Follow by Email

lundi 16 mai 2016

الأبعاد الفلسفية في رواية الطلياني

                                                            ياسين اغلالو
باحث من المغرب
موقع أنفاس (المغرب) 15 ماي 2016
        
       إنه من البخل الفكري وفقدان الكياسة ان تقرأ عملا ادبيا محترما يشدك ويأسرك في عوالم مختلفة ويحررك من أصنام عدة، ان تنتهي منه ولا تخط اسطرا فذلك غبن لصاحبها، خصوصا وهي تفرض نفسها عليك فرضا وما عليك سوى أن تطلق العنان لعقلك وقلمك. كان هذا حالي عندما كدت انهي رواية الطلياني وأنا اقول في دواخلي على هذا القلم المجنون ان يتوقف الآن، انه يكتب أشياء بالنيابة بعدما فشلنا نحن على تجميعها في هكذا قالب ادبي. أستسمح الكاتب الذي اشبعته سبا في داخلي كلما اضحكني مقطع او وجدته مسليا فكريا، مثلما اسب صديقا عزيزا علي وأنا امازحه عندما يقول شيئا يعري ويفضح به عورة الواقع.
     امام هذه الحالة وعلى طول الرواية وجدت ان الكاتب - ويبقى هذا مجرد تأويل – يستند إلى مرجعية وثقافة فلسفية واسعة، تجعل من الرواية عملا فلسفيا راقيا. خصوصا وأنها رواية تحتفي بالفلسفة في الشخصيات. فقد جعل زينة طالبة ثم مدرسة للفلسفة، وصورها على اساس انها تجسيد مادي لخصائص الفكر الفلسفي "ثورية، لا تسلم بشيء، النقد سبيلها، مثقفة وتشد الحاضرين في نقاشاتها...".  وجعل السارد طالبا ثم مدرسا للفسفة، وعبد الناصر المناضل هواه فلسفي رغم انه طالب حقوق وصحفي بعدها، بالإضافة الى احداث اخرى تحتفي بالفكر الفلسفي في الرواية.
   سنحاول أن نبرز البعد الفلسفي في الرواية دون ان نجعله على لسان شخصيات الرواية. وبهذا – في اعتقادنا - فكل من قرأ الرواية سيجد انها تقول نظرية في السلطة السياسية. بحيث السلطة في الرواية تمتد الى كل شيء وتشمل اي شيء، اما بشكل معلن او خفي. المهم أن أعين الدولة مفتوحة على جميع التحركات، ولا شيء ينفلت من قبضتها. وهذا يذكرنا بنظرية مشيل فوكو في السلطة التي تنتشر في كل مكان ولا تسمح بأي انفلات إلا تحت مراقبتها. انها تراقب الصحافة والخطاب والمشاريع الفكرية...، وهذا ما بسطه فوكو في كتبه المتعددة. وهو نفس التصور نجده على طول الرواية، إذ يقول الكاتب "الدولة هي الدولة. لقد ركزت في كل واحد منا شرطيا". كما صور لنا البوليس بكونه يعلم خفايا كل شيء وله اعين من وشات تخدمه لا يشك فيها اي احد. انه يعلم بالليلة التي قضاها عبد الناصر مع زينة ويعلم اين يقطن ويعلم اسرار التنظيمات بالجامعة ويعلم ان عبد الناصر سرق الورقة من الملف بغرفة البوليس...هذا التصور الفوكاوي الذي يغطي الرواية سيؤدي بالكاتب الى موقف فلسفي أخر. سأقول انه موقف يقر بنهاية التاريخ على منهاج فوكو ياما. كيف ذلك ؟ إن الرواية بحكم انها وثيقة على مرحلة تاريخية من نظام الحكم بتونس من بورقيبة الى بن علي. فقد صور الكاتب أن كل إمكانية للتحرر متعذرة وكل المناضلين ينتهي بهم الامر في احضان الدولة او متفرجين. وهذا نتيجة عدم تكافؤ ميزان القوى بين الرغبة في التحرر عند الناس وقوة الدولة. وفي كل لحظة يصور الكاتب ان الدولة تعلم بكل تحرك، وحتى الصحافة فهي بوق للدولة، وتنشر ما تريده وتحرس النظام. وهذا ما جعل البوليسي الذي يعرف عبد الناصر وابن جيرانه يستهزئ منه بقوله  أن التنظيمات لا تعرف منطق الدولة وتريد أن تنفلت وتغير من داخلها. وغالبا ما نجد في الرواية أن البوليس يكشف بسخرية ويعلم خبايا الحركات اليسارية والإسلامية، وإما انها من دعم وصنع النظام وطبخه. ويبدو النظام السياسي او الزعيم كما هو مسمى في الرواية مثل الاخطبوط لا نعرف له حدود. وهذا ما يؤدي الى القول باستحالة التغيير من جهة القوى التحررية، وكأن التاريخ قد انتهى، وما على الشعب سوى الارتماء في احضان الدولة. وبالتالي فالرواية تعمق عند القراء والجماهير سيكولوجية الانهزام والضعف امام الواقع وكأنه قدر عليهم، لا انفكاك لهم منه.
في تتبعنا للرواية نجد الكاتب يحفر في الواقع والقعر الاجتماعي ويحمل مطرقته النيتشاوية ويكسر ويهدم كل الاصنام والمثل الاخلاقية التي يدعيها الانسان ويختبئ وراءها، ويعلن بمعنى من المعاني موت القيم. فالفقيه الذي ننتظر بركته دخل المسجد بشذوذه، و"المرأة التي تدافع عن حقوق النساء تأتي بالمطلقات لرجال السياسة للتسلية بهن". وكل من يقوم بمهمة يفعل في الواقع عكسها، لقد عالج شكري كل القيم ما وراء الخير والشر بالمعنى الذي نجده عند فردريك نيتشه.
    تعالج الرواية أيضا موضوعة الرغبة الانسانية والتي تتراوح بين ما هو جنسي غريزي بيولوجي كما هو الامر مع عبد الناصر، وان كان يحلم بالثورة وزوال استغلال الانسان لأخيه الانسان. إلا انه يسقط على الدوام ضحية لغرائزه وهذا ما عبر عنه السارد "يرخي (اي عبد الناصر) الحبل لشهواته، لحيوانتية التي يضطلع بها، لنزواته، لجنونه". وهذا انتصارا لمبدأ اللذة. وأحيانا نجدها رغبات فكرية علمية في عمقها وباقي الرغبات تظل ثانوية وهذا حال زينة التي سعت وراء حلمها الفكري.
ورغم اننا ركزنا على بعض تجليات الفكر الفلسفي في الرواية، الا ان الرواية تبقى غنية  وتنتقل بالقارئ عبر عوالم متعددة ومواضيع مختلفة. من المثلية الجنسية والحركة الطلابية الى عالم الصحافة مرورا بالجنس والعلاقات الزوجية وصولا عند واقع الفقر والتخلف والفوارق الاجتماعية... وبهذا ورغم طابعها الانهزامي والسلبي نحو المستقبل والذي ينسجم في الاخير مع واقع التسلط السياسي والمرحلة التي تغطيها، إلا انها عبرت في قالب أدبي مميز عن الموضوعات المختلفة التي عالجتها.
 إنشغل شكري بالانفعالات البشرية وصورها بطريقة أدبية رائعة، ألم يقل هنري برجسون "اننا نحكم على موهبة كاتب روائي من خلال قدرته على الاشتغال بعالم العواطف والافكار، وترجمتها إلى لغة مكدسة تربط التفاصيل الصغيرة القريبة بعضها ببعض، بحيث يريد ان يحول العالم الذي يشتغل عليه بواسطة اللغة الروائية إلى عالم ذي طابع حي ومتفرد، دون ان يتمكن من ذلك". لكن شكري خيب آمال برجسون وطوع اللغة لتستوعب الى حد ما الواقع والانفعالات التي إشتغل عليها


Aucun commentaire: