Follow by Email

lundi 15 juin 2015

لطلياني».. أوجاع المجتمع المعطوب والجيل المقهور


صبري حافظ
 التحرير (مصر)، 2015-05-23

لا شك فى أن أبرز نجاحات «جائزة البوكر العربية» بعد ثمانية أعوام من انطلاقها هى أنها تلفت أنظار الواقع الثقافى لعدد من الروايات الأولى الجديرة بالقراءة، والتى ما كان لها أن تستقطب اهتمامه الواسع دونها. كما أنها تتيح لتلك الروايات الأولى رواجا خارج البلدان التى صدرت عنها، فى واقع عربى تتقطع السبل بين أقطاره، وتزداد بينها الأسوار بصورة تعيق حركة المنتج الثقافى وحرية تداوله. والواقع أن ترويج الرواية الجادة تجاريا، وتوسيع رقعة قرائها كان الدافع الأساسى وراء إنشاء جائزة البوكر الإنجليزية الأم، عام 1968، وأهم أسباب استمرارها. حيث كانت أساسًا مجرد مبادرة قام بها ناشرو الرواية الإنجليزية للترويج لرواياتهم، وقد لاحظوا كساد الرواية الجادة النسبى، وانصراف القارئ الذكى عنها، بعدما استأثرت الرواية البوليسية ورواية التجسس والرواية العاطفية السهلة بالقراء، لكنها كأى مبادرة غربية ناجحة، أصبحت لها مستنسخاتها فى أكثر من مكان: بدءًا من روسيا عام 1992 التى استنسختها بالشراكة مع إدارة الجائزة الأم، ثم «جائزة الكتاب الألمانية» التى أسست على غرارها، ولكن فى استقلال كامل عنها، ثم بوكر الآسيوية عام 2007، وهى أيضا مستنسخة عن الجائزة الأصلية، وبشراكة مع مؤسستها الأم، وصولًا إلى آخر استنساخاتها، وهى جائزة بوكر العربية عام 2007.
ومع إننى نبهت عند انطلاق الجائزة إلى سلبيات استنساخ الجائزة الأم، وفضحت ما تنطوى عليه عملية الاستنساخ تلك من مزاعم عارية من الصحة، أتاحت لكثيرين من الأدعياء ومرتزقة الحياة الثقافية القفز على مركبتها. وقد نبه غيرى بعد ذلك إلى سلبيات أخرى تتعلق باختيارات لجان تحكيمها، وبالإصرار على أن تضم اللجنة مستشرقًا فى كل دورة. ناهيك بكتابة الكثيرين عن دخول اعتبارات غير أدبية، كالمحاصصات الجغرافية وغيرها فى تلك الاختيارات. أقول إنه على الرغم من هذا كله، فلا شك فى أن استثمار مئات الآلاف من الدولارات فيها على مر السنوات الثمانى الماضية قد أتى بعض أكله. وأنها أسهمت إلى حد لا بأس به فى رواج الرواية العربية الجادة بشكل عام، وفى توسيع رقعة قرائها.
فلولا الجائزة لتأخرت بلا شك معرفتى بتلك الرواية التى فازت بها هذا العام، وهى رواية شكرى المبخوت البديعة (الطليانى). وعلى الرغم من حصولها على جائزتين تونسيتين أبرزهما جائزة الكومار الذهبى للرواية التونسية، وجائزة معرض الكتاب التونسى، لأصابها ما أصاب روايات تونسية كثيرة من غبن من القارئ العربى العام مثل روايات مهمة لصلاح الدين بوجاه، ومحمد على اليوسفى، وحسن نصر، ومصطفى الكيلانى، والمنصف الوهايبى، وكمال الرياحى، وأبو بكر العيادى، ومحمد دمّق، وحليمة الخميرى الباجى، وعبد الجبار العش وغيرهم. ولولا قائمة جائزة البوكر القصيرة لضمت القائمة أيضًا روايات الحبيب السالمى وحسين الواد، التى أنصفها جزئيًّا وجودها فى القوائم القصيرة منها أو الطويلة. إذن ثمة فضل غير منكور للجائزة فى لفت انتباه جمهور القراء الواسع لروايات أولى خاصة، ما كان لها أن تستقطب هذا الاهتمام لولا وجودها فى قائمة الجائزة القصيرة أو الطويلة، ناهيك بفوزها بها كما هى الحال مع شكرى المبخوت، أى المحظوظ بحق، حيث فازت روايته الأولى بالجائزة، وعن جدارة، على الرغم من وجود روايات أخرى كانت جديرة بالفوز مثل «ابنة سوسلوف» للكاتب اليمنى حبيب سرورى، التى أعتبرها أهم الروايات التى صدرت عن الربيع العربى وأعمقها، مع أنها لم تتجاوز حدود القائمة الطويلة.
ورواية شكرى المبخوت «الطليانى» رواية جميلة بلا شك، من حيث غواية الموضوع المشغول بإحدى أهم فترات التحول فى المجتمع التونسى الحديث، بعدما شاخ نظام بورقيبة، وانقض عليه بن على فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى، وهو انشغال يحيل تلك الفترة الانتقالية بطريقة مواربة إلى مرآة لواقع انتقالى رجراج تعيشه تونس الآن بعد ثورة الياسمين. ومن حيث تصويرها أوجاع جيل كامل، عانى من القهر الداخلى والعطب الاجتماعى المستشرى فى كل مفاصل الواقع، وهو جيل شكرى المبخوت نفسه، الذى رفض الواقع بكل أعصابه، لكنه لم ينجح فى الثورة على كل ما دار فيه. بينما كشف الجيل التالى له، جيل الربيع العربى، مدى هشاشة النظم التى قهرته، حينما بدل الخوف مواقعه، وهرب بن على. وكأن المبخوت يدرأ عن جيله بهذه الرواية الجميلة أى اتهام بالتقصير، لكن أكثر عوامل غواية هذا النص الروائى الجميل رغم ثراء عالمه وكثافة شخصياته هى طلاوة السرد الذى يستأثر بانتباه القارئ لسيولة تنقلاته الزمنية، ووعيه بأهمية تعدد الخطابات، وهو ما رصّع اللغة بالكثير من مفردات الشخصيات وقواميسها الخاصة، التى تستعصى فى بعض الأحيان على القارئ الذى لا يعرف مفردات الدارجة التونسية.
ويفتتح المؤلف روايته بجملة مفتاحية تشد انتباه القراء وتوجههم إلى ضرورة «الفهم». فنحن إزاء سرد يتوخى استثارة عقل القارئ قدر استثارته لعواطفه. جملة تقول «لم يفهم أحد من الحاضرين فى المقبرة يومها لِمَ تصرف عبد الناصر بذاك الشكل العنيف. ولم يجدوا حتى فى صدمة موت الحاج محمود سببًا مقنعًا». وهى جملة استهلالية مفتاحية لعدة أسباب: تبدأ السرد فى المقبرة، وهو مكان له دلالاته الرمزية التى لا تخفى على أحد. لأن المقبرة توشك أن تكون استعارة الرواية المضمرة لتونس برمتها، وللواقع العربى من ورائها. تبدأ ببطل الرواية وحامل اسمها: عبد الناصر الشهير بالطليانى. وهو للمفارقة اسم له دلالاته فى التاريخ العربى المعاصر، وإشكالياته فى علاقته بتاريخ تونس السياسى زمن مولد البطل، الذى نعرف من الفصل الأول أنه كان فى عام 1960، زمن بورقيبة وعلاقته الإشكالية مع عبد الناصر وقتها. وتربطه بالموت، وأى موت؟ موت الأب «الحاج محمود» ابن جيل الاستقلال التونسى، الذى يبدو أنه لم يكن بورقيبيًّا خالصًا، حينما سمى ابنه «عبد الناصر». وأخيرًا تقدم لنا تلك الجملة الاستهلالية العنف: عنف الابن المحبط الكظيم. وسوف تعزز الرواية أهمية الفهم تلك بعد صفحات قليلة، حينما تقول الأم «أموت وأعرف لِمَ فعل ما فعل؟» (ص 13).

وهو الأمر الذى يرهف اهتمام القارئ أكثر بما جرى، فحتى الأم لا تعرف، ويشوقها أن تعرف إلى حد كبير، ولن تعرف الأم، ولن يعرف القارئ معها لما فعل (الطليانى) ما فعل، إلا إذا قرأت الرواية برمتها وحتى نهايتها، التى تردنا لغرابة المفارقة لبدايات هذا الجيل المعطوب. فدعنا نقرأ الرواية معًا فى الأسبوع القادم. 

 «الطلياني».. رواية المدينة وأرشيف الوجع الوطني
(2015-05-30 )
تحدثت للقراء فى الأسبوع الماضى عن فضل جائزة البوكر فى تعرفنا على رواية «الطليانى» المنشورة عن «دار التنوير»، التى اعترف كاتبها بأهمية دار النشر فى لفت الانتباه إلى روايته من ناحية، وفى تحريرها الذكى لمخطوطة الرواية من ناحية أخرى.
وهى رواية تسهم كالروايات الكبيرة فى تثقيف قارئها بأن تغنيه عن قراءة كثير من الكتب عما دار فى تونس فى الفترة التى تكتب عنها، وعن مختلف التيارات التحتية فى الفكر والسياسة، التى كان يمور بها الواقع التونسى فى تلك الفترة التى انشغلت بتقديمها لنا، إذ يتعرف القارئ منها على أحداث مفصلية فى تاريخ تونس الحديث، وقد أصبحت جزءا من أحداث السرد ومن تكوين شخصيات النص الأساسية، بدءا من مؤتمر جربة عام 1971، الذى يفخر سى عبد الحميد سرا بأنه كان من المؤتمرين فيه، ثم أحداث جربة فى فبراير 1972، مرورا بأزمة النظام مع الاتحاد العام للشغل وأحداث 26 يناير عام 1978، وصولا إلى انتفاضة الخبز فى يناير 1984، دون أن ينسى واقعة كلية الآداب بمنوبة، التى خطط لها المناضل الخشبى العتيد المحامى القروى فى مارس 1982، والتى يقيس عليها البطل ما يمكن أن تفعله مجموعته به أو بالبطلة «زينة».
فالتواريخ تأتى فى هذه الرواية الجميلة بمنطق السرد، وفق ما فصله جورج لوكاتش فى دراسته المهمة عن الفرق بين السرد والوصف، فبينما يُبقى الوصف الأحداث معلقة وحدها كأنها خارج السرد، يدمجها السرد فى بنيته، ويحفرها فى وعى النص التاريخى، ويحيلها إلى جزء فاعل فى ما أدعوه بذاكرة النص التاريخية، فللنصوص الجيدة ذاكرتها الداخلية التى تموضع أحداثها فى قلب ما دار فى الواقع الذى تصدر عنه، وتتوجه إليه فى آن.
وتتيح لنا هذه الطريقة فى التضافر بين الأحداث المفصلية فى تاريخ تونس ومصائر الشخصيات أو مسيراتها، أن نعرف كثيرا عن تكوين الجيل الذى انفتح وعيه على شيخوخة نظام بورقيبة، وسياقات تكوينه، سواء أكان هذا التكوين فى العاصمة تونس التى يكون فيها بطل الرواية «عبد الناصر»، أو فى أبعد الأرياف عنها كما هو الحال مع بطلتها «زينة» الطالعة من أبعد أرياف تونس فى شمالها الغربى قرب الحدود الجزائرية فى عين دراهم، فنكتشف أننا إزاء جيل معطوب بحق، وإن سعى بجلد محمود يشارف البطولة للارتقاء على واقعه الموبوء، وتكوين نفسه بالبحث والعلم والمعرفة، والتغلب على هذا العطب.
جيل ندرك أنه مهما كانت بطولاته الفردية وصرامته مع نفسه، وبحثه المضنى عن ذاته وعن حريته المفقودة، فإن أدواء الاستبداد والفساد والتخلف والقهر التى عاشتها بلاده فى أثناء تكوينه قد نخرته من الداخل مهما حاول تجاهلها أو التمرد عليها. وكأن قدر الواقع الاستبدادى المأزوم أن يخلق إنسانا مكسورا، مهما تسلح بالمعرفة، ومهما سعى لتطوير نفسه وواقعه.
إنسان يقعده عن الانطلاق بنفسه وببلده، وحتى بحاجات جسده، إلى آفاق الحلم والتحقق المفتوحة ما تدعوه زينة بـ«أرشيف الوجع» الذى يطارده، لأن الرواية فى مستوى من مستويات قراءتها هى رواية أرشيف الوجع التونسى فى تلك الفترة المهمة من تاريخه، والتى تطرحها الرواية كما ذكرت مرآة لحاضر هذا المجتمع فى لحظة تحول مفصلية أخرى فى تاريخه، عقب كل ما جرى فى ثورة الياسمين.
وهى فى الوقت نفسه رواية المدينة، مدينة تونس العاصمة، تقدم لنا جغرافيا هذه المدينة وترقش تضاريسها فى قلب النص، لا باعتبارها المكان الذى تدور فيه الأحداث فحسب، بل باعتبارها الاستعارة الكبرى الوطن التى تكتب بالنص الروائى تاريخه وتناقضاته والتراتب الطبقى لفضاءاته الحضرية، وزحف الأحزمة العشوائية على مراكزه القديمة، وترييفه كما حدث فى كثير من كبريات المدن العربية. تكتب لنا عن طبيعة العلاقات الاجتماعية فى المدينة وما تنطوى عليه ثقافتها التحتية، بالمعنى الاجتماعى الواسع لمفهوم الثقافة، من تناقضات بين أهلها الأصليين «البلدية» أبناء تجربتها الحضرية العريقة بميراث طويل من التحضر وقيم الطبقة الوسطى ومتغيرات التحديث، والقادمين إليها مثل «زينة» من أقاصى البلاد من «الأقعار» الذين مهما كانت حدة ذكائهم، ومهما نمت معارفهم اللغوية منها والفكرية، يفتقرون إلى لمسات تحضر أهل المدينة الدالة، وما يتسمون به من حصافة ووعى بما يجب أن يُفعل أو يُقال، وبآليات التبادل الاجتماعى الكاشفة عن الثقافة بمعناها الاجتماعى العميق. فالرواية تقدم قراءها إلى جغرافيا المدينة بأحيائها المختلفة ومعالمها الأساسية بدءا من مقبرة الزلّاج وصولا إلى موقعى الجامعة فى منوبة و9 أفريل، وانطلاقا من جادة بورقيبة فى مركز العاصمة والشوارع الجانبية المتفرعة منها، وحتى السوق المركزية ومحطة الباصات العمومية والنقل الجماعى فى باب سعدون.
وتدور حول المدينة العتيقة من باب الجديد إلى باب الخضرا، وباب البنات، ومركز البريد فى باب المنارة، وباب البحر وباب سويقة، وحتى مركز الأمن فى القرجانى، دون أن تنسى الضواحى من باردو إلى حى الزهرونى الشعبى، ومن الأمكنة التى تباع فيها أفضل الصناعات التقليدية فى ضاحية الدّندان وحتى المطاعم والحانات التى تعج بها الشوارع المتفرعة من جادة بورقيبة.
فالمدينة تونس العاصمة هى مجرة هذه الرواية الأساسية، قد تخرج منها إلى الأرياف لتعرفنا على جناية عوالمها المتخلفة المغلقة على «زينة»، التى نشأت فى أحراش الريف بالقرب من عين دراهم، ولم ينقذها، من مصير كمصير أمها التعيس بها، غير ما تركه المعمّر الفرنسى الراحل من كتب ومجلات فى البيت الذى استولى عليه وعلى إقطاعاته معه مخدومها، فاستعبد أهل الناحية، دون أن تكون له ثقافة المعمّر الفرنسى الذى رحل. أو قد تبعث راويها السرى العليم، وهو من حيل السرد البارعة فيها، والتى قد نعود إليها فى ما بعد، إلى القيروان ليعمل مدرسا بها. فتكشف عن تجذر تواريخها فى ثقافة أسرته «البلدية» حينما تطلب منه أمه أن يقرأ لها الفاتحة فى مقام أبى زمعة البلّوى فى الطريق إليها، أو يجلب لها شيئا مما تتميز به من حلوى المقروض.

أما من الناحية الزمنية فإن ليلة 7 نوفمبر 1987، ليلة انقلاب زين العابدين بن على، على زعيمه الذى غاب فى سراديب الشيخوخة، هى لحظة الرواية الزمنية المفتاحية، ليس فقط لأنها لحظة تحول تونس من استبداد يعانى من الشيخوخة، إلى استبداد مسلح بالأمن والفساد ودعم الرأسمالية المتوحشة، ولكن أيضا لأنها لحظة التحول الأساسية الكاشفة عن انكسارات شخصياتها جميعا، لكن لتصاريف الزمن التونسى فى هذه الرواية الجميلة حديث آخر قد نعود إليه فى الأسبوع القادم.
«الطليانى».. رواية الهزيمة وتصاريف الزمن التونسى
(2015-06-07 )
ثمة انطباع لدى كثير من المثقفين المصريين، بأن عبء الهزيمة التى عانتها مصر عام 1967، ولم تتخلَّص من عبئها الرازح وعقابيلها (والعقابيل حسب «لسان العرب» هى بقايا العلّة) حتى اليوم، والذى طبع فى ظنّى كل إنتاجها الثقافى، لم يؤثّر بنفس الدرجة على بقية البلدان العربية، خصوصًا بلدان المغرب العربى البعيدة نسبيًّا عن الصراع العربى- الصهيونى.

لكن رواية شكرى المبخوت الجميلة «الطليانى» تؤكّد خطل هذا الظن. وتبرهن على وحدة الثقافة العربية العميقة التى تجمعها بنية مشاعر «structure of feeling» واحدة، حسب مصطلح رايموند وليامز المشهور. وهى بنية عميقة تتخلَّل الثقافة بمعناها الأوسع فى الدراسات الثقافية التى كان وليامز أحد أبرز أعلامها. بصورة تكوّن معها البنية التحتية الفاعلة بطريقتها المراوغة فى الوعى أو اللا وعى الثقافى العام.
فمن يتأمل كل شخصيات هذه الرواية الأساسية منها والثانوية يجد أننا إزاء شخصيات تعانى كلها من الانكسار، تنخرها الهزيمة من الداخل ولا تتيح لها فرص التحقق السوى مهما ناضلت وبصدق ملموس لتحقق نفسها، على جميع المستويات، بدءًا من مستوى الجسد المعطوب، وحتى مستوى الأفق السياسى المسدود.
ولا ينجو من تلك الهزيمة الوطن نفسه، الذى يصفه سى عبد الحميد بعد انقلاب بن علِى الذى اغتصب السلطة دون إراقة قطرة دم واحدة، وهو أمر أخطر من تدفُّق الدماء: «لهذه البلاد قابلية للفتح والإخضاع. ركبها القرطاجيون والوندال والرّومان والفاتحون والشيعة والخوارج وبنو هلال والأتراك والإسبان والفرنسيون. توجعت قليلًا ولكنها كانت تحتضنهم بصدر رحب» (ص 273). وهو وصف يوشك أن ينطبق أيضًا على كل الشخصيات التى «توجَّعت قليلًا» ولكنها تعايشت مع انكساراتها وهزائمها. وكأنها كانت تنتظر، أو بالأحرى تشارك فى تحقيق نبوءة سى عبد الحميد الذى تجعله خبرته السياسية والصحفية الطويلة يقرأ المستقبل، بطريقة كلبية «cynicism»، وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح «انتظر! منذ الوهلة الأولى سحب البساط من الجميع. سيسوى بطريقة ما ملف الإخوانجية، ثم يضع فى الرف بقية الملفات. وبعد ذلك يتفرَّغ لممارسة هوايته فى الإجرام» (ص 273).
فنحن إذا ما تأملنا شخصيات الرواية كلها، الأساسية منها والثانوية، سنجد أننا فى قاعة مرايا للانكسارات الإنسانية الموجعة. حيث ترجّع انكسارات البطل عبد الناصر انكسارات أخرى سابقة عليه، مثل سى عبد الحميد بكلبيته الماكرة، أو حمادى، مصمم الجريدة الذى دمَّرته غيرة أستاذه منه وهو لا يزال طالبًا فى كلية الفنون، أو حتى عم حسن مدير مطبعة الجريدة، والذى ساوم على مواقفه ودخل الحزب الذى لا يحبه ليدافع عن عماله. وتوازيها انكسارات أبناء جيله، وأبرزهم ابن حيّه وزميله غير المسمى، وراوى الرواية العليم بسبب علاقته الوثيقة بكل من البطل والبطلة «زينة». وسنجد أن الحال نفسه سيتكرر مع الشخصيات النسائية فى الرواية، حيث تنسج الرواية توازيًا دالًّا بين ما جرى لزينة التى انتهت مع رجل فرنسى فى عمر أبيها، وما جرى لنجلاء التى انتهى بها الأمر إلى أن «احترفت العهر ببطاقة شبه رسمية. أصبحت تلعب فى ميادين واسعة مع قروش كبيرة فى المال والسياسة»، (ص 294). وهو نفس المصير الذى انتهت إليه قبلهما «للا جنينة».
وكما أننا نشاهد تماثل الشخصيات فى قاعة مرايا انكساراتها وأوجاعها، تقدم لنا الأحداث هى الأخرى مراياها التى تكشف عن منطق الواقع المهزوم وبنيته التحتية. فما جرى لحمادى مصمم الجريدة ورسامها، (ص 164)، ورفض الأستاذ تبرير علامته الظالمة له، بقوله «لست مجبرًا على تبرير العلامة التى أسندها» (ص 164)، ومساندة مدير مدرسة الفنون الجميلة للأستاذ فيها باسم الحرية الأكاديمية وسلطة الأستاذ، لأن «الحاكم الوحيد والرقيب الوحيد على الأساتذة هو ضمائرهم» (ص 164)، فى عالم انعدمت فيه الضمائر. يتكرر مرة أخرى، وبحذافيره مع «زينة»، حيث يزعم الأستاذ الذى دمَّر مستقبلها هو الآخر «كانت الأوراق بدون أسماء حفاظًا على سرية الاختبار» (ص 278)، ويكرر العميد ما فعله مدير مدرسة الفنون حينما يؤكّد إزاء رغبة زينة فى أن يصحح أستاذ آخر ورقتها الراسبة أنه «لا وجود فى القانون للإصلاح الثانى، لأنه يعنى التشكيك فى نزاهة الأستاذ الذى يعتبر خبيرًا فى ميدانه» (ص 279). لذلك يكون رد فعل المظلوم والمقهور فى الحالتَين «حمادى وزينة» مماثلًا، وينطوى على نوع من تدمير الذات. حيث ذهب حمادى إلى الأستاذ الجلاد، بعدما يأس من الحصول على حقّه، «جذبه من كتفه، أسمعه ما قاله مالك فى الخمر وزيادة، بصق فى وجهه، لكمه لكمة كادت تذهب بعينه اليمنى وخرج» (ص 164). وهو نفس ما فعلته زينة حيث صرخت فيه «بدون أسماء يا ابن الفاجرة.. بصقت عليه، رفعت يدها. لطمته لطمة سُمع صداها يتردّد» (ص 278).

وليست انعكاسات الأحداث أو تكراراتها هى المحرك الأساسى لبنية الرواية الزمنية، وإن كانت جزءًا من تلك البنية، لأننا بإزاء بنية زمنية ذات طبيعة دائرية من ناحية، واستعادات تكرارية لما مضى من ناحية أخرى. تلعب فيها ليلة 7 نوفمبر 1987، ليلة انقلاب زين العابدين بن على على زعيمه الذى غاب فى سراديب الشيخوخة، دورًا محوريًّا، ليس فقط لأنها لحظة تحول تونس من استبداد يعانى من الشيخوخة، إلى استبداد مسلح بالأمن والفساد ودعم الرأسمالية المتوحشة، ولكن أيضًا لأنها لحظة التحوُّل الأساسية الكاشفة عن انكسارات شخصياتها جميعًا. ففى نفس تلك الليلة التى نظَّم فيها بن علِى انقلابه على بورقيبة «مسكين بورقيبة» (ص 230)، كان أول تعليق لنجلاء على الانقلاب. تحررت زينة من آخر ما كان يربطها حقًّا بتونس، أمها، ففى تلك الليلة ماتت أم «زينة» آخر ما كان يربطها بمحل ميلادها، وحتى بوطنها تونس بأكمله، كما سنعرف فى ما بعد. وهى أيضًا ليلة تحرر عبد الناصر من زينة. فزينة أصرَّت دومًا على تسمية زواجهما بمجرد «صداق»، والتنصل مع مسؤوليتها عنه، فللزواج عندها معنى أكثر عمقًا وجدية. فعبد الناصر لم ينجح أبدًا فى أن يدلف إلى عالمها الداخلى، رغم كل ما قدمه لها من دعم وحب جعلاه يشعر بنوع من خيبة الأمل والذنب الذى جرى معه شريط حياته كله أمامه حينما خانها مع صديقتها نجلاء فى بيت الزوجية. فقد كانت تلك الليلة المفتاحية هى الليلة التى باتت فيها صديقتها المقربة «نجلاء» فى أحضان زوجها وفى فراشها ببيته. وهى فى الوقت نفسه ليلة ميلاد عبد الناصر المهنية، حيث كان هو الذى يقود سى عبد الحميد رئيس التحرير، ويوجهه إلى الفعل الصحيح والمسار الجديد.

Aucun commentaire: