Follow by Email

lundi 6 octobre 2014

الانكسارات المبهجة لليسار التونسي...

عن رواية "الطلياني" للكاتب التونسي شكري المبخوت
جريدة " الشعب بتاريخ 2 أكتوبر 2014 

بقلم ناجي الخشناوي



سطّر الكاتب شكري المبخوت روايته "الطلياني" (دار التنوير للطباعة والنشر بلبنان)، بهندسة لغوية اخترقت بمختلف الصراعات، الذاتية أو الثنائية أو الجماعية، السياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية والفكرية لزمن الحكاية. غير أن هذه الهندسة تنفلت من أطرها المضبوطة بالأيام والأشهر والسنوات، ولا تنضبط إلى
 مرحلتها تلك بقدر ما يمنحها الكاتب أفقا يمتدّ إلى ما نحن فيه اليوم. فسطوة زمن الكتابة، كتابة الرواية، لا يأكل الوقت الفاصل، فقط، بين زمن الحكي وزمن الكتابة، بل هو يتغذّى منه وينمو على دقائق التفاصيل التي نعيشها في راهننا رغم أنه توقّف "في أواخر شهر جوان أو بداية شهر جويلية من سنة 1990 ". ويكفي أن نطالع عناوين فصول الرواية (12 فصلا) ليلتبس علينا ما حدث وما يحدث، ونتبيّن أنّ الخيط شفيف جدا بين "فجر السابع من نوفمبر" و"الربيع العربي"، بين قدوم بن علي وهروبه. وواضح أن الكاتب شكري المبخوت تخيّر جيّدا عناوين الفصول وشحنها بدلالات وإحالات يستحيل معها فهم ما حدث بعد 14 جانفي 2011 دون الرجوع إلى مارس 1986 عندما عقد الإسلاميون ما سموه "مؤتمر الحسم" ودون الرجوع إلى يوم 7 نوفمبر 1987. فــ"الزقاق الأخير" قد يكون تنبّه إليه الطلياني في أحاديثه مع "سي عبد الحميد" في فصل "السكّة المقفلة"، وقد يكون "مفترق الطرق" فيما نعيشه اليوم، خاصة بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي، قد يكون ذاك الحدث الفارق الذي حدث في فصل "المنعرج" عندما لم ينضبط "الرفيق عبد الناصر الطلياني" لتعليمات "الرفيق الأستاذ المحامي ص.ق"... وقد يكون فصل "رأس الدرب" ذاك الذي يتعرّى فيه الطلياني ويطرح العقدة النفسية وما ولّدته من عُقد لاحقة أحرقت بيادر التفاؤل التي حرثها طيلة سنواته الثلاثين وهو محاط بالجهل المقدّس، قد يكون هو عصب الرواية ومنتهاها أو هو "الحلم المستعصي" لدى الكاتب شكري المبخوت... فوحدها لحظة المكاشفة كفيلة بالخلاص... وحدها الكفيلة بتحرير الفرد لذاته. فالطلياني الذي يستبسل في حلمه بتحرير الآخر، المجتمع، يفشل في تحرير ذاته، وهذه أم المعضلات لدى اليسار التونسي، هذا اليسار "الذي يجسّ في مزابل اللينينية والستالينية العفنة"، مثله مثل الإسلاميين الذين يريدون تحرير الأمة وهم "يقدسون الأفكار المحنّطة، أفكار مدرس تربية إسلامية محدود الذكاء، أو معلم من أرياف مصر ولا يقدسون الخالق.".
وان جاز لنا التأويل، حول التباس زمن الحكي بزمن الكتابة، فقد نجد محملا له داخل الرواية، فعبد الناصر سيصبح صحفيا لامعا بفضل المشكلة/المفتاح بينه وبين "سي عبد الحميد" المدير العام لأعرق صحيفة حكومية، وهي مشكلة "مطابقة الأزمنة" التي كانت جسرا للطلياني ليتحوّل من مجرّد مصحح أخطاء بالجريدة إلى أبرز صحافييها رغم مقص وعيون الرقيب أبو السعود. فمطابقة الأزمنة في الفرنسيّة (
La concordance des temps) وإن كانت دلالاتها لغوية صرفة، إلا أنها لا تخلو من الإشارات البعيدة لالتباس زمن الرواية وزمن كتابتها. إنّ وجه رواية "الطلياني" التحوّل من نظام بورقيبة إلى نظام بن عليّ ولكنّ قفاها ما تعيشه تونس الثورة من محاولة اغتصاب لحلم الحرّيّة يجد جذوره في تلك الفترة التي اختارها الكاتب إطارا لروايته.
وتماما مثلما نُلقي الحصاة الصغيرة وسط بركة الماء الهادئة لنتلهّى بمتابعة الدوائر وهي تتناسل متوسّعة لتؤوب إلى نقطة البداية، دفع الكاتب التونسي شكري المبخوت الحكي على لسان راويه من نقطة النهاية لتتوسّع دوائر الحكي وسياقاته، فلا نتلهّى بمتابعة الدوائر بقدر ما نتورّط فيها ونحن نتقفّى نهاية هذا "الطلياني" الذي جعل من حركة العنف التي أتاها في المقبرة، "علكة يلوكها أفراد العائلة... وتستذكرها الجارات... ويستعيدها أبناء الحي".
ويمنحنا الكاتب شفرة راويته منذ البداية، الإمام الشيخ علاّلة الدرويش، لكنّه يأسرنا بسلاسة السرد وتناسل الأحداث والمتغيّرات، يبني منها متواليات من المستغلقات تحول دون فك هذه الشفرة إلا عندما نبلغ "رأس الدرب"، الفصل الأخير، فنكتشف ساعتها نسق الدائرة العكسية التي كتبها شكري المبخوت عندما شرع يرسمها من "الزقاق الأخير". فمن المقبرة، التي ندفن فيها عادة أسرارنا وأوجاعنا انفتح "الصندوق الأسود" لعبد الناصر.ع أو "الطلياني"، ومن المقبرة أيضا ستفوح روائح الجثث... جثث اليسار واليمين وما يجمعهما من مدّ وجزر، جثث المتصاحفين والمتثاقفين منحدرين في قذارتهم... ستفوح رائحة بقايا نظام بورقيبة المستأسد... وتفوح رائحة "جثة" زين العابدين بن علي و"عهده المبارك" منذ "فجر التغيير"... ستفوح كل الروائح العطنة وسط مربع جغرافي واضح المعالم والحدود (تونس العاصمة تحديدا) وستنتشر ذات الروائح في مثلث زمني مرعب لكأنه مثلّث بارمودا (من 1986 إلى 1990)...
تفوح كل الروائح العطنة ولا تبقى سوى رائحة "للاّجنينة" شفرة مضادة يستجير بها الطلياني وتستجير به. ويتركنا شكري المبخوت مقطّعي الأوصال أمام هذا الطلياني: أواحد هو أم متعدّد... أمنّا ومن واقعنا، أم هو من خيال الكاتب... أنحبّه أم نكرهه... أنتعاطف معه ونشفق عليه أم نتشفّى منه... أنغار منه ونحسده أم ننكره ونتبرّأ منه...
الشخصية الرواية
دون استعراض لغوي مفرط أو مفضوح لكاتب متمرّس باللغة، متنا وحواشي، وبقدرة فائقة على السرد المتأني والسّلس، يشرع الكاتب في رسم ملامح البطل الذي استحوذ على عنوان الرواية ومتنها. ومثل المخرج السينمائي يستخدم الكاتب شكري المبخوت تقنية "ترافلينغ" (
Travelling) الورائي ليشكّل "هويّة" عبد الناصر الطلياني من زوايا مختلفة ويرسم ملامح البطل الذي استحوذ على عنوان الرواية ومتنها، فهو "رماد" لوقار الحاج محمود والده، وهو مثل "هبّاطة" الميناء و"بانديّة" الحي بسرواله الدجينز وسترته الدّنقري... وهو أيضا "كافر" بسبب "الكتب الفاسدة التي كان يقرؤها منذ صغره، كتب تدعو إلى الكفر والفساد والعياذ بالله" مثلما تصفه أخته جويدة، وخو أيضا مثلما يعترف هو بنفسه "إنني لا أصلي ولا أصوم"، وهو حسب أمّه "ولد حرام" لم يفلح سوى في خُلطة السوء من صعاليك الجامعة، وهو بوهيمي لدى خاله، متأصّل فيه الفساد الأخلاقي... وحدها "للاّ جنينة"، الشفرة الثانية في الرواية، انتصرت له عندما قالت: "لو كنت مكانه لفعلت أكثر ممّا فعل". ولن نفهم موقفها إلا بإنهاء الحكاية/الرواية عندما نكتشف القاسم المشترك بينها وبين "الطلياني"، الذي سيعترف لنا، في حوار باطني، بأنه يرى حياته "مسارا من التلاشي والخيبات والخيانات الصغيرة والتبريرات الحقيرة"... حياة غيّر مسارها علاّلة الدرويش بآلته المعطّلة، وبها أيضا غيّر مسار "للاجنينة"... هكذا هم دائما الضحايا ينتصرون لبعضهم البعض...
الغزارة المشهدية
يجد قارئ رواية "الطلياني" نفسه أمام كتابة سينمائية محكمة البناء، بحبكتها وأزمتها وانفراجها، بالحركة البطيئة أو السريعة للكاميرا. ورغم أن السرد يستأثر بالمساحة الأكبر إلا أنه كان دوما دافعا نحو الحركة في نسقها التصاعدي المفخّخ بالانعطافات اللامنتظرة. فالكاتب شكري مبخوت كتب روايته بالكاميرا، وحرص على بناء هيكلها بطريقة المقطع/المشهد، وفي سرد أحداثها على الحركة المتوالية، وفي رسم الشخصيات اعتمد على وصف الخارجي وتحريك الداخلي.
إن رواية "الطلياني" تمثّل نموذجا قويا للرواية/المشهد، رواية نبصرها ونشاهدها أكثر مما نقرأها، رغم أن الكاتب ظل يدور في فلك السينما التونسية، فالفضاءات المغلقة مثّلت الأمكنة الرئيسية في الرواية، وهي من أهم ميزات السينما التونسية، كما أنها تحيل على المدينة العتيقة كما في أغلب الأفلام التونسية.
رواية الطلياني، كانت أيضا احتفالية باذخة، مثل الأفلام التونسية، بالجسد وبكل ما هو دوينيزوسي، ويكفي أن نشاهد/نقرأ حركات عبد الناصر وهو يدلك ظهر زينة في الحمّام، (في الصفحة 239). فالتصوير الدقيق والحركات المتأنية في هذا المشهد لا يحيلان على الغريزي بقدر ما تتدفّق فيهما الصورة لتعيد الاعتبار للجسد. فالمشهد يبدو مناجاة صاخبة، رغم الصمت، بين الظهر واليد، أو هو لحظة بعث لوجود آخر وتأسيس لفلسفة الماهية. ولئن استوعب هذا المشهد، كغيره من أغلب المشاهد، العمق السينمائي إلا أنه أنتج السيمياء الخاصة به في وحدته ونظامه أفليست "السينما الحقيقية هي التي تصنع الحلم، تحكي لك حكاية أين منها بلادة غودار وأمثاله" (الطلياني صفحة 155).
ومثلما تتحرك كاميرا السينما التونسية في مواجهة واقع معقّد ومتحرّك، حرّك الكاتب شكري المبخوت قلمه في مواجهة نفس الواقع بعقده النفسية والاجتماعية والسياسية والفكرية. فزنا المحارم الذي تعرضت له زينة بسكين اللحم العائلي، والاغتصاب الذي طال الطلياني من الإمام مثلا بؤرة السرد في الرواية والفعل القادح لمَا ترتّب بعده من أفعال وسلوكيات ومواقف. لكنّ الاغتصاب يتجاوز، في الرواية، بعده الجسدي لينفتح على الاغتصاب السياسي (التنظيمات السياسية المتكلسة) والاغتصاب الفكري/الثقافي (الواقع الصحافي المتصحّر والمنضبط لسلطة الرقيب) والاغتصاب الاجتماعي (العلاقات المهترئة والهشة)...
ذاكرة تأبى المصادرة
مثّلت الذاكرة، المادة الرئيسية في رواية الطلياني. فالكاتب شكري مبخوت استعاد أجواء الثمانينات والتسعينات بأدق تفاصيلها ولحظاتها الفارقة، في التأسيس والتدمير على حد السّواء. بيد أنّ الذاكرة المستعادة تتجاوز النوستالجيا والحنين لزمن ما أو مكان ما أو شخص بعينه، بل هي ذاكرة تخترق زمنها وأمكنتها وشخوصها وتتحرر من سلطة الجدران...
ذاكرة ثلاثية الإبعاد، ذاكرة يسترجعها الراوي والبطل، وذاكرة يسترجعها ويكتبها الكاتب وينقذها بخياله الروائي فلا يجعل التأريخ والتوثيق يستحوذان عليها، ولا يترك الرواية تستأثر بها أيضا. وكأن شكري المبخوت يأبى أن تُصادر ذاكرته وذاكرة الجيل الذي عاشه رغم أزمة الخطاب وأزمة الممارسة التي لازمته أو التبست به. وهنا يكبح الكاتب جماحه واندفاعه، ليقدّم ضمن روايته "درسا" في النقد الذاتي والنقد الموضوعي والمراجعات الفكرية والسلوكية عبر شخصية الطلياني التي رسمها وقدّمها للقارئ في روايته بعيدا عن التوصيفات الانتصارية أو البطولية، وأيضا دون الوقوع في الانهزامية، وهذه أيضا من نقاط ارتكاز وقوة الرواية. فشكري مبخوت صنع ما يشبه "ملحمة" بشخصية عبد الناصر التي لا نقدر على تبين الخيط الفاصل فيها بين انتصاره وانكساره... فهو مثل لاعب النرد، يخسر قليلا ويربح قليلا، غير أن السياق العام للرواية يشي منذ بدايته بخفوت الوهج، وهج اليسار ووهج القيم ووهج الأحلام... خفوت لم يُقبره الكاتب تماما... مثلما لم يُقبر الطلياني أفكاره وقيمه، وإن بدت ذاهبة نحو مصيرها طيلة الرواية. 
تنمو الحركة السردية في رواية الذاكرة، بين زمن أوّل تعلو فيه الحركة والفعل وزمن ثان للتأمّل ومراجعة الذات في صمت. وتلعب الذاكرة وظيفة تجميع وتنظيم تفاصيلها. وعندما يكتمل المشهد نكتشف أن الأسماء تنفلت من كونها علامات لغوية عابرة في سياق سردي، لتحيلنا على شخصيات من لحم ودم عاشت فترة الثمانينات والتسعينات وتأقلمت مع متغيراتها كل على طريقته، بين الانصهار وقبول الاحتواء أو البقاء على الربوة والهامش... وهي شخصيات تعترضنا اليوم، بعد "الربيع العربي"، فنتهجّى الكثير من ملامحها وتفاصيلها مثلما نحتتها رواية "الطلياني".


1 commentaire:

Nadiah a dit…

Très bel article et belles captures du sens et des sens!
كيف نحرر الآخر دون أن نحرر ذواتنا؟

Question fort pertinente et qui résume notre malheur entant que citoyen et en tant qu'humain!