المخدّرات وتدعو إلى الهجوم عن حماة حياتنا وعلى قضائنا الذي تتهمه بعدم الإنصاف.فلنحيّ جميعا قوانيننا الرائدة في زجر مثل هذه الحالات التي لا تناسب تقاليد بلادنا المعتدلة المتسامحة.
أمّا ما قاله بعض المسؤولين الغربيّين عن الأحكام الصادرة ضدّ أبنائنا السلفيّين وضدّ الفرخة أمينة والفاسدات الثلاث المتعرّيات أمام المحكمة فلا عبرة بها ولا باتهام مدوّنتنا القانونيّة بالدكتاتوريّة السالبة للحرّيّات. إنّهم ببساطة حاقدون يكرهون ثورتنا ويحتقرون هوّيّتنا ويحسدوننا على عدالتنا. فلنعتبر مواقفهم الحقيرة تلك دليلا على نجاحنا في هذه المرحلة الانتقاليّة التي يشهد القاصي والداني بسيرها الحثيث نحو تحقيق أهداف الثورة وتطهير البلاد من الجراثيم. لقد نجحنا وكلّ ناجح محسود.
إنّ هذه الأغنية الحقيرة لا تمثّل ثقافة الثورة المجيدة النبيلة . فقد كتبها وغنّاها جهلة مارقون لا يتورّعون عن وصف الصناديد من رجال أمننا بالكلاب، هذا الأمن العتيد الذي شرّفنا دائما وحفظ ماء وجوهنا وأبكانا أيام المظاهرات، قبل الثورة وبعدها، بلطفه ودفاعه المستميت عن الشعب ونشر الشماريخ ذات الدخان الكثيف في سماء تونس الصافية، أقصد شماريخ العزّة والكرامة. ثمّ يأتي هؤلاء الأوباش اليائسون الهامشيّون لينفثوا سمومهم ويخرجوا سهامهم ضدّ أوفى من أنجبت هذه الأرض الطيّبة.
2
إنّ الكلب، عند العرب، يجسّد معنى الوفاء وحفظ الودّ. ولكنّ هؤلاء المتنطّعين على الفنّ الراقي والأدب الصحيح السليم لا يعرفون "كتاب الحيوان" للجاحظ ولم يسمعوا قطّ بكتاب " البيان والتبيين" ولا " بالعمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" لجدّهم القيرواني ابن رشيق.إنهم أعجز من أن يطالعوا من هذه الكتب التي تعلّم الفنّ السامي والأدب الراقي صفحة واحدة.
 يخربشون كلام السوقة والرعاع والدهماء، ويحلّونه ببعض القوافي السقيمة، ويدندنونه بألحان مكرورة لا رونق فيها تدمّر الHعصاب، مخرجين ذلك كلّه بأصوات منكرة شبّهها العزيز الحكيم في محكم تنزيله بأصوات الحمير. يصفق لهم ذوو الأذواق المنحطّة فيذهب في وهمهم أنّهم فنانون وشعراء ومطربون.
و الأنكى أنّ الفاسدين من المثقّفين المتشدّقين بالحداثة الزائفة المدّعين الدفاع عن حرّيّة التعبير والصحفيّين من أزلام النظام البائد وإعلام العار يدافعون عنهم وعن بذاءاتهم لغاية في نفس يعقوب. إنهم يدمّرون أسس ثقافتنا الوطنيّة العربيّة الإسلاميّة ويهدّدون انسجام مجتمعنا التونسيّ الوسطيّ الذي يأبى التطرّف ويدعو إلى الاعتدال. ولكنّ النفوس التي جبلت على الحقد والكره والانبتات الحضاريّ تشجّع هؤلاء الذين لم يتورّعوا في إحدى الأغنيات التي تصف أمننا الجمهوريّ بالبقر عن القول " كرّهتونا في الوطن" . لقد اعترفوا بأن لا صلة تربطهم بوطننا العزيز فليغادروه إلى بلدان أخرى حاقدة علينا تكرهنا وتكره تقاليدنا وثقافتنا مثلما فعل الزنديق الذي تهجّم على ديننا الحنيف ونبيّنا الأكرم فمنحته فرنسا الإمبرياليّة الصليبيّة حقّ اللجوء. إنهم أيتام فرنسا وجندها الخفيّ المكلّف بتخريب أمننا الثقافيّ.
3
إنّنا ندعو من هذا المنبر إلى مراجعة الحكم الصادر ضدّ المدعوّ " ولد الكانز" وأضرابه. فسنتان سجنا لا تكفيان لمسح الإهانة التي تعرّضت لها شرطتنا وأصابت قضاتنا الموصوفين في الأغنية الملعونة نفسها بالكلاب. إنّهم مارقون عن القانون، معادون لأسس العيش المشترك، ولا يحترمون دولة القانون والمؤسّسات. لقد أخرجوا أنفسهم من الإجماع الرائع في بلادنا، ولا يرتجى منهم خير في الذود عن الوطن ورايته.
ولا نقبل، بصفتنا مواطنين صالحين، أن تدوس مثل هذه الحشرات كرامة شعب ثار من أجل كرامته بدوس كرامة جهاز أمننا ورجاله وكرامة قضائنا العادل الساهر بعيون يقظة على مسارنا الانتقالي والديمقراطيّ مدافعا دفاعا مستميتا عن تطبيق القانون بكلّ حزم دون وصاية أو تدخّل من أيّ جهة كانت.
علينا جميعا أن نتكاتف ضدّ هذا الخطر المحدق بأمننا الفنيّ والثقافيّ ووحدتنا الإيديولوجيّة الصمّاء وذوقنا الجماليّ الرفيع السليم وإلاّ انتشرت البذاءة وعمّ القبح في بلادنا النظيفة الجميلة.وإذا لم نفعل ذلك الآن فإنّ السيل الجارف سيأتي على الأخضر واليابس ويومها لن ينفع ندم. اللهمّ إنّي بلّغت.

      

mardi 11 juin 2013

عودة التجمّعيّين

عادوا كأنّ شيئا لم يقع





1
يعودون اليوم بلا حياء. يتقوّى عودهم ويشتدّ يوما بعد يوم. كأنّ لاشيء وقع. يتنصّلون من الدكتاتور كما لو أنّهم لم يستفيدوا منه ولم يناصروه. أصبحوا هم أيضا من ضحاياه ونسوا أنّهم كانوا جلاّدين يأتمرون بأوامره وينفخون من روحهم الحقيرة في صورته.
نفهم أن ليس للغريق إلاّ التمسّك بقشّة. ونعرف أنّ الشريك في الجريمة يسعى بغريزته إلى التنصّل من المجرم الثابت.
وبالمقابل، يخطب اليوم، ومنذ أيّام، أكثر السياسيّين ودّهم ويتسابقون لتقاسم لحمهم الذي يرونه نافعا شهيا في مأدبة التحالفات والتوازنات والمناورات السياسيّة ويزنون أصواتهم وخبرتهم في التجييش والتعبئة في الحفلات الانتخابيّة.
سعي محموم بائس، في الظاهر، لمنعهم من الوجود بالجملة باسم تحصين الثورة وتحقيق أهدافها. سعي يشارك فيه الذين يغدرون الثورة بإخلاص أو يهدرون رأسمالها بغباء متأصّل.
وفي الباطن تتوزّع القبائل السياسيّة دماء "أزلام النظام البائد" وفلوله، وحتّى رموزه، تارة باسم المحاسبة القضائيّة الفرديّة وطورا باسم الواقعيّة الانتهازيّة التي لا تقال وطورا ثالثا باسم عفا اللّه عمّا سلف مادام باب التوبة ( والأحزاب) مفتوحا لكل من يناصر هذه العشيرة أو تلك.
2
في هذه السوق السورياليّة المنتصبة بعد الثورة ضدّ آلة التجمّع المنتجة للدكتاتوريّة يجد التجمّعيّون بأصنافهم مكانا يسمح لهم بالمناورة والتأثير وتقديم الخدمات لهذا الطرف أو ذاك. أصبح لهم قول يصدحون به ورأي يدلون به على موائد الحوار والنقاش والتفكير في مستقبل البلاد. لهم هامش للمناورة والتحالف وممارسة ما اعتادوا عليه من بحث عن المواقع وتقديم الخدمات للراغبين في خدماتهم كأنّهم يعرفون أنّهم رقم ممكن في معادلات هشّة فيقبلون، بحثا عن تحصين وجودهم واستمراره، سياسة ضرب رأسٍ برأس للتسلّل خفية أو وبوقاحة إلى المشهد العام مقدّرين أنّ العاصفة مرّت ولا سبب للاستمرار في الانحناء يشجّعهم في ذلك تنافس الأطراف المختلفة على خطب ودّهم. إنّه زمن المضحكات والمبكيات والإخفاق والفشل في الالتزام بالحدّ الأدنى من الوضوح والحياء.
ليس الأمر عندنا مرتبطا بالأشخاص فردا فردا. وإن كان لبعضهم من الإثم التاريخيّ في هذه البلاد ما تقعد القوانين السائدة والقضاء الباحث عن استقلاليّته عن المحاسبة عليه. انظر جيّدا لهؤلاء الموقوفين من رموز الاستبداد الذين أفسدوا في الأرض كيف يعجز القضاء عن أن يسمّي جرائمهم ويوثّقها ويدخلها في منطقه العادل مبدئيّا.وسيفرج عنهم، ولا ريب، لعدم كفاية الأدلّة التي رآها الجميع ولكن لا أحد تكفي شهادته للإدانة.
ليس الأمر مرتبطا بالجماعة في كلّيتها فهي كيان مبهم معنويّ تربّى على أخلاقيّاته غير الحميدة أكثر الفاعلين ويقلّده كثير من الماسكين بدفة السفينة اليوم. فثقافة التجمّع أشدّ ترسّخا ممّا يعتقد. لقد سقط الإسم، في صبيحة ذلك اليوم المشهود في السادس عشر من جانفي 2011، ولم يمح المسمّى.
3
لم نسمع أحدا من هؤلاء الذين يعودون اليوم بوقاحة لا نظير لها وبتبجّح غريب ليكشف لنا آليّات الاستبداد ودوره فيه ويعلن على الملإ توبته ويعتذر عن مشاركته في حفل قتل التونسيّين عرقا عرقا ليشرب من دمائهم الدكتاتور. فالاعتراف والاعتذار كافيان عندي للاغتسال من أدران سنوات من العفن الكريه. لا أحد فعل ذلك ولا أحد ممّن يزعم حماية البلاد من عودة الاستبداد دفعهم إلى ذلك ففتحت السلطة المرتبكة العاجزة قصيرة النظر الباب والشبابيك والكوى لعودتهم من المنافذ جميعا. وسيعلم هؤلاء أيّ منقلب ينقلبون وإن استفادوا من خبرة من تربّوا على الولاء للسلطة القديمة وهاهم اليوم يتبارزون في الولاء للهواة الفرحين بالسلطة الجديدة.
كان ما كان يمكن ألاّ يكون. لقد صفّر القطار وسقطت أوراق التين السياسيّة والأخلاقيّة فليكفّوا عن الثرثرة برطانة ثوريّة لا تليق بهم والتحدّث باسم ثورة برّزوا في غدرها ووأدها في المهد. وهنيئا للمؤلّفة قلوبهم المتسربلين بالتقوى والإيمان أو بالدفاع عن مكاسب الحداثة ..حداثة التجمّع القديم ...والجديد.     
 



jeudi 30 mai 2013

الجامع والجامعة




1
لا أجد اسما لما وقع غير الضحك على الذقون.
وقعت القصّة في رحاب جامع الزيتونة المعمور بعد أن خرج عن سيطرة الدولة ووزارتها الراعية للشأن الدينيّ. كان ذلك بمناسبة الذكرى الأولى لما سمّي باستئناف التعليم الزيتونيّ الأصليّ. وليس في الحدث ما يدعو إلى الدهشة فهو نتيجة منطقيّة لمسار سابق متواصل. لكنّ الطريف هو أنّ من نصّب نفسه، في غمرة الفلتان ونشوة الحرّيّة إماما أعظم، اكتسب هذه السنة شرعيّة اغتصاب الإمامة من النبيّ الأكرم مباشرة. فقد فكّر الإمام المنتصب تلقائيّا في التخلّي عن المنصب المغتصب لكنّ الرسول زاره في المنام ليثنيه عن عزمه داعيا إيّاه إلى مواصلة رسالته التطهيريّة للجامع حتّى يستعيد عافيته العلميّة.
بيد أنّ هذا الشيخ الإمام لا يُعرف له نسبٌ عائليّ شريف يشرّع له ،كما شرّع لمن سبقه، الإمامةَ  ولا يُذكر له تأليفٌ علميّ أو اجتهاد فقهيّ يستند إليه في الأحقيّة التي زعمها. فقطْ تمّت الأمور في غفلة من الجميع ثمّ، لأمر مّا، باركه وزيرا التربية والتعليم العالي والشيخ الأكبر زعيم الحزب الحاكم في البلاد رضي الله عنه. وهاهو منذ أيّام يضيف إلى مباركة السلطة السياسيّة شرعيّةً نبويّةً وإن كانت في المنام.
هذا شأن الجامع وشيوخه نعرضه ولا رأي لنا فيه غير الاستغفار والحوقلة وكلاهما لا يهمّان أحدا غير من أنشأهما على وجه الدعاء أو غيره من الوجوه التي قد يحملان عليها في مثل هذه المقامات. ولسنا نهتمّ في هذا بالخصوص بتحديد الذقون التي ضحك عليها الشيخ ولكنّنا سننتظر من سيضحك في نهاية الحكاية السمجة ضحكا كالبكاء.
2
 ما يعنينا من حفل إحياء الذكرى الأولى لما سمّى باستئناف التعليم الزيتونيّ إنّما هو تعبير أحد مهندسينا البارعين العاملين في أرقى مراكز البحث الأمريكيّة عن نيّته في إحداث " جامعة زيتونيّة لعلوم الطبّ والهندسة" ( كذا!).
نعم خرّيج المدرسة الوطنيّة للمهندسين بتونس وابن مدرسة الجمهوريّة الحديثة والباحث في جامعات كندا والولايات المتحد الأمريكيّة تأخذه الحميّة، حميّة مّا، فيلقي الكلام على عواهنه.
نتفهّم أن يكون الوفاء لأب زيتونيّ كان يصحّح المصاحف المطبوعة في بلادنا عاملا من عوامل الحماسة، و قد نجد في رمزيّة الجامع الأعظم ومكانته في القلوب ما يبرّر هذه الحميّة ولكن أن تنقلب الحميّة والحماسة إلى جامعة للطب والهندسة فدون ذلك، في تقديرنا، خرط القتاد كما كانت تقول العرب أو لعلّه مصداق لحكمة الأجداد "إنّ البلاء موكّل بالمنطق".
فإذا كانت الزيتونة رأسمال رمزيّا مشتركا فكلّ جامعاتنا زيتونيّة بمعنى من المعاني أصلها أضحى، منذ نصف قرن، ثابتا وهي ترنو إلى أن تعانق فروعُها السماء وإن لم يكن من الممكن، في عصرنا هذا، أن تكون لا شرقيّة ولا غربيّة إلاّ على معنى أنّ العلم كونيّ كلّيّ.
 أمّا إذا كان القصد من وعد المهندس البارع تدريس الطبّ والهندسة تحت إشراف نظارة الجامع المتكوّنة من شيوخ لا يفقهون إلاّ في الدّين، وهذا من باب المسامحة وحسن الظنّ، فهو لممّا يخالف نواميس الجامعات ومعاييرها في العالم كلّه فيكون لنا اسم ولا مسمّى تحته. والأرجح أنّه من باب اللّغو الذي لا يصدر عن عاقل يعرف العلم والتعليم والبحث والجامعة وكيفيّة تسيير شؤونها.
3
 إنّ الجامعات اليوم، لمن يطلب النهضة العلميّة الحقّ، ليست بناءات وأموالا وتسميات. بل هي أساليب في إدارة الشأن الجامعيّ بيداغوجيّا وأكاديميّا، وهي كفاءات من أرفع طراز وبرامج ومسارات دراسيّة لها مواصفات دوليّة وبحوث وإنتاج علميّ نظريّ وتطبيقيّ وترقيات على أساس منشورات علميّة محكّمة في مجلاّت عالميّة يصدر أغلبها بالأنجليزيّة أساسا.
فإذا كان مهندسنا البارع في علم الحيل، أو الميكانيكا كما تقول الفرنجة، قد باع الحضور الكريم من الشيوخ، على سبيل الحماسة التي يدعو إليها المقام، فقد حقّق غايته في الإشباع النفسيّ لمن استضافه وكرّمه وكرّم والده الشيخ وإذا كان جادّا في قوله فليس لنا إلاّ أن نحوقل ونستغفر مرّة أخرى.
فالجامعة مفهوم حديث، وهي غير الجامع، ومؤسّسة لا يُدرّس فيها إلاّ ما اتفقت عليه الجماعة العلميّة العالميّة. فما الهندسة التي ستدرّس في الجامعة الزيتونيّة الموعودة ولا نجدها في مدارس الهندسة المنتشرة بالبلاد؟ وما نوع الطبّ الذي لا تحترم جامعاتُنا الحاليّة قواعدَه وفنونه ومراسمه؟
إنّ لجامعاتنا ولمنظومة التعليم في بلادنا من العلل والأمراض ما يكفي. وهي تتطلّب، بعد عقد النيّة وصحّة العزم والإرادة السياسيّة الواضحة، وقتا طويلا وجهدا سخيّا لعلاجها. ولا أظنّنا نحتاج، خصوصا من نوابغنا الذين خبروا حقيقة العلم المنتج النافع لدى صنّاعه، أن يشاركوا في حفل صبغ العلم والتكنولوجيا بالإيديولوجيّات الزائفة والهوّيّات المأزومة حتّى لا يكون المآل مزيدا من الضحك على الذقون فنجد أنفسنا جميعا مع آخر الضاحكين ...ضحكا كالبكاء. 

mardi 21 mai 2013

تدريب على حرّيّة الضمير


1
واقع لا تحظئه العين المجردة: سوق للأفكار تنتصب يوميّا في بلادنا، أفكار متعدّدة المصادر والمراجع، صراع على المعنى و تأويله حادّ.كلّ يدّعي وصلا بالحقّ الحقيقة البشريّ أو المتعالي. كلٌّ يرى فرقته، بخلفياتها السماوية أو الأرضية، ناجية لا محالة و يرى، متأسّفا، أنّ أغلب الناس لا يعلمون.
و الحاصل أنّ هذا يعكّر صفو الفكر و يدخل سوس الشك في النفوس فيدمّر التوازن الثقافيّ العام ويشوّش بلغة أهل السلطة و قوانينها "صفو النظام العام". 
تضيع البوصلات جميعا بما يبعث في الوجدان إحساسا بالإساءة إلى الآخرين في اعتقاداتهم أو أخلاقهم أو ثوابتهم ومقدّساتهم.
تدور عجلة الاتهامات المتبادلة. كلٌّ يتهم غيره باستيراد الأفكار من الغرب المخرّب للعقول أو من جزيرة العرب الناشرة لأشدّ ما في البداوة من انغلاق فكريّ و تشدّد روحيّ.و الضحيّة في الحالات جميعا واحدة: أسس التعايش و التسامح بغرس بذرة الحقد و التمييز و الكراهيّة و العنف باسم الدين في الأغلب الأعمّ و ضدّه أحيانا.
ما ننساه دائما أنّ الرهان سياسيّ و ليس فكريّا لأنّ الثقافة تقوم على المجادلة بالحسنى ولأنّ الفكر يحوّل طاقة العنف الماديّ غير المحتمل إلى حجاج محمود في الفضاء العام.
2
 منذ سنة، يقبع في السجون التونسية شابّ في المهدية حكم عليه بسبع سنوات و نصف.
 منذ سنة، غادر شاب آخر البلاد فاراّ من الحكم القضائي نفسه طالبا اللجوء السياسي.
و التهمة هي " التجاهر عمدا بالفحش وترويج  نشريات و كتابات أجنبية المصدر و غيرها من شأنها تعكير صفو النظام العام و النيل من الأخلاق الحميدة والإساءة للغير عبر الشبكات العمومية للاتصالات" بحسب منطوق مجلة الاتّصالات المتقادمة التي وضعها الدكتاتور لتحصين عرشه.
و الطريف هو منطلق القضية .فقد رفعها مواطن كريم وأحد المحامين متّهمين الشابّيْن بالمسّ بالمقدسات و التحريض على الفتنة .ممّا تسبب لهما في " ضرر معنوي حادّ".
والوقائع عنيدة لا تقبل الدحض : تحرير كتاب بذئ يهاجم الدين الحنيف وإعادة نشر صور كاريكاتوريّة تسيء إلى النبيّ الأكرم من قبيل الصور الدانماركية و صور "شارلي هبدو".
و الأطراف أمران: أوّلهما إقرار المتّهمين بذلك و اعتبارهما له تعبيرا عن "معتقدات شخصية لا غير" والثاني رفض دفاع المحامين عنه و سكوت جلّ المدافعين عن حقوق الإنسان وهو أمر مفهوم في سياق سياسي يعتمد الصراع فيه على الشحن الديني و توظيف العقائد والمقدّسات.
3
بقيت أسئلة عديدة معلّقة : هل يعتبر هذا الشابّ سجين رأي؟ أم إنّه يستحقّ العقاب بسبب تعمّده الإساءة للمقدسات؟ هل يندرج ما قام به في باب حريّة الضمير والتفكير و التعبير؟ أم أنه من باب التجديف و الهرطقة و الكفر؟
هب أنّ الشابّين يعانيان من " رهاب الإسلام" و يعبّران عن " كراهية للذات" الثقافيّة، وقد اعترفا بإلحادهما، فهل يجوز في مجتمعنا ألاّ يكون للمرء دين؟ هل يحقّ له أن يبدّل دينه؟
هل الفيصل في المجتمعات الديمقراطية هو نوع الفكر المعبّر عنه أم هو بثّ الحقد و التحريض على الكراهية و التمييز واستعمال العنف والحثّ عليه؟ 
هل تحمي حقوق الإنسان الأفراد و حقوقهم في التعبير والتفكير أم تحمي أنظمة الاعتقاد المختلفة؟ هل الحقّ في حريّة التعبير مطلق كما تزعم الدول الديمقراطية أم هو مقيّد باحترام مشاعر المؤمنين إذا أحسّوا بمساس بمقدّساتهم؟
هل ينطبق هذا الإحساس على أصحاب الديانة الواحدة داخليّا أم بين الديانات المختلفة التي ترى نفسها على حقّ و غيرها على باطل ؟ لنتذكر فقط أنّ الأمر لا يخصّنا نحن المسلمين فحسب وإنما الإشكال عالميّ في كلّ دين و بين الأديان جميعا.
ما دمنا بلا دستور فعلى نوّابنا الأفاضل في المجلس التأسيسي الموقّر أن ينظروا في الأمر.
 ما دام لنا رئيس، وإن كان مؤقّتا، فليتذكر أن هؤلاء أيضا أبناؤنا وليتصرّف كما شاء بمنطق الحقوقيّ المبدئي على ما هو مأمول أو بمنطق الحساب السياسيّ على ما يفعل الآن في شأن هذه القضيّة. فكلا الأمرين من صلاحيّاته...الفرديّة.
فقط لنتذكر جميعا أن جابر الماجري و غازي الباجي لم يأتيا من المريخ هما أيضا و لنفكّر لحظة كم من جابر و غازي خارج السجون أو في المنافي. فالرهان أكبر من هذين الشابّين .ولا فرق، حقوقيّا وقانونيا وأخلاقيا، بين أن يسجن المرء من أجل الدفاع عن اعتقاده الدينيّ أو بسبب نقد الاعتقادات الدينيّة .

mardi 14 mai 2013

ثقافة الإرهاب



1
أخيرا، بعد لأي، وجد جلّ التونسيّين عدوّهم المشترك. فأطلقوا العنان لحماسة وطنيّة تتردّد في أعطافها أصداء من خطاب مصمٍّ سبق لنا سماعه.وجدوا قطعة لحم طازجة ينهشونها في لهفة وتناغم غائم.ومن باب الصدفة لا غير كان اسم هذا العدوّ هو الإرهاب السلفيّ.
فجأة تبدّل كلّ شيء. لم يعودوا يبشّرون بثقافة لا تمثّل خطرا ولا عادوا ضحايا لقانون الإرهاب الظالم الذي وضعه الحاكم المستبدّ. بدأت الجوقة تردّد أهازيج الوحدة الوطنيّة الصمّاء والدفاع عن الدولة وتمجيد جيشنا الباسل وأسود أمننا الوطنيّ.
هكذا، بعد أن سال دم وبُترت أرجل وشُوّهت وجوه أصبح المنادون بثقافة جديدة قطعانا من الحالمين بجنّات عدن يتدرّبون على تجسيم كوابيس شيوخ يصولون، ولا رقيب في جوامعنا، ولآخرين فتحت لهم القاعات الشرفيّة، صاروا مجرمين لا يفقهون سماحة الدين الحنيف ويتأوّلونه على وجوه لا تمتّ له بصلة، استحالوا دمى تحرّكها أياد خفيّة لنشر الجهالات وإفشال حكومتنا الفاشلة أصلا. فجأة تبيّن أنهم ليسوا فزّاعة من صنع الإعلام ومبالغاته ونواياه السيّئة وليسوا أزلاما.كانوا وهاهم هنا.
ما يتناساه بعض المشاركين ، طوعا أو كرها، في هذه الجوقة، بعد صمت مريب أو دفاع بائس مناور، أنّ المسألة أبعد شأوا ولا شيء يوقف هؤلاء. فلا العلَمُ علَمهم ولا النشيد نشيدُهم ولا المجال الجغرافيّ مجالُهم ولا الدولة دولتُهم ولا الرموز رموزُهم.هم جند اللّه الغرباء بيننا في المكان والزمان والمعنى يرنّ في ذاكرتهم الحديث الشهير مُهدهِدا مفعما بالأمل :" طوبى للغرباء".
2
أخيرا أصبح لدينا، ككلّ الشعوب العظيمة المحسودة، عدوّ مشترك نعلّق على شمّاعته قبحنا وفشلنا ونتأكّد في مرآته من نصاعة وطنيّتنا وصفاء وحدتنا. لنا عدوّ ينكّل به بعضُنا ليؤكّد صحّة تنبيهه السابق لنا ويتنكّر له بعضُنا الآخر بعد أن برّر ودافع.
لقد تأكّدنا أخيرا أنّهم يروننا لم نغادر الجاهليّة الجهلاء وهم يريدون فتحنا ثانية لنشر نور الله في قلوب أعمتها العلمانيةُ والديمقراطية والسلع الفكريّة الوافدة. ثبت لديهم أنّ جندنا ورجالَ أمننا طواغيت تحمي الكافرين وتصدّ المجاهدين في سبيل إعلاء كلمة اللّه.
والغريب أنّ كلّ شيء كان واضحا منذ البدء، منذ أمد. الخطاطة معروفة مألوفة، جرّبت من قبل فثبتت. فلم التعجّب؟ ولم الدهشة؟ أجديد حقّا ما نشاهده؟
منذ سنوات قليلة منّا من مات دفاعا عن الدولة ضدّ هؤلاء أنفسهم ومنّا من شجب واستنكر ومنّا من رحّب وتعاطف باسم مقاومة الدكتاتور. فما الذي تغيّر يا ترى؟ عودوا إلى صحائف تلك الأيام وقارنوا ما كان يقال وما يقال اليوم. نعَمْ رحل الدكتاتور ولكنّ العَلَمَ وقتها هو العلم الآن والنشيد هو النشيد والدولة هي الدولة.فلمَ يتكرّر الخطأ نفسه؟ مرّة أخرى ما الذي تغيّر؟
3
ثمّة شيء جوهريّ وراء هذا كلّه: هل ترفض ثقافتنا السياسيّة السائدة تغيير هيئة الدولة ونظام الحكم بالسلاح ؟ دعك من صريح اللّفظ وانظر بعين العقل إلى المعاني.
لنتدرّب على استحضار بعض ما علق بالذاكرة من نوازل وأحداث مشابهة .
منذ أسابيع أحيى عدد من مواطنينا الكرام ذكرى إعدام بعض من رفعوا، في أوائل الثمانينات، السلاح  في وجه الجيش التونسيّ قادمين من ليبيا لتنعم تونس باللّجان الثوريّة على النمط القذّافي. فأصبح زعيمُ العصابة ، في حفل ترميم الذاكرة المشروخة، شهيدا من أجل الوطن ومقاوما لدكتاتوريّة بورقيبة.
قبله بسنوات كثيرة، مباشرة بعيد الاستقلال، قامت مجموعة من المدنيّين والعسكريّين بمحاولة انقلابيّة أضحت اليوم لدى البعض حركة ثوريّة قامت ضدّ النظام البورقيبيّ الخائن العميل. فاستحقّ المشاركون فيها صفة المناضلين الأشاوس المدافعين عن هويّة البلاد وعروبتها وإسلامها.
في بداية الألفيّة اعتدتْ خليّة من خلايا القاعدة على معبد الغريبة في جزيرة السياحة التونسيّة، وفي أواسط العشريّة الأولى منها عمدت مجموعة إلى استعمال السلاح في ضواحي العاصمة.حوكموا ثمّ تمتّعوا بالعفو التشريعي العام ووُظّف بعضُهم، على سبيل جبر الضرر، منذ أسابيع قليلة.
منذ أشهر، عاد شابّ من العراق في تابوت بعد إعدامه. أعدّزا له ما يليق بالأبطال من استقبال وتأبين. اعتبروه مجاهدا قاوم الاستعمار الأمريكي والهيمنة الشيعيّة وسيحتسبه المولى ضمن الشهداء.ولهذا الشاب أشباه في إفغانستان وسوريا وليبيا ومالي والجزائر ما طمنا بلدا يصدّر الأبطال الذائدين عن بيضة الإسلام.
ليعد كلّ واحدٍ إلى نفسه يحادثها حتّى يتأكّد ممّا يدين به اليوم  مَنْ يوجدون في جبال الشعانبي. فإذا صحّ عندك ما سبق أو بعضه كنت تبرّر ولا ريب، من حيث تدري أو لا تدري، ما يحدث اليوم من إرهاب مقيت وإن تغيّرت الجهات والأسماء والدوافع والإيديولوجيّات. تثبّت مليّا قبل أن تشارك في وليمة نهش لحم السلفيّة الجهاديّة المتاح اليوم بالمجان. تأكّد قبل أن تشرب على أنخاب الروح الوطنيّة السامية.  

dimanche 12 mai 2013

دستور الورقة البيضاء



1
لم يكن ثمّة من سبب وجيه للانطلاق من ورقة بيضاء في كتابة الدستور عدا ما يحمله مفهوم الثورة ذاته من معنى القطيعة والانفصال والبداية من أرض محروقة.
ثمّة ولا شكّ في كلّ نزعة ثوريّة حلمٌ بالتأسيس على فراغ، وبياضٌ ملازم للطهارة. ثمّة في كل ثورة اشتهاءُ الولادةِ من جديد بما في الولادة من نقاء وصفاء وبراءة.
بيد أن التاريخ بتعقّده ومكره ومنطقه يأبى الفصل، وإن شبّه لنا، ويكره الفراغ ويمدّ لسانه هازئا بالطهرانيّة المبالغ فيها.
والحقّ أن اليسار التونسيّ الفاشل المغرم عبر تاريخه بالطهر الثوريّ الكاذب، الحالم بمدينة لسنا متأكّدين من أنّها فاضلة حقّا، هو الذي بدأ فكرة التأسيس، مجلسا ولجانا لحماية الثورة ودستورا يعيد صياغة المواطنة والدولة بدأ حتّى بإفساد اجتماعات الخصوم بعد الثورة.
مزايداتٌ في سوق الأحلام الجميلة الشيّقة سرعان ما أصبحت وبالا على من استنبطها و صدّقها ثمّ رواها ونشرها بين النّاس.
كان اليسار يتوهّم، كعادته، أنّه الناطق الرّسميّ باسم الثورة حتّى لكأنّ نضال أجيال متعاقبة منه عذاباته وأدبيّاته واحتجاجه المتواصل يمنحه شرعيّة الحديث عن الجماهير والشعوب والفقراء والمضطهدين. وهاهو اليوم يحلم، مجرّد حلم بائس، بأن يبقى بعض الماضي الذي يراه مشرقا أمام زحف من يعتبرهم فقهاء الظلام. فلا شيء نهائيّا في التاريخ الذي قد يكون لولبيّا لا خطيّا يتّجه إلى الأمام ...إلى ميتافيزيقا التقدّم.
كم يلزم هذا اليسار الغبيّ الذي لم يغادر مربّع الوهم من الوقت كي يدرك أنّ شعبا ربعه في فقر مدقع وأكثر من ثلثه لا يفكّك حرفا سيدافع، حتما، عن حقّه في الجهل المقدّس وإيمان العجائز؟
كم يلزمه من الوقت ليدرك أنّ الأغلبيّة اليوم تعبير أمين عن عجز حداثة معطوبة عن تحديث العقول والإرادات وعن خطاب ثوريّ بليد منقول من الكتب الحمراء التي أكلتها الجرذان؟
2
جاؤوا من هناك، من المنافي التي استجاروا بها من رمضاء القمع. وجدوا في تلك الديار دساتير تحترم الكائن البشريّ وحرّيّاته باسم حقوق كونيّة مكفولة للجميع. وحين عادوا من المنافي ليسرقوا الدماء والأحلام مستعيدين كوابيسهم القديمة طفِقوا يشكّكون في كونيّة الحقوق التي تمتّعوا بها هناك في الغرب الكافر. ..حين عادوا بين ظهرانينا تذكّروا أصولهم الصافية الموهومة وهوّيّتهم النادرة العزيزة وخصوصيّتهم الثقافيّة الرائعة المتطوّرة.
تذكّروا فجأة أنّ شعبهم الفقير الجاهل أو المتعلّم الميسور، على حدّ السواء، لا يستحقّ بعض ما تمتّعوا به ...هناك في دار الصليب. هكذا أخذوا يناورون من أجل غرس بذرة الاستبداد الدينيّ في دستور أراده غيرهم ورقة بيضاء فاستغلّوا الفرصة السانحة ليسوّدوه بما في بواطن الكتب الصفراء من قديم القيم وفاسد التصوّرات.
هكذا هي الإرادة الشعبيّة التي تولّد الأغلبيّة فتصبح البداية من أرض محروقة إعلانا عن الانتقام من مسار التحديث ورموزه ومن الدولة وقيمها الجمهوريّة المستوردة. لتموتوا إذن بغيظكم..موتوا بالسمّ الذي وضعتموه في الورقة البيضاء.
3
لم يكن ثمّة من سبب للانطلاق من الورقة البيضاء عدا الوهم والحلم. فلن ننسى، أيّها الرفاق المناضلون المبدئيّون جدّا، أياديكم البيضاء علينا. لقد سوّدتم وجوهنا أمام الأمم.
 نعْمَ الخصوصيّات الثقافيّة التي تأبى لنا أن نكون مثل خلق اللّه حريّةً وكرامةً. لتحيى الدولة الاستبداديّة الناشئة باسم الواحد الأحد ومندوبيه على الأرض. ولتتمتّعوا بدستوركم الجديد الأبيض وأوراقه البيضاء: أوراق بيضاء تنضح ثوريّة ادّعاها اليسار الواهم الخائب ، وسعي إلى محو التاريخ الحديث حتّى تصبح البلاد ورقة بيضاء يكتب فيها الذين يدّعون الخوف من المولى القدير استبدادهم الآتي.
فلتموتوا جميعا بأوهامكم ..لهذه الأرض ذاكرتها الخصبة ودستورها الأصيل..ففيها حقّا ما يستحقّ الحياة.
                                      

mercredi 1 mai 2013

الملاليم و الأحذية


من تاريخ الاحتجاج السلمي



(1)       
سيسجل التاريخ،تاريخ الاحتجاج، ما يلي :
    حين بدأ نوابنا الأفاضل في مجلسنا التأسيسي يناقشون رواتبهم و منحهم، بالعملة التونسية لأغلبهم أو بالعملة الأجنبية لقلة منهم، ذهب جمع من المواطنين إلى مقرّ المجلس الموقّر و طفقوا يرشقونه بملاليم حقيرة.
كان ذلك عنوانا للاحتجاج السلميّ لا يخلو من رمزية ثريّة وإبداع طريف. لقد قال المحتجون في غير ما تلعثم: "أعرناكم ألسنتنا لتعبّروا عما يجيش بصدورنا فنطقتم بألسنتكم عمّا يثري رصيدكم في البنوك".
يومها سُمع صوت هاتف من خلل رنين القطع النقدية المنثورة أمام المجلس التأسيسي يحاكي "العابرين في الكلام العابر":
     " خذوا ما تبقى لنا من مال وملاليم فأنتم ما عدتم أهلا لثقتنا .
خذوا أموالكم و ارحلوا أيّها المؤقتون في دستور مؤقت
اسحبوا منحكم من لحمنا و انصرفوا
اسرقوا ما شئتم من روعة الحلم و بقايا الأمل
كدّسوا أوهامكم في صناديق فارغة و انصرفوا
أعيدوا عقرب الوقت إلى شرعيّة مهترئة
أو إلى إيقاع حذاء الدكتاتور الجديد
آن أن تنصرفوا
آن أن تخرجوا من واقعنا و ذكرياتنا المرة"

(2)
سجّل التاريخ، تاريخ الاحتجاج، ما يلي:
حين عجزت وزيرة حتى عن بيع الكلام المتعاطف للضحايا من الأطفال المغتصبين و النساء المهدّدات في حرمتهن الجسديّة، ذهب جمع من المواطنين أمام وزارة المرأة لرشق واجهتها بالأحذية القديمة .
كان عنوانا آخر للاحتجاج السلمي يحمل من الرموز والإبداع ما يكفي للتعبير عن الغضب.
 تطريز على الرجم باعتباره جزءا من مناسك ضاربة في القدم تستعيد الدينيّ لمواجهة بذاءة السياسة، رجم لحماية الطفولة و الأسرة في تونس، تعبير عن الاحتقار و تأكيد للدونية بأحذية جعلت للأرجل التي نطأ بها الأرض فإذا بها ترشق على من وُضع في رأس وزارة لصيانة حقوق الضعفاء من الأطفال و النساء .
 يومها سُمع هاتف من خلل وقع الأحذية على حائط الوزارة و الطوار يستحضر " سوق القرية":
"إليك سيدتي،
ما يناسب مواقفك العطنة و تصريحاتك المهلهلة
من قديم الأحذية المتروكة المهملة.
فحشٌ و اعتداءات حقيرة و ذباب
و أحذية  يتداولون رشقها،
 ووزيرة تحدّق في الفراغ
في مطلع العام الجديد
يداي تمتلئان حتما بالنقود
لكن الطريق إلى الجحيم
من جنّة الفردوس أقرب
و العائدون من الكتب القديمة
صرْعاهم أبناؤنا و أجسادُ النساء
فلن يصلح العطار ما قد أفسده الدهر الغشوم
أبدا على أشكالها تقع الطيور
و البحر لا يقوى على غسيل الخطايا و الدموع"

(3)
    سجل المؤرّخون من قبلُ هجرة جماعية لأهالي مدينة تونسية احتجاجا على واليها الذي اعتصم بالحجر و المباني: "خذ المدينة، قالوا له، ولكنّنا لن نخفض لك جناح الذلّ".
    سجل الإخباريّون احتجاج المواطنين على وزيرة أنقذتها من العزل أحزاب تمارس السياسة بمنطق الصلاة صفا واحدا مستويا وراء الإمام. و لكن الرسالة بينة:" خذي الوزارة، قالوا لها، فحرائرنا و أطفالنا في بؤبؤ العين".
   سجل أحفاد ابن خلدون احتجاج المواطنين على نوّابهم المطالبين بنصيبهم من كعكة المال والجاه اللذيذة: " خذوا ملاليمنا القليلة واخرجوا أيها المؤقّتون من وقتنا وانصرفوا"
    حقّا هذه البلاد شجرة مباركة وارفة الظلال لا شرقية و لا غربية، يكاد ضوء احتجاجها المبدع ينقدح ويضئ و لو لم تمسسه نار.



dimanche 28 avril 2013

أطفال بورقيبة





1
في بداية الثمانينات، حين دخلتُ الجامعة وجدت نحلا سياسيّة ومللا فكريّة وشبه فكريّة.كنت أعرف ،من قبل، جلّها وقليلُها عرفته هناك في ساحات النقاش الذي لا ينتهي.
كانوا متفرّقين مختلفين قلّما يلتقون.فإذا التقوا فضدّ طلبة الحزب الحاكم آنذاك وقد كانوا ،في أعين طلبة زماني عن حقّ أحيانا وعن باطل أحيانا أخرى، وشاة ومخبرين ومندسّين يبيعون المناضلين للأمن.وهذا من نادر ما عرفه تاريخ الحركات الطلاّبيّة على حدّ علمي:أن تـُمنع الجامعةُ على طلبة الحزب الحاكم بمبدإ صاغه اليسار وقتئذ ، قبل أن يهيمن الإسلاميّون، مفاده القطيعة التنظيميّة والسياسيّة مع حزب السلطة.
كنّا جميعا تقريبا، نكنّ للزعيم بورقيبة كرها شديدا ونراه رأس القمع والاستبداد.لم نكن نحبّ أبانا الذي روى لنا بأسلوبه الفاتن قصّة الاستقلال وتاريخ البلاد على هواه وكان في سرديّته الممتعة الأوّلَ في كلّ شيء من المسرح والفنّ إلى تحرير البلاد والنساء مرورا بصناعة شعب يربّيه ويهذّب أخلاقه وسلوكه.
كنّا نكرهه كما يكره الشاب المأزوم أباه ويتمنّى رحيله ليكون هو لا كما أراد له أبوه أن يكون.وقليل منّا كان يتساءل عن يُتْمِنا بعده وقد تخرّج جميع الفاعلين السياسيّين آنذاك من مدرسته وبعضهم ،ممّن كنا نتوجّس منه خيفة، تخرّج من مدارس في الشرق والغرب ليست بالضرورة أفضل من مدرسة أبينا.
2
ما لم أفهمه في حفل قتل الأب الرمزيّ ، في تلك الفترة من حماسة الشباب وتفتّق أحلامه،أنّ جلّ ّأبناء جيلي كان يشتري دكتاتورا بدكتاتورنا الذي نعرفه.
فكنت ترى شبابا يدعو إلى جنّة الشيوعيّة ويعد البشريّة جمعاء بتوزيع الخيرات كلّ على قدر حاجته وأكثر ،تراه يمجّد الرفيق العظيم جوزيف ستالين أو ماوتسي تونغ وحتّى أنور خوجة فإذا ذكّره أحدنا بجرائمهم دافع عنهم دفاعا شرسا وبرّر وكذّب واتهم الإمبرياليّة والتحريفيّين.
وكان بعض إخوتنا من حملة الهويّة العربيّة القحّة الحالمين بوحدة صمّاء من البحر إلى البحر يرون في المرحوم جمال عبد الناصر ملهما أو في صدّام حسين قائدا وحتّى في العقيد القذّافي نبيّا موحّدا لأمّة عريقة ناهضة.فإذا ذكّرهم مذكّر بهزيمة هذا أو باستبداد ذاك أو بجنون العظمة لدى الآخر رموه بالقطريّة والإقليميّة والرجعيّة.
وحين انظمّ المنافحون عن دولة الشريعة والخلافة والرجوع إلى تعدّد الزوجات إلى السرب المغرّد ضدّ بورقيبة الأب سمعنا منهم خليطا من أعلام الثورة الإيرانيّة المظفّرة آنذاك وقادة الإخوان المسلمين وبعض الوجوه الوهّابيّة.فإذا نبّههم بعضنا إلى أنّ ما عندنا خير من هؤلاء الطالعين من المتون الصفراء الذين يَعِدُون باستبداد أنكى وأشدّ لأنه ينطق باسم الواحد الأحد رموهم بالتطاول على الدين كأنهم شكّكوا في ركن من أركان الدين.
كانوا يحبوّن من المستبدّين وجوها ثبت بالبيّنة والدليل أنّها رموز لقهر الشعوب والتسلّط عليها ، وجوها خفّت موازينها في حساب التاريخ  ولكنّهم يكرهون بورقيبة الذي يبدو مقارنة بها حملا وديعا.
لم أفهم إلى اليوم هذا الغباء الذي لا أظنّ أنّه قد زال تماما.
3
واليوم عاد بورقيبة الزعيم والرمز ، بعد ثلاثة عشر عاما من غيابه الأبديّ، إلى حفل نهش اللحوم أو طقس التبرّك بالموتى.يعود النزاع على الزعيم وقد أتاح التاريخ لهؤلاء وأولئك فرصة النظر إلى الأمام وصنع الآتي الأجمل.لكنّهم ما يزالون ، سواء بحقدهم الدفين على الدولة الوطنيّة والحداثة التونسيّة أو ببحثهم المحموم عن مرجعيّة تفتن التونسيّين،يؤكّدون يوما بعد يوم، أنّهم "أطفال بورقيبة" حقّا  وأيتامه أيضا.فكلا الفريقين يتلاعب بالذاكرة الوطنيّة ، ولبورقيبة فيها محلّ رفيع جدّا، ويثبت أنّه عاجز عجزا مذهلا عن الحداد الفعليّ على الزعيم الكاريزميّ وهو في ذمّة التاريخ.
لنتذكّر فقط أنّ "أطفال بورقيبة" ،في أصل تسميتها، مؤسّسة رائدة لاحتضان اللّقطاء الذين تتكفّل الدولة بتربيتهم.
ولست أرى في من ينكر منّا الأثر العميق لبورقيبة في صياغة المشروع الوطنيّ التونسيّ إلاّ صورة ممّن ينكر أبوّة الزعيم.
ولست أرى كذلك في من يمجّد الأب بورقيبة ،وهو تحت التراب قد غادر الفعل في التاريخ، إلاّ  كمن أصبح الوفاء للآباء لديه مدعاة للتكاسل عن إثبات شخصيّته.
ولا أظنّ أنّه يليق بنا ، الآن وهنا ، أن نحكّم الأموات في رقابنا بحقد ساذج مدمّر للذاكرة الوطنيّة أو بوفاء كاذب أساسه استحضار الماضي لخوض صراعات الحاضر.