Follow by Email

mercredi 22 octobre 2014

«الطلياني» لشكري مبخوت رواية الانكسارات وألذّ الخسارات....

مقال شكري الباصومي بجريدة "الصحافة" بتاريخ 22 أكتوبر 2014

منذ البداية كشف المبخوت عن نواياه : القادح شاب يحدث صدمة ورجة في المقبرة يوم دفن والده حين انهال ضربا وشتما على الإمام علالة حتى أدماه . رافضا الإعتذار، قائلا لمن لامه : « تعرف كما يعرفون أني لا أصلّي ولا أصوم"
ويشرع الروائي في تقديم تفاصيل حول شخصية عبد الناصر كما يصفه محيطه ضحية الكتب الفاسدة وأصدقاء السوء وهو بوهيمي فاسد الاخلاق يعاقر الخمر اما هو كما رد على والده ذات حنق : « لا سيد لي....لقـد تركت لكم أخلاق العبيد".
لماذا هاج عبد الناصر وفعل فعلته التي أدانها الجميع ؟ ولماذا خنس الإمام ولم يرد ؟
لماذا غفل الروائي طيلة مساحات من الرواية عن العودة إلى الموضوع وكأنه عرضيّ وأوغل في رسم ملامح شقيق عبد الناصر الذي أورثه بعض خصاله وايضا محل سكنى
و« الخطوات الاولى » في مدرسة الجسد .
الطلياني كان فتنة ، وجماله استثنائي وهذا مهد له الروائي لنعيش معه لوحات عشق راقية ومتنوعة كأنها فصول من الـ « كاما سوترا » لكنها بمذاق يساري طعّمه الروائي بمفردات دينية موغلة في تضاريس الجسد وتمفصلاته الباذخة .
بكل اللغات
الرواية ليست تأريخا لبعض الفترات بالجامعة التونسية ولا لصفحات من نضالات اليسار وصراعه المزدوج مع السلطة الحاكمة وخصومها من اليمين. وان كانت تعبق بتفاصيل مهمة عما جرى ، حتى خلنا شكري المبخوت قد حن لتلك الاجواء وكاد ينساق مع تلك التفاصيل بأسلوب يكاد يلامس التقرير. « الطلياني » الذي « توحمت أمه على فتيات الراي اونو » هو « المصمصة الاخيرة كما تقول أمه » مفتخرة به...
من كان يتوقع ان الفارس اليساري المعتز بنفسه المؤمن بأن اليسار هو المنقذ وزينة التي تعرف عليها طالبة لبؤة بالف رجل ....من كان يصدق انهما ضحيتان للإغتصاب ؟
زينة ما زالت تذكر « السكين من اللحم يخترقها » وعبد الناصر لم يغفر لمن حاول اغتصابه فعلته حتى وان كانت « آلته معطوبة » كما قيل له للتهوين عليه....
احلام مجهضة ....وأجساد مغتصبة كما الافكار.....
عالم خصب رتع فيه شكري مبخوت كما شاء وتنقل من محور الى آخر يقوده راو غامض يظهر ويختفي وفق مشيئة الكاتب الذي كان سيدا ساردا ...
عالم الافكار والصراعات السياسية وعالم الصحافة وايضا ملحمة للجسد بامتياز.....
الجسد حمال الانكسارات والفتوة، هو مخبر بل مجال لامتصاص كل الخيبات لكنه ايضا عالم الأحلام المتجددة ...
لم يكن شكري المبخوت وهو يتقلب بين  « حريم الطلياني » يتابع سيرة تائه يلهث وراء تعويض ما ضاع انما كان يؤسس لعالم من السحر ...عالم الفتنة والاحتفال بالجسد....
من خبرة للا جنينة الى  اليسارية العنيدة زينة الى طراوة السويسرية الفاتنة انجليكا الى استاذة التربية البدنية الى فارعة الجمال ريم...عالم يعبق شهوة وشبقا وطراوة....
لقد تفنن شكري المبخوت في هذا العالم الذي استغله افضل استغلال ليمزج التأوهات بعذابات الحاضر :
شبق بكل لغات الأزمنة بدءا بـ « العُسيلة » وفي ذلك إحالة على الحديث النبوي أي المضاجعة بلذة....وأصله :
"
حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته » وأيضا  « اجعلوا القبلة رسولا بينكم ».....أو قوله : «كان يتدرب عليها يوميا يتحكم في فرسه حين تجنح أو يدعوها إلى الصهيل حتى يبلغ بها سدرة منتهى ....اللذة ...».
كأنها براق....لأن « سدرة المنتهى » كما وردت في القرآن كانت تخص واقعة الاسراء.
 
بل إنه استغل المقولات الفلسفية ليثري عالمه الشبقي : « لا ينزل الى نهر اللذة مرتين الا اذا اختلف النهران» .
هذا المخزون اللغوي غرف منه المبخوت مدللا على عمق ثقافته فهو ستشهد بـ  « الخورنق والسدير» ويوظف عجزا من شعر المنخل اليشكري  :
«
وأحبها وتحبني وتحب ناقتها بعيري ».
وكذلك قوله :
 «
فاذا سكرت فانني رب الخورنق والسدير ..وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير».
ولقد استطاع المبخوت التوفيق بين معجمين مختلفين وألف بينّهما بامتياز....
لغة عريقة وامثال وظفها وعربها وهذبها لتستحيل مقولات راقية ....وقد حفلت الرواية بها :
«
لماذا يشتري  بقرة والحليب متوفر في السوق ؟ » أو « الجار اوصى عليه الرسول »...أو  « كان لسانه يغزل الحرير »  أو «خذها من شبعان إذا جاع» .... أو «الماء يجري تحت رجليه »....أو «لا سبيل لترك الديك سارحا بين الدجاج ».
انكسار
رواية « الطلياني» هي رواية الانكسار فعبد الناصر وزينة اليساريان القويان الحالمان  افترقا . وتحطمت احلامهما على واقع لا يمتلكانه ومثلما انتقدت زينة اليسارية اليساري عبد الناصر قبل طلاقهما ساخرة : «مناضل طبقي وزعيم طلابي يأكل جراد البحر ويعيش عيشة البورجوازية ».
ثم تهاجمه من جديد وقد صار رئيس تحرير جريدة رسمية : « تعمل كلب حراسة في أحد أجهزة النظام الإيديولوجية» . ولم ينس هو الآخر أن ينتقدها : « دنيا والله مناضلة يسارية تمد يدها يوم العلم لتتسلم من السفاح بن علي جائزة  رئيس الجمهورية».
لم يكن الانكسار والأحلام المغتصبة حكرا على اليسار بل كان رموز النظام المأزومين .
وكانت زينة اليسارية الشرسة تهاجم رفاقها واليمينيين ممن تصفهم بـ  « الخوانجية » :
«
لستم مختلفين كثيرا عنهم فلكل جهله المقدس وأصوله الكاذبة » . وفي موقع آخر :« تتحدثون عن هوية ميتة لا تعرفونها »...
ولعل الجملة القادحة والتي كشفت عن هشاشة الطلياني اصطدامه بعالم لم يكن يعرفه...
عالم المعيشة وتكاليفها : « اكتشف ارتفاع الاسعار الذي كان يتحدث عنه  في الجامعة ولا يعرفه » .
ويمكن القول ان المبخوت قد أمسك بتلابيب السرد ونجح في ترويض اللغة  لكن كثرة المنعرجات في الرواية من نقد للجامعة وعفنها وكذلك دنيا القذارة في عالم الصحافة... حكمت على المبخوت ان يذعن لها وهذا ما يبرر طول الرواية النسبي...
ويمكن القول إن  « الطلياني » أعلنت عن ولادة روائي يحذق فن القص ...رغم غموض الراوي وحضوره المتقلب وغير المفهوم أحيانا في الرواية.
شكري الباصومي


1 commentaire:

Anonyme a dit…

ce roman a été choisi roman du mois sur ce site
http://arabic.babelmed.net/
félicitations