Follow by Email

vendredi 3 octobre 2014

خارج الإطار الزماني لرواية "الطلياني"



عرفتُ الجامعة خارج الإطار الزماني لرواية "الطلياني" لشكري المبخوت، أي في العشرية الأولى من هذا القرن، لكن بقايا روائح وألوان ما تحدث عنهُ الراوي كنتُ قد عشتُها في كلية الآداب بمنوبة، بل ربما كنتُ شاهدًا، كما كان الراوي –وهو عميد الكلية حينها- على حالة الاحتضار التي كانت تعيشها الحركة الطلابية، فأي من الخُطباء لا يُذكرني بطلياني المبخوت، لا في هيأته ولا في خطاباته، أما زينة الفيلسوفة فحلمٌ بعيدُ المنال.

لا أعرفُ حالة صخرة سقراط بكلية الحقوق، لكني أعرفُ أن الخطباء في ساحة كلية منوبة كانوا مدعاةً للسخرية أو الإشفاق عند عموم الطلبة. الرفيق الذي شارف على الأربعين يصيحُ أو يزعقُ فينا غاضبٍا يائسًا، يُخاطب جماهير الطلاب التي لم تتجاوز عشرة طلاب أو "أنفار" بلغة البوليس الجامعي الذي كان علينا تحيتهُ كُل صباح، أغلبهم من الرفاق، يُخبر عن بطولات طلبة كليتنا، قلعة النضال التي أهداها كما يقول لتونس "القائد الزعيم صدام حسين
". يذكر أسماء لم نكن نعرفها، رغم تكرار ذكرها في كُل الاجتماعات العامة تقريبًا، "حمة الهمامي"، "عز الدين زعتور"...يفضحُ ممارسات وفساد نظام بن علي وزبانيتهُ، من الطرابلسية وصولاً إلى الحجامة. 

تُعجني جرأتهُ، لكنني كنت في حركة لا إرادية كلما تجرأ على النظام ورجاله، أنظُر قلقًا إلى الواقفين بجانبي، فربما يكون أحدهُم مخبرًا عند سي عُثمان، يُسجلُ أسماء الطلبة الذين حضروا الاجتماع، أو حتى بدا عليهم الاهتمام بما يقول هذا الرفيق.

 إنهُ خوف جيل كامل مُصاب بعمى الألوان، جيل وقع تهجينهُ كي لا يرى إلا اللون البنفسجي. كذلك هو خوف أنبنى على ما كنا نسمعهُ من خيانات بعض الرفاق، فذاك الذي يسُب النظام صباحًا مساءً، تبين أنهُ قواد سي عثمان. أما ذاك الخطيب البارع، المُهلهل الثياب، فهو يناضل كما ذكر لي أحد الرفاق من أجل شراء صوته بوظيفة في سلك التعليم. 


الفقرُ كافر وطاقة الإنسان على التحمل محدودة، لكن سقطات الرفاق تبقى دائمًا مؤسفة وُمُخيبة. من صخرة سقراط ورفاق حلقات النقاش الفلسفية إلى كرسي جريدة حكومية ورفقة سي عبد الحميد. من طلياني يُضرب المثل في قدرته على فضح النظام إلى مُصحح أو بالأحرى مُرقع لعورات ذاك النظام. من زينة الفيلسوفة الناقدة للجميع والمُتأففة عن أفكارهم المُحنطة حد التقديس، إلى زينة أنانية، ربما أكثر أنانية من أي نظام ليبرالي كانت تنتقدهُ، فلم تنفع في الواقع مطالعاتها الكثيرة عن الاشتراكية، ولا معرفتها بفلسفة الأنوار. من رفيق يفضحُ فساد رجال النظام في ساحة كلية الآداب بمنوبة إلى رفيق يغشُ في قاعة الامتحان.

رواية الطلياني رسمت صورة لتناقضات مُجتمع كامل، تبدأ بتناقضات المسيرة الشخصية لأبطال الرواية، أي تحديدًا الطلياني وزينة، رغم أننا لا نفهم بصفة كلية أسباب سقوطهما، فهل هي حقًا الحاجة المادية رغم تواصل مساعدات الأخ صلاح الدين أو "الدوائر المالية العالمية" -كما يسميه الطلياني- أم هي النعرة الرجولية الشرقية التي لم تقتلها كل الكتب التحررية في أن الرجال قوامون على النساء؟ 

وزينة لماذا اتسمت بكل هذه الأنانية مع زوجها أو حتى صاحبها، وهي التي لم تكن تنظر إلى الصداق إلا على أساس أنهُ إجراء قانوني؟ هل هو طموحها الجارف؟ أم أن للأمر علاقة بحادثة "ليلة سكين اللحم"؟ هل جعلتها هذه الحادثة تحتقر كُل الرجال حتى حبيبها الذي لم يبخل عليها لا بالحب ولا بالمال، بل ربما كانت بداية سقوطهِ أو تدجينهِ من أجل عينيها؟

في خضم مسيرة سقوط أبطال الرواية يُقدم لنا المبخوت تشكيلة من التناقضات الاجتماعية الحادة، فيكشف في غُرفة صلاح الدين، ومنزل للا جنينة... زيف المُحافظة الظاهرية التي يدعيها المُجتمع. كما يكشف من خلال شخصية العنيّن الشيخ علالة الإمام عن النفاق الإيماني لرهط كبير من العُبّاد.

لئن وقع تكثيف الجانب الشبقي أو الجنسي في الرواية-حد المبالغة في بعض الأحيان- فإنهُ يُعبر عن بُعد جمالي وقدرة هائلة على الوصف. كما أنهُ يعبر عن مشكلة مزمنة وتناقض أساسي عاشهُ ومازال المُجتمع التونسي، أي المسألة الجنسية، فتعرُض بطلي الرواية إلى تحرش جنسي في مرحلة الطفولة، يؤكد أهمية هذه المسألة في طرح الراوي.


 لم تفلح عملية التحديث التي عاشها المُجتمع التونسي في التخفيف من حالة الكبت الجنسي، بل أن هذا التحديث الجزئي قد عمّقها. فالجسد المُشتهى خرج من المنزل، وأصبح في مرمى نظرات رواد المقاهي، المُتأوهين حينًا والمُحترقين 
أحيانًا أخرىمن جمال تلك الصبية، هؤلاء الذين يُحبون أن يغزوا في مُغامراتهم الليلية كُل الأجساد الحرة، لكنهم عند الزواج يريدون جسدًا مُغلقًا بالشمع الأحمر.

في نفس الإطار لعل الراوي أراد من خلال حادثة تحرش الأستاذ الجامعي بطالبتهِ زينة، أن يبرز أن حالة الكبت المرضي هذه، ليست حكرًا على فئة مُعينة: ريفية كانت أم حضرية، جاهلة أو مُتعلمة، بل هي سُوسة تنخر المُجتمع بكُل طبقاته وفضاءاته، من مِيضَأة الجامع إلى حرم الجامعة.

لم تكن نهاية الرواية حاسمة لا في مصير الطلياني  أو في مصير زينة، بل رُبما يُلمح الحديث عن مسار الطلياني في منتصف التسعينات، إلى جزء ثاني من الرواية، فرغم ضحالة عشرية التسعينات -على الأقل من وجهة النظر السياسية- فهناك دائمًا ما يدون، خصوصًا في تطوير سي عبد الحميد ومن معهُ لفنون عديدة من فنون التمجيد، الترقيع والتشويه. 

كذلك فإن ماكينة طحن الذكاء وتحطيم الناجحين لم تتعطل إلى اليوم، فالبطاقة عدد 3 مازالت ضرورية لأي وظيفة. أستاذ زينة مازال مكتبهُ مفتوحًا لكُل الطالبات. مُجتمعات النفاق مازالت تحافظُ على توازناتها وقوانينها المافيوية. أما الرفاق الصادقون –والخائنون- فمازالوا يصيحون "خبز حرية، كرامة وطنية".

الكيخوتي
03 أكتوبر 2014

Aucun commentaire: