Follow by Email

lundi 15 juin 2015

لطلياني».. أوجاع المجتمع المعطوب والجيل المقهور


صبري حافظ
 التحرير (مصر)، 2015-05-23

لا شك فى أن أبرز نجاحات «جائزة البوكر العربية» بعد ثمانية أعوام من انطلاقها هى أنها تلفت أنظار الواقع الثقافى لعدد من الروايات الأولى الجديرة بالقراءة، والتى ما كان لها أن تستقطب اهتمامه الواسع دونها. كما أنها تتيح لتلك الروايات الأولى رواجا خارج البلدان التى صدرت عنها، فى واقع عربى تتقطع السبل بين أقطاره، وتزداد بينها الأسوار بصورة تعيق حركة المنتج الثقافى وحرية تداوله. والواقع أن ترويج الرواية الجادة تجاريا، وتوسيع رقعة قرائها كان الدافع الأساسى وراء إنشاء جائزة البوكر الإنجليزية الأم، عام 1968، وأهم أسباب استمرارها. حيث كانت أساسًا مجرد مبادرة قام بها ناشرو الرواية الإنجليزية للترويج لرواياتهم، وقد لاحظوا كساد الرواية الجادة النسبى، وانصراف القارئ الذكى عنها، بعدما استأثرت الرواية البوليسية ورواية التجسس والرواية العاطفية السهلة بالقراء، لكنها كأى مبادرة غربية ناجحة، أصبحت لها مستنسخاتها فى أكثر من مكان: بدءًا من روسيا عام 1992 التى استنسختها بالشراكة مع إدارة الجائزة الأم، ثم «جائزة الكتاب الألمانية» التى أسست على غرارها، ولكن فى استقلال كامل عنها، ثم بوكر الآسيوية عام 2007، وهى أيضا مستنسخة عن الجائزة الأصلية، وبشراكة مع مؤسستها الأم، وصولًا إلى آخر استنساخاتها، وهى جائزة بوكر العربية عام 2007.
ومع إننى نبهت عند انطلاق الجائزة إلى سلبيات استنساخ الجائزة الأم، وفضحت ما تنطوى عليه عملية الاستنساخ تلك من مزاعم عارية من الصحة، أتاحت لكثيرين من الأدعياء ومرتزقة الحياة الثقافية القفز على مركبتها. وقد نبه غيرى بعد ذلك إلى سلبيات أخرى تتعلق باختيارات لجان تحكيمها، وبالإصرار على أن تضم اللجنة مستشرقًا فى كل دورة. ناهيك بكتابة الكثيرين عن دخول اعتبارات غير أدبية، كالمحاصصات الجغرافية وغيرها فى تلك الاختيارات. أقول إنه على الرغم من هذا كله، فلا شك فى أن استثمار مئات الآلاف من الدولارات فيها على مر السنوات الثمانى الماضية قد أتى بعض أكله. وأنها أسهمت إلى حد لا بأس به فى رواج الرواية العربية الجادة بشكل عام، وفى توسيع رقعة قرائها.
فلولا الجائزة لتأخرت بلا شك معرفتى بتلك الرواية التى فازت بها هذا العام، وهى رواية شكرى المبخوت البديعة (الطليانى). وعلى الرغم من حصولها على جائزتين تونسيتين أبرزهما جائزة الكومار الذهبى للرواية التونسية، وجائزة معرض الكتاب التونسى، لأصابها ما أصاب روايات تونسية كثيرة من غبن من القارئ العربى العام مثل روايات مهمة لصلاح الدين بوجاه، ومحمد على اليوسفى، وحسن نصر، ومصطفى الكيلانى، والمنصف الوهايبى، وكمال الرياحى، وأبو بكر العيادى، ومحمد دمّق، وحليمة الخميرى الباجى، وعبد الجبار العش وغيرهم. ولولا قائمة جائزة البوكر القصيرة لضمت القائمة أيضًا روايات الحبيب السالمى وحسين الواد، التى أنصفها جزئيًّا وجودها فى القوائم القصيرة منها أو الطويلة. إذن ثمة فضل غير منكور للجائزة فى لفت انتباه جمهور القراء الواسع لروايات أولى خاصة، ما كان لها أن تستقطب هذا الاهتمام لولا وجودها فى قائمة الجائزة القصيرة أو الطويلة، ناهيك بفوزها بها كما هى الحال مع شكرى المبخوت، أى المحظوظ بحق، حيث فازت روايته الأولى بالجائزة، وعن جدارة، على الرغم من وجود روايات أخرى كانت جديرة بالفوز مثل «ابنة سوسلوف» للكاتب اليمنى حبيب سرورى، التى أعتبرها أهم الروايات التى صدرت عن الربيع العربى وأعمقها، مع أنها لم تتجاوز حدود القائمة الطويلة.
ورواية شكرى المبخوت «الطليانى» رواية جميلة بلا شك، من حيث غواية الموضوع المشغول بإحدى أهم فترات التحول فى المجتمع التونسى الحديث، بعدما شاخ نظام بورقيبة، وانقض عليه بن على فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى، وهو انشغال يحيل تلك الفترة الانتقالية بطريقة مواربة إلى مرآة لواقع انتقالى رجراج تعيشه تونس الآن بعد ثورة الياسمين. ومن حيث تصويرها أوجاع جيل كامل، عانى من القهر الداخلى والعطب الاجتماعى المستشرى فى كل مفاصل الواقع، وهو جيل شكرى المبخوت نفسه، الذى رفض الواقع بكل أعصابه، لكنه لم ينجح فى الثورة على كل ما دار فيه. بينما كشف الجيل التالى له، جيل الربيع العربى، مدى هشاشة النظم التى قهرته، حينما بدل الخوف مواقعه، وهرب بن على. وكأن المبخوت يدرأ عن جيله بهذه الرواية الجميلة أى اتهام بالتقصير، لكن أكثر عوامل غواية هذا النص الروائى الجميل رغم ثراء عالمه وكثافة شخصياته هى طلاوة السرد الذى يستأثر بانتباه القارئ لسيولة تنقلاته الزمنية، ووعيه بأهمية تعدد الخطابات، وهو ما رصّع اللغة بالكثير من مفردات الشخصيات وقواميسها الخاصة، التى تستعصى فى بعض الأحيان على القارئ الذى لا يعرف مفردات الدارجة التونسية.
ويفتتح المؤلف روايته بجملة مفتاحية تشد انتباه القراء وتوجههم إلى ضرورة «الفهم». فنحن إزاء سرد يتوخى استثارة عقل القارئ قدر استثارته لعواطفه. جملة تقول «لم يفهم أحد من الحاضرين فى المقبرة يومها لِمَ تصرف عبد الناصر بذاك الشكل العنيف. ولم يجدوا حتى فى صدمة موت الحاج محمود سببًا مقنعًا». وهى جملة استهلالية مفتاحية لعدة أسباب: تبدأ السرد فى المقبرة، وهو مكان له دلالاته الرمزية التى لا تخفى على أحد. لأن المقبرة توشك أن تكون استعارة الرواية المضمرة لتونس برمتها، وللواقع العربى من ورائها. تبدأ ببطل الرواية وحامل اسمها: عبد الناصر الشهير بالطليانى. وهو للمفارقة اسم له دلالاته فى التاريخ العربى المعاصر، وإشكالياته فى علاقته بتاريخ تونس السياسى زمن مولد البطل، الذى نعرف من الفصل الأول أنه كان فى عام 1960، زمن بورقيبة وعلاقته الإشكالية مع عبد الناصر وقتها. وتربطه بالموت، وأى موت؟ موت الأب «الحاج محمود» ابن جيل الاستقلال التونسى، الذى يبدو أنه لم يكن بورقيبيًّا خالصًا، حينما سمى ابنه «عبد الناصر». وأخيرًا تقدم لنا تلك الجملة الاستهلالية العنف: عنف الابن المحبط الكظيم. وسوف تعزز الرواية أهمية الفهم تلك بعد صفحات قليلة، حينما تقول الأم «أموت وأعرف لِمَ فعل ما فعل؟» (ص 13).

وهو الأمر الذى يرهف اهتمام القارئ أكثر بما جرى، فحتى الأم لا تعرف، ويشوقها أن تعرف إلى حد كبير، ولن تعرف الأم، ولن يعرف القارئ معها لما فعل (الطليانى) ما فعل، إلا إذا قرأت الرواية برمتها وحتى نهايتها، التى تردنا لغرابة المفارقة لبدايات هذا الجيل المعطوب. فدعنا نقرأ الرواية معًا فى الأسبوع القادم. 

 «الطلياني».. رواية المدينة وأرشيف الوجع الوطني
(2015-05-30 )
تحدثت للقراء فى الأسبوع الماضى عن فضل جائزة البوكر فى تعرفنا على رواية «الطليانى» المنشورة عن «دار التنوير»، التى اعترف كاتبها بأهمية دار النشر فى لفت الانتباه إلى روايته من ناحية، وفى تحريرها الذكى لمخطوطة الرواية من ناحية أخرى.
وهى رواية تسهم كالروايات الكبيرة فى تثقيف قارئها بأن تغنيه عن قراءة كثير من الكتب عما دار فى تونس فى الفترة التى تكتب عنها، وعن مختلف التيارات التحتية فى الفكر والسياسة، التى كان يمور بها الواقع التونسى فى تلك الفترة التى انشغلت بتقديمها لنا، إذ يتعرف القارئ منها على أحداث مفصلية فى تاريخ تونس الحديث، وقد أصبحت جزءا من أحداث السرد ومن تكوين شخصيات النص الأساسية، بدءا من مؤتمر جربة عام 1971، الذى يفخر سى عبد الحميد سرا بأنه كان من المؤتمرين فيه، ثم أحداث جربة فى فبراير 1972، مرورا بأزمة النظام مع الاتحاد العام للشغل وأحداث 26 يناير عام 1978، وصولا إلى انتفاضة الخبز فى يناير 1984، دون أن ينسى واقعة كلية الآداب بمنوبة، التى خطط لها المناضل الخشبى العتيد المحامى القروى فى مارس 1982، والتى يقيس عليها البطل ما يمكن أن تفعله مجموعته به أو بالبطلة «زينة».
فالتواريخ تأتى فى هذه الرواية الجميلة بمنطق السرد، وفق ما فصله جورج لوكاتش فى دراسته المهمة عن الفرق بين السرد والوصف، فبينما يُبقى الوصف الأحداث معلقة وحدها كأنها خارج السرد، يدمجها السرد فى بنيته، ويحفرها فى وعى النص التاريخى، ويحيلها إلى جزء فاعل فى ما أدعوه بذاكرة النص التاريخية، فللنصوص الجيدة ذاكرتها الداخلية التى تموضع أحداثها فى قلب ما دار فى الواقع الذى تصدر عنه، وتتوجه إليه فى آن.
وتتيح لنا هذه الطريقة فى التضافر بين الأحداث المفصلية فى تاريخ تونس ومصائر الشخصيات أو مسيراتها، أن نعرف كثيرا عن تكوين الجيل الذى انفتح وعيه على شيخوخة نظام بورقيبة، وسياقات تكوينه، سواء أكان هذا التكوين فى العاصمة تونس التى يكون فيها بطل الرواية «عبد الناصر»، أو فى أبعد الأرياف عنها كما هو الحال مع بطلتها «زينة» الطالعة من أبعد أرياف تونس فى شمالها الغربى قرب الحدود الجزائرية فى عين دراهم، فنكتشف أننا إزاء جيل معطوب بحق، وإن سعى بجلد محمود يشارف البطولة للارتقاء على واقعه الموبوء، وتكوين نفسه بالبحث والعلم والمعرفة، والتغلب على هذا العطب.
جيل ندرك أنه مهما كانت بطولاته الفردية وصرامته مع نفسه، وبحثه المضنى عن ذاته وعن حريته المفقودة، فإن أدواء الاستبداد والفساد والتخلف والقهر التى عاشتها بلاده فى أثناء تكوينه قد نخرته من الداخل مهما حاول تجاهلها أو التمرد عليها. وكأن قدر الواقع الاستبدادى المأزوم أن يخلق إنسانا مكسورا، مهما تسلح بالمعرفة، ومهما سعى لتطوير نفسه وواقعه.
إنسان يقعده عن الانطلاق بنفسه وببلده، وحتى بحاجات جسده، إلى آفاق الحلم والتحقق المفتوحة ما تدعوه زينة بـ«أرشيف الوجع» الذى يطارده، لأن الرواية فى مستوى من مستويات قراءتها هى رواية أرشيف الوجع التونسى فى تلك الفترة المهمة من تاريخه، والتى تطرحها الرواية كما ذكرت مرآة لحاضر هذا المجتمع فى لحظة تحول مفصلية أخرى فى تاريخه، عقب كل ما جرى فى ثورة الياسمين.
وهى فى الوقت نفسه رواية المدينة، مدينة تونس العاصمة، تقدم لنا جغرافيا هذه المدينة وترقش تضاريسها فى قلب النص، لا باعتبارها المكان الذى تدور فيه الأحداث فحسب، بل باعتبارها الاستعارة الكبرى الوطن التى تكتب بالنص الروائى تاريخه وتناقضاته والتراتب الطبقى لفضاءاته الحضرية، وزحف الأحزمة العشوائية على مراكزه القديمة، وترييفه كما حدث فى كثير من كبريات المدن العربية. تكتب لنا عن طبيعة العلاقات الاجتماعية فى المدينة وما تنطوى عليه ثقافتها التحتية، بالمعنى الاجتماعى الواسع لمفهوم الثقافة، من تناقضات بين أهلها الأصليين «البلدية» أبناء تجربتها الحضرية العريقة بميراث طويل من التحضر وقيم الطبقة الوسطى ومتغيرات التحديث، والقادمين إليها مثل «زينة» من أقاصى البلاد من «الأقعار» الذين مهما كانت حدة ذكائهم، ومهما نمت معارفهم اللغوية منها والفكرية، يفتقرون إلى لمسات تحضر أهل المدينة الدالة، وما يتسمون به من حصافة ووعى بما يجب أن يُفعل أو يُقال، وبآليات التبادل الاجتماعى الكاشفة عن الثقافة بمعناها الاجتماعى العميق. فالرواية تقدم قراءها إلى جغرافيا المدينة بأحيائها المختلفة ومعالمها الأساسية بدءا من مقبرة الزلّاج وصولا إلى موقعى الجامعة فى منوبة و9 أفريل، وانطلاقا من جادة بورقيبة فى مركز العاصمة والشوارع الجانبية المتفرعة منها، وحتى السوق المركزية ومحطة الباصات العمومية والنقل الجماعى فى باب سعدون.
وتدور حول المدينة العتيقة من باب الجديد إلى باب الخضرا، وباب البنات، ومركز البريد فى باب المنارة، وباب البحر وباب سويقة، وحتى مركز الأمن فى القرجانى، دون أن تنسى الضواحى من باردو إلى حى الزهرونى الشعبى، ومن الأمكنة التى تباع فيها أفضل الصناعات التقليدية فى ضاحية الدّندان وحتى المطاعم والحانات التى تعج بها الشوارع المتفرعة من جادة بورقيبة.
فالمدينة تونس العاصمة هى مجرة هذه الرواية الأساسية، قد تخرج منها إلى الأرياف لتعرفنا على جناية عوالمها المتخلفة المغلقة على «زينة»، التى نشأت فى أحراش الريف بالقرب من عين دراهم، ولم ينقذها، من مصير كمصير أمها التعيس بها، غير ما تركه المعمّر الفرنسى الراحل من كتب ومجلات فى البيت الذى استولى عليه وعلى إقطاعاته معه مخدومها، فاستعبد أهل الناحية، دون أن تكون له ثقافة المعمّر الفرنسى الذى رحل. أو قد تبعث راويها السرى العليم، وهو من حيل السرد البارعة فيها، والتى قد نعود إليها فى ما بعد، إلى القيروان ليعمل مدرسا بها. فتكشف عن تجذر تواريخها فى ثقافة أسرته «البلدية» حينما تطلب منه أمه أن يقرأ لها الفاتحة فى مقام أبى زمعة البلّوى فى الطريق إليها، أو يجلب لها شيئا مما تتميز به من حلوى المقروض.

أما من الناحية الزمنية فإن ليلة 7 نوفمبر 1987، ليلة انقلاب زين العابدين بن على، على زعيمه الذى غاب فى سراديب الشيخوخة، هى لحظة الرواية الزمنية المفتاحية، ليس فقط لأنها لحظة تحول تونس من استبداد يعانى من الشيخوخة، إلى استبداد مسلح بالأمن والفساد ودعم الرأسمالية المتوحشة، ولكن أيضا لأنها لحظة التحول الأساسية الكاشفة عن انكسارات شخصياتها جميعا، لكن لتصاريف الزمن التونسى فى هذه الرواية الجميلة حديث آخر قد نعود إليه فى الأسبوع القادم.
«الطليانى».. رواية الهزيمة وتصاريف الزمن التونسى
(2015-06-07 )
ثمة انطباع لدى كثير من المثقفين المصريين، بأن عبء الهزيمة التى عانتها مصر عام 1967، ولم تتخلَّص من عبئها الرازح وعقابيلها (والعقابيل حسب «لسان العرب» هى بقايا العلّة) حتى اليوم، والذى طبع فى ظنّى كل إنتاجها الثقافى، لم يؤثّر بنفس الدرجة على بقية البلدان العربية، خصوصًا بلدان المغرب العربى البعيدة نسبيًّا عن الصراع العربى- الصهيونى.

لكن رواية شكرى المبخوت الجميلة «الطليانى» تؤكّد خطل هذا الظن. وتبرهن على وحدة الثقافة العربية العميقة التى تجمعها بنية مشاعر «structure of feeling» واحدة، حسب مصطلح رايموند وليامز المشهور. وهى بنية عميقة تتخلَّل الثقافة بمعناها الأوسع فى الدراسات الثقافية التى كان وليامز أحد أبرز أعلامها. بصورة تكوّن معها البنية التحتية الفاعلة بطريقتها المراوغة فى الوعى أو اللا وعى الثقافى العام.
فمن يتأمل كل شخصيات هذه الرواية الأساسية منها والثانوية يجد أننا إزاء شخصيات تعانى كلها من الانكسار، تنخرها الهزيمة من الداخل ولا تتيح لها فرص التحقق السوى مهما ناضلت وبصدق ملموس لتحقق نفسها، على جميع المستويات، بدءًا من مستوى الجسد المعطوب، وحتى مستوى الأفق السياسى المسدود.
ولا ينجو من تلك الهزيمة الوطن نفسه، الذى يصفه سى عبد الحميد بعد انقلاب بن علِى الذى اغتصب السلطة دون إراقة قطرة دم واحدة، وهو أمر أخطر من تدفُّق الدماء: «لهذه البلاد قابلية للفتح والإخضاع. ركبها القرطاجيون والوندال والرّومان والفاتحون والشيعة والخوارج وبنو هلال والأتراك والإسبان والفرنسيون. توجعت قليلًا ولكنها كانت تحتضنهم بصدر رحب» (ص 273). وهو وصف يوشك أن ينطبق أيضًا على كل الشخصيات التى «توجَّعت قليلًا» ولكنها تعايشت مع انكساراتها وهزائمها. وكأنها كانت تنتظر، أو بالأحرى تشارك فى تحقيق نبوءة سى عبد الحميد الذى تجعله خبرته السياسية والصحفية الطويلة يقرأ المستقبل، بطريقة كلبية «cynicism»، وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح «انتظر! منذ الوهلة الأولى سحب البساط من الجميع. سيسوى بطريقة ما ملف الإخوانجية، ثم يضع فى الرف بقية الملفات. وبعد ذلك يتفرَّغ لممارسة هوايته فى الإجرام» (ص 273).
فنحن إذا ما تأملنا شخصيات الرواية كلها، الأساسية منها والثانوية، سنجد أننا فى قاعة مرايا للانكسارات الإنسانية الموجعة. حيث ترجّع انكسارات البطل عبد الناصر انكسارات أخرى سابقة عليه، مثل سى عبد الحميد بكلبيته الماكرة، أو حمادى، مصمم الجريدة الذى دمَّرته غيرة أستاذه منه وهو لا يزال طالبًا فى كلية الفنون، أو حتى عم حسن مدير مطبعة الجريدة، والذى ساوم على مواقفه ودخل الحزب الذى لا يحبه ليدافع عن عماله. وتوازيها انكسارات أبناء جيله، وأبرزهم ابن حيّه وزميله غير المسمى، وراوى الرواية العليم بسبب علاقته الوثيقة بكل من البطل والبطلة «زينة». وسنجد أن الحال نفسه سيتكرر مع الشخصيات النسائية فى الرواية، حيث تنسج الرواية توازيًا دالًّا بين ما جرى لزينة التى انتهت مع رجل فرنسى فى عمر أبيها، وما جرى لنجلاء التى انتهى بها الأمر إلى أن «احترفت العهر ببطاقة شبه رسمية. أصبحت تلعب فى ميادين واسعة مع قروش كبيرة فى المال والسياسة»، (ص 294). وهو نفس المصير الذى انتهت إليه قبلهما «للا جنينة».
وكما أننا نشاهد تماثل الشخصيات فى قاعة مرايا انكساراتها وأوجاعها، تقدم لنا الأحداث هى الأخرى مراياها التى تكشف عن منطق الواقع المهزوم وبنيته التحتية. فما جرى لحمادى مصمم الجريدة ورسامها، (ص 164)، ورفض الأستاذ تبرير علامته الظالمة له، بقوله «لست مجبرًا على تبرير العلامة التى أسندها» (ص 164)، ومساندة مدير مدرسة الفنون الجميلة للأستاذ فيها باسم الحرية الأكاديمية وسلطة الأستاذ، لأن «الحاكم الوحيد والرقيب الوحيد على الأساتذة هو ضمائرهم» (ص 164)، فى عالم انعدمت فيه الضمائر. يتكرر مرة أخرى، وبحذافيره مع «زينة»، حيث يزعم الأستاذ الذى دمَّر مستقبلها هو الآخر «كانت الأوراق بدون أسماء حفاظًا على سرية الاختبار» (ص 278)، ويكرر العميد ما فعله مدير مدرسة الفنون حينما يؤكّد إزاء رغبة زينة فى أن يصحح أستاذ آخر ورقتها الراسبة أنه «لا وجود فى القانون للإصلاح الثانى، لأنه يعنى التشكيك فى نزاهة الأستاذ الذى يعتبر خبيرًا فى ميدانه» (ص 279). لذلك يكون رد فعل المظلوم والمقهور فى الحالتَين «حمادى وزينة» مماثلًا، وينطوى على نوع من تدمير الذات. حيث ذهب حمادى إلى الأستاذ الجلاد، بعدما يأس من الحصول على حقّه، «جذبه من كتفه، أسمعه ما قاله مالك فى الخمر وزيادة، بصق فى وجهه، لكمه لكمة كادت تذهب بعينه اليمنى وخرج» (ص 164). وهو نفس ما فعلته زينة حيث صرخت فيه «بدون أسماء يا ابن الفاجرة.. بصقت عليه، رفعت يدها. لطمته لطمة سُمع صداها يتردّد» (ص 278).

وليست انعكاسات الأحداث أو تكراراتها هى المحرك الأساسى لبنية الرواية الزمنية، وإن كانت جزءًا من تلك البنية، لأننا بإزاء بنية زمنية ذات طبيعة دائرية من ناحية، واستعادات تكرارية لما مضى من ناحية أخرى. تلعب فيها ليلة 7 نوفمبر 1987، ليلة انقلاب زين العابدين بن على على زعيمه الذى غاب فى سراديب الشيخوخة، دورًا محوريًّا، ليس فقط لأنها لحظة تحول تونس من استبداد يعانى من الشيخوخة، إلى استبداد مسلح بالأمن والفساد ودعم الرأسمالية المتوحشة، ولكن أيضًا لأنها لحظة التحوُّل الأساسية الكاشفة عن انكسارات شخصياتها جميعًا. ففى نفس تلك الليلة التى نظَّم فيها بن علِى انقلابه على بورقيبة «مسكين بورقيبة» (ص 230)، كان أول تعليق لنجلاء على الانقلاب. تحررت زينة من آخر ما كان يربطها حقًّا بتونس، أمها، ففى تلك الليلة ماتت أم «زينة» آخر ما كان يربطها بمحل ميلادها، وحتى بوطنها تونس بأكمله، كما سنعرف فى ما بعد. وهى أيضًا ليلة تحرر عبد الناصر من زينة. فزينة أصرَّت دومًا على تسمية زواجهما بمجرد «صداق»، والتنصل مع مسؤوليتها عنه، فللزواج عندها معنى أكثر عمقًا وجدية. فعبد الناصر لم ينجح أبدًا فى أن يدلف إلى عالمها الداخلى، رغم كل ما قدمه لها من دعم وحب جعلاه يشعر بنوع من خيبة الأمل والذنب الذى جرى معه شريط حياته كله أمامه حينما خانها مع صديقتها نجلاء فى بيت الزوجية. فقد كانت تلك الليلة المفتاحية هى الليلة التى باتت فيها صديقتها المقربة «نجلاء» فى أحضان زوجها وفى فراشها ببيته. وهى فى الوقت نفسه ليلة ميلاد عبد الناصر المهنية، حيث كان هو الذى يقود سى عبد الحميد رئيس التحرير، ويوجهه إلى الفعل الصحيح والمسار الجديد.

"الطلياني" يُعلن سقوط اليسار والمثقف العربي





محمود الغيطاني
 مجلة البوابة (مصر)، 11 ماي 2015


الحقيقة التي لا يمكن إنكارها في الإبداع الروائي أن الرواية الجيدة هي الرواية التي تجذب القارئ منذ بدايتها؛ فيصبح أسيرا لها غير قادر على الفكاك منها منذ الكلمة الأولى حتى نهايتها، وأظن أن هذا ما فعله الروائي التونسي شكري المبخوت في روايته "الطلياني".
إنها الرواية التي يُجابهنا فيها المبخوت بهزائم اليسار التونسي، ولذلك يحاول استعادة النضال الثوري للحركة اليسارية التونسية أيام الحبيب بورقيبة بكل ما في حركة اليسار التونسي من آمال، وطموحات، وأحلام كبيرة، وما تلى هذه الآمال من انكسارات وتغيرات جذرية حدثت لحركة اليسار بالكامل على مستوى تونس، والعالم أجمع، وإن كان الروائي هنا يحاول التركيز على هذه الحركة أيام حكم الحبيب بورقيبة، وجزء من حكم زين العابدين بن علي بعدما انقلب على الحكم.
يبدأ المبخوت روايته بحدث غير مستساغ يدعو للدهشة القصوى، وهو ضرب الطلياني "عبد الناصر" -المُلقب بهذا اللقب لوسامته وشبهه الكبير بالإيطاليين- للشيخ علّالة إمام المسجد في المقابر حينما كان الشيخ علّالة يدفن سي محمود أبو الطلياني؛ مما يدعو إلى دهشة الجميع وتساؤلهم عن السر وراء هذا الفعل غير المنتظر، ولعل مثل هذا الحدث الغريب منذ بداية الرواية كان هو نقطة الانطلاق الروائية التي اعتمد عليها المبخوت بذكاء كي ينطلق منها إلى سرد أحداث الرواية على لسان صديق الطلياني حتى نهايتها، وهو الحدث الذي لم نعرف السبب وراء غموضه إلا مع السطور الأخيرة منها، مما يدل على ذكاء الروائي الذي جعل القارئ منجذبا خلفه، لاهثا حتى النهاية كي يعرف السر وراء ذلك الفعل.
نجح الروائي انطلاقا من هذا الحدث في تصوير جميع شخصياته الروائية والحديث عنهم بسلاسة، سواء عبد الناصر "الطلياني" الشخصية المتعصبة لليسار التونسي، والحركات الماركسية، وقيادته لهذه الحركة في الجامعة؛ حتى أنه كان حريصا على أن يرسب كل عام؛ لأنه لا يرى من هو قادر على قيادة الحركة اليسارية من بعده في مواجهة المد الإسلامي القميء الذي يحاول أن يلقي بظلاله على كل شيء في تونس، مرورا بأخيه صلاح الدين الباحث الجامعي المرموق، والخبير لدى مؤسسات مالية دولية، حتى أمه الحاجة زينب المرأة المُسيطرة التي تحاول دائما أن تكون هي القائد في البيت على الجميع، حتى لو كانت قيادتها للزوج سي محمود المُنصاع لرغباتها، والغير راغب في الاصطدام معها، بالإضافة إلى جميع بناتها.
تكاد الرواية أن تنقسم إلى قسمين أساسيين في أحداثها رغم أن المبخوت لم يحاول تقسيمها مثل هذا التقسيم على المستوى الشكلي، وفي القسم الأول يتحدث عن عائلة الطلياني ثم لا يلبث أن ينصب الحديث عن عبد الناصر وحده من خلال علاقاته في الجامعة، وقيادته لحركات اليسار التونسي، وإن كان يؤكد من خلال الأحداث أن اليسار لا يختلف كثيرا في برجماتيته عن المد الإسلامي، بل هو لا يختلف عن المد الإسلامي في دمويته كثيرا، فالجميع يحاول الوصول إلى الهدف الذي يراه صحيحا من خلال نفس الآلية، وهي آلية القتل، والإقصاء، ولعل هذا اتضح بقوة حينما ظهرت "زينة" البنت الريفية المثقفة التي تدرس الفلسفة في كلية الآداب والتي تحاول من خلال حلقاتها النقاشية في الجامعة نقاش آليات اليسار، وفلسفته، وغيرها من الأمور الأخرى الداعية إلى التأمل مثل التاريخ، والفلسفة، ولكن لأنها لا تنتمي إلى أي لون من الألوان الحزبية؛ فإنها تمتلك بالفعل حريتها في نقد كل ما تراه يحتاج إلى النقد، فنراها تنتقد آليات اليسار وبعض مثالبه؛ الأمر الذي يجعل بعض ممن ينتمون إلى اليسار يتشككون فيه؛ مما جعل المحامي الشهير الذي يقود الحركات اليسارية داخل الجامعة يقول للطلياني: "لابد من تحييدها، من عزلها، من تصفيتها، كل من يقف حجر عثرة في وجه حركة الجماهير ينبغي تصفيته، ألم تقرأ أدبيات العنف الثوري، أتعتقد أنه مجرد كلام؟"، فيرد عليه الطلياني مندهشا ببراءة وسذاجة ثورية: "كيف نصفيها، أنغتالها؟"، فيرد عليه واثقا: "أنا أحلل الوضع وأعطي التعليمات، تفاصيل التنفيذ يحددها الرفاق"، ولعله من خلال هذا الحديث بين الطلياني والزعيم اليساري يتضح لنا أن آليات الجميع سواء كان اليسار، أم اليمين هي آليات واحدة من العنف، والإقصاء، الأمر الذي يجعل الطلياني يبدأ في التشكك من حركات اليسار ويحاول أن يعمل انشقاقات وعمل مجموعات أخرى من اليسار تنفي العنف في الوصول إلى ما يرغبونه من حالة ثورية، لكنه لا يستطيع في نفس الوقت التوقف عن التفكير في مبدأ ديكتاتورية البروليتاريا التي يقرها الفكر الماركسي.
يحاول الطلياني إنقاذ "زينة" من هذا المصير؛ فيرتبط معها بعلاقة حب بعد أن يتم الاعتداء عليهما في حرم الجامعة من قبل الشرطة، والقبض عليهما، وهناك يقابل ضابط الشرطة سي عثمان الذي يحاول مساعدته إكراما لوالده سي محمود، باعتبارهما أبناء حي واحد، لكنه يحكي له عن الليلة التي باتت فيها زينة معه في بيته؛ مما يجعل الطلياني يشك في زينة نفسها باعتبارها تشي بالثوريين، كما تذهب به هواجسه إلى الشك في صديقه الذي يشاركه السكن، وهو أسلوب عتيد من الشرطة تمارسه في العالم أجمع بأن تجعل المحتجزين في قضايا ثورية يتشككون في جميع من حولهم؛ ولذلك يقول له سي عثمان: "مشكلتكم أنكم تتوهمون أنفسكم أذكي الخلق جميعا، لا تعرفون الدولة وتريدون الإطاحة بالنظام، أنتم والإخوانجية مغرورون، شرط النضال هو التواضع والمثابرة، في حين أنكم مغرورون"، وهو ما يجعل كل من يخرج من عندهم متشككا حتى في نفسه، حينما يحاولون إيهامهم أن السلطة بالفعل تعرف عنهم كل شيء.
يتحدث المبخوت في القسم الأول من روايته كثيرا عن أدبيات اليسار ومفاهيمه، الأمر الذي يجعل الرواية أكثر نخبوية حتى أن القارئ العادي غير المطلع على الحركات اليسارية أو أدبياتها قد ينصرف عنها غير قادر على إكمالها؛ بسبب أدبيات اليسار الجافة التي قد تخرج به من الفعل الروائي وتسقطه في شرك الثرثرة الأيديولوجية، لكنه كان من الذكاء ما جعله يُضمن هذه الأدبيات في السرد الروائي من خلال العديد من الأحداث المتلاحقة التي جعلتها مقبولة نسبيا للقارئ العادي، فحينما نرى زينة تقول له: "تتحدث عن التاريخ ولا تريد أن تستنير به، هل شارك الطلبة في الثورة الفرنسية، في الثورة البلشفية، في الثورة الصينية؟ دعك من دورهم في الثورة الإيرانية التي لا تعترف بها، لقد بنيتم وهما، وسجنتم أنفسكم فيه، ستقوم الثورة لأن المجتمع يتطلبها، وليس لأنها نبتة نظرية في الذهن، ألم يعلمك ماركس هذا الدرس التاريخي المادي؟"، يتضح لنا أن أدبيات اليسار، ومناهجه السياسية تكاد أن تُغرق الرواية حتى أن المقولات الأيديولوجية قد باتت هي السمة الرئيسية فيها؛ مما قد يجعل القارئ غير المحترف، وغير العالم بأدبيات اليسار وتاريخه منصرفا عنها لولا أن المبخوت حاول صياغة هذه الأيديولوجيا من خلال مجموعة من الحكايات الفرعية كي يكسر حدة الجفاف في هذا الأمر.
يتزوج الطلياني من زينة دون معرفة  الأهل حينما يتم تعيينها في إحدى المدارس الثانوية البعيدة عن العاصمة؛ الأمر الذي سيعطلها كثيرا عن إكمال دراستها العليا، حيث كان أملها الوحيد في الحياة أن تحصل على درجة الدكتوراه كي تكون مدرسة للفلسفة، وقد صورها الروائي باعتبارها شخصية لا يهمها في حياتها سوى هذا الهدف، حتى أنها قد تنسى كل حياتها من أجل الوصول إلى هدف تدريس الفلسفة في الجامعة، ورغم أنها تحب الطلياني إلا أنها لا تعترف بأن ما بينهما هو زواج بل مجرد عقد صداق؛ لأنها كانت مضطرة إليه، ولم يكن برغبتها، وهو الأمر الذي يُحدث الكثير من الشروخ في علاقتها بالطلياني، الأمر الذي يستمر كثيرا حتى تنهار تماما علاقة الزواج والحب الذي بينهما؛ فزينة منشغلة عنه طيلة الوقت ولا تهتم سوى بدراستها، حتى أن الحياة بينهما تستحيل إلى مجرد شريكين في مكان واحد يلتقيان بالمصادفة، ورغم أنه يحاول دائما أن يعضدها والوقوف إلى جانبها وتشجيعها، إلا أنها لا تُقدر ذلك، بل إنها حينما حصلت على أجرها من التدريس اشترت العديد من الأشياء والملابس لنفسها، ولم تفكر في أي هدية له الأمر الذي جعله يفكر في الحدث كثيرا، وأنها لا تهتم به قدر اهتمامه بها، وهو ما جعله يبتعد عنها ويبدأ في العديد من العلاقات النسائية الخارجية، لاسيما صديقتها نجلاء التي ارتبط بها ارتباطا قويا، حيث كانت تعطيه ما لا يجده لدى زينة، وبالتالي كان طموح زينة هو القاتل الأول لعلاقته بها.
هل ثمة من يذكر روايتي "الرجل الذي فقد ظله"، و"زينب والعرش" للروائي الراحل فتحي غانم؟ أظن ان قارئ رواية شكري المبخوت لابد سيتذكر هاتين الروايتين حينما يبدأ في تأمل الجزء الثاني من رواية الطلياني، ففي القسم الثاني من هذه الرواية ينخرط الطلياني في العمل الصحفي كي يستطيع الإنفاق على نفسه وعلى زينة، ومن خلال هذا الجزء يحاول المبخوت فضح هذا الوسط بكل ما فيه من زيف، ونفاق، وشيزوفرانيا، وحقد يتميز به هذا الوسط، وقد ساعده في هذا العمل بمهارة ثقافته الموسوعية التي جعلته هو الأول والأثير لدى رئيس التحرير الذي يكاد أن يتبناه في كل شيء؛ حتى أنه قد فكر في ملحق ثقافي خصيصا من أجله، وهو الملحق الذي أدى إلى ارتفاع أعداد مبيعات الجريدة الحكومية كثيرا؛ مما يدل على نجاح الطلياني في هذه المهمة الموكلة إليه، ولكن لعل الروائي هنا كان من الذكاء ما جعله يدفع الطلياني للعمل في جريدة حكومية تتحدث باسم السلطة، وحكومة بورقيبة في حين أنه له تاريخا ثوريا ويساريا طويلا، مما يظهر التناقض الذي يعيشه المثقف العربي الذي ينادي بأمر في حين أن سلوكه يكاد يتناقض تماما مع ما يذهب إليه، ولذلك نرى أن الطلياني يأخذ بنصائح رئيس التحرير سي عبد الحميد الذي يقول له: "لكن الصحفي الحقيقي هو الذي له صلات بالداخلية، بالكبار فيها، يتزود بالمعلومات ليعرف اتجاهات الريح، لابد له من علاقات مع دوائر القرار شريطة ألا يصبح واشيا، قوادا، نماما، رخيصا؛ فتغلق دونه حنفية الأسرار، ولحاسا متزلفا، حقيرا؛ فيُركل ويُرمى به خارج الدائرة"، هنا نرى قدر البراجماتية وعدم الصدق فيما يذهب إليه جميع رجال الصحافة تقريبا، وهو الأمر الذي آمن به الطلياني وبدأ ينتهجه في حياته متناسيا تاريخه الثوري النضالي الذي كان يعاوده بين الفينة والأخرى، لكن انغماسه في مثل هذا الوسط الصحفي، وعلاقاته بالداخلية وأصحاب القرار جعله يسقط في قاع هذه العلاقات إلى غير رجعة؛ الأمر الذي زاد من تأزمه النفسي، وصراعه بين ما كان عليه، وما أمسى عليه الآن، وهو الأمر الذي دمره نفسيا تماما؛ فسقط في هوة عميقة من العلاقات المشبوهة مع السلطة، ومن ثم سقط أيضا في علاقات نسائية لا حصر لها مع جميع ألوان النساء غير قادر على التمييز بين من تصلح لعلاقة، أو لا تصلح. 
وهنا تحاول زينة الانفصال التام عن الطلياني والهجرة إلى فرنسا من أجل مستقبلها، بعدما انفصلت تماما عنه من الناحيتين العاطفية، والمادية بسبب حلمها الذي لا ينتهي من أجل نيل شهادتها العليا؛ ليقع الطلياني في أزمة نفسية طاحنة تجعله يعيش في مأساة لا تخرج دائرتها عن عمله في الجريدة، واصطياد النساء التي لا يعرف كيف يميز بينها من هي صالحة لعلاقة، ومن لا تصلح، وبين السكر الدائم، في حالة هي أقرب للجحيم بينما يستعيد أحيانا تاريخه الثوري، أو يحاول المتاجرة به أحيانا أخرى، وهنا نعرف على لسان الراوي أن الطلياني قد أخبره في نهاية الأمر بمحاولة الشيخ علّالة التحرش به جنسيا في صغره؛ وهو الأمر الذي استعاده بقوة حينما رأى الشيخ يوم دفن والده سي محمود مما أدى به إلى الاعتداء عليه ومحاولة قتله.
يحاول المبخوت في هذه الرواية صياغة العالم التونسي، والعربي بالكامل من خلال تصوير اخفاقات اليسار العربي، وقد نجح في ذلك من خلال لغة سلسة متميزة تستطيع الأخذ بلب القارئ بسهولة، حتى أنه يلهث خلف هذه اللغة الرشيقة المنسابة حتى نهاية الرواية غير راغب في انتهائها، والخروج من حكاياتها الفرعية التي تُدلل على أن المبخوت لديه شهوة الحكي التي تجعله قادر على استنطاق حكايات من حكايات أخرى، وهكذا تتوالد الحكايات المنصبة كلها في قضية الإخفاق العربي المخزي من خلال عالمه الذي يعيشه في نهاية حكم بورقيبة، وبداية حكم بن علي.
رواية الطلياني هي رواية نستطيع أن نُطلق عليها اسم "رواية التطهر" التي حاول من خلالها المبخوت التطهر من كل آثام اليسار العربي، وانهيار المثقف وسقوطه في وحل الزيف، والنفاق، والشيزوفرينيا، بل هي رواية تفضح كل آثام اليسار، وحركات المد الديني اللذين لا يختلفان في الحقيقة عن بعضهما البعض إلا من خلال المسميات فقط، بينما هما في حقيقة الأمر يتشدقان بمجموعة من المقولات النظرية فقط، في حين أنهما على أرض الواقع يتراجعان ويختفيان تماما، إما بالتحالف المخزي مع السلطة، والتعاون معها على مصلحة الجميع، مفضلين في ذلك مصلحتهما الشخصية، أو بالهروب من الوطن إلى أوطان أخرى بعيدا عن أرض الواقع، بعد أن أشعلا الثورات بمقولاتهم الثورية، أو الدينية، ليتركونها كالنار تأكل بعضها بعضا.







mercredi 10 juin 2015

«الطلياني» .. حين يصبح الحب مرآة للحراك السياسي


نداء أبوعلي ( روائية سعودية)
 الاقتصاديّة (السعوديّة)، 10 /06 / 2015
تسلّط جوائز كالبوكر للرواية العربية الضوء على إحدى الروايات كل عام. تتوجها لتعتلي منصة يتهافت عليها النقّاد والقرّاء، لتتعاقب عليها عمليات التشريح والنقد المتأرجح بين مدح وذمّ. في عام 2015 اعتلت منصّة جائزة البوكر رواية الطلياني للروائي والناقد الأدبي التونسي شكري المبخوت، وقد قوبلت باحتفاء وإشادة في ذات الوقت الذي أثارت فيه ذات الرواية اللغط والاستنكار لنجاحها، بعد توقعات بفوز روايات أخرى بالجائزة كشوق الدراويش وطابق 99 وممر الصفصاف.
رواية الطلياني وإن تعد الأولى للمبخوت تعكس خبرته في النقد الأدبي، تلك التي دفعته لمعرفة تقنيات وأدوات الكتابة، ما ارتقى بالرواية بناء وحبكة، أضف إلى ذلك كون شكري المبخوت يحمل رؤية أكاديمية خاصّة، بحصوله على درجة الدكتوراة في الأدب، وترأسه لجامعة منوبة بتونس. ذلك الزخم الأكاديمي أمدّه بمجتمع ثقافي يمكنه من تعبئة صفحات الرواية بأحداثها الجامعة لعوالم الصحافة وأروقة الجامعة. في الآن ذاته يستقي المبخوت أحداث الرواية من حالة العالم العربي بثوراته المتتالية، ووضع وطنه الذي يعيش حالة انغمار ثوري، إذ يتطرق الروائي شكري إلى حقبة الثمانينيات في تونس، وبروز حراك سياسي بتجاذب ما بين اليساريين والإسلاميين، وتصاعد للحراك الطلاّبي. وإن كان البطل الأهم هو الحب الذي يعد مرآة للحراك السياسي والتقلبات النفسية والمزاجية المتدرجة من مرحلة الشباب إلى التقدّم في السن. عكف شكري المبخوت على الغوص في تفاصيل الحب وأصحابه وبناء الشخصيات المحورية بكثافة للأحداث، فيما تجاهل الغوص في اللغة ليختار تبسيطها بسلاسة بعيدة عن العمق اللغوي والوصف الجمالي، فلا تستوقفك عبارات مميزة تطرب أثناء قراءتها. مجرد تلهف لمعرفة التفاصيل القادمة دون إعمال في التركيز على تركيب الكلمات.
يتناغم العشق في حياة عبد الناصر، الشخصية المحورية في رواية الطلياني، مع مراحله الحياتية. هو الملقّب بالطلياني، نظراً لوسامته، قادر على الاختباء في قلوب نساء فاتنات بفروقات ثقافية وفلسفية. جميعهن يتهافتن صوب صاحب الملامح الأجنبية. تظهر في تفاصيل الرواية جلياً عقدة الرجل الأبيض ومدى الافتتان به، تلك التي تفضي بعدد من شخوص الرواية بالهجرة إلى الخارج هرباً من الوضع المتردي في حياتهم، واختيار مشاركة حياتهم في الخارج مع أجانب كتعويض للإخفاقات العاطفية المحلية.
استهلّ شكري المبخوت روايته بمقدمة بحمم بركانية تشويقية، فعبد الناصر الذي ينعته الآخرون بالعبثي الفوضوي يختار لحظة دفنه والده الحاج محمود ليكيل لإمام المسجد بضربات مبرحة دونما سبب جليّ. لن يتمكن القارئ من معرفة تداعيات ومسببات تلك الحادثة حتى يشارف على نهاية الرواية. تلك البداية تنم عن حالة انهيار بديعة لشخصية عبد الناصر التي سيغوص في ثناياها في فترة الدراسة الجامعية، والانغماس في الأنشطة السياسية الطلابية، بانسيابية مطلقة. حتى علاقته بمحبوبته زينة منذ بداية تعرفهما من خلال الحراك الطلابي، تنثال على القارئ بوصف بديع، يمر في محاولة لفت انتباهها وتدرج علاقتهما من الافتتان حين يصف لزينة حالته: "أنا أشعر معك بحالة اكتمال ما.. لا أعرف له اسماً"، حتى يصل إلى التدله المفضي لارتباطهما سراً في البداية ومن ثم يتناقص بانشغالهما بالهم الثقافي والتعليمي الذي يطغى على الحب فيغتاله، ليصل إلى مرحلة برود متناه وانهيار لتصبح العلاقة بينهما مجرد مساكنة. يسير كل منهما في طريق مغاير، هو كصحافي متصاعد يتلقى إحباطات متتالية وهي بدراستها، التي صرفتها عن التركيز بأمورها الأخرى، ليسقط كلاهما بإحباطات متنامية. يتجلى ذلك من خلال عبارات مقتضبة كتلك التي تصف فيها زينة مشاعرها المتردية حيال عبد الناصر: "لم يعد غزله يثيرها.. رغم أنه غير متصنع.." هناك إيحاء قوي بتأثر الشخصيات باليسارية التي تجسّد حالة من انعدام المشاعر والانفعال. فحتى تشكك عبد الناصر بتعلق زوجته بآخر لا يدفعه إلى الاكتراث.
تلك التفاصيل الممعنة في علاقة الحب الآزفة وشخصيتي عبد الناصر وزينة يقابلها قصور من قبل شكري المبخوت في إحياء شخوص آخرين من خلال تفاصيلهم، الأهم منهم شخصية الراوي، الحاضر الغائب بين سطور الرواية، فهو صديق مشترك للزوجين، شديد الافتتان بهما، وبالأخص بزينة. على الرغم من مشاركته لتجربتهما الدراسية والسياسية، يظهر الراوي بلا وجود ولا صوت. شخصيته هامشية يستنكر القارئ كيفية معرفة القارئ تفاصيل حميمية للزوجين، إذ يستحيل أن يكون قد حاز عليها منهما. هناك تجاهل آخر لشخصيات أخرى تظهر مبتورة مسطحة متآكلة التفاصيل كأخوات ووالدة عبد الناصر، وأخيه الأكبر عبدالرحمن، المثقف المهاجر إلى فرنسا، الوحيد الذي يردد: "أنا فخور بك. وبانكساراتك أيضاً"، وكأنه يرمز إلى المغترب صاحب منظور أكثر انفتاحاً وتقبلاً لحالاته واختلافه عن الآخرين. يظهر الأخ الأكبر في بداية الرواية بحضور قوي يتلاشى بغتة، لينتظر القارئ حضوره المباغت مرة أخرى دون جدوى. ظهور شخصية نجلاء الفاتنة جاء ناجحاً بتدرجه والاحتفاظ بالغموض المفضي بانجذاب لا ينضب. أما شخصية للاّ جنينة أو زوجة الإمام، فتتفاوت ما بين بداية مقتضبة إلى ظهور مفاجئ عند الاقتراب من نهاية الرواية، هذا الظهور يكشف عن جوانب مهمة لعبدالناصر في طفولته وبداية سن الشباب لديه.
يرمز طغيان الوجود النسائي في الرواية إلى أهميته، إذ تتبلور شخصية عبدالناصر من خلال وجود المرأة في حياته. فزينة الشابة الثائرة التي تعد رأساً للحرية يفتتن به الجميع، تعد رمزاً لمرحلة نقاء الحب والإيمان به يوازيه تلك المرحلة من التمسك بالعقيدة السياسية بمبادئها الكلية وقيمها. تظهر شخصية نجلاء فيما بعد لتجسّد مرحلة الاستفاقة من الحلم والأخلاقيات المحيطة به واختلاس العشق الممنوع وترك المباح. هي مرحلة التمرد على كل القيم السابقة والاكتفاء بالتلذذ بتلك اللحظات المسترقة. تعقب نجلاء مرحلة الانحدار ومحاولة استجداء الحب، إذ يصل عبدالناصر إلى مرحلة الهوس وافتتان بشابة لا تلتفت إليه إلا بعد جهد وتخطيط من قبله، يعكف فيما بعد على محاولة تغيير اسمها في دور سينمائي زائف، إذ يقنعها بقدرته على إقناع مخرج بإدراجها في طاقم التمثيل. لترمز إلى مرحلة ما بعد الحب، مرحلة الإحباط والانهيار ومحاولة العودة إلى الماضي بشتى السبل.
الرواية تبدع في تجسيد تلك الإجهاضات والانتكاسات الإنسانية، ومحاولة التمرد على كل شيء، بالأخص من قبل المرأة التونسية الرافضة للأدوار التقليدية المنوطة بها، كشخصيات تحتقر مؤسسة الزواج وفكرة الإنجاب، فتذبل حتى تتنصل من تلك القيود. هناك احتقان ذاتي واجتماعي، ومحاولة تلصص الآخرين على الحياة الخاصة تصل إلى مرحلة تحرشات مقيتة، كالتي واجهها كل من عبدالناصر وزينة، تلك التحرشات تعد رمزية قوية لانتهاك الحرية الشخصية. الإحباطات الممعنة تغير مفاهيم الشخصيات، فأولئك المحذرون من خطر الوقوع بوحل الفوضوية المقيتة يقعون بها عقب كل تلك الإحباطات. نجح الروائي شكري المبخوت في استخدام أسلوب جاذب يدفع بالقارئ بالتعلّق بأحداث الرواية حتى النهاية. يقابل مثل هذه الروايات تعطش من قبل القارئ العربي لمعرفة واكتشاف المجتمع التونسي من خلال إبداعاته الأدبية.


dimanche 7 juin 2015

الطلياني ...خيبة" الأم "


حمزة ربوح
03 / 06 /2015 ، موقع RTN24 (المغرب)

رواية لشكري المبخوت، صادرة عن دار التنوير ببيروت، الحائزة على جائزة البوكر، لسنة 2015م
رواية تسرد جزءا من أحداث تونس في الثمانينات وبداية التسعينات،في حقبة " بورقيبة " و" بن علي "، وما تخلّلت هذه الحقبة من أحداث سياسية واجتماعية في قالب روائي مشوب بالرمزية محتقن بالخيبات ضمن عوالم تدعو لأكثر من قراءة ولأكثر من تأويل.
مابين " الزقاق الأخير" و" الدرب الأول" حوادث وهواجس نثرها الراوي بين " شعاب الذكريات" و" منعرج " مؤدي على " رواق الوجع والألم " عبر " منحدرات" و" طلّاعالثنايا " مصطدمة ب"مسالك موحشة" أدّت إلى "السكة المقفلة "، هذه الأخيرة بدورها أصبحت " مفترقا للطرق " وسرعان ما أصبحت " دروبا ملتوية " عبر " مضيق ".
إنّها عناوين فصول الرواية، بطلها عبد الناصر الطلياني، صاحب حذاء" البرودكان"الذي طبع مقاسه على وجه الإمامفي جنازة السي محمود، أب الطلياني، أدماه وتركه يئن داخل مقبرة " الزلاج "، الكل سمع صيحاته إلّا حضرة الميت، لم يعرف سبب تصرّف الطلياني،بقي السبب لغزا حتّى الدرب الأخير من فصول الرواية.
لقد كان عبد الناصر أصغر من أخيه صلاح الدين رجل السياسة وأستاذ الجامعة،إلّا أنّ الطلياني كان صبيا من طينة مختلفة إذا ما صدّقنا على مقولة الأصل والمرجع الأوّل: إنّها " الأم "التي أدركت ذلك من جرّاء تمرّده عليها عكس أخيه الأكبر الذي يفوقه كياسة وأدبا، لقد كان يحمل بذرة ثورية، خصوصا في اعتناقه لليسار الطلابي في يفاعته فيما بعد، حتى الغرفة التي تركها له أخوه صلاح الدين أصبحت مرتعا مع بعض أصدقائه للحركة اليسارية في بواكيرها على طريقة أبطال مكسيم جوركي في روايته " الأم "، وبهذا كان الطلياني "كالنهر الجاري يحفر مجراه بمائه المتدفّق لا يوقفه شيء "، لكن ماذا عن المنعرج؟
بدا هذا المنعرج ب" زينة"، طالبة في إحدى جامعات تونس،كانت عقبة كؤودا لليسار الطلابي الماركسي في نضاله، كما أنّها كانت شوكة في حلق الإسلاميين، هي زينة إذا، رمز للتحرّر و الانعتاق مردّدة شعارها " أنا حرّة في نقدي لليمين ولليسار"،كما أنّها طالبة فلسفة يجوز لها ما لا يجوز لغيرها "، ونظرا لتفعيل قانون 1973م المانع للتجمعات غير المرخّص بها بزعامة المجاهد الأكبر" بورقيبة"، مافتئت السلطة تقمع النشاطات والنضال السياسي، في الجامعة لكل الأطياف المناوئة للحكومة سواء يسار الطلياني أو التيار الإسلامي الخوانجي،أو حتّى الفيلسوفة الصغيرة زينة، العصا والركلات ، هذه الأخيرة قد لاتكون في حدّة ركلة الطلياني للسي الإمام،خصوصا إذا كان يستهدف جسدين ممدين على الأرض في لحمة،بين المناضل الماركسي والفيلسوفة الصغيرة، " زينة " و" الطلياني"،كان درعا واقيا لها ويحدث أن تتسرّب قبلة حارة وأكثر من عناق ،إنّها لحظة " تاتاتوسوإيروس"،وكيف لطالب بروليتاري ثوري أن يذوب في قبلة من الوجع ، وكيف لعاشقة المفاهيم المجرّدة أن تلتحم بكومة من اللحم قوامها"يسارا " لم تكن لتحتفي به يوما من بعيد، ناهيك أن يكون معها جسدا يطبع عناقا وقبلا؟ هل هو مصداق للتناقض الماركسي؟ أم هو مجرّد منعرج؟
تميّعت قبلة التضحية والشهوة في كتب التدريس خاصة زينة، بينما تميعت عند الطلياني في جريدته الحكومية و"نجلاء " تلك الفرس المطواع أسلمت زمامها لعبد الناصر، كم نهلوا من تباعيض الجسد وجذوة الرغبة أنّى شاءوا، وعلى منوال يتسم بخيط رفيع من التورية عن ملاحظ زينة،إنّه انقلاب الصديقة والزوج حتى ولو كان " زوجا إجرائيا"، قد يوازي انقلاب رجل عسكري ك" بن علي" على "نظام بورقيبة"،حدث الحب والمتعة قد يوازي في بعض الأحايين حدثا أكبر من مجريات السياسة،انعتاق" تونس "من نير الدكتاتورية لا يعادله إلّا تحرّر زينة بوفاة أمّها لتصبح بذلك " أمّا لنفسها"تحرر من كوخ في أحد الأرياف البربرية تحمل همّه على الدوام،وبدوره عبد الناصر الطلياني أضحى هو الآخر أبا لشهوته مع نجلاء، لتصدق نبوءة زينة عن رغائب الطلياني" إنّ المرء لاينزل إلى نهر اللذّة مرتين إلّا إذا اختلف النهران"،وعلى الجانب الآخر هل يكون البطل الجديد في سدّة الحكم حكما راشدا رغم أنّ تونس واحدة لا اثنان؟ رحل المجاهد الأكبر: " بورقيبة "فهل ستكون تونس " أمّا لنفسها "؟
هي مسالك موحشة قد تؤدي إلى " سكّة مقفلة ".
"زينة"، الغزال الشرود،سكنت الكتب في حين سكن الطلياني في قلب نجلاء مابين سد فراغ، وعاطفة لاتتعدّى شغفه بجريدته الحكومية،تونس امتداد من " بن علي" " زينة"،تمضي في سكة تبدو مقفلة، فماذا بعد رد الاعتبار للدين؟والهوية العزيزة،و" إضافة نكهة خاصة كالديمقراطية الى العروبة "؟ ماذا بعد؟ في الأخير تبقى قرارات الرئيس" بن علي " وحدهيوازي مرّة أخرى قرار زينة في الإجهاض، ابنا بالشراكة وقرار من طرف زينة وحدها،ماذا جرى لك أيها المناضل؟قرارات من فوق وقد تمر عبرك أنت من جريدتك الحكومية، وقرار آخر من قبل الفيلسوفة التي أجهضت جزءا من روحك في الحمّام؟ ربما أنت بصدد في مفترق طرقعندما يخاطب عبد الناصر الطلياني" سي عبد الحميد " مسؤول الجريدة " الأذكياء أحيانا يسحقون أنفسهم بأنفسهم،إذا كانت نفوسهم كبيرة وطموحاتهم أكبر"، فإنّه لايعني بذلك سياسة الحكومة الجديدة بزعامة البطل الجديد بقدر ما يقصد الفيلسوفة الصغيرة "زينة"،" تلاشي الفوارق بين حملة الأقلام وحملة الخناجر"، ورسوب زينة الطموحة والمتفوقة في امتحان التبريز، لاسبيل للاحتجاج ألّا بالتعريةأمام استاذ كان سببا في رسوبها في حرم الجامعة على مرأى من الطلياني، هذا الأخير ذو بديهة حاضرة أقصى ما أمكنه فعله هو ستر صدر زوجته كما يفعل غيره من حملة الأقلام في التستّر على براز أسيادهم، "زينة "و" الطلياني"، " بن علي " و" تونس " ، أشبه بخطوط مقعّرة وأخرى محدّبة على التوالي يستحيل اللقاء حتّى ولو كانت " الدروب ملتوية ".
سرعان ما ظهر الخط المقعّر والمحدّب خاصة كل من زينة والطلياني،طلاق إجرائي مثلما كان الزواج في حد ذاته إجرائيا،تزوجّت زينة با "إريك"، كانت لها معرفة سابقة به أيام الجامعة، والآن هي في شبه خيانة مقنّنة ومبرّرة، على الأقل على صعيد المفاهيم والتجريدات المشتركة،الفيلسوفة الصغيرة صاحبة الخيبة،ارتبطت بباحث فرنسي يسير على منهج بيار بورديو، انسجام الفكر لم يكن أفضل من انسجام " البراكسيس "، أصبحت كدمية يتلهّى بها كهل هناك في فرنسا، في حين عبد الناصر الطلياني تجرّع هو الآخر خيبة بعنوان " نجلاء لكل الرجال"، بيد أنّ عبارة الدمية الفيلسوفة عندما خفّفت من وطئ إحساسه بالخيانة لمبدأ النضال السياسي مازال ذو مفعول، فقد تعلّم عبد الناصر في هذه الفترة " كيف يقدّم الخبر بالحذف والتقصير، والتشذيب والتكييف والتوسّع في مقالاته حتّى يعبّر عن موقفه ورأيه الشخصي من دون أن يظهر الأمر كذلك "، لعلّها ممارسة للسحق الذكي الذي علق به على زينة سابقا، أجل مناضل بروليتاري مميع في بضع ورقات، إنّها بداية "المضيق"
"ريم"شخصية أخرى تلج السّرد، كما ولجت في قلب الطلياني، هذه المرّة قام بعمل مؤسس مع فتاة تبدو شرودا أكثر من زينة، لا مجال ل" قبلة " تحت الركلات الآن،لكن الأمر يحتاج إلى عمل مؤسّس، كاستعارةاسم" زينة "، دون الحديث عن تلك القبلة المضمرة، بعض الإنشاء عن قصّة فتاة لا يعرف منها الطلياني سوى الاسم "زينة"نعم ربما تكون قصّة ممتازة لتكون موضع إبداع سينمائي أو مسرحي ل" ريم "،كل هذا العمل المؤسّس إضافة لوسامة الطلياني سيأتي أكله ولو بعد حين، هذا الأخير أتى بكل يسر، أسبوعان على الأكثر و" ريم " في الحجرة تحمل كأس " فودكا "،وفي حمأة " الإيروس" يأتيه خبر وفاة أبيه "السي محمود"عبر الهاتف،في تلك اللحظة تقلّص الطلياني ليكون مجرّد عبد الناصر وكفى، شحوب وحزن كدوي مدفع مرّة واحدة وشهوة قيد اللحظة جذوتها لم تنطفئ بعد ل" الريم " التي أمامه،عبد الناصر آثر الشهوة ، فلابأس باستيقاظ "البراكسيس" مرّة أخرى حتّى ولو فقد أحدنا أهم سبب في وجوده،غير أن" ريم " في عريها الكامل كانت متجلببة بعذريتها، اقترحت حلا بديلا إنّه" قفا الورقة"، لكن" فاتح المغالق" غدا حبلا مرتخيا،وداعا أيها "الايروس"،وداعا أيها " البراكسيس "، نلتقي في مقبرة " الزلاج " وعلى وجه الدقة على وجه " الامام "رفقة حذاء " البرودكان " خيبة جديدة تركت عبد الناصر ينعي أباه في دواخله،متحسّرا على حبله المرخي أمامه، لا بد من استحضار "الدرب الأول ".

إنّه درب الطفولة في غرفة " لالة جنينة "لاهي بالفيلسوفة،ولا هي ب" النجلاء"،ولا حتّى في بضاضة ونعومة" ريم "،قامة من الجمال لا تستأهل أن يزوجها أبوها بدرويش يدعى " علّالة "،بعد أن تعدّى مرحلة البله إلى مرحلة المكر،ومع ذلكمازال أبلها من الأسفل، هو الآخر " حبله مرخي " على الدوام،عنين أجبرها على التلهّي بالطلياني، لقد كانت شبح الطفولة الأيروسي لأيّام عدّة،في حين أن" علّالة " وجد في الطليانيتجربة لشد حبله وتقويته،محاولة أولى مليئة بالرعب والفجع وثانية لم تكن أقل منها رعبا، لكن الطلياني لم يخترق، لقد تأجّلت للحظة " قفا الورقة " خاصة " ريم "عدوى الارتخاء،كانت بين لحظتي الشهوة وفقدان سبب من أسباب الوجود، ومركّب القضيتين إنّما كان "البرودكان" على وجه الإمام " علّالة "،إذن الدرب الأوّل والزقاق الأخير كانت مقبرة " الزلاّج "،مقبرة الأموات، مرآة الخيبة،نهاية وبداية لكن في النقطة نفسها، هل يكون المناضل السياسي مسخا منذ نشأته؟،وماذا عن رمزة الفكرة والطموح" زينة"، وماذا عن "تونس"أتكون هي الأخرى مغتصبة سواء بحبل متين أو آخر مرخي؟ هل فعلها" بورقيبة "؟ أم" بن علي"؟ أم عبد الناصر نفسه؟ هل هي خيبة عبد الناصر أمام أمّه " زينب "بحدسها فيه الفتى المتمرّد الثوري؟ أم هي رواية "الأم"لمكسيم جوركي تعلن خيبتها في الطلياني ؟، قد يكون أقواها هو صوت "تونس" للطلياني: " أنت لا تعرف وجهي الآخر حين أغرق في لوحي المحفوظ، أطلب ترياق الأسى"  

samedi 6 juin 2015

ظاهرة الجوائز: رواية المثقفين


محسن جاسم الموسوي
الحياة (لندن)، السبت، 6 جوان 2015  
ذكرت في مقالين سابقين المواصفات التي دعتني إلى تسمية ظاهرة الكتابة الروائية خلال السنوات الأخيرة بـ»رواية الجوائز»، متملّياَ فيها قدر المستطاع السمات التي اجتمعت عليها الروايات. لكنّ هذا العام، 2015، شهد أمراً جديداً، وهو أمر لافت للنظر فعلاً. فعلى رغم حضور «الإثارة الجنسية» في رواية «الطلياني» لشكري المبخوت مثلاً، وهي فازت بجائزة البوكر العربية، إلا أن الثقل الفكري والسياسي هو الطاغي، بينما استطلعت رواية «ممر الصفصاف» لأحمد المديني الأبعاد الإنسانية للتحولات في المدن تحت وطأة رأس المال المستحدث جراء الانخراط في اقتصاديات السوق والعولمة التجارية التي يقودها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ولربما رأت لجنة التحكيم ضرورة الخروج جزئياً من دائرتها السابقة على رغم أن بعض الروايات الفائزة من قبل مثل «القوس والفراشة» لمحمد الأشعري و «طوق اليمامة» لرجاء عالم و «ترمي بشرر» لعبده خال و «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي وغيرها روايات ناجحة، تمتلك مواصفات الرواية الحديثة وتشتبك اشتباكاً مراً وقاطعاً بتفاصيل التحولات الحياتية في عالمنا العربي بكارثيته المتميزة.
وإذ لي عودة إلى هذه الروايات في مقالات لاحقة، أرى مناسباً تقصي سمات الروي في «الطلياني». وكما ذكرت، كان ثقل الرواية ينحو باتجاه الفلسفة السياسية لحنّة أرندت والحراك الطالبي التونسي مع إيماءات نحو «الفعل» الذي رأت أرندت أنه إمكانية فردية جماعية يشارك المثقف في إيقادها لتتشكل طاقة فريدة.

«الثقل» الفكري
وأبلغ السبل نحو «الطلياني» روايةً هو السؤال في إمكانية تجريدها من هذا «الثقل» الفكري، ومن «حفل التفلسف» (ص 142) الذي لم يخف الراوي وعيه به كفائض ملحوظ يرهق البناء السردي. فالرواية ناقصاً الثقل الفلسفي السياسي هي حكاية عبدالناصر وزينة وتناميها داخل الحراك الطالبي وانتهائها بتخرجها وانخراط كل واحد منهما في مسار آخر: عبدالناصر صحافياً وباحثاً عن علاقات مستجدة مع النساء، وزينة متمردة على واقع يريد مقايضة النجاح بالجسد، فتذهب إلى باريس لتحيي علاقة محتملة مع أرك شين، الكهل المثقف المأخوذ بحدتها في الجدل ودربتها في المناقشة. أما الإطار الذي جاهد المؤلف وضع كل ذلك داخله فلا يعدو مشهد المقبرة، وهو مشهد يبدو فيه عبدالناصر حانقاً على الشيخ علاّلة، الزوج العاجز لجنينة، التي صاحبت عبدالناصر وآخرين. أما سر هذه الثورة وذلك المشهد داخل حفرة القبر فهو اعتداء علاّلة على عبدالناصر طفلاً. ومن المعروف أن عقدة كهذه يمكن أن تنمو نمواً كبيراً في تكوين المتواليات السردية، لكنها تركت جانباً في «الطلياني»، ولم يتذكرها الراوي إلا قرابة النهاية، النهاية التي جاءت خاتمة لعلاقة محتملة مع الشابة ريم. فلولا الصدمة التي انبعثت من رائحتين متغايرتين لما تذكر عبدالناصر علاّلة ثانية، وعرض الراوي تفاصيل العقدة.
قدمت «الطلياني» عبدالناصر على أنه وسيم جذاب على رغم ما بدا عليه يوم مقبرة الزلاّج: طائشاً بسروال جينز وشعر أشعث ولحية معفاة. هذا الطلياني الجذاب ثار ذلك اليوم ووجه «ضربة بحذاء (البرودكان) إلى وجه الإمام الذي كان في الحفرة يستعد لدفن المرحوم (والد صلاح الدين وعبدالناصر الحاج محمود (ص 7). وكان بمقدور الراوي التوسع في قضية جنينة وعبدالناصر مثلاً ويربط بين هذا الخيط وذاك الإطار. لكنّ رواية «المثقفين» تسعد أكثر بتجاوز المتواليات السردية المعنية بالحالات النفسية وعرض مجموعة الشخوص والعائلات بديلاً عن ذلك في حلقات التناقضات المختلفة التي تتجاوز الحدود المعروفة اجتماعياً: العائلة الواحدة هي الأخرى مجموعة من التناقضات، يعكس واحدها الآخر، فمن دون صلاح الدين يصعب أن نرى عبدالناصر كاملاً. كما أن صلاح الدين يرى شيئاً من ذاته في تمردات أخيه وانفلاته من الحدود التي تضعها العائلة التقليدية. ومثل هذا التغير والانعكاس في المرايا المختلفة هو ما يميز «الطلياني».
بدل وحدات السرد المتصاعدة، لدينا المرايا المتعاكسة: نرى عبدالناصر من خلال تناقضه مع الآخرين في عائلته، ونرى رئيس تحرير الجريدة الرسمية ومديرها العام مكملاً لعبدالناصر ومناقضاً له، ونرى عبدالناصر مستعداً لمزاولة دور المدرب والمرشد للعاملين الجدد في حقل الثقافة (219-220). أما التقابل والتلاقي الأساس فيتحققان في اللقاء بزينة. وهذه العلاقة بما تبدو عليه من وهج مرة وخفوت مرات، أمسكت بالبناء الأساس لـ»الطلياني». ولهذا نقرأ فيها مسارهما الطالبي أولاً ثم انخراطهما في العمل وصدمة المناظرة في امتحانات التبريز وانسحاب زينة من المشهد بعد انقطاع صلتها بقريتها إثر رحيل أمها وشعورها بموت الرغبة في الزواج لا «الصداق».
هذا المسار الذي يميز روايات «الحرم الجامعي» قلما يكون مثيراً أو مهيمناً فعلياً في السرد.
لهذا السبب أقول بلزوم قراءة «الطلياني» قراءة مختلفة، لا تبحث عن طاقة سردية أو إثارة مفعمة، ولا عن أسرار كتلك التي ميزت عدداً من روايات «الجوائز». إن طاقة «الطلياني» فلسفية سياسية أولاً، تتبعها تأملاتها في الوضع التونسي الثقافي من خلال حوارات عبدالناصر وسي عبدالحميد. فكل حدث أو فعل له محمولاته. وحتى مشهد المقبرة لم يخل من هذه التأملات والمحمولات. فها هو الراوي يبتدئ الرواية بما يمكن أن يؤول إلى مفتتح مثير لرواية الدهشة والإثارة. تقول الفقرة الأولى: «لم يفهم أحد من الحاضرين في المقبرة يومها لِمَ تصرّف عبدالناصر بذاك الشكل العنيف. ولَم يجدوا حتى في صدمة موت الحاج محمود سبباً مقنعاً» (ص 5).
وفي نهاية الصفحة وفي تعليق على «موكب الدفن» وهيبته، يقول باث السرد: «الموتى لا يتساوون، والجنازة دليل على رأس مال المتوفي وعلى ما في رصيد العائلة من المعاني والرموز والمكانة» (ص 5). ومثل هذه التعليقات كثيرة بعضها يأتي مناقضاً لباث السرد الذي عرض لنفسه «سلبياً» و«امتثالياً» كما يقول عنه عبدالناصر (ص 40).
والراوي يعرض لنفسه شاكراً لعبدالناصر لأنه «جعلني حافظ أسراره» (ص 40). لكن هذا الراوي، وحافظ الأسرار، تحول داخل النص إلى عارض عارف بالفلسفة السياسية وبالحراك الطلابي والجدل الاقتصادي بين مذهبين متعارضين، أحدهما يمثله الأخ الأكبر صلاح الدين بصفته خبيراً دولياً مؤمناً بالاقتصاد الحر والانضواء في العولمة وبين آخر اشتراكي يمثله عبدالناصر الذي يستند إلى النظرية الماركسية في تحليل الخطر الذي يحيق بالاقتصاد التونسي ومفهوم الدولة (ص 15). لكن هذا الصوت الدافئ جعل الرواية تسير في طرائق الجدل أولاً لا القطيعة: ولهذا كانت هناك وقفات تحول دون التقاطع الحاد، وهذه الوقفات هي التي تترك الروي مستمراً وإن حفل بكثير من الآراء والمواقف. ولهذا فعلى رغم الخلاف البَيِّن مثلاً بين صلاح الدين وأخيه الأصغر عبدالناصر، نسمع الراوي يقول: «بيد أن لم يتصارحا به هو أنّ صلاح الدين كان معجباً بحماسة أخيه ويرى أنّ وعيه السياسي قد نضج وأنه فتى ملتزم يبني شخصيته على طريقته. وكانت تعجبه جرأته وفصاحته وقدرته على الاحتجاج لآرائه. وأما عبد الناصر فكان منبهراً بالمعرفة الدقيقة التي يمتلكها أخوه خصوصاً حين يقدّم له تجارب اقتصادية لم يسمع بها من قبل» (ص 15-16).
ليس مهماً أن تتساءل كيف تمكن الصوت الامتثالي السلبي من مثل هذه التفاصيل وغيرها كثير، لكنّ المهم هو نية المؤلف في اختيار صوت «سلبي» و «امتثالي» يتيح النقل كما هو وبقليل من التدخلات. كما أن هذا الصوت يعتمد وفاقاً ما، وهذا «التوافق» يمكّن الفلسفة السياسية لاحقاً والجدل المادي التاريخي أو (الليبرالي) الذي يلجأ إليه سي عبدالحميد في مناقشة مفهوم الدولة والسلطة والإيديولوجية، من أن تبني لنفسها حيزاً كبيراً داخل هذه الرواية التي يمكن أن يتراجع حجمها إلى «الثلث» من دون هذا الثقل الفكري والحجاج السياسي الذي تستدعيه الرواية العربية في تونس في مفصل تاريخي مهم في حياة تونس السياسية والثقافية.

حدّة وتمرّد
ولهذا أقول إن شكري المبخوت مؤلفاً وروائي الواحدة (حتى الآن) يبشر بفتح جديد في الرواية التونسية من خلال اقترابه الفعلي، وتداخله، بالوضع السياسي - الفكري التونسي، وهذا لا يعني لزوماً مصادقةً على التكوين الفني للرواية. فعقدة عبدالناصر مثلاً كان لها أن تتسلل أكثر داخل النص وتفسر ضمناً شيئاً من حدته وتمرده وانهماكاته النسوية التالية. لكن مثل هذا الانصراف يجرد الرواية من بعض ثقلها الفكري الخاص بالحراك الطلابي. والغريب أن زينة لم تكن تبني حضورها وتمردها وتطلعها الفلسفي السياسي على راسب ما. وحتى عندما يريد عبدالناصر تشخيص هذا التمرد وذلك الوهج لا نجد كثيراً من التاريخ الشخصي. فزينة فكرياً ذاتية التكوين: «و... أكثر ما شدّ انتباه عبدالناصر إلى خُطب زينة هو إلحاحها على دور المثقفين في تحليل الواقع. فهي تتهم اليسار بغياب العمق الفكري والاكتفاء بقوالب جاهزة حول نمط الإنتاج في المجتمع» (ص 55).
وينقل الراوي مناقشتهما بهذا الصدد، إذ تقول: «المثقف عندي من ينقد دون حسابات» (ص 60) وهو، أي عبدالناصر، إذ يتواضع أمامها «ليخبرها أنه تعلم منها الكثير(ص 59)، فإنه يشخص لها الفرق بين الخصوصية الفكرية والتنظيم: «المسألة لا تقوم بالضرورة على التطابق التام بين الانتماء السياسي والخصوصيات الفكرية لكل فرد... التنظيم... جهاز للتفكير الجماعي يقبل في الأصل التنوع والاختلاف» (ص 59). أما تاريخها الشخصي، بربرية من عائلة مسحوقة (ص 47، 49)، فلا يفسر تحولاتها اللاحقة. وعلى خلاف ذلك، كان الراوي يقدم عبدالناصر على أنه مجموعة حزم أخذت عن مكتبة أخيه صلاح الدين، وعن أستاذ الفرنسية (ولربما الفلسفة؟) فتحي .ك (ص 42). وبقدر ما يتيح هذا النمو الواضح عند طالب الحقوق سطوعاً في الرأي وقدرة على المناورة والحذق في التنظيم، وبالتالي في تكوين آليّة سردية مناسبة، إلاّ أنه بدا عاجزاً أمام إشكالية الشخصية المعقدة، الفلسفية السياسية، وصعوبة تموضعها في حياة تجمعهما في مؤسسة اجتماعية دارجة كالزواج. يمكن القول، لكنها أي زينة شأن أرندت في مطلع حياتها، تتمرد على هذه العلاقة والتي لم تكن غير تطوير لاحق لمشهد عاصف احتضنها فيه عبدالناصر مطروحين على الأرض تحت هراوات أعوان الأمن السياسي. وينتهي هذا التساؤل، بمزيد منه، فيراها متطلعة طامحة: «هل يشبع من يأكل من مائدة الطموح طالباً ما وراء العرش؟ (ص 216).
وهنا يمكن للقارئ أن يستطلع دافعاً أسمه الطموح ليرى فيه محركاً سردياً قوياً: فإذا كانت الرواية بصفتها ملحمة بورجوازية في تاريخها الأوربي مثلاً تعتمد التسلق الاجتماعي والحركية الاجتماعية والمرونة سبيلاً في بلورة التناقضات والشخوص، فإن الرواية الفكرية قد تدفع بـ«الطموح» في مسار معرفي يتوافق مع التحولات المستجدة في عصر «رأسمالية العولمة»، فالطموح المعرفي شأن التقني بين فئات التقنيين والمدراء ذوي الياقات البيض، يشتغل هو الآخر دافعاً في كتابة سردية تخرج تدريجياً من المواصفات الرمزية أو الاجتماعية المحض التي اقترنت بالرواية طيلة قرنين. ولكن، إذا ما سلّمنا بذلك، لنا أن نتوقع أيضاً نمواً مضطرداً في هذا الاتجاه. وهو ما جرى لحين رحيل زينة، تاركة المشهد يتراجع أكثر إلى الأوضاع اليومية والسياسية، من رقابة وفساد وهيمنة سلطوية، وظهور فئات من الثرثارين والمرتشين والساقطين.
رواية «الطلياني» لشكري المبخوت إشكالية، تماماً كما تريد بطلتها للمثقف أن يكون، وكما يريد عبدالناصر للصحافة: لكنها أيضاً تجعل أصوات صلاح الدين وعبدالحميد والعم حسن، وكذلك نجلاء، وآخرين، شركاء في هذا الفضاء الذي يتيح الكلام همساً ليصغي ضمناً إلى التحذيرات والتنبيهات التي يأتي بها سي عثمان للحيلولة دون صدام لا يريده النظام أيام زين العابدين ما دام مشغولاً بمناطحة الظلاميين.