Follow by Email

samedi 21 mai 2016

Full talyeni "الطلياني" سينيمائيّا : "حلم تونسي"







"حلم تونسيّ"شريط من إعداد نخبة من تلاميذ المعهد النموذجي بورقيبة بتونس العاصمة بإشراف الاستاذة كوثر خمير.

لم تعجبهم نهاية زينة في الطلياني ووجدوا تشابها بين أجواء الرواية وأجواء ما بعد الثورة في فتصوّروا سينيمائيّا هذه الخاتمة الجديدة التي تعود فيها زينة بعد الثورة وينتهي الطلياني نهاية تشبه نهاية شكري بلعيد.
لقد كذّبوا قول الذين يزعمون أنّ الشباب لا يقرؤون، الشباب يقرؤون الأدب ويعيشونه ويبدعون انطلاقا منه.
حين أتصوّر الوقت الذي أنفقه هؤلاء التلاميذ لإعداد هذا الشريط، مع ما أعرفه من ضغط الدروس في المعاهد النموذجيّة وما أتخيّله من حرص تلاميذها على الاستفادة من كل دقيقة، أفهم الأثر السحريّ الذي خلّفه فيهم الطلياني.
وهذا الشريط عندي أبلغ من البوكر تعبيرا عن التفاعل مع الرواية ولا أظنّ أنّني سأسمع اعترافا أصدق من اعتراف هؤلاء الشباب.
مذهلون هؤلاء الشباب. ممنون لهم ولإبداعهم.

lundi 16 mai 2016

الأبعاد الفلسفية في رواية الطلياني

                                                            ياسين اغلالو
باحث من المغرب
موقع أنفاس (المغرب) 15 ماي 2016
        
       إنه من البخل الفكري وفقدان الكياسة ان تقرأ عملا ادبيا محترما يشدك ويأسرك في عوالم مختلفة ويحررك من أصنام عدة، ان تنتهي منه ولا تخط اسطرا فذلك غبن لصاحبها، خصوصا وهي تفرض نفسها عليك فرضا وما عليك سوى أن تطلق العنان لعقلك وقلمك. كان هذا حالي عندما كدت انهي رواية الطلياني وأنا اقول في دواخلي على هذا القلم المجنون ان يتوقف الآن، انه يكتب أشياء بالنيابة بعدما فشلنا نحن على تجميعها في هكذا قالب ادبي. أستسمح الكاتب الذي اشبعته سبا في داخلي كلما اضحكني مقطع او وجدته مسليا فكريا، مثلما اسب صديقا عزيزا علي وأنا امازحه عندما يقول شيئا يعري ويفضح به عورة الواقع.
     امام هذه الحالة وعلى طول الرواية وجدت ان الكاتب - ويبقى هذا مجرد تأويل – يستند إلى مرجعية وثقافة فلسفية واسعة، تجعل من الرواية عملا فلسفيا راقيا. خصوصا وأنها رواية تحتفي بالفلسفة في الشخصيات. فقد جعل زينة طالبة ثم مدرسة للفلسفة، وصورها على اساس انها تجسيد مادي لخصائص الفكر الفلسفي "ثورية، لا تسلم بشيء، النقد سبيلها، مثقفة وتشد الحاضرين في نقاشاتها...".  وجعل السارد طالبا ثم مدرسا للفسفة، وعبد الناصر المناضل هواه فلسفي رغم انه طالب حقوق وصحفي بعدها، بالإضافة الى احداث اخرى تحتفي بالفكر الفلسفي في الرواية.
   سنحاول أن نبرز البعد الفلسفي في الرواية دون ان نجعله على لسان شخصيات الرواية. وبهذا – في اعتقادنا - فكل من قرأ الرواية سيجد انها تقول نظرية في السلطة السياسية. بحيث السلطة في الرواية تمتد الى كل شيء وتشمل اي شيء، اما بشكل معلن او خفي. المهم أن أعين الدولة مفتوحة على جميع التحركات، ولا شيء ينفلت من قبضتها. وهذا يذكرنا بنظرية مشيل فوكو في السلطة التي تنتشر في كل مكان ولا تسمح بأي انفلات إلا تحت مراقبتها. انها تراقب الصحافة والخطاب والمشاريع الفكرية...، وهذا ما بسطه فوكو في كتبه المتعددة. وهو نفس التصور نجده على طول الرواية، إذ يقول الكاتب "الدولة هي الدولة. لقد ركزت في كل واحد منا شرطيا". كما صور لنا البوليس بكونه يعلم خفايا كل شيء وله اعين من وشات تخدمه لا يشك فيها اي احد. انه يعلم بالليلة التي قضاها عبد الناصر مع زينة ويعلم اين يقطن ويعلم اسرار التنظيمات بالجامعة ويعلم ان عبد الناصر سرق الورقة من الملف بغرفة البوليس...هذا التصور الفوكاوي الذي يغطي الرواية سيؤدي بالكاتب الى موقف فلسفي أخر. سأقول انه موقف يقر بنهاية التاريخ على منهاج فوكو ياما. كيف ذلك ؟ إن الرواية بحكم انها وثيقة على مرحلة تاريخية من نظام الحكم بتونس من بورقيبة الى بن علي. فقد صور الكاتب أن كل إمكانية للتحرر متعذرة وكل المناضلين ينتهي بهم الامر في احضان الدولة او متفرجين. وهذا نتيجة عدم تكافؤ ميزان القوى بين الرغبة في التحرر عند الناس وقوة الدولة. وفي كل لحظة يصور الكاتب ان الدولة تعلم بكل تحرك، وحتى الصحافة فهي بوق للدولة، وتنشر ما تريده وتحرس النظام. وهذا ما جعل البوليسي الذي يعرف عبد الناصر وابن جيرانه يستهزئ منه بقوله  أن التنظيمات لا تعرف منطق الدولة وتريد أن تنفلت وتغير من داخلها. وغالبا ما نجد في الرواية أن البوليس يكشف بسخرية ويعلم خبايا الحركات اليسارية والإسلامية، وإما انها من دعم وصنع النظام وطبخه. ويبدو النظام السياسي او الزعيم كما هو مسمى في الرواية مثل الاخطبوط لا نعرف له حدود. وهذا ما يؤدي الى القول باستحالة التغيير من جهة القوى التحررية، وكأن التاريخ قد انتهى، وما على الشعب سوى الارتماء في احضان الدولة. وبالتالي فالرواية تعمق عند القراء والجماهير سيكولوجية الانهزام والضعف امام الواقع وكأنه قدر عليهم، لا انفكاك لهم منه.
في تتبعنا للرواية نجد الكاتب يحفر في الواقع والقعر الاجتماعي ويحمل مطرقته النيتشاوية ويكسر ويهدم كل الاصنام والمثل الاخلاقية التي يدعيها الانسان ويختبئ وراءها، ويعلن بمعنى من المعاني موت القيم. فالفقيه الذي ننتظر بركته دخل المسجد بشذوذه، و"المرأة التي تدافع عن حقوق النساء تأتي بالمطلقات لرجال السياسة للتسلية بهن". وكل من يقوم بمهمة يفعل في الواقع عكسها، لقد عالج شكري كل القيم ما وراء الخير والشر بالمعنى الذي نجده عند فردريك نيتشه.
    تعالج الرواية أيضا موضوعة الرغبة الانسانية والتي تتراوح بين ما هو جنسي غريزي بيولوجي كما هو الامر مع عبد الناصر، وان كان يحلم بالثورة وزوال استغلال الانسان لأخيه الانسان. إلا انه يسقط على الدوام ضحية لغرائزه وهذا ما عبر عنه السارد "يرخي (اي عبد الناصر) الحبل لشهواته، لحيوانتية التي يضطلع بها، لنزواته، لجنونه". وهذا انتصارا لمبدأ اللذة. وأحيانا نجدها رغبات فكرية علمية في عمقها وباقي الرغبات تظل ثانوية وهذا حال زينة التي سعت وراء حلمها الفكري.
ورغم اننا ركزنا على بعض تجليات الفكر الفلسفي في الرواية، الا ان الرواية تبقى غنية  وتنتقل بالقارئ عبر عوالم متعددة ومواضيع مختلفة. من المثلية الجنسية والحركة الطلابية الى عالم الصحافة مرورا بالجنس والعلاقات الزوجية وصولا عند واقع الفقر والتخلف والفوارق الاجتماعية... وبهذا ورغم طابعها الانهزامي والسلبي نحو المستقبل والذي ينسجم في الاخير مع واقع التسلط السياسي والمرحلة التي تغطيها، إلا انها عبرت في قالب أدبي مميز عن الموضوعات المختلفة التي عالجتها.
 إنشغل شكري بالانفعالات البشرية وصورها بطريقة أدبية رائعة، ألم يقل هنري برجسون "اننا نحكم على موهبة كاتب روائي من خلال قدرته على الاشتغال بعالم العواطف والافكار، وترجمتها إلى لغة مكدسة تربط التفاصيل الصغيرة القريبة بعضها ببعض، بحيث يريد ان يحول العالم الذي يشتغل عليه بواسطة اللغة الروائية إلى عالم ذي طابع حي ومتفرد، دون ان يتمكن من ذلك". لكن شكري خيب آمال برجسون وطوع اللغة لتستوعب الى حد ما الواقع والانفعالات التي إشتغل عليها


dimanche 8 mai 2016

كيف صنع التونسيّون الثورة بالكلمات؟



صدر بالعربي الجديد بتاريخ 8 ماي 2016

نقّحت الأكاديميّة الفرنسيّة بعد الثورة قاموسها فجاء مشتملا على ملحق يضمّ 336 كلمة جرت على ألسنة الناس ونحتوها في سياق حراكهم الثوريّ. وذهب بعض المتحمّسين لتجديد المعجم الفرنسيّ سنة 1801 إلى إصدار قاموس مستقل للكلمات المولّدة تضمّن حوالي ألفي كلمة ولّدتها أحداث الثورة. وعلى ما يذكر بول لافارغ (الكاتب والسياسي الفرنسي صاحب الرسالة الطريفة في مديح "الحقّ في الكسل" وصهر كارل ماركس) أصدرت جمعيّة للنحاة الفرنسيّين سنة 1831 ملحقا لقاموس الأكاديميّة تضمّن ما يناهز أحد عشر ألف كلمة جديدة أو معنى مبتكر كرّسها الاستعمال منذ سنة 1794 (وهو يصادف المرحلة الثانية من الثورة الفرنسيّة التي تميّزت بإلغاء الملكيّة وإعدام الملك وإقامة نظام جمهوريّ).
ولم يكن هذا الأثر اللسانيّ للثورة الفرنسيّة إلاّ المظهر اللغويّ للصراع بين الأرستقراطيّة والبورجوازيّة والشعب. والدليل، حسب بول لافارغ، مقاومة الصفويّين المتحكّمين في الأكاديميّة الفرنسيّة المتمسّكين باللغة الراقية العالية. فقد عملوا على منع لغة العوام والغوغاء من دخول مكنز اللغة الفرنسيّة.
وللقصّة فصول عديدة مشوّقة يضيق عنها المقام. ولها أشباه ونظائر ولا ريب في الثورة الروسيّة والثورة الإيرانيّة مثلا. ولكن ما يعنينا منها التأكيد على أنّ لكلّ ثورة وجها لغويّا معجميّا وصراعات حول المعاني والتباس الكلمات وتعدّد دلالتها. أفليس بالكلمات يصنع خطاب الثورات جميعا؟
الثورة التونسيّة وكلماتها الجديدة
ومثلما تمتاز الثورات بصعوبات ولادة العالم الجديد من رحم القديم فإنّ لغتها موسومة كذلك بصراع الخطابات والتأويلات لتصفية الحساب مع الماضي والتفاعل مع الراهن.
ومن صراع الخطابات هذا انطلقت الصحفيّتان هادية بركات وألفة بلحسين لوضع كتابهما الصادر حديثا بعنوان "هذه الكلمات الجديدة التي تصنع تونس" ( بالفرنسيّة، دار سيراس، تونس، 2016، 362 صفحة). والمؤلّفتان صحفيّتان بجريدة "لابراس" التونسيّة الفرنكوفونيّة وكانتا من المتابعين للشأن الوطني في تونس خصوصا في مرحلة الانتقال الديمقراطي بالكتابة عن القضايا المختلفة أو بالحوارات المطوّلة مع أبرز السياسيّين والمثقّفين في تونس.
ولئن لم يكن قصد المؤلّفتين إنجاز عمل معجميّ قاموسيّ فقد اعتمدتا نظام المداخل المعجميّة المرتّبة ألفبائيّا لجملة من الكلمات والشعارات والعبارات والمفاهيم التي عمّرت خطابات التونسّين، شعبا ونخبا، واستقرّت في ذاكرتهم خلال الثورة وفي المرحلة الانتقاليّة.
ونظام التعريف بهذه المداخل يقوم على مقالات تحدّد الحقل الدلاليّ والمفهومي للكلمة من جهة وتتتبّع ظهور الكلمة وتطوّرها وتدقّق في خلفيّاتها وتراكب دلالالتها والسياقات التي استعملت فيها وما لابسها من أحداث.
من هنا كان الجانب اللّغويّ للكتاب (كأصل عبارة "أزلام" أو "اعتصام" أو"حوماني" ) مرقاة إلى القضايا الواقعة وراءها والتصوّرات الخلافيّة التي تحملها. فكلمات الكتاب وعباراته تكوّن شبكة معقّدة من المفاهيم والوقائع التي تحتاج إلى إعادة تركيب وترتيب في الزمان والسياقات.
ذاكرة الكلمات.. ذاكرة الثورة
قد يبدو العمل الذي أنجزته المؤلّفتان لأوّل وهلة يسيرا. بل إنّ المدوّن التونسيّ كريم بوزويتة سبقهما إليه وإن بأسلوب آخر ساخر وفي حجم أقلّ يناسب مقام التدوين. والحق أن كلمات عديدة مشتركة بين العملين. ولكنّ ميزة هذا الكتاب أنّه يستعيد، دون ادعاء ولا تعالم، تفاصيل كثيرة نسيها التونسيّون. إنّه كتاب يجمع شتات ذاكرة هشّمتها الأحداث المتسارعة التي  تنسخ ما قبلها لترمي به في غياهب النسيان.
ولكنّ الكاتبتين، بحسّ الصحفيّ الذي لايفارقه كنّش التقييدات، تثبّتان التاريخ الراهن في حركيّته وتدفّقه لتستعيداه في نظام ومنطق يسمح للتونسيّين بالخصوص، ولغير التونسيّين كذلك، بتفهّم أفضل لما وقع وتنزيل أدقّ للكلمات والخطابات نشأة وتحوّلا ومآلا.
إنّ كثيرا من العبارات والشعارات والاستعارات المثبتة في الكتاب قد انتهى استعمالها بزوال سياقاتها (من قبيل "اعتصام الرحيل" أو "صفر فاصل" أو "الورقة البيضاء" أو "مجلس تأسيسيّ") أو تبدّلت دلالاتها، (مثل "حرّيّة") أو تطوّرت بالتوافق أو بتحريفات الاستعمال حسب المصالح والتوظيف السياسيّ (مثل "العدالة الانتقاليّة" أو "الشهيد" أو "العلمانيّة" و"اللاّئكيّة"). ولكن للكلمات ذاكراتها أيضا التي لا يمكن تجاهلها.
بيد أنّ كثيرا من الكلمات التي ظهرت في مرحلة مّا ما تزال حيّة في الأذهان وعلى الألسنة ولعلّ بعضها سيكون محدّدا لمستقبل الثورة التونسيّة على نحو من الأنحاء. وليس أدلّ على ذلك من الكلمات التي ترتبط بحقل التيارت الدينيّة و"الإسلام السياسيّ" مثل "السلفيّة" و"زواج عرفيّ" و"وهابيّة" و"تكفير" و"جهاد" و"إرهاب" و"حرّيّة الضمير" و"شهيد" (كما اختارت المؤلّفتان تقديم الكلمة!). ولا يقتصر الأمر على هذه الكلمات وغيرها بل نرى كذلك أن مستقبل تونس رهين ما تخفيه بعض الكلمات من قضايا لم تحسم بعد أو لم تحسم إلاّ ظرفيّا من صنف "شغل حريّة كرامة وطنيّة" و"دولة عميقة" و"زعيم" و"اغتيال سياسيّ" و"إعلام العار" و"حرقة" و"هوّيّة" وحتّى "يرحمك يا بن عليّ" وغيرها كثير.
لذلك فعديد الكلمات والشعارات ما تزال فاعلة مادام الواقع لا يتناسب مع خطاب الثورة والانتقال الديمقراطيّ.
فتنة الكلمات والتفاوض على المعاني
ويلاحظ قارئ كتاب "هذه الكلمات الجديدة التي تصنع تونس" أنّ التونسيّين عاشوا "إسهالا لفظيّا" حين كسروا حاجز الصمت بعد أن كسروا حاجز الخوف. فكانت اللغة عندهم في لحظات الانتشاء الثوريّ تهجئة للحرّيّة ثمّ أضحت في مرحلة الانتقال الديمقراطي عبئا ثقيلا عليهم. إذ انتقلت المعركة بين الفرقاء السياسيّين والاجتماعيّين والنخب والخبراء إلى فضاء الدلالة. وهو فضاء للصراع على المعنى ومواجهة الكلمات بدلالاتها المتعدّدة.
غير أنّ وراء ذلك استراتيجيّات لفرض لغة وضرب من الخطابات في سياق تصادم مرجعيّات متنوّعة يمثّلها "تجاذب" قطبين أساسيّين هما الإسلاميّون والحداثيّون. وهو ما أدّى إلى شحن بعض الكلمات بدلالات فوق طاقة احتمالها ("مؤامرة" و"مجتمع مدنيّ" أو "يسار") أو إلى إفقادها معانيها الأول ("ديقاج" و"حزب وسطي") أو تشذيبها وتهذيبها لتوافق المطلوب منها ("هوّيّة" و"حياد") ولكنّ ضمنياتها ومضمراتها تظلّ بمثابة القنابل الموقوتة ("حرّيّة الضمير").
وقد مثّلت هذه المعارك اللّغويّة الدلاليّة وجبة يوميّة تناولها التونسيّيون على موائد الحوارت التلفزّية وجلسات المجلس التأسيسيّ والشبكات الاجتماعيّة وفي أحاديثهم اليوميّة. ولكنّها كانت في واقع الأمر، رغم حالة القرف أحيانا من السياسيّين والخبراء والمثقّفين وما صاحبه من سخريّة مرّات كثيرة، فرصة نادرة لإعادة بناء الدلالات والمفاهيم والتفاوض حول المعاني والمحمولات. ففي خضم الانفعالات والحسابات والاستعجال والمخاوف والمآزق والتوافق ورغم استعمال الكلمات تارة بالونات اختبار وتارة أخرى دلائل إدانة وثالثة سكاكين ضدّ الخصوم فقد تمكّن التونسيّون من أن يبنوا بدستورهم لغة تقوم على حدّ أدنى دلاليّ مشترك  يرسم لهم المستقبل بشكل من الأشكال رغم المخاطر والفخاخ... اللّغويّة!
إنّها فتنة (بالمعنيين) لسانيّة طريفة جديرة حقّا بالدرس.
ممتع مفيد ولكن...
لقد رأى بعض المعلّقين أنّ الثورة التونسيّة كانت مختبرا. وكذلك كان الانتقال الديمقراطيّ فيها. واكبر طنّي أنها مختبر لغويّ أيضا بهذه الكلمات التي تتراوح بين الفصحى والدارجة والفرنسيّة ولغة المفاهيم القانونيّة والحقوقيّة والتعبير الساخر والألفاظ الشعبيّة والكلمات المنحوتة والمولّدة إلخ.
وعلاوة على اللغة الفرنسيّة الممتعة التي حرّر بها الكتاب و"البساطة العميقة" التي قدّمت بها الكلمات والقضايا فإنّ ممّا يشوّق في كتاب هادية بركات وألفة بلحسين الجرأة أحيانا على وضع مداخل طريفة ("حوماني") والتحليل المفهوميّ الطريف العميق (أبرزه في مقالات من قبيل "هوّيّة" و"مؤامرة" و"إسلام سياسي" و"انتقال ديمقراطيّ" و"مجتمع مدني" مثلا) والتتبّع الدقيق المتأنّي لأصول العبارات وتطوّرها (مثل "ثورة" و"شغل حرّيّة كرامة وطنيّة").
ولعلّ أكبر إشكال يطرحه هذا الكتاب يكمن في تحديد معايير اختيار الكلمات المداخل. فلم وقع الاقتصار على ستين كلمة فحسب؟
فهناك مشكلة أولى هي أنّنا لا نجد في نهاية كلّ مقال إحالات داخليّة تربطه بما هو منه بقرابة (مثلا بين "لجان حماية الثورة" و"حوار وطنيّ" و"توافقات"... إلخ) وكان يمكن في باب الإحالة الداخليّة استخراج كلمات عديدة لم تخصّص لها مداخل. من ذلك غياب مدخل لكلمة "القصبة" رغم دورها الأساسيّ في الحراك الثوريّ وذكرها في أكثر من مقال ومدخل. وهو سهو لا نرى له مبرّرا بما أن كلمات أقلّ منها رمزيّة ودلالة وجدت لها مكانا في المعجم.
وفي هذا الصدد نستغرب خلوّ الكتاب من كلمات عدّة أسالت حبرا غزيرا وأخذت من وقت التونسيّين الكثير وما تزال إلى اليوم منقوشة في ذاكرتهم. ونذكر على سبيل التمثيل: "التدافع" و"الخلافة السادسة" و"الاتحاد العام التونسيّ للشغل" و"الأغلبيّة الصامتة" و"زعبع" و"الشيخان" و"التكامل" و"السافرات" و"الركوب على الثورة" و"الأمن الموازي" و"الطاغوت" و"غزوة المنقالة" و"موتوا بغيظكم" و"الكتاب الأسود" و"الثورة المضادّة" و"الزمقتال" و"الطرطور" و"طرشقانة" و"الحقرة" (ذكرت عرضا في "الحرقة" وهي أهمّ في مسار الثورة)... إلخ. هذا علاوة على حملات عديدة من قبيل "اعتقني" و"اكبس" و"شكون قتل شكري" و"حلّ" و"وينو البترول" وشعارات من صنف "لا خوف بعد اليوم" و" الداخليّة وزارة إرهابيّة" و"السلطة ملك الشعب" و"إذا عدتم عدنا"... إلخ.
وقد استغربنا ألاّ تتعرّض المؤلّفتان في مقال "شهيد" إلى مسألة شهداء الثورة وما يحيط بالقتلة من غموض إلى حدّ الآن مع التركيز على مفهوم الشهادة لدى التكفيريّين الذين ذهبوا إلى مناطق النزاع رغم تخصيص مدخل لكلمة "جهاد". من ناحية أخرى ربّما تحتاج بعض المقالات إلى تدقيقات إضافيّة. من ذلك أنّ فكرة "المجلس التأسيسيّ" لم يطرحها أوّل الأمر رجال القانون كما بيّنت ببراعة المؤلّفتان مستعيدتين تفاصيل لا يعرفها عامّة الناس. فممّا نذكره أنّ هذا المطلب قدّمه اليسار الراديكالي حتّى قبل فرار بن عليّ ودافع عنه في التلفزيونات الأجنبيّة ورفعه في معلّقات يوم 14 جانفي خلال المظاهرة الحاسمة أمام وزارة الداخليّة. وتوجد صور تؤكّد ما نزعمه.
إنّ كتاب "هذه الكلمات الجديدة التي تصنع تونس" يساهم في بناء ذاكرة الثورة والانتقال الديمقراطيّ بطريقة تجمع إلى الامتاع الإفادة وسيكون من أجمل الكتب التي وضعت عن الثورة التونسيّة لأنه، على عمقه ودقّته، مكتوب للجميع (ممّن يتقن الفرنسيّة للأسف!) ينشّط ذاكرتهم ويدعوهم إلى تأمّل الآتي. وليس لنا أن نرجو أوّلا  إلاّ استكماله بما ينبغي، وقد اقترحنا من عفو الخاطر حوالي ثلاثين مدخلا آخر ممّا نعتبره من كلمات الثورة، وثانيا تعريبه لأنّ لغة الثورة التونسيّة، عكس لغة الثورة الفرنسيّة، تهمّ العرب جميعا في تشوّقهم إلى الحرّيّة.