mercredi 29 octobre 2014

ذاك التـونســي المتحـــرّر...

مقال عادل البرينصي عن رواية «الطلياني» بجريدة "الصحافة" بتاريخ 28 أكتوبر 2014



بنظرة المثقف الناقد كما ورد في الصفحة 60 من الرواية «..المثقف عندي من ينقد دون حسابات، ينقد كل شيء... يطلق النار على كل ما يتحرّك... يطرح الأزمة بالسؤال والاستفهام. يخلخل السائد...» يعود بنا الأستاذ شكري المبخوت ـ بفعل تحديد إطار زماني ومكاني واضح الى فترة الثمانينات في العاصمة التونسية، ليصف لنا الحياة في المدينة العتيقة بتفاصيلها وتفرعاتها وشغفها وطبيعة العلاقات الاجتماعية فيها، بأسرار بيوتها وبتنوع شخوصها بحميميتها وصراعاتها، بمسرّاتها وأفراحها...
كما يجعلك تعيش ـ إن لم تعشه طبعا ـ واقعا حياتيا في العاصمة وصراعا سياسيا تجلّى خاصة في الجامعة التونسية بين اليسار والسلطة وبين اليسار والاسلاميين...
فعندما تقرأ رواية «الطلياني» تستفزّك  الى حدّ التوتّر، تحيلك على أشخاص حقيقيين، عرفتهم وعايشتهم وتحدثت معهم، تحيلك الى واقع يعيش  في مخيلتك ولازالت آثاره حاضرة معك... بل أكثر من ذلك فإن شخصية أبو السعود «ج» شخصية واقعية لم يبتدعها الكاتب ولم ينتجها هكذا...
وهنا يبرز البعد الواقعي في رواية «الطلياني» وهو وإن بدا توجها معتادا عليه في الكثير من الروايات العالمية إلاّ أن شكري المبخوت قد التزم بالواقع وبالوقائع وبالشخصيات الى حدود يشعرك بأنّك أمام رواية تاريخية أو مذكرات شخصية للكاتب او لأصدقاء قريبين منه.
وبلغة نراها لا تختلف في عاميتها وبنيتها المبسطة، عن لغة الأدب الرومانسي المتميزة بالشاعرية المطلقة وبسهولة التعبير كالتي نطالعها في أشعار بودلير  (Baudelaire) أو ألفراد «دوموساي» (Musset) أو أشعار وروايات فيكتور هيغو (Hugo) وبقدرة الكاتب البلاغية يستطيع القارئ ان يفهم العديد من الألفاظ والتسميات والمفاهيم والتوجهات والتيارات وغيرها من المصطلحات التي كانت سائدة في واقع اجتماعي ـ سياسي متحرك، كما يستطيع أن يطّلع على أسماء العديد من الكتّاب والمفكرين الذين ربما قرأ لهم الكاتب واطّلع على أفكارهم وتأثيرهم ثم انتقدهم...
رواية «الطلياني» ليست هذا فقط فهي كذلك رواية وجودية تتجسد من خلال شخصيات حائرة تبحث عن حقيقة وجودها وعن المعنى الحقيقي للحياة، فشخصية عبد الناصر ورقيّة شخصيتان متحررتان بأتمّ معنى الكلمة رغم القيود الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والفكرية التي تكبلهما... شخصيتان تمثلان الحرية وتفلتان من كلّ قيد على حد تعبير الفيلسوف تايلور.
ربّما لا تسمح ورقة واحدة في صحيفة ان نأتي على كل ما جاء في رواية الطلياني ـ لكن المهم أن أول رواية لشكري المبخوت قد حددت مكانة للكاتب ضمن الروائيين العرب والعالميين، فإذا كان علاء الأصواني قد وفق من خلال رواية شيكاغو أن يعطي صورة عن الواقع السياسي في مصر قبل الثورة فإن شكري المبخوت قد مكّن الأجيال الجديدة من الطلبة والمثقفين الذين تستهويهم فكرة العمل السياسي ان يطلعوا على الخلفيات التاريخية للواقع السياسي الحالي، أليس غريبا ان تصدر روايتي «شيكاغو» و«الطلياني» بعد سقوط النظامين في مصر وتونس.
رواية «الطلياني» فيها جوانب عديدة وحيوات متنوعة ولعل أهمها واقع العمل الصحفي زمن الإنتقال من الحكم البورقيبي الى نظام بن علي، وهو ما يجعلني أعتبر جانبا من «رواية الطلياني» بمثابة شريط وثائقي عن جريدة حكومية عمومية لا زالت تبحث عن هويتها الى حد اليوم.


إذا أردت أن تفهم الحراك السياسي الذي كان في الجامعة التونسية زمن الثمانينات والذي تستمر تداعياته الى اليوم، فيمكن لرواية «الطلياني» الصادرة حديثا لصاحبها شكري المبخوت أن تشرح لك الصراع وتحيلك على الاطّلاع على بعض المفاهيم والايديولوجيات، اليسارية واليمينية والقومية وغيرها...

عادل البرينصي

mercredi 22 octobre 2014

«الطلياني» لشكري مبخوت رواية الانكسارات وألذّ الخسارات....

مقال شكري الباصومي بجريدة "الصحافة" بتاريخ 22 أكتوبر 2014

منذ البداية كشف المبخوت عن نواياه : القادح شاب يحدث صدمة ورجة في المقبرة يوم دفن والده حين انهال ضربا وشتما على الإمام علالة حتى أدماه . رافضا الإعتذار، قائلا لمن لامه : « تعرف كما يعرفون أني لا أصلّي ولا أصوم"
ويشرع الروائي في تقديم تفاصيل حول شخصية عبد الناصر كما يصفه محيطه ضحية الكتب الفاسدة وأصدقاء السوء وهو بوهيمي فاسد الاخلاق يعاقر الخمر اما هو كما رد على والده ذات حنق : « لا سيد لي....لقـد تركت لكم أخلاق العبيد".
لماذا هاج عبد الناصر وفعل فعلته التي أدانها الجميع ؟ ولماذا خنس الإمام ولم يرد ؟
لماذا غفل الروائي طيلة مساحات من الرواية عن العودة إلى الموضوع وكأنه عرضيّ وأوغل في رسم ملامح شقيق عبد الناصر الذي أورثه بعض خصاله وايضا محل سكنى
و« الخطوات الاولى » في مدرسة الجسد .
الطلياني كان فتنة ، وجماله استثنائي وهذا مهد له الروائي لنعيش معه لوحات عشق راقية ومتنوعة كأنها فصول من الـ « كاما سوترا » لكنها بمذاق يساري طعّمه الروائي بمفردات دينية موغلة في تضاريس الجسد وتمفصلاته الباذخة .
بكل اللغات
الرواية ليست تأريخا لبعض الفترات بالجامعة التونسية ولا لصفحات من نضالات اليسار وصراعه المزدوج مع السلطة الحاكمة وخصومها من اليمين. وان كانت تعبق بتفاصيل مهمة عما جرى ، حتى خلنا شكري المبخوت قد حن لتلك الاجواء وكاد ينساق مع تلك التفاصيل بأسلوب يكاد يلامس التقرير. « الطلياني » الذي « توحمت أمه على فتيات الراي اونو » هو « المصمصة الاخيرة كما تقول أمه » مفتخرة به...
من كان يتوقع ان الفارس اليساري المعتز بنفسه المؤمن بأن اليسار هو المنقذ وزينة التي تعرف عليها طالبة لبؤة بالف رجل ....من كان يصدق انهما ضحيتان للإغتصاب ؟
زينة ما زالت تذكر « السكين من اللحم يخترقها » وعبد الناصر لم يغفر لمن حاول اغتصابه فعلته حتى وان كانت « آلته معطوبة » كما قيل له للتهوين عليه....
احلام مجهضة ....وأجساد مغتصبة كما الافكار.....
عالم خصب رتع فيه شكري مبخوت كما شاء وتنقل من محور الى آخر يقوده راو غامض يظهر ويختفي وفق مشيئة الكاتب الذي كان سيدا ساردا ...
عالم الافكار والصراعات السياسية وعالم الصحافة وايضا ملحمة للجسد بامتياز.....
الجسد حمال الانكسارات والفتوة، هو مخبر بل مجال لامتصاص كل الخيبات لكنه ايضا عالم الأحلام المتجددة ...
لم يكن شكري المبخوت وهو يتقلب بين  « حريم الطلياني » يتابع سيرة تائه يلهث وراء تعويض ما ضاع انما كان يؤسس لعالم من السحر ...عالم الفتنة والاحتفال بالجسد....
من خبرة للا جنينة الى  اليسارية العنيدة زينة الى طراوة السويسرية الفاتنة انجليكا الى استاذة التربية البدنية الى فارعة الجمال ريم...عالم يعبق شهوة وشبقا وطراوة....
لقد تفنن شكري المبخوت في هذا العالم الذي استغله افضل استغلال ليمزج التأوهات بعذابات الحاضر :
شبق بكل لغات الأزمنة بدءا بـ « العُسيلة » وفي ذلك إحالة على الحديث النبوي أي المضاجعة بلذة....وأصله :
"
حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته » وأيضا  « اجعلوا القبلة رسولا بينكم ».....أو قوله : «كان يتدرب عليها يوميا يتحكم في فرسه حين تجنح أو يدعوها إلى الصهيل حتى يبلغ بها سدرة منتهى ....اللذة ...».
كأنها براق....لأن « سدرة المنتهى » كما وردت في القرآن كانت تخص واقعة الاسراء.
 
بل إنه استغل المقولات الفلسفية ليثري عالمه الشبقي : « لا ينزل الى نهر اللذة مرتين الا اذا اختلف النهران» .
هذا المخزون اللغوي غرف منه المبخوت مدللا على عمق ثقافته فهو ستشهد بـ  « الخورنق والسدير» ويوظف عجزا من شعر المنخل اليشكري  :
«
وأحبها وتحبني وتحب ناقتها بعيري ».
وكذلك قوله :
 «
فاذا سكرت فانني رب الخورنق والسدير ..وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير».
ولقد استطاع المبخوت التوفيق بين معجمين مختلفين وألف بينّهما بامتياز....
لغة عريقة وامثال وظفها وعربها وهذبها لتستحيل مقولات راقية ....وقد حفلت الرواية بها :
«
لماذا يشتري  بقرة والحليب متوفر في السوق ؟ » أو « الجار اوصى عليه الرسول »...أو  « كان لسانه يغزل الحرير »  أو «خذها من شبعان إذا جاع» .... أو «الماء يجري تحت رجليه »....أو «لا سبيل لترك الديك سارحا بين الدجاج ».
انكسار
رواية « الطلياني» هي رواية الانكسار فعبد الناصر وزينة اليساريان القويان الحالمان  افترقا . وتحطمت احلامهما على واقع لا يمتلكانه ومثلما انتقدت زينة اليسارية اليساري عبد الناصر قبل طلاقهما ساخرة : «مناضل طبقي وزعيم طلابي يأكل جراد البحر ويعيش عيشة البورجوازية ».
ثم تهاجمه من جديد وقد صار رئيس تحرير جريدة رسمية : « تعمل كلب حراسة في أحد أجهزة النظام الإيديولوجية» . ولم ينس هو الآخر أن ينتقدها : « دنيا والله مناضلة يسارية تمد يدها يوم العلم لتتسلم من السفاح بن علي جائزة  رئيس الجمهورية».
لم يكن الانكسار والأحلام المغتصبة حكرا على اليسار بل كان رموز النظام المأزومين .
وكانت زينة اليسارية الشرسة تهاجم رفاقها واليمينيين ممن تصفهم بـ  « الخوانجية » :
«
لستم مختلفين كثيرا عنهم فلكل جهله المقدس وأصوله الكاذبة » . وفي موقع آخر :« تتحدثون عن هوية ميتة لا تعرفونها »...
ولعل الجملة القادحة والتي كشفت عن هشاشة الطلياني اصطدامه بعالم لم يكن يعرفه...
عالم المعيشة وتكاليفها : « اكتشف ارتفاع الاسعار الذي كان يتحدث عنه  في الجامعة ولا يعرفه » .
ويمكن القول ان المبخوت قد أمسك بتلابيب السرد ونجح في ترويض اللغة  لكن كثرة المنعرجات في الرواية من نقد للجامعة وعفنها وكذلك دنيا القذارة في عالم الصحافة... حكمت على المبخوت ان يذعن لها وهذا ما يبرر طول الرواية النسبي...
ويمكن القول إن  « الطلياني » أعلنت عن ولادة روائي يحذق فن القص ...رغم غموض الراوي وحضوره المتقلب وغير المفهوم أحيانا في الرواية.
شكري الباصومي


lundi 6 octobre 2014

الانكسارات المبهجة لليسار التونسي...

عن رواية "الطلياني" للكاتب التونسي شكري المبخوت
جريدة " الشعب بتاريخ 2 أكتوبر 2014 

بقلم ناجي الخشناوي



سطّر الكاتب شكري المبخوت روايته "الطلياني" (دار التنوير للطباعة والنشر بلبنان)، بهندسة لغوية اخترقت بمختلف الصراعات، الذاتية أو الثنائية أو الجماعية، السياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية والفكرية لزمن الحكاية. غير أن هذه الهندسة تنفلت من أطرها المضبوطة بالأيام والأشهر والسنوات، ولا تنضبط إلى
 مرحلتها تلك بقدر ما يمنحها الكاتب أفقا يمتدّ إلى ما نحن فيه اليوم. فسطوة زمن الكتابة، كتابة الرواية، لا يأكل الوقت الفاصل، فقط، بين زمن الحكي وزمن الكتابة، بل هو يتغذّى منه وينمو على دقائق التفاصيل التي نعيشها في راهننا رغم أنه توقّف "في أواخر شهر جوان أو بداية شهر جويلية من سنة 1990 ". ويكفي أن نطالع عناوين فصول الرواية (12 فصلا) ليلتبس علينا ما حدث وما يحدث، ونتبيّن أنّ الخيط شفيف جدا بين "فجر السابع من نوفمبر" و"الربيع العربي"، بين قدوم بن علي وهروبه. وواضح أن الكاتب شكري المبخوت تخيّر جيّدا عناوين الفصول وشحنها بدلالات وإحالات يستحيل معها فهم ما حدث بعد 14 جانفي 2011 دون الرجوع إلى مارس 1986 عندما عقد الإسلاميون ما سموه "مؤتمر الحسم" ودون الرجوع إلى يوم 7 نوفمبر 1987. فــ"الزقاق الأخير" قد يكون تنبّه إليه الطلياني في أحاديثه مع "سي عبد الحميد" في فصل "السكّة المقفلة"، وقد يكون "مفترق الطرق" فيما نعيشه اليوم، خاصة بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي، قد يكون ذاك الحدث الفارق الذي حدث في فصل "المنعرج" عندما لم ينضبط "الرفيق عبد الناصر الطلياني" لتعليمات "الرفيق الأستاذ المحامي ص.ق"... وقد يكون فصل "رأس الدرب" ذاك الذي يتعرّى فيه الطلياني ويطرح العقدة النفسية وما ولّدته من عُقد لاحقة أحرقت بيادر التفاؤل التي حرثها طيلة سنواته الثلاثين وهو محاط بالجهل المقدّس، قد يكون هو عصب الرواية ومنتهاها أو هو "الحلم المستعصي" لدى الكاتب شكري المبخوت... فوحدها لحظة المكاشفة كفيلة بالخلاص... وحدها الكفيلة بتحرير الفرد لذاته. فالطلياني الذي يستبسل في حلمه بتحرير الآخر، المجتمع، يفشل في تحرير ذاته، وهذه أم المعضلات لدى اليسار التونسي، هذا اليسار "الذي يجسّ في مزابل اللينينية والستالينية العفنة"، مثله مثل الإسلاميين الذين يريدون تحرير الأمة وهم "يقدسون الأفكار المحنّطة، أفكار مدرس تربية إسلامية محدود الذكاء، أو معلم من أرياف مصر ولا يقدسون الخالق.".
وان جاز لنا التأويل، حول التباس زمن الحكي بزمن الكتابة، فقد نجد محملا له داخل الرواية، فعبد الناصر سيصبح صحفيا لامعا بفضل المشكلة/المفتاح بينه وبين "سي عبد الحميد" المدير العام لأعرق صحيفة حكومية، وهي مشكلة "مطابقة الأزمنة" التي كانت جسرا للطلياني ليتحوّل من مجرّد مصحح أخطاء بالجريدة إلى أبرز صحافييها رغم مقص وعيون الرقيب أبو السعود. فمطابقة الأزمنة في الفرنسيّة (
La concordance des temps) وإن كانت دلالاتها لغوية صرفة، إلا أنها لا تخلو من الإشارات البعيدة لالتباس زمن الرواية وزمن كتابتها. إنّ وجه رواية "الطلياني" التحوّل من نظام بورقيبة إلى نظام بن عليّ ولكنّ قفاها ما تعيشه تونس الثورة من محاولة اغتصاب لحلم الحرّيّة يجد جذوره في تلك الفترة التي اختارها الكاتب إطارا لروايته.
وتماما مثلما نُلقي الحصاة الصغيرة وسط بركة الماء الهادئة لنتلهّى بمتابعة الدوائر وهي تتناسل متوسّعة لتؤوب إلى نقطة البداية، دفع الكاتب التونسي شكري المبخوت الحكي على لسان راويه من نقطة النهاية لتتوسّع دوائر الحكي وسياقاته، فلا نتلهّى بمتابعة الدوائر بقدر ما نتورّط فيها ونحن نتقفّى نهاية هذا "الطلياني" الذي جعل من حركة العنف التي أتاها في المقبرة، "علكة يلوكها أفراد العائلة... وتستذكرها الجارات... ويستعيدها أبناء الحي".
ويمنحنا الكاتب شفرة راويته منذ البداية، الإمام الشيخ علاّلة الدرويش، لكنّه يأسرنا بسلاسة السرد وتناسل الأحداث والمتغيّرات، يبني منها متواليات من المستغلقات تحول دون فك هذه الشفرة إلا عندما نبلغ "رأس الدرب"، الفصل الأخير، فنكتشف ساعتها نسق الدائرة العكسية التي كتبها شكري المبخوت عندما شرع يرسمها من "الزقاق الأخير". فمن المقبرة، التي ندفن فيها عادة أسرارنا وأوجاعنا انفتح "الصندوق الأسود" لعبد الناصر.ع أو "الطلياني"، ومن المقبرة أيضا ستفوح روائح الجثث... جثث اليسار واليمين وما يجمعهما من مدّ وجزر، جثث المتصاحفين والمتثاقفين منحدرين في قذارتهم... ستفوح رائحة بقايا نظام بورقيبة المستأسد... وتفوح رائحة "جثة" زين العابدين بن علي و"عهده المبارك" منذ "فجر التغيير"... ستفوح كل الروائح العطنة وسط مربع جغرافي واضح المعالم والحدود (تونس العاصمة تحديدا) وستنتشر ذات الروائح في مثلث زمني مرعب لكأنه مثلّث بارمودا (من 1986 إلى 1990)...
تفوح كل الروائح العطنة ولا تبقى سوى رائحة "للاّجنينة" شفرة مضادة يستجير بها الطلياني وتستجير به. ويتركنا شكري المبخوت مقطّعي الأوصال أمام هذا الطلياني: أواحد هو أم متعدّد... أمنّا ومن واقعنا، أم هو من خيال الكاتب... أنحبّه أم نكرهه... أنتعاطف معه ونشفق عليه أم نتشفّى منه... أنغار منه ونحسده أم ننكره ونتبرّأ منه...
الشخصية الرواية
دون استعراض لغوي مفرط أو مفضوح لكاتب متمرّس باللغة، متنا وحواشي، وبقدرة فائقة على السرد المتأني والسّلس، يشرع الكاتب في رسم ملامح البطل الذي استحوذ على عنوان الرواية ومتنها. ومثل المخرج السينمائي يستخدم الكاتب شكري المبخوت تقنية "ترافلينغ" (
Travelling) الورائي ليشكّل "هويّة" عبد الناصر الطلياني من زوايا مختلفة ويرسم ملامح البطل الذي استحوذ على عنوان الرواية ومتنها، فهو "رماد" لوقار الحاج محمود والده، وهو مثل "هبّاطة" الميناء و"بانديّة" الحي بسرواله الدجينز وسترته الدّنقري... وهو أيضا "كافر" بسبب "الكتب الفاسدة التي كان يقرؤها منذ صغره، كتب تدعو إلى الكفر والفساد والعياذ بالله" مثلما تصفه أخته جويدة، وخو أيضا مثلما يعترف هو بنفسه "إنني لا أصلي ولا أصوم"، وهو حسب أمّه "ولد حرام" لم يفلح سوى في خُلطة السوء من صعاليك الجامعة، وهو بوهيمي لدى خاله، متأصّل فيه الفساد الأخلاقي... وحدها "للاّ جنينة"، الشفرة الثانية في الرواية، انتصرت له عندما قالت: "لو كنت مكانه لفعلت أكثر ممّا فعل". ولن نفهم موقفها إلا بإنهاء الحكاية/الرواية عندما نكتشف القاسم المشترك بينها وبين "الطلياني"، الذي سيعترف لنا، في حوار باطني، بأنه يرى حياته "مسارا من التلاشي والخيبات والخيانات الصغيرة والتبريرات الحقيرة"... حياة غيّر مسارها علاّلة الدرويش بآلته المعطّلة، وبها أيضا غيّر مسار "للاجنينة"... هكذا هم دائما الضحايا ينتصرون لبعضهم البعض...
الغزارة المشهدية
يجد قارئ رواية "الطلياني" نفسه أمام كتابة سينمائية محكمة البناء، بحبكتها وأزمتها وانفراجها، بالحركة البطيئة أو السريعة للكاميرا. ورغم أن السرد يستأثر بالمساحة الأكبر إلا أنه كان دوما دافعا نحو الحركة في نسقها التصاعدي المفخّخ بالانعطافات اللامنتظرة. فالكاتب شكري مبخوت كتب روايته بالكاميرا، وحرص على بناء هيكلها بطريقة المقطع/المشهد، وفي سرد أحداثها على الحركة المتوالية، وفي رسم الشخصيات اعتمد على وصف الخارجي وتحريك الداخلي.
إن رواية "الطلياني" تمثّل نموذجا قويا للرواية/المشهد، رواية نبصرها ونشاهدها أكثر مما نقرأها، رغم أن الكاتب ظل يدور في فلك السينما التونسية، فالفضاءات المغلقة مثّلت الأمكنة الرئيسية في الرواية، وهي من أهم ميزات السينما التونسية، كما أنها تحيل على المدينة العتيقة كما في أغلب الأفلام التونسية.
رواية الطلياني، كانت أيضا احتفالية باذخة، مثل الأفلام التونسية، بالجسد وبكل ما هو دوينيزوسي، ويكفي أن نشاهد/نقرأ حركات عبد الناصر وهو يدلك ظهر زينة في الحمّام، (في الصفحة 239). فالتصوير الدقيق والحركات المتأنية في هذا المشهد لا يحيلان على الغريزي بقدر ما تتدفّق فيهما الصورة لتعيد الاعتبار للجسد. فالمشهد يبدو مناجاة صاخبة، رغم الصمت، بين الظهر واليد، أو هو لحظة بعث لوجود آخر وتأسيس لفلسفة الماهية. ولئن استوعب هذا المشهد، كغيره من أغلب المشاهد، العمق السينمائي إلا أنه أنتج السيمياء الخاصة به في وحدته ونظامه أفليست "السينما الحقيقية هي التي تصنع الحلم، تحكي لك حكاية أين منها بلادة غودار وأمثاله" (الطلياني صفحة 155).
ومثلما تتحرك كاميرا السينما التونسية في مواجهة واقع معقّد ومتحرّك، حرّك الكاتب شكري المبخوت قلمه في مواجهة نفس الواقع بعقده النفسية والاجتماعية والسياسية والفكرية. فزنا المحارم الذي تعرضت له زينة بسكين اللحم العائلي، والاغتصاب الذي طال الطلياني من الإمام مثلا بؤرة السرد في الرواية والفعل القادح لمَا ترتّب بعده من أفعال وسلوكيات ومواقف. لكنّ الاغتصاب يتجاوز، في الرواية، بعده الجسدي لينفتح على الاغتصاب السياسي (التنظيمات السياسية المتكلسة) والاغتصاب الفكري/الثقافي (الواقع الصحافي المتصحّر والمنضبط لسلطة الرقيب) والاغتصاب الاجتماعي (العلاقات المهترئة والهشة)...
ذاكرة تأبى المصادرة
مثّلت الذاكرة، المادة الرئيسية في رواية الطلياني. فالكاتب شكري مبخوت استعاد أجواء الثمانينات والتسعينات بأدق تفاصيلها ولحظاتها الفارقة، في التأسيس والتدمير على حد السّواء. بيد أنّ الذاكرة المستعادة تتجاوز النوستالجيا والحنين لزمن ما أو مكان ما أو شخص بعينه، بل هي ذاكرة تخترق زمنها وأمكنتها وشخوصها وتتحرر من سلطة الجدران...
ذاكرة ثلاثية الإبعاد، ذاكرة يسترجعها الراوي والبطل، وذاكرة يسترجعها ويكتبها الكاتب وينقذها بخياله الروائي فلا يجعل التأريخ والتوثيق يستحوذان عليها، ولا يترك الرواية تستأثر بها أيضا. وكأن شكري المبخوت يأبى أن تُصادر ذاكرته وذاكرة الجيل الذي عاشه رغم أزمة الخطاب وأزمة الممارسة التي لازمته أو التبست به. وهنا يكبح الكاتب جماحه واندفاعه، ليقدّم ضمن روايته "درسا" في النقد الذاتي والنقد الموضوعي والمراجعات الفكرية والسلوكية عبر شخصية الطلياني التي رسمها وقدّمها للقارئ في روايته بعيدا عن التوصيفات الانتصارية أو البطولية، وأيضا دون الوقوع في الانهزامية، وهذه أيضا من نقاط ارتكاز وقوة الرواية. فشكري مبخوت صنع ما يشبه "ملحمة" بشخصية عبد الناصر التي لا نقدر على تبين الخيط الفاصل فيها بين انتصاره وانكساره... فهو مثل لاعب النرد، يخسر قليلا ويربح قليلا، غير أن السياق العام للرواية يشي منذ بدايته بخفوت الوهج، وهج اليسار ووهج القيم ووهج الأحلام... خفوت لم يُقبره الكاتب تماما... مثلما لم يُقبر الطلياني أفكاره وقيمه، وإن بدت ذاهبة نحو مصيرها طيلة الرواية. 
تنمو الحركة السردية في رواية الذاكرة، بين زمن أوّل تعلو فيه الحركة والفعل وزمن ثان للتأمّل ومراجعة الذات في صمت. وتلعب الذاكرة وظيفة تجميع وتنظيم تفاصيلها. وعندما يكتمل المشهد نكتشف أن الأسماء تنفلت من كونها علامات لغوية عابرة في سياق سردي، لتحيلنا على شخصيات من لحم ودم عاشت فترة الثمانينات والتسعينات وتأقلمت مع متغيراتها كل على طريقته، بين الانصهار وقبول الاحتواء أو البقاء على الربوة والهامش... وهي شخصيات تعترضنا اليوم، بعد "الربيع العربي"، فنتهجّى الكثير من ملامحها وتفاصيلها مثلما نحتتها رواية "الطلياني".


vendredi 3 octobre 2014

خارج الإطار الزماني لرواية "الطلياني"



عرفتُ الجامعة خارج الإطار الزماني لرواية "الطلياني" لشكري المبخوت، أي في العشرية الأولى من هذا القرن، لكن بقايا روائح وألوان ما تحدث عنهُ الراوي كنتُ قد عشتُها في كلية الآداب بمنوبة، بل ربما كنتُ شاهدًا، كما كان الراوي –وهو عميد الكلية حينها- على حالة الاحتضار التي كانت تعيشها الحركة الطلابية، فأي من الخُطباء لا يُذكرني بطلياني المبخوت، لا في هيأته ولا في خطاباته، أما زينة الفيلسوفة فحلمٌ بعيدُ المنال.

لا أعرفُ حالة صخرة سقراط بكلية الحقوق، لكني أعرفُ أن الخطباء في ساحة كلية منوبة كانوا مدعاةً للسخرية أو الإشفاق عند عموم الطلبة. الرفيق الذي شارف على الأربعين يصيحُ أو يزعقُ فينا غاضبٍا يائسًا، يُخاطب جماهير الطلاب التي لم تتجاوز عشرة طلاب أو "أنفار" بلغة البوليس الجامعي الذي كان علينا تحيتهُ كُل صباح، أغلبهم من الرفاق، يُخبر عن بطولات طلبة كليتنا، قلعة النضال التي أهداها كما يقول لتونس "القائد الزعيم صدام حسين
". يذكر أسماء لم نكن نعرفها، رغم تكرار ذكرها في كُل الاجتماعات العامة تقريبًا، "حمة الهمامي"، "عز الدين زعتور"...يفضحُ ممارسات وفساد نظام بن علي وزبانيتهُ، من الطرابلسية وصولاً إلى الحجامة. 

تُعجني جرأتهُ، لكنني كنت في حركة لا إرادية كلما تجرأ على النظام ورجاله، أنظُر قلقًا إلى الواقفين بجانبي، فربما يكون أحدهُم مخبرًا عند سي عُثمان، يُسجلُ أسماء الطلبة الذين حضروا الاجتماع، أو حتى بدا عليهم الاهتمام بما يقول هذا الرفيق.

 إنهُ خوف جيل كامل مُصاب بعمى الألوان، جيل وقع تهجينهُ كي لا يرى إلا اللون البنفسجي. كذلك هو خوف أنبنى على ما كنا نسمعهُ من خيانات بعض الرفاق، فذاك الذي يسُب النظام صباحًا مساءً، تبين أنهُ قواد سي عثمان. أما ذاك الخطيب البارع، المُهلهل الثياب، فهو يناضل كما ذكر لي أحد الرفاق من أجل شراء صوته بوظيفة في سلك التعليم. 


الفقرُ كافر وطاقة الإنسان على التحمل محدودة، لكن سقطات الرفاق تبقى دائمًا مؤسفة وُمُخيبة. من صخرة سقراط ورفاق حلقات النقاش الفلسفية إلى كرسي جريدة حكومية ورفقة سي عبد الحميد. من طلياني يُضرب المثل في قدرته على فضح النظام إلى مُصحح أو بالأحرى مُرقع لعورات ذاك النظام. من زينة الفيلسوفة الناقدة للجميع والمُتأففة عن أفكارهم المُحنطة حد التقديس، إلى زينة أنانية، ربما أكثر أنانية من أي نظام ليبرالي كانت تنتقدهُ، فلم تنفع في الواقع مطالعاتها الكثيرة عن الاشتراكية، ولا معرفتها بفلسفة الأنوار. من رفيق يفضحُ فساد رجال النظام في ساحة كلية الآداب بمنوبة إلى رفيق يغشُ في قاعة الامتحان.

رواية الطلياني رسمت صورة لتناقضات مُجتمع كامل، تبدأ بتناقضات المسيرة الشخصية لأبطال الرواية، أي تحديدًا الطلياني وزينة، رغم أننا لا نفهم بصفة كلية أسباب سقوطهما، فهل هي حقًا الحاجة المادية رغم تواصل مساعدات الأخ صلاح الدين أو "الدوائر المالية العالمية" -كما يسميه الطلياني- أم هي النعرة الرجولية الشرقية التي لم تقتلها كل الكتب التحررية في أن الرجال قوامون على النساء؟ 

وزينة لماذا اتسمت بكل هذه الأنانية مع زوجها أو حتى صاحبها، وهي التي لم تكن تنظر إلى الصداق إلا على أساس أنهُ إجراء قانوني؟ هل هو طموحها الجارف؟ أم أن للأمر علاقة بحادثة "ليلة سكين اللحم"؟ هل جعلتها هذه الحادثة تحتقر كُل الرجال حتى حبيبها الذي لم يبخل عليها لا بالحب ولا بالمال، بل ربما كانت بداية سقوطهِ أو تدجينهِ من أجل عينيها؟

في خضم مسيرة سقوط أبطال الرواية يُقدم لنا المبخوت تشكيلة من التناقضات الاجتماعية الحادة، فيكشف في غُرفة صلاح الدين، ومنزل للا جنينة... زيف المُحافظة الظاهرية التي يدعيها المُجتمع. كما يكشف من خلال شخصية العنيّن الشيخ علالة الإمام عن النفاق الإيماني لرهط كبير من العُبّاد.

لئن وقع تكثيف الجانب الشبقي أو الجنسي في الرواية-حد المبالغة في بعض الأحيان- فإنهُ يُعبر عن بُعد جمالي وقدرة هائلة على الوصف. كما أنهُ يعبر عن مشكلة مزمنة وتناقض أساسي عاشهُ ومازال المُجتمع التونسي، أي المسألة الجنسية، فتعرُض بطلي الرواية إلى تحرش جنسي في مرحلة الطفولة، يؤكد أهمية هذه المسألة في طرح الراوي.


 لم تفلح عملية التحديث التي عاشها المُجتمع التونسي في التخفيف من حالة الكبت الجنسي، بل أن هذا التحديث الجزئي قد عمّقها. فالجسد المُشتهى خرج من المنزل، وأصبح في مرمى نظرات رواد المقاهي، المُتأوهين حينًا والمُحترقين 
أحيانًا أخرىمن جمال تلك الصبية، هؤلاء الذين يُحبون أن يغزوا في مُغامراتهم الليلية كُل الأجساد الحرة، لكنهم عند الزواج يريدون جسدًا مُغلقًا بالشمع الأحمر.

في نفس الإطار لعل الراوي أراد من خلال حادثة تحرش الأستاذ الجامعي بطالبتهِ زينة، أن يبرز أن حالة الكبت المرضي هذه، ليست حكرًا على فئة مُعينة: ريفية كانت أم حضرية، جاهلة أو مُتعلمة، بل هي سُوسة تنخر المُجتمع بكُل طبقاته وفضاءاته، من مِيضَأة الجامع إلى حرم الجامعة.

لم تكن نهاية الرواية حاسمة لا في مصير الطلياني  أو في مصير زينة، بل رُبما يُلمح الحديث عن مسار الطلياني في منتصف التسعينات، إلى جزء ثاني من الرواية، فرغم ضحالة عشرية التسعينات -على الأقل من وجهة النظر السياسية- فهناك دائمًا ما يدون، خصوصًا في تطوير سي عبد الحميد ومن معهُ لفنون عديدة من فنون التمجيد، الترقيع والتشويه. 

كذلك فإن ماكينة طحن الذكاء وتحطيم الناجحين لم تتعطل إلى اليوم، فالبطاقة عدد 3 مازالت ضرورية لأي وظيفة. أستاذ زينة مازال مكتبهُ مفتوحًا لكُل الطالبات. مُجتمعات النفاق مازالت تحافظُ على توازناتها وقوانينها المافيوية. أما الرفاق الصادقون –والخائنون- فمازالوا يصيحون "خبز حرية، كرامة وطنية".

الكيخوتي
03 أكتوبر 2014

vendredi 26 septembre 2014

طلياني شكري المبخوت كاماسوترا بنكهة يسارية

مقال للصديق لطفي عيسى في مدوّنته "خربشات    Griffonnages

لست أدري ما الذي دفعني حيال قراءة رواية "الطلياني" لشكري المبخوت، وهو عمل روائي أول غاص بمبضع جراح ماهر في سمك سياقات الثلث الأخير من القرن الماضي، عارضا على قراءه وضمن سردية قصصية محكمة الحبك، "نثارا من [سير] جيل الخسارات المبهجة والأحلام المجهضة" تونسيا، إلى استعادة أحداث رواية الكاتب المغربي محمد الأشعري "القوس والفراشة"؟
فلئن غاب التواشج بين مضمون الحكايتين، فإن السياقات الزمنية المربكة التشابه لا يمكن أن تخطئها كل عين متدبّرة. يكفي أن تُعرض تلك السياقات على الإضاءة المركّزة، حتى نكتشف كبوات جيل ضائع أضناه التأرجح أزلا بين عالمين متخالفين دون فكاك أو رحمة.
فالفاجعة التي نزلت على رأس "يوسف الفرسيوي" المناضل اليساري ذي الأصول البربرية الألمانية حال فقدانه لفلذة كبده "ياسين" الذي راح ضحية انتسابه إلى الجماعات الإرهابية بعيد انتقاله إلى باريس لمزاولة دراساته الهندسية وتوجّهه بغتة للقتال بجبال أفغانستان حيث قضى نحبه، لا يكن أن لا  تعيدنا إلى الدوافع الحقيقة التي كانت وراء خروج المناضل اليساري "عبد الناصر" عن طوره يوم تشييع جنازة والده الوجيه "الحاج محمود"، لما انهال أمام أعين الحاضرين ضربا مبرّحا وتقريعا مقذعا على الشيخ "علاّلة" وهو من تولى إتمام مراسم لحد والده ووجيه رأس درب.
بين أحضان ريحانات متقلبات الطباع والسجايا أمضى عبد الناصر المشهور بـ"الطلياني" و"يوسف الفرسيوي" حياتهما المفتوحة على احتمالات لا متناهية، عكست تحولات مسارهما الشخصيين وتطورات السياقات التاريخية التي كيّفت طموحاتهما وحدّدت إخفاقاتهما أيضا.
تتعدد محطات قطار حياة عبد الناصر ضمن متاهة الرواية المكانية التي شيّدها شكري المبخوت بين أزقة وشعاب، ومنعرجات، وأروقة، ومنحدرات، وثنايا، ومسالك، وسكك، ومفترقات، ودروب، ومضايق وطن التونسيين، تقابلها تحولات سيرة يوسف الفرسيوي في علاقتها بالانقلاب الكلي الذي عاينه مشهد مربع الدار البيضاء - زرهون - الرباط ومراكش على إثر حصول التناوب وصعود ملك المغرب الشاب إلى سدة الحكم.
ما مدلول التحولات التي طالت فكر اليسار ونضاله جنوب المتوسط؟ ما المعنى الذي يمكن أن تكسبه المقاومة ضمن مجتمعات اجتاحتها العولمة، وشارفت على فقدان سيادتها في غفلة تامة من شعوبها؟ ما قيمة الحرية داخل مجتمعات تعاني الهشاشة المادية والنفسية، وتدار من خلال تشغيل ثقافة الوصاية وتأجيل الاعتراف بحرية الأفراد ريثما يتم الانتهاء من معركة النماء واللحاق بركب الأمم المتحضرة؟
ثم ما حقيقة القول بانغلاق قفص الهامشية على حياة المحسوبين على نخب المعرفة والرأي؟ وما وتيرة تدرّج تأثيم النجاح الفردي وانقلابه إلى ما يشبه الخطيئة الأصلية، حيث يتدحرج المثقف إلى مجرد عابث أسود يندفع قدما نحو سقوط مدوي في مستنقعات الرداءة والدناءة المعمّمتين؟
تقريظ على معنى الرثاء أو لعبة الكاماسوترا بنكهة يسارية، هو على الحقيقة العنوان الذي نعتقد اختزاله لمضامين حكايات قصها علينا كلا المؤلفين دون عجل، نقلتنا من مضاجعة الابن الضال والزعيم اليساري عبد الناصر لربة الصون والعفاف "للاّجنية" إلى معاشرة الفيلسوفة البربرية "زينة" والاستمتاع بغنج السويسرية "أنجيليكا" الفاتن والاهتبال بمتعة الخيانة الزوجية صحبة أستاذة التربية البدنية "نجلاء" والاغتباط بضم طالبة الفنون الفارعة الطويل "ريم" إلى سجل عشيقاته. يقتفي يوسف الفرسيوي في قوس محمد الأشعري وفراشته المفتون على شاكلة المناضل اليساري عبد الناصر بصاحبة الجلالة، نفس المسالك المظلمة متنقلا بين زوجته الرضيّة "هنية" وصديقته الخبيرة فاطمة وعشيقته المطلّقة ليلي.
اختار المؤلفان عن قصد الحفر في التحولات المتلاحقة التي عاينتها حداثة الدولة الوطنية المعلنة وذلك من نافدة التطورات الفارقة التي طالت مسارات حَدِيَّة، اعتقد أصحابها وبقدر غير قليل من السذاجة أن قدر قطار النضال من أجل تحقيق قيم الحداثة وفقا لمبادئ الاشتراكية الماركسية، سبيل معلومة من المستحيل أن تحيد عن مسارها قيد أنملة. فكان اصطدامها بالواقع المتقلّب مفزعا حوّل مسارات حياتها إلى ما يشبه تراجيديا فاجعة لأبطال مأساة اجتماعية تعمّد المؤلفان بعناد مهرة الرواة الحفر في ثناياها الملتويّة والتكشّف على إنسانيتها المربكة وبطولتها الموهومة وإخفاقاتها المستجّلية لطباعها البشرية.
جنوب المتوسط حيث زرقة السماء وعافية الماء يجثم فكر الجماعة الوصي على خضوع الجميع لبرد اليقين المعدم لنعمة الشك والتساؤل، لا فكاك من القبول بأنصاف الحلول المعدّلة بدهاء على عقارب ساعات تشبه حركاتها دورات الطبيعة الأزلية. لا يسار ولا يمين لا حرية ولا عبودية لا مواطنة ولا رعية لا إفراط ولا تفريط، اعتدال فجّ ومخزن يعيد إنتاج نفسه بمنتهى الدهاء والمكيدة. رحلة في عطالة الفكر والروح، نجوس عبر منعطفاتها في عاصف ذكريات عبد الناصر من مختبر تنشئته العائلية ورفاق نضاله في الجامعة ومستنقع الصحافة الموبوء الذي ساقته الظروف لمعاشرة دينصوراته، لكي نصل في الأخير إلى انكسار ألواح أشرعته وأزف روحه النزقة على صخرة الاعتداء الفاحش على طفولته الغضة.
نفس تلك الأقدار تضع بطل رواية محمد الأشعري أمام مساره العاثر الذي دفع بابنه الوحيد ياسين إلى السقوط في مخالب الإرهاب، وإصراره العبثي على استحضار روحه قصد مساءلتها بخصوص الدوافع التي جرت وحيده إلى اقتراف رزيّة بذلك الحجم من دون الحصول على شفاء للغليل. فر الفرسيوي من فجيعته المتمثلة في فقدان أمه الألمانية التي قررت بعد أن رافقت والده لسنين وضع حد لحياتها عند موقع ولّيلي الأثري المصاقب لمرقد شريف الأدارسة بزرهون، ليجد نفسه مغدورا في فلذة كبده المنتسب لخفافيش الظلام ومدبري الجرائم الإرهابية. تحت سماء الكيد المعمّم واللعنة الأبدية تعيد الحكايتان رسم عبثية أقدار من أصابوا قدرا من المعرفة متشوّفين إلى رسم أفق مفارق. يغرق والد يوسف الفريسوي في العمى بعد أن يخسر واسع الثروة والجاه، متحوّلا إلى دليل سياحة مجنون يطوف بزائريه في أركان موقع أثري مهيب، تماما مثل ما اضطر "سي عبد الحميد" مدير الصحيفة الرسمية التي آوت عبد الناصر مصحّحا مبتدأ فصُحفيا لامعا، إلى التفريط في إنسانيته في خوف مريع وجبن مخزي إلى شياطين المخزن وزبانيته. ينغلق قفص الهامشية على ذوات قلقة يدفعها مصيرها الحالك قسرا دون رضا إلى الشعور بالصغار والمهانة، فراشات ترقص في زهو حذو اللهيب المستعر لتتلظى بألسنته وتسقط في الدرك الأسفل من نيرانها.
تقريظ عبثي لمفتعل الأفراح ومسترق اللذات يتسلل من تجاويف مشاهد الحانات المعربدة والغرف المغلقة التي تغشاها روائح الانعاض وتعرّق الأجساد المتلويّة من فرط الالتحام وتدفق صنابير الشهوة، لكي يفتح أعيننا على جسامة تكلّس فكر النخب اليسارية تونسيا وغربته المؤذنة بفساد مادته طول عشرية ثمانيات القرن الماضي الحالكة. كاماسوترا باذخة تذكّرنا بأجواء "ديكامرون" بوكاش و"ساتيركون" بيترون الفاجعة، تلك التي يندفع أبطالها تحت مفعول خوف مدمّر في طواف هستيري وجنوح ماجن إلى الهروب إلى الأمام حيث لا فكاك من السقوط في الهاوية.
رواية شكري المبخوت البكر تشريح مفزع بنكهة شبقية لسياقات انحدار "نخب" اليسار الرثة تونسيا، "نخب" لم تبرح الوقوف عند محطات لم تعد تصلها بقطار اللحاق بالأمم المتحضرة أية سكة.                                        

dimanche 14 septembre 2014

شكري المبخوت وروايته الأولى التي قرأتني !

مقال الكاتب محمّد المصمولي بجريدة "الصحافة"
 بتاريخ 14 سبتمبر 2014


ليس من غاية هذه الكلمة ان تكون تحليلا او دراسة لرواية الدكتور شكري  المبخوت التي صدرت أخيرا بعنوان «الطلياني» وذلك لان هذا الركن الصحفي لا يتسع لمثل تلك المهمة وانما اردت بهذه الكلمة ان اقول فقط ان الرواية  المشار اليها قد «قرأتني»  بحجم صفحاتها التي تجاوزت الـ (340)  صفحة  من دون ان تسمح لي بالانصراف عنها او الذهاب في سبيل حالي الى غيرها من مشاغلي اليومية او غير  اليومية.
 ...نعم فهذه الرواية  قد «قرأتني»  كما قلت شأنها في هذا شأن عدد محدود جدا ونادر جدا من الروايات الجيدة التي يتصفحها القارىء فإذا بها تفرض عليه من حيث يدري او لا يدري ان يخضع لاوامر فتنة أسلوبها ولذة  نصها وغواية المواصلة لاحداثها شوقا الى معرفة مصائر  شخصياتها  او ابطالها المتحركين على بياض الصحفات بحيوية متدفقة... وطموحات متناقضة...
 ... ولقائل ان يقول متسائلا :
 - «....كيف يمكن لرواية اولى من تأليف باحث جامعي مختص او يتوفر فيها هذا السحر ومتعة النص والقدرة  على التأثير في القارئ؟
 .. واجابتي هي ان الكتب الجيدة التي «نقرأ»   قارئها هي الكتب التي تكون في المجال الاكاديمي جامعة  بين موضوعية  العلم وذاتية الفن كما في كتب الدكتور طه حسين مثلا او تكون في المجال الابداعي.. جامعة بين لذة العقل والشعر والذوق الرفيع  (كما في كتب الاستاذ محمود المسعدي مثلا).
 ... صحيح ان رواي)  التي نحن بصددها هي باكورة الانتاج الابداعي الى  حد الآن للاستاذ الجامعي شكري المبخوت الذي عرف بكتبه العلمية حول (المعنى المحال)  و(انشاء  النفي) و(الاستدلال البلاغي)وما الى ذلك من المواضيع والمسائل لكن الاصح هو ان هذا الجامعي المتألق «بتواضع العلماء»  في عضويته بعديد هيئات تحرير مجلات محكمة وغير محكمة والمعروف بمشاركاته العديدة في الندوات الفكرية والادبية  هو عالم قد حافظ دائما علىذاتية الفن في مقارباته المنهجية وبحوثه العلمية، فجمع بين رهافة الحس وصرامة العقل.. من دون ان يتحول الى انموذج الباحث الاكاديمي المتجهم على نحو بعض من نعرفهم او لا نعرفهم، عربيا أو محليا.. (بل على نحو الكاتب محمود عباس العقاد مثلا، لكن دون الارتقاء الى منزلته الرفيعة)..
«نعم، فصاحب رواية (الطلياني) ليس كاتبا متجهما، او باحثا جافا، ولو كان كذلك لما أتاح لروايته ان «تقرأني» بهذه السهولة ـ كما اعترفت ـ وانما هو هذا الأكاديمي الذي لمحت في كتاباته العلمية ملامح المبدع منذ سنة 1993 عندما أصدر كتابا بعنوان (جمالية الالفة: النص ومتقبله في التراث النقدي) او عندما أصدر، قبل ذلك او بعد ذلك، كتابا دراسيا جميلا بعنوان: «سيرة الغائب وسيرة الآتي في كتاب (الايام) لطه حسين».
.. وكيف لا يمكن «لشكري المبخوت» ان يكون هذا الكاتب الروائي المتميز.. وقد بحث في أحد مؤلفاته في «الشعرية لدوروف»<؟
***
... رواية (الطلياني) مليئة بالأحداث، وصل فيها المؤلف العهدين (البورقيبي والنوفمبري) بتحاليل ومواقف، كما وصل فيها بين غليان الجامعة والمحيط السياسي والاجتماعي والاعلامي والثقافي، وفقا لرؤية المؤلف، باعتباره من ذلك الجيل الطالبي الذي ثار على واقعه واصطدم بالقمع والاستبداد.. وجوبه بقهقهة السراب.. سواء في سبعينيات القرن العشرين او ما تلاها..
وفي هذه الرواية المثيرة التي قال فيها كاتبنا كل شيء ببراعة فائقة.. ثورة وغضب وجنس واشواق الى المثل السامية.. وقد بدأت الاحداث.. بالزقاق الاخير، وانتهت برأس الدرب، مرورا بشعاب الذكريات، والمنعرج، ورواق الوجع والألم، وغيرها من الدروب التي ظلت تسير بي على هواها، او بالأحرى على هوى شكري المبخوت، هذا الدليل المجرب، والمعلم الخبير، الذي أغتنم هذه الفرصة لأقول له: هل من مزيد أي المبدع؟ ... بعد تهنئته بمناسبة هذه الرواية!


بقلم : محمد مصمولي

lundi 1 septembre 2014

حوار حول صدور رواية الطلياني والجامعة التونسيّة

حوار أجرته سيماء المزوغي لجريدة "المغرب" بتاريخ
30/08/2014



«الطلياني» رواية جديدة صافحت الساحة الثقافية التونسية والعربية، واعتبرت منعطفا جديدا في سيرة الدكتور شكري المبخوت رئيس جامعة منوبة، الذي عهدناه أكاديميا وناقدا وباحثا و له
إطلالات عديدة في الندوات العلمية وإسهامات كثيفة في التأليف المدرسيّ والجامعي وفي معالجة قضايا تربويّة وتعليميّة ونقدية، من مؤلفاته نذكر: «سيرة الغائب» و»جمالية الألفة»، و» النص ومتقبّله في التراث النقدي»، و«إنشاء النفي»، و»الاستدلال البلاغي»، و «المعنى المحال» و «نظريّة الأعمال اللّغويّة» و «توجيه النفي في تعامله مع الجهات والأسوار» و»الروابط و دائرة الأعمال اللّغويّة»، ومن بين أعماله في الترجمة نذكر، «الشعرية لتزيفتان تودوروف» ، و»تخييل الأصول: الإسلام وكتابة الحداثة» والمعجم الموسوعيّ للتداولية». «المغرب» حاورت الدكتور شكري المبخوت بمناسبة صدور روايته الجديدة فكان لنا معه الحوار التالي:
• عرفناك ناقدا وأكاديميا، فكيف ولدت الرواية فيك؟ وكيف ولد «الطلياني»؟
ولد «الطلياني» هكذا دون أي إذن، ظاهريا من باب الصدفة ودون أن يستشير أي أحد ولكن في الحقيقة في تجربتي مع الكتابة ليس منفصلا عن مساري لكن الذي لا يعرفه الكثيرون أنني بدأت أنشر بأسماء مستعارة خصوصا شعرية والأدبية.
• لماذا بأسماء مستعارة؟
لأنني كنت أخجل مما أكتب فقط، وإلى الآن مازلت أخجل، لأن مسألة أن تكتب هي مسؤولية، وليست المعنى الخشبي، هي مسؤولية أمام القارئ ومسؤولية أمام الناس والسؤال البسيط الذي يجعلني أخجل من نفسي هو ما الذي سأضيف أمام هذا الإنتاج العظيم للإنسانية وأمام هذه الروائع القديمة والحديثة والمعاصرة. هذا هو سبب التوجس خيفة مما أكتب.
• نرجع لرواية «الطلياني»؟
ظاهريا ولدت الرواية هكذا دون أي إذن ولكن واقعيا كنت أراها شكلا آخر للتعبير عن شيء في النفس وعن موقف تبلور شيئا فشيئا في كتابات عديدة، بعضها ذو طابع صحفي، بعضها الآخر من باب البحث الأكاديمي، بعضها الثالث من باب الكتابات الثقافية التي تتناول القضايا العامة وبعضها أيضا ما يعرف بالقول الشعري.
إذن ظهرت رواية «اللطليناني» لأنها تلبي حاجة أساسية في رأيي لفهم ما نعيشه اليوم من حالة بلبلة وحالة اضطراب وتداخل. إذن اعتقادي أن الرواية هي الفضاء الكتابي الأساسي الذي يمكننا من فهم مراحل التحول ومراحل الانفلاتات ومراحل الانقلابات. فالرواية تمكننا، أو على الأقل مكنتني، من أن أجد حيّزا لفهم عوامل متداخلة اجتماعية ونفسية من خلال متابعة مسارات وصيرورات الشخصيات التي كنت أرسمها وكانت تنفلت أحيانا من بين أصابعي وتنمو بشكل ذاتي لا أتحكم فيه تماما إلا بعد التنقيح والمراجعة. إذن الرواية في رأي هي الجنس الذي يمكن أن أنقل فيه التحول والتغير الاجتماعي وأن يكون بطريقة أصدق من البحث العلمي أو الأكاديمي.
• عند كتابتك لـ «الطلياني» هل انفلتت شخصياتك منك؟ وهل البحث الأكاديمي، ونحن عهدناك ناقدا، أثّر على روايتك؟
سؤال مزدوج ولكنه ذكي في الآن نفسه، أولا بالنسبة إلى الشخصية، حين نكتب لا توجد صياغة نهائية الصياغة النهائية تكون عند ولادة النص. والشخصية لا أقول تتمرد على الكاتب، وأنا في وضعية من الوضعيات تتصرف بشكل لم أخططه، وهذا جانب المباغتة، في سلوك الشخصيات وتصوراتها وردود أفعالها داخل سياق ما، هو الذي ينشئ لحظة الكتابة لدي، هذه المتعة، متعة الاكتشاف، فأنا أكتشف بقدر ما أواجه، وهذه الجدلية بين توجيه الشخصية وبين مباغتتها للمؤلف هو أمر ممتع اكتشفته فقط في الكتابة الروائية. رغم أن شخصيات الرواية تعيش خيبات، ليس فيها بطل يمكن نعته بالإيجابي، هي خيبات وتحولات ومسارات تعيشها الشخصيات لكن سرعان ما تنقلب لأن عمق الرواية هو بيان هذا التردد الإنساني، هناك تردد في النفس الانسانية، تردد في الكتابة، تردد في رسم الشخصية، والمهم هو النتيجة العامة التي يصل إليها النص وهي أن تكون متناسقة.
• إذن هل أثّر الجانب الأكاديمي في الرواية؟
أصدقك القول أن كل الأفكار التي يمكن أن توجد في الذهن عن المقولات السلبية وعن الزمان وعن المكان والشخصيات وغير ذلك، أو كل ما يقرأ نظريا يضيع لحظة الكتابة. لا أظن – في تجربتي على الأقل – أنني لا أفكر في التقنيات بل التقنيات هي التي تنشأ أثناء الكتابة لأن هناك ذاكرة نصية وذاكرة أسلوبية تطفح على سطح الكتابة دون تفكير.
في الرواية كنت أكثر حرية، لأن فضاء الرواية وفضاء الأدب هو أساسا فضاء الحرية ولا يمكن أن توجد فيه ممنوعات والحق أن المخطوط الأول كان متمتعا بدرجة عليا من الحرية حتى في المشاهد التي تمس بالحس العام، أو التي قد تمس بصورة الأكاديمي، ولكن هناك مواقع وظيفية ممكن أن تصدر من وصف لمشهد حميمي في رواية بمثل تلك الإيروسية وهذا أمر نبهني إليه أصدقاء لأني قدمت إلى بعضهم قراءات قبل الصياغة النهائية. وأصدقك القول أني مارست بعد ذلك الرقابة الذاتية وصنصرة لبعض المواضع في العمل.
• هل تألمت من الرقابة الذاتية والصنصرة؟
لا، لم أتألم البتة، لأسباب عديدة، السبب الأول لأننا لا نكتب لأنفسنا فقط، لأن عملية الكتابة هي عملية تخاطب لذا بعض المشاهد إذا مست أناسا تثق في انفتاحهم الفكري، وفي معرفتهم بالأدب وخاصة بمعرفتهم بالمجتمع، إذا مستهم ووجدوا فيها ما يدعو فيها إلى الخجل فلا فائدة من البطولة في تقديم أشياء قد تبدو من باب إنشاء الفضيحة، أنا ابحث عن رواية تمتع ولا أبحث عن رواية تثير الفضائح.ولكن كتبت تلك المقاطع لأنها جاءت في سياقها.
• لماذا اخترت النشر في الخارج وليس في تونس؟
«دار التنوير» هي تونسية مصرية لبنانية، لأن النشر في تونس مشكلته الكبرى هي التوزيع، فلا يصل الكتاب إلى العالم العربي ومن يكتب لا يكتب للتونسيين فقط، ومن يكتب هو يكتب لأكثر من 300 مليون قارئ محتمل. هذه نقطة والنقطة الثانية أنني أخذت درسا من صديقي وأستاذي حسين الواد، فروايته التي وصلت إلى «القائمة القصيرة» لجوائز «بوبكر»، حتى ذهب إلى الإمارات كانت جميع الروايات قد بلغت من المبيعات خمسين ألف نسخة إلا رواية حسين الواد لم تكن موجودة، السبب ليس في دار النشر، بل التوزيع لأن الكتاب التونسي لا يصل، لأن السوق التونسية ضيقة وهناك معضلة كبيرة، ليست معضلة النشر كما يقال ولكن معضلة التوزيع.
وعلى الدولة هنا إذا كانت بالفعل تريد أن تدافع عن الثقافة التونسية، وما أسميه بالاستثناء التونسي، عليها أن تقوم بدورها وتتجاوز دعم الكتاب وشراء الكتب وغير ذلك، لأن هذا يفسد السوق...
• هل تعتبر وزارة الثقافة مقصّرة مع الكاتب التونسي؟
ليست وزارة الثقافة ولكن الدولة التونسية، فهناك أيضا وزارة الخارجية، فهناك بعثات دبلوماسية لا توجد لديها خطة لايصال الكتاب التونسي ليس هناك سوق حقيقية للكتاب التونسي. وهذا يجعل الكاتب يمتنع عن الكتابة لأنه كتابه لم يصدر، قلّما نجد نقدا له، قلما نجد صحافة تونسية تهتم بالكتاب الاهتمام الضروري، قلما نجد نقادا صحفيين.
• كيف تقيّم الساحة الثقافية والفكرية في تونس؟
وضعية الساحة الثقافية والفكرية اليوم في تونس جيّدة، نلاحظ مثلا في مجال الكتابة وفي السينما... نجد الحركية والرغبة في التعبير، وهذا مهم لأن في الوضع الجديد الذي نعيشه قد تحررت الأقلام... في الآن نفسه نجد أن الفوضى العارمة التي تعيشها في حياتنا تنعكس على حياتنا الفكرية والسياسية والثقافية. ولكن الأمر المهم أن جميع التيارات وقفت عند حدودها. مثلا اليوم عندما نتحدث عن الصراع العلماني الإسلامي.
أين الكتابات التي تعبّر عن هذا الصراع؟ مثلا كتب الإسلاميون، الذين تطوروا كثيرا من خلال (على الأقل) النقاشات حول الدستور في تونس أن هناك تحولات حقيقية على الأقل في الخطاب، ولكنها غير مستندة إلى تنظيرات. لنأخذ اليسار، ماذا أنتج اليسار من فكر؟! يتحول اليساريون اليوم باسم المصلحة الوطنية والوفاق إلى وطنيين بمعنى «الوطنية والقومية». أو يتخلون عن مفاهيم، دكتاتورية البروليتاريا أو غير ذلك، هل توجد تنظيرات، لذلك المدونة الإيديولوجية محدودة جدا ورغم ذلك هناك حيرة وبلبلة ونقاش أعتقد أنها مهمة ويمكن أن تُخرج شيئا جديدا..
• هل قمتم بنقد ذاتي لمؤسستكم الجامعية باعتبارك مسؤولا على رأس الجامعة؟
النقد الذاتي هو عمل مستمر بالنسبة إلى الأكاديمي وبالنسبة إلى المؤسسات، لكن المشكلة أنه لا توجد ضمن مؤسساتنا الجامعية آليات، أو ما يسمى بالتقييم الداخلي. هذا التقييم الداخلي مرحلة ضرورية ضمن التقييم الخارجي، او ما يسمى بجودة التعليم العالي. المشكلة في تونس أن في منظومتنا التعليمية الجامعية أن جميع القوانين تنص على هذا لأنها جزء من المعايير الدولية ولكن واقعيا حتى القانون الموجود بكل مساوئه غير مفعّل يعود ذلك إلى أن العلاقة بين سلطة الإشراف أي الوزارة والجامعات ثم بين الجامعات والمؤسسات كانت علاقة قائمة على مركزية مفرطة زمن الاستبداد أما بعد 2011 فإن ما وقع هو التفكك لهذه المنظومة فلم تعد الوزارة قادرة على السيطرة على المؤسسات وغير قادرة بالخصوص على الإيفاء بالتزاماتها في إزاء الجامعات، والجامعات نفس الشيء.
إذن لا بد من إعادة صياغة العلاقة بين هذه المكونات الثلاثة داخل المنظومة الجامعية، أي المؤسسة التي تسدي خدمات معينة.. وبين الجامعات وبين الوزارة.
إلى الآن مر 3 وزراء في حكومات مؤقتة ولا وزير له مشروع وتصور عن إعادة هيكلة المنظومة الجامعية.
• ما هي المقترحات التي تطرحها على وزير يريد تغيير المنظومة الجامعية؟
المقترحات كثيرة ليس هذا اللقاء كافيا، أقول لك القضية الأساسية والكبرى في المنظومة الجامعية التونسية، هي ما كنت قد ذكرت وهي إعادة صياغة العلاقة على نحو يطابق المعايير الدولية للتعليم العالي والسعي الفعلي إلى تأسيس جديد للجامعة التونسية يزيل عقبة التفكك داخل المنظومة ويقدّم مشروعا بالفعل يستطيع أن يجدد هذه المنظومة ويدفع بها إلى الأمام، إذن المقترحات التفصيلية لا فائدة من ذكرها ولكن المهم هو وجود حوار مجتمعي حقيقي حول أي جامعة نريدها طبقا للمعايير الدولية لأن المشكلات المطروحة اليوم تعود أغلبها إلى قضية طالما كتبت عنها وطالما تحدثت عنها ولكن لا توجد الآذان الصاغية وهي استقلالية الجامعة.
استقلالية الجامعات تفهم أحيانا بطريقة خاطئة ولكنها في المعايير الدولية هي حجر الزاوية لما يسمى بالحريات الأكاديمية. وهو مصطلح دقيق وله انعكاسات عديدة، نحن نفهم الحريات الأكاديمية عادة على حرية البحث والكتابة.. ولا وجود لممنوعات إلى آخره، هذا جزء هيّن وبسيط، لأنك إذا وضعت قيودا أمام البحث فإنك قتلت الجامعة ولكن أهم من هذا هناك جوانب أخرى في المفهوم وهو التسيير التشاركي بين مختلف الفاعلين في الفضاء الجامعي، بالإضافة إلى الاستقلالية الحقيقية للمؤسسات الجامعية وللجامعات.
• ما معنى الاستقلالية؟
الاستقلالية تعني استقلالية القرار الجامعي وتعني أيضا هيكليا إيجاد سلطة فعلية لرئيس الجامعة في الانتداب، انتداب الأساتذة والأعوان... بعث المشاريع داخل الجامعة وإحداث المؤسسات وتمكين الوزارة من سلطة إشراف فعلية، الوزارة واقعيا لا تشرف على شيء، إذ المسألة دائما تطرح من ناحية مادية لكن المعمول به حتى الآن التمويلات الممكنة الذاتية التي تستطيع أن تستجبيها الجامعات والمؤسسات بنفسها، القوانين الموجودة الآن تعطلها. إذن المسائل التي ينبغي التفكير فيها ويمكن إدراجها ضمن مشروع للنهوض بالتعليم العالي وضمن إرادة سياسية حقيقية هي مسألة «ما معنى استقلالية الجامعة؟» وهذه الاستقلالية ينبغي أن نعرف جميعا أنها المدخل الأساسي لما نص عليه الدستور الجديد من الحريات الأكاديمية.
• ماذا قدّمت جامعة منوبة للبحث العلمي؟
هنا أيضا نعود لسؤال التقييم، إذ أن اجابتي ستكون اجابة حدسية أكثر منها إجابة مدعمة بالأرقام وغير ذلك، عموما جامعة منوبة تتميز أساسا بأقطاب علمية وكل قطب علمي له إضافات معمقة في البحث، أشهر هذه الأقطاب هو قطب الانسانيات التي هي أساسا كلية الآداب، ولكن ننسى أن لكلية الآداب انتاجها العلمي في مستوى الماجستير وفي مستوى الدكتوراه في مستوى بحوث أساتذتها هو من أهم ما يوجد في تونس وفي المؤسسات الجامعية التونسية. وأنجبت كلية الآداب أعلاما اليوم يسيرون الحياة الثقافية في تونس ويشعون أيضا على العالم العربي وخارج العالم العربي.. ولا ننسى أيضا أن جامعة منوبة فيها المؤسسة الوحيدة لتدريس الإعلام ولتدريس الصحافة وعلوم الأخبار، كذلك لها مؤسسة متميزة وهو معهد التوثيق، ولا توجد في البحوث التوثيقية أهم مما ينتج في جامعة منوبة إلى آخره..