Follow by Email

mardi 2 juin 2015

" الطلياني": استكناه الذات والوعي بالتاريخ


د. أماني فؤاد
أخبار الأدب، 31 /05 /2015

لم تزل الرواية الكلاسيكية بشكلها التقليدي وتقنياتها الفنية المتوارثة التي لا تنحو للتجريب كثيرا، أو المغامرة بآليات السرد، قادرة على التواصل مع القراء، بل والاستحواذ على أصوات لجان التحكيم، فلقد حصلت "الطلياني" لكاتبها الأكاديمي د. شكري المبخوت على جائزة البوكر العربي 2015 وهي أول نص روائي له. جاءت الرواية لتمثل استمراراً لأشكال التقنيات الكلاسية في الكتابة، وترسيخاً متواصلاً للاتجاه الواقعي بتجلياته حيث تبدو الحياة أحيانا أكثر إثارة للدهشة والغرابة من التخييل وفنونه، فيعيد السرد الفني ترتيب العلاقات بالواقع وعرضها على نحو خاص، ينسج أطراف الحكايات بنسق يتضمن بلورة لتفاصيلها المتناثرة، فيجمع شتات تباعدها ويعيد ترتيبها من خلال نماذج بشرية تنغرز فوق خلاياها بصمات المكان ومتوالية الزمان بأحداثهما، يشكل الروائي الحقيقة أو الواقع تحت عدسات رؤيته الفنية الفكرية، حيث الشغف بتسجيل الوقائع، وتحولاتها في التاريخ القريب، غوص يرصد الأبعاد العميقة لتحركات القوى المتصارعة بالأوطان من خلال رصد النماذج الإنسانية، فهي المرآة المصقولة التي تمر بها هذه الأحداث ظلالاً غامرة، تنطبع فوقها فتزيد من تألقها أو عتمتها، بكل ما تحمله هذه النماذج من تطلعات، وبحث عن ذواتها المضطربة الحائرة في الواقع العربي بكل بلدانه.
الافتراض العبثي الذي وقفت أمامه طويلا أنني لو بدلت أسماء الأماكن بالرواية: المدن والقرى والشوارع، وغيرت تغييراً طفيفاً أرقام السنوات التي تقع فيها الأحداث بتونس، وما له علاقة بمواطنيها؛ لأمكنني أن أضع بديلاً اسم أي بلد أخرى من بعض الأقطار العربية، حيث لن تتغير أحداث النص عدا القليل منها، فلتكن مصر أو سوريا أو العراق أو الجزائر أو ليبيا أو أي بلد عربي بعد حصوله على الاستقلال من الاستعمار أو الحماية الأجنبية في خمسينيات القرن العشرين. إذ تتكرر الأحداث: استيلاء قائد عسكري على الحكم وإزاحة الملكية، نفس شكل القوى المتصارعة على الحكم: التنظيمات الشيوعية أو الاشتراكية، والجماعات الإسلامية، والأحزاب ذات التوجهات الفكرية النفعية التي تشكلها السلطة، ولعبة التحالفات التي ما تلبث أن تنقلب أطرافها على بعضها، وعلى خلفية هذا السيناريو المتكرر تتشابه النماذج البشرية التي تشكل الأحداث وتعد إفرازاً لها في الوقت ذاته.
هنا أتساءل لماذا هذا هو مصيرنا في هذه المنطقة من العالم وهذه الحضارة العربية؟ لماذا هذا السيناريو المتكرر؟ أهو الصراع الذي لم نبارحه بين الأصالة والمعاصرة، هل الأسباب سياسية أم أنها دينية وثقافية؟ هل هو لتحكم الإمبريالية العالمية في مقدرات هذه المنطقة؟ ولما لا نغادر كبواتنا وصراعاتنا المتكررة بنفس قضاياها ولا نقطع فيها بحكم العقل والعلم والمنطق والقدرة على التحرر؟ يبدو أن هذه العوامل مجتمعة قد ظلت هى القيد الذي يحول بين نهضة حقيقية حتى بعد ثوراتنا الاخيرة.
تبلور " الطلياني" قصة الوعي التونسي الحديث بداية من حكم الزعيم بورقيبة، القيادة التي تعول على ظهير عسكرى وأمني، وتتجمل صورياً بالحياة الحزبية الديمقراطية وهي مفرغة منها ولا تعنيها، فتتمكن من الاستحواذ على أطراف اللعبة وعقد توازنات غير معلنة في الداخل أو الخارج . ثم ادعاء نظام سياسي يسعى إلى تحقيق الحرية والتطلع إلى العدالة الاجتماعية، في ظل وجود قوى ثورية يسارية حالمة تتكئ على شعارات واختلافات نظرية أكثر من اعتمادها على مقتضيات الواقع وخصوصية ظرفه، وقوى يمينية راديكالية متمثلة في مجموعة العصابات المتخلفة التي تتخفى وراء أقنعة الدين وتدعو في صلف لا منطقي للوقوف أمام حركة التاريخ.
تلك هي الخلفية السياسية التاريخية التي يرصدها النص بوعي تحليلي عميق لتتحرك في منحنياتها وتشكل أجزاءها الإنسانية حيوات شخوص العمل التي تنطبع عليهم ظلال الأحداث، فيدور النص حول الطالب عبد الناصر القيادي اليساري بالجامعة التونسية وعلاقاته الأسرية التي تشغل حيزا بالفصول الأولى من الرواية، و من خلالها يرصد الكاتب التحولات الاجتماعية بمجتمع يحاول تحديث واقعه، فتبرز انقساماته بين التقاليد المحافظة والمعاصرة وهو مايبدو من خلال الأخوين: "صلاح الدين" الباحث البارز في الاقتصاد العالمي الذي استقر بباريس، و"عبد الناصر" اليساري الحالم الذي يرى توحش الرأسمالية العالمية وتعسف صندوق النقد العالمي والمفارقات الواضحة بين أوضاع غالبية الشعب التونسي والطبقة الحاكمة. يرث عبد الناصر ممتلكات أخيه بعد استقراره بفرنسا، غرفته، موسيقاه، "لالة جنينة" جارتهما وعلاقة بدأها الأخ الأكبر فتستكملها جنينة مع أخيه، ويتفتح عليها وعي الصبي عبد الناصر جنسيا. كما يتحدث النص عن التحولات السياسية والاجتماعية الثقافية التي حدثت في تونس فترة حكم الزعيم بورقيبه، ثم انقلاب زين العابدين بن علي عليه بمسوًغ صحي. ويقدم تشريحاً دقيقاً لبانوراما الاتجاهات المتصارعة على الحكم ومناطق النفوذ والسلطة وعلاقاتها برجال الأعمال والصحافة والمجتمع الجامعي والأمني.
النفس الإنسانية بين المنطقة الباردة من النار والحارقة من الجنة:
ربما تأتي ميزة هذا النص في قدرته على وصف هذه العوالم وأفكارها بتناقضاتها ما بين النظرية والتطبيق في خضم مطبات الحياة ومتغيراتها، مانقتنع به من أفكار وما نستطيع أن نمارسه منها بالفعل. يتأتى هذا في عرض سردي طبيعي يلتقط دقائق النفس البشرية، عرض مثقف وواع، عميق التحليل، وفي لغة معبرة ومسبوكة بعناية ، كما جاءت طبيعة الشخصيات وثقافتها العميقة المكتوية بصراعاتها، والتي تمتلك طموحاتها الخاصة، لتمنح الروائي مساحة متسعة ليمارس تعرية الحقائق ومواجهة متلقيه بقناعات أبطاله وسلوكهم دون تهيب جانب أخلاقي ادعائي، بل نحى النص إلى أسلوب الصدمة في عرض الصراعات بين القوى المختلفة أو داخل النفس البشرية الواحدة وتعدد أطماعها.
جميع نماذج النص تتراوح مابين إنسانيتها الراقية ومستواها الغرائزي الذي تحركه رغباتها، فبداية من عبد الناصر هناك الجانب الإنساني الذي يثمن عاطفة الحب والزوجية ويرغب في تكوين عائلة، جانب آخر تتغلب عليه شهوانيته نتيجة لشعوره بعدم الأمان، يؤمن بالاشتراكية لكنه يمارس حياته كبرجوازي، يشتغل بصحيفة قومية ويرضى بأعراف وسطه ليضمن استمرار حياته، يحب زينة ثم نجلاء ويقيم العلاقات مع أخريات بلا أي وازع أخلاقي.
تؤمن زينة بحريتها لكنها تستغل عبد الناصر لتسيير حياتها وإنهاء دراستها لتصبح أستاذة بالجامعة، في علاقة تتأرجح بين الحب والعقد المكبوتة وشرط عدم التخلى عن طموحها لتنتهي بضياع في فرنسا مع صديق يكبرها بأعوام كثيرة.
تستنكر زينة رؤية الشرقي للمرأة تقول:" ..إن المرأة مدانة في الأصل لأنها تزعزع البنية الآيدولوجية المهيمنة باعتبارها خلاصة استيهامات جماعية صنعها الرجال لحماية ملكيتهم للمال والجسد والسلطة" 142.
يعجب "صلاح الدين" رجل الاقتصاد بآراء عبد الناصر أخيه لكنه يشتغل ضمن منظومة رأسمالية عالمية، يؤمن أن:" المسألة ترتبط باختيارات محددة للتموقع في الفضاءات الاقتصادية وبالخصوص في الاقتصادات الأوربية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا ويركز على أن السياسة الاجتماعية في التعامل مع الملف الاقتصادي مجرد شعبوية أدت إلى أزمة مع الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1978 وإلى أحداث سنة 1984 " 15 .
ربما كانت رغبة الروائي في القبض الواعي على هذه الفترة التاريخية بما احتدمت به من قوى، وفروق بين كل توجه فكري ذي مرجعية فلسفية، والاختلافات التي تقع في الاتجاه الفكري الواحد أو السياسي ذاته، وعرض مراحل تكون الوعي الحديث للتونسيين مابعد الاستعمار أكثر إلحاحاً لديه من استحداث تقنيات فنية خاصة ببناء العمل على نحو يبدو فيه نصه قائما على نوع من تحديث التقنيات والمغامرة معها.
تناغم اللغة ونزعة التحرر:
يغلب على لغة السرد الأسلوب المثقف القادر على الصياغات المحكمة التي تتبلور من خلالها رؤى الحياة، فهي لغة تعلو عشقا للمعرفة، كما تميل إلى استخدام المصطلحات اليسارية المقولبة في صيغها المحفوظة وذلك لتوجهات شخوص النص الفكرية. ومن أبرز سمات هذه اللغة أنها مندفعة حماسية، تميل إلى التنظير تعبيراً عن مناخ العمل في بيئة جامعية أثناء ثمانينيات القرن العشرين في ظل التنظيمات اليسارية وانشقاقاتها بكل ما احدثته من زخم ثقافي ووعي متفتح ارتبط بالمرحلة العمرية لأبطال الرواية وأطروحاتهم الجامعية الحقوقية والفلسفية. هذه الأجواء التي استدعت لذاكرتي نص "الروائيون" لغالب هلسا وهو يؤرخ لهذه المرحلة الاشتراكية بمصر، على نحو مما نجده في حكي السارد مثلاً عن أجواء اللقاء بين زينة وعبد الناصر بطلي العمل الذي يضفر الكلام فيه بلغة المثقف الخبير:" .. تدخلت برشاقة لتطرح ما تعتبره غموضاً ولبساً يحفان بمفاهيم عديدة لبيار بيرديو تجعلها أقرب للإنشاء البلاغي منها إلى رأس المال الرمزي أنموذجين على الضبابية المفهومية ، دخلت في جدال مع بعض المدافعين عن بورديو بحماس فياض" 69.
ينسج الروائي لغة سرده مفعمة بأجواء الكتب والثقافة ومفرداتها القريبة من عالمه وعالم شخوصه في كل مشاهد النص وأحداثه، فحين يصف عبد الناصر علاقته بأنجيليكا في باريس أخت زوجة صلاح الدين أخيه يقول:" كان متنها غزير المعاني، كثيرة ظلال معانيها، لم يكن من اليسير عليه شرحه وتحشيته في ليلة واحدة مهما طالت خصوصا أن كتاب حياته مغلق في الغرفة الأخرى وقد يطل عليهما في أي لحظة" 139.
يظل الوعي بالإرادة الحرة، والكتاب أفقا للمعرفة، محوراً جوهرياً بالعمل ولذا فهو يدخل في نسيج بناء لغة النص وتتشكل الحياة به من خلال التشبيهات والكنايات يقول في حوار بين عبد الناصر ونجلاء : " أنت كتاب لا يقرأ إلا على امتداد أشهر طويلة. أجابته: وهل تريد الفراغ منه بسرعة؟ أتنتظرك كتب أخرى ؟ - اعتدت على قراءة أكثر من كتاب في فترة واحدة" 191.
وفي مواكبة لأجواء النص وأحداثه تجنح اللغة أحياناً إلى العنف ولاسيما عندما يتعلق السرد بالجماعات الإسلامية والجهادية التي وجدت بالجامعة واضطر الأمن الى التعامل معها ، وهو ما نجده أيضاً في الحديث عن العنف الموجه للشيخ (علالة) في كل الفقرات المتعلقة به.
وبالرغم من المستوى اللغوي الفصيح المتثاقف في النص كله إلا أن هناك بعض المفردات الخاصة بالبيئة التونسية ولهجتها العامية اضطر الروائي لشرح بعضها في متن النص مثل تفسيره لمفردة " الأقعار" 145، "حسكتها" 224 .
عادة ما يقاس وعي المبدع وتميزه بقدرته على استكناه العوالم المختلفة والمتباينة للإنسان، وبقدرته على تجسيد حالات البشر المتفاوتة في خضم صراعاتها واضطراباتها، فالثنائيات الحدية كالخير والشر أو العدل والظلم أو الحب والكراهية، الصدق والكذب كلها لا تعبر عن الإنسان بصدق، ولا يخلص لها الفرد في حالتها (البيور)، يلتقط الفنان التفاصيل الحساسة المتذبذة صعودا وهبوطا، ويضع عدسات قلمه فوقها ليرصد البيني في حالة فورانه أو كمونه ، في حالة قربه أو بعده من الحدود القصوى للقيمة، فالحياة الحقة تقع بين هذه الثنائيات وتتدرج حالات الفرد بين طرفي كل ثنائية، وهو ما التقطه د. المبخوت بوعي الدارس المتعمق بالذات البشرية.
يبدو المستوى الثقافي المقترن بالمصطلحات الأكاديمية مرتفعاً في أجواء النص كله إلا ماندر، ويبدو التحرر المطلق سلوكاً سائداً وأسلوب حياة وطريقة تفكير إلى درجة لا تصمد أمامها كثير من مواضعات المؤسسة الاجتماعية. إذ تميل الشخصيات في سلوكها إلى التجرد من كل قيمها وقيودها السابقة حتى لو كان ذلك داخل الأطر الاجتماعية المستقرة كالزواج، فهي تسعى إلى التحرر منه مثل مانجده فيما يتعلق بـ "الصداق" بين زينة وعبد الناصر التي أصرت أن تبقى علاقتها به حرة لا زواجاً حقيقياً، و أجهضت نفسها عندما تحرك بداخلها جنين قد يحول هذه العلاقة إلى علاقة زواج مكتملة ومعلنة للجميع. أو علاقة نجلاء صديقة زينة بزوج صديقتها عبد الناصر، ورفضها للزواج منه بصورة قاطعة بعد علاقة زواج فاشلة لم تحقق لها السعادة. ثم علاقات عبد الناصر الجنسية الأخرى التي لم تحقق له أي شعور بالاكتمال.
يلاحظ في النص أيضاً تقويض مباشر وضرب للعلاقة الزوجية التي هي من أقوى المؤسسات الاجتماعية رسوخاً في أي مجتمع عربي: بداية من الأسس العائلية الهشة بين عبد الناصر وعائلته وعلاقته البراجماتية بأخيه الأكبر وتلقيه المساعدات المالية والمعنوية منه وفتور تواصله مع باقي أفراد أسرته عدا اخته يسر. ومروراً بإبراز الصدع النفسي المقيم بشخصية زينة جراء اغتصابها وهي لم يتعد عمرها الرابعة عشرة، والشك في تحديد هوية الفاعل أهو ابوها أم أخوها؟ ثم رفضها الزواج المعلن من عبد الناصر أو من صديقها الفرنسي الأخير، وبقاء الآلام الجسدية والنفسية مقيمة برحمها بعد أي اتصال جسدي مع أي رجل. وأيضاً بطلاق نجلاء من زوجها من جراء علاقة جنسية لا تشبعها بل تتسبب في إيلامها.
كأن الروائي يرصد الخواء والاضطراب الذي يعيشه الإنسان المعاصر، ربما نتيجة للحرية التي لا يعرف حدودها، وتطلعه للنموذج الفكري والاجتماعي الغربي في صورته السطحية، أو نتيجة لتنامي المجتمع الاستهلاكي وعدمية القيم والثوابت، فيجسد الروائي هذا التفتت والتشيؤ والبراجماتية في العلاقات الإنسانية وبعدها عن طابع الحب والاستمرار والاقتداء بأي نموذج عاطفي ، إذ أصاب التشوه الجميع دون استثناء.
يمثل النص وعياً عميقاً في قراءة الواقع. ليس واقع تونس التي هي مسرح أحداث النص فقط بل واقع الدول العربية الإسلامية في هذه المنطقة الجغرافية من العالم. وهو مايختزله الروائي بعبارة زينة وهي تقول:" فكركم خلطة ساذجة من إسلام الإخوان والوهابية وتأثيرات شيعية .. أنتم تقدسون الأفكار المحنطة ، تقدسون أفكار مدرس تربية إسلامية محدود الذكاء، أو معلم من أرياف مصر، ولا تقدسون الخالق. أنتم أبناء الجهل المغلف بالبحث عن أصل كاذب لم يوجد أبدا " 57. وقد يفسر هذا توالي بعض الأحداث وكأنها نسخ معادة من الوقائع التي حدثت بكثير من البلاد العربية.
"علالة" علة هذه الأوطان :
يستشرف النص في زمن السرد 1990 تكرار السيناريو ذاته من استحواذ القوى الإسلامية على السلطة السياسية وقفزها لسدة الحكم بعد ثورات الربيع العربي وذلك من خلال المسح الصحفي الذي قام به عبد الناصر في كل المدن والقرى التونسية النائية لصالح وكالة الأنباء الفرنسية قبل اشتعال ما سمي بثورات الربيع العربي.
ربما جاء تصوير الروائي لانهيار حياة عبد الناصر وزينة معا نتيجة لهذا الاكتشاف وسيطرة زين العابدين على الحكم واخضاعه للجميع، في تواز مبدع بين الشأن الخاص مع الشأن العام في البلاد. هذا بالإضافة إلى تكوين الرواية الدائري الذي يبدأ بالمشهد الصادم الذي تمثل في ضرب عبد الناصر للشيخ الدرويش: (علالة) عند قبر أبيه أثناء دفنه، لتنتهي الرواية بذات الأحداث التي استهل بها السرد. إذ ينقل الراوي صديق زينة وعبد الناصر عنه قصة لالة جنينة مع علالة وكيف كانت حياتهما، لنكتشف في نهاية النص لماذا ضرب عبد الناصر علالة في أوله، عندما تلاقى مشهد عبد الناصر مع ريم وهو يهم بمواقعتها ،316 مع ما تذكره من فعل علالة الشاذ معه عندما كان صغيراً، لكن المشهد كان أكثر عمقاً وظلالاً من هذا فيما بدا لي، فقد انتهت ملاحظات عبد الناصر واستقراءه للواقع التونسي في قراه ومدنه الصغيرة كلها إلى استفحال أمر التيار الإسلامي وسيطرته على أذهان البسطاء، وتأكيد غلبتهم عند إجراء أية انتخابات قادمة، وتوازى هذا مع رؤيته للإسلاميين فهم: " تعبيرا عن تفقير الأرياف وترييف المدن في العهد البورقيبى" 208. ويذكر في النص صنيع حزب الدستور الحاكم حينما أراد ضرب اليسار التونسي: " فشجع الإسلاميين ورعاهم وسمح لهم بالعمل في المساجد وتكوين نوى لمجتمع مواز باسم الدعوة إلى الدين والأخلاق الحميدة " 208. كما يذكر السرد الخاص بعبد الحميد الصحفي الكبير مدير عبد الناصر بالجريدة أنه يحب اليساريين الأذكياء ويكره بالفطرة الإسلاميين الذين يهددون الإرث الحداثي للبلاد 154. وحين نجمع كل هذه القرائن والإشارات معاً نستطيع أن نلتقط التفسير العميق لضرب عبد الناصر الشيخ علالة ببداية السرد وهو ما انتهى به النص أيضاً. وأتصور أن علالة يمثل كل ما هو طفيلي شاذ من مظاهر الدين، فهو لا يمثل الدين في جوهره وإن كان يظهر بسمت رجل الدين الذي يؤذن بالناس وراثة عن الشيخ الشاذلي والد جنينة.
يمثل علالة نوعاً من الدروشة والحياة على هامش العقل البشري ، يقفز فوق مالا يستحقه، لايصلح لشيء سوى ممارسات شاذة توقع الأذى بالآخرين المحيطين به. ربما أراده الروائي رمزاً لهذه الجماعات التي لا يعنيها جوهر الدين، بل ما تناله من توظيف الدين في الإسلام السياسي من نفوذ واستحواذ على السلطة.
ورغم أنني لا أفضل تأويل النص وحصر شفراته في قراءة رمزية إلا أنني قد تصورت لالة جنينة ابنة الشيخ الشاذلي رجل الدين المتصوف رمزاً لتونس أو أي قطر عربي، تعرضت لضياع المستقبل وتوزعه الفادح نتيجة لعدم النضج والتخلي عن العلم والعقل الذي هو طريق حتمي لتحديث الأوطان. لم تجد من يقف بوعي بجوارها، لذا كان قدرها هذا الرجل العنين أو الجماعات الإسلامية التي تتستر بالدين لتخفي عقمها الواقعي في انتاج حضارة حديثة تلحقنا بركب التطور العالمي. ربما لكل هذا يبدأ النص وينتهي في حركة دائرية كزمان هذه البقعة من العالم بحادثة ضرب عبد الناصر للشيخ علالة رمزا لكل ما هو شاذ وبلا منطق، ولنا أن نلاحظ مجرد اختيار اسم الشخصية، فالعلة تكمن في نهج فكري لا يمكن أن يصمد أمام حركة التاريخ الطبيعي .


Aucun commentaire: