Follow by Email

vendredi 20 mars 2015

"الطليانى" رواية تؤسّس للوعى بهويّة تونس



  بقلم   د. صلاح فضل  
 
جريدة "المصريّ اليوم"، بتاريخ 20/ 03/ 2015

فى إطار المعيار النقدى الذى اقترحته لتقييم الأعمال الروائية طبقاً لدرجة نجاحها فى «التمثيل الجمالى للحياة» نلمس مستويات هذا التمثيل فى الأعمال الإبداعية الجديدة، وأبرزها ما يؤسس للوعى بهوية الوطن، ويلتقط روح الشعب، ويجسد خواصه البشرية، على مستوى الفرد ومزاجه، والجماعة ونزوعها، فى لحظة تاريخية معينة، تستقطب رواسب ما سبقها، وتنبئ عن وعود مستقبلها، على أن تتدفق هذه الرؤية فى شرايين العمل الإبداعى خلال تصويره التخيلى أو الفانتازى لتيار الحياة بالواقع أو الرمز، دون أن تتعالى على القارئ المتمرس.
ومن يتذكر «عودة الروح» لتوفيق الحكيم مثلاً، أو «ثلاثية نجيب محفوظ»، يدرك دورهما فى بلورة الوعى الوطنى بالهوية المصرية، رواية «الطليان» التى خرج بها علينا أستاذ تونسى رصين هو شكرى المبخوت - دون سوابق سردية فيما أعلم - تقدم لنا نموذجاً بليغاً لهذا النوع من الأعمال الكبرى التى أخذت تؤسس لهويات أقاليم الوطن العربى، فقد سبق لى أن قرأت وعرضت لعشرات المبدعين والمبدعات الموهوبين فى تونس، لكنى لم أجد لديهم هذا البعد الرائد بنضج واكتمال.
لقد استطاع شكرى المبخوت أن يجمع إلى النبرة الصافية الإيقاع الصحيح فى توزيعه وتمثيله الجمالى للحياة هناك، كما تتراءى لراوٍ عليم تتعدد مواقعه وأصواته، فيندغم حيناً فى إحدى الشخصيات أو يطل على المشهد من سمائه القريبة، أو ينخرط فى تشريح نماذجه وكشف بواطنهم باعتباره صديقاً لهم، بما يجعل من السرد على تقليديته يتلبس بمذاق حداثى مراوغ، كأنه يتراوح بين الحضور والغياب بتوازن دقيق، على أن كثافة التحليل الثقافى فى السياسة والمجتمع والإشارات النافذة لجذور الأوضاع الراهنة زمن السرد - وهو نهاية الثمانينيات عند انقلاب بن على وتنحيته لبورقيبة، الزعيم التاريخى للبلاد، وصانع نهضتها الحديثة.
هذا التحليل لا يطغى على نبض العرق الإنسانى فى النماذج الروائية، حيث تلتف معظم خيوطها حول شخصية عبدالناصر، قائد الفصيل اليسارى فى حركة الطلاب الجامعية، قبل أن يصبح أكثر شباب الصحفيين نباهة وثقافة وقدرة على جذب زملائه، خاصة «زينة»، بنت عصر بورقيبة المتمردة على أصولها القروية المتواضعة، والمشبعة بكبرياء المهرة البربرية الجموح وفتنتها الطبيعية الغامرة، أما لماذا سمى عبدالناصر - وهو المولود فى ستينيات القرن الماضى إبان جيل الافتتان العربى بالزعيم المصرى رغم التباعد السياسى - لماذا سمى بالإيطالى فلأنه كان مختلفاً عن إخوته، فهو أجملهم وأقربهم إلى شكل الإيطاليين الذين كان سكان العاصمة التونسية يشاهدونهم قبل عصر الفضائيات فى قناة «الراى أونو» التى كانت تصلهم بسهولة وتدس فى سريرة كل منهم نماذج الحياة الأوروبية فى الملبس والسلوك المتحرر الجرىء.

المواقف المسنونة
تنتصب فى الرواية عدة مواقف ناتئة مسنونة تمثل الشواهد الكبرى على إيقاعها المضبوط، أولها يأتى فى مفتتح فضائحى صارخ، حيث يصاب حضور جنازة الحاج محمود - والد عبدالناصر وأخيه الأكبر صلاح الدين الباحث الجامعى المرموق والخبير الدولى فى المؤسسات المالية - يصابون بالذهول بعد أن أقيمت صلاة الجنازة فى الباحة الواسعة الملحقة بالمقبرة، وتقدم الإمام علالة الدرويش ليتسلم الجثة كى يودعها القبر، فإذا بعبدالناصر يهجم عليه بشكل هستيرى ليضربه بالحذاء ويسبه ويلعنه فى نوبة هياج عارم ليمنعه من تدنيس الجثمان الطاهر.
يتعالى الصخب وتختلط الأصوات ويعجل الحاضرون بدفن الشيخ وينصرف الجميع، بمن فيهم كبار القوم، دون تقديم واجب العزاء لأهل الميت الذين ارتبكوا ولم يصطفوا لتقبله، يلتزم الجميع الصمت وهم يستنكرون ما فعله عبدالناصر الذى يخر فاقداً للوعى، ويتعين على القارئ أن ينتظر لنهاية الرواية حتى يفهم بواعث عبدالناصر لهذا الهياج الاضطرارى الذى يمثل ذروة أزمته الوجودية مع رمز التحلل والفساد والنفاق الاجتماعى الرخيص، مع بقايا الجروح الغائرة فى أعماق وجدانه فى ثأره الشخصى من الإمام المعتوه وزوجته العجيبة «للاجنينة»، الوحيدة التى فهمت الموقف حينئذ وعلقت قائلة: «عبدالناصر على حق، ولو كنت مكانه لفعلت أكثر مما فعل».
هذا الإبهام الذى يظل معلقاً فى نفس القارئ طيلة العمل يمد خيوط الفضول ليغلق الدائرة فى الختام المقنع المشبع، مما يجعل الرواية ذات بنية دائرية، تتخللها معالم ومسارب أخرى فاصلة فى تشكيلة تقنية مورقة وممتعة.
أما المشهد السينمائى الثانى فيقع قبل ذلك بعامين، فى ساحة كلية الآداب بجامعة منوبة بتونس، حيث كان التجاذب الطريف بين عبدالناصر، زعيم اليساريين المحترف، وزينة، زهرة المناضلات الحرائر قد قادهما إلى لقاء عضوى فى قلب معركة دبرها الأمن ليتخلص من طلبة الجماعات الإسلامية المتربصين بالجامعة لإغراقها فى الاضطراب السياسى، ولأن أتباع الأمن، أو الأعوان، كما يسميهم الكاتب، يأخذون العاطل بالباطل عادة، فقد انهالوا على الرفيقين مع الآخرين ضربا بالهراوات.
لم يجد الفتى بدا من أن يرتمى على زميلته ليحميها، «حيث وضع يديه على رأسه منبطحاً فوقها، غطى رأسها برأسه وهو يصرخ ويسب ويلعن، رأت قطرات من الدم تنسال عليها، عادت معه واعية إلى الحلم، أخذت تقبله من الرقبة ثم جذبته إليها وغرقا فى عناق أنساهما أوجاع الضرب، أخذ الأعوان ينعتونها بالعهر ويهددونها بالاغتصاب والقتل، خرج العميد من مكتبه وصرخ فى رجال الأمن كى يتركوا الطلاب ويغادروا الجامعة، امتثلت الشرطة وتركت الطالبة، لكنهم اعتقلوا الطالب الذى ما لبث أن أفرج عنه الضابط المختص الذى تصادف أن كان من أهل حيه بعد أن حاول تجنيده ليعاونه فى مقاومة الطلاب الإسلاميين.
ينبثق بين الرفيقين عشق عارم منذ تلك اللحظة، تبوح له زينة بمواجعها الغائرة، تتخرج فى الجامعة قبله لأنه كان حريصاً على الرسوب الاختيارى ليظل قائداً للتنظيم، تتقدم لإعداد ملفها للتدريس فى التعليم الثانوى، لا تسلم لها وزارة الداخلية البطاقة رقم ٣ الضرورية للعمل لأنها نقابية وناشطة سياسية تشارك فى الاجتماعات العامة.
تلجأ للسلطات الجامعية حتى تصل إلى وزير التعليم دون أن تقوى أى جهة على عصيان التوجيهات، «حرارة خانقة هذا الصيف كما لم تشهدها البلاد من قبل، مظاهرات تكاد تكون يومية، اعتقالات هنا وهناك، احتد الصراع بين أجنحة القصر، لا حديث إلا عن خلافة الزعيم المجاهد الأكبر الذى لم تبق له سوى هيبة أسد سجين»، يلجأ عبدالناصر لجاره ضابط الأمن الذى كان يحتفظ بملفات الطلاب، هو وحده الذى استطاع منحها استمارة رقم ٣ لأنه يعرف نجابتها وتفوقها، ولا يمكن للأمن أن يقتل الأذكياء من أبناء الجامعة ويحرم منهم مستقبل البلاد.

هنا يبث الكاتب فى ثنايا متابعته الشيقة لقصة هذه العلاقة تحليلات عميقة للأوضاع السياسية والاجتماعية، وتعبر زينة التى اقترنت بعبدالناصر بنظام الصداق دون الزواج، ولا يشرح الكاتب الفرق بينهما - عن وضعية المرأة التونسية التى تعيش بين سجنين هما البيت والشارع، الأول يعمره سجان بليد لا تنتهى طلباته، طفل صغير دللته أمه، والثانى يعمره السفلة المتحرشون من الرجال فى الشوارع، كانت ترى أن المجتمع التونسى برمته طارد لكل الأذكياء من أبنائه، محبط لطموحهم المعرفى والإنسانى، ودافع لهم للهجرة إلى الشمال الأوروبى.

بلورة الوعى
لا نستطيع أن ندرك أبعاد ما يحدث فى تونس اليوم دون أن نتأمل حوارات الشخوص الروائية، مثل قول سى عبدالحميد، رئيس تحرير الصحيفة الرسمية الفرنسية، التى التحق بها المحرر الشاب، «نحتاج إلى سنوات من الصراع والدماء المهدورة حتى يعرف الإسلاميون ما معنى الدولة، سيذهب الكثيرون بين الأرجل فى لعبة السلطة.. خذ تاريخ البلاد، ذهبت فرنسا فبنى بورقيبة الدولة من بقايا ما وجده، لم يسيطر بقوة السلاح، بل بقوة الدولة وإرادتها، مر بجميع الأزمات من اليوسفيين إلى القوسيين والماركسيين، ونحن الآن منذ الثورة الإيرانية فى مرحلة الإسلاميين» فيرد عليه عبدالناصر الثورى «لكن الظروف تتغير، سياسة الإصلاح الهيكلى أدت إلى كوارث، الدولة تكاد تفلس بتوجيهات البنك الدولى وصندوق النقد.

الوضع كارثى يمكن أن ينفجر فى أى لحظة، وهذا ما يعطى للإسلاميين فرصة الركوب على الحال الثورية، كانت تونس حينئذ تعيش لحظة انتظار انقلاب بن على الذى أجل المد الثورى نيفا وعشرين عاماً بقبضته البوليسية الحديدية، لكن رد الصحفى العجوز يدفع هذه الجماعات المتربصة بالثورة «هؤلاء الإسلاميون ليسوا أبناء مجتمعنا، إنهم امتداد لتنظيم عالمى وراءه أموال كثيرة من أجل ضرب الأنموذج التونسى».. إنهم يكرهون حداثة بورقيبة ومجلة الأحوال الشخصية ومكاسب نسائنا.
أنسيت أنهم أبناء حسن البنا وسيد قطب والمودودى ولا صلة تربطهم بخير الدين والحداد والشابى وابن عاشور.. خليط من إخوان مصر ووهابية ابن باز وحاكمية الخومينى»، ومع أن هذه الكتابة تتم الآن بأثر رجعى، تنسب فى الظاهر لوعى الشخوص نهاية الثمانينيات بينما هى وليدة التجربة التاريخية بعد ثورة الياسمين التونسية وفشل النهضة فى احتواء السلطة واستمرار تربصه وكرهه للنموذج التونسى الحداثى فإن ما تزرعه فى وجدان القارئ المحلى من ناحية وما تبلوره فى وعى القارئ الأدبى يبرز ملامح الهوية الوطنية فى السياسة والاجتماع، فى الفن والحياة، فى المشاعر وحالات النزق.
وهنا لابد من الإشارة إلى الموقف المسنون الرابع الذى تجلى فيه وعى المرأة التونسية وإصرارها على فضح من يبتزها رغماً عنها، منزهة وهى تعد بإصرار عنيد أبحاثها وامتحاناتها للدخول فى سلك التعليم الجامعى يشهد لها الجميع بالكفاءة والجدارة تفاجأ برسوبها لأنها رفضت تحرش الأستاذ المشرف عليها ومراودته لها، لم تفعل ذلك لمجرد وفائها لرفيق مسكنها بل احتراماً لذاتها، فقد كانت تتبادل الإعجاب مع أستاذ آخر فرنسى لم تلبث أن هجرت عبدالناصر للالتحاق به والعيش معه، واجهت الأستاذ بعنف شديد وفضحته علناً فى مشهد مدوٍ ولم يغير من النتيجة شيئاً على إدراك الجميع لصدقها فى إدانته.

أما عبدالناصر فقد وقع فى براثن الحياة الفوضوية والعبث والنزق بعد هجر زينة له، وأخذ يتذكر جرحه الغائر منذ صباه، عندما حاول الصبى «علالة الدرويش» الذى أصبح إماماً فيما بعد، تجريب ذكورته المحبطة فيه، ودأبت زوجته اللعوب «للاجنينة» على إشباع أنوثتها باستغلال طاقته الحيوية فى صباه الباكر، ظل هذا الإمام مدنساً فى وعى عبدالناصر فلم يطق مشهد قيامه بدفن أبيه لبعده الشديد عن قداسة ما يمثله الدين، فاتضح فى الصفحات الأخيرة بطريقة درامية محكمة سر المشهد الصارخ فى مطلع الرواية، وتبلورت رؤية الكاتب فى تمثيل مفاصل الحياة التونسية وتجسيد الوعى الشعرى العميق بها فى سردية بالغة الرهافة والجمال.


Aucun commentaire: