Follow by Email

samedi 18 juillet 2015

«الطلياني» للتونسي شكري المبخوت…تذبذب مفهوم الرواية!


مبروكة علي
 القدس العربي، يوليو 10, 2015

بعيداً عن جائزة البوكر قريباً من حاجتي للقراءة، قرأت رواية «الطلياني» لشكري المبخوت مع أنني لا أنكر أن مثل هذه الجوائز تمارس تحريضاً ما عليّ بوصفي قارئة، لأبحث مبهورة بسطوتها عن سؤالي المعتاد عن هذه الرواية أو تلك التي فازت.
«الطلياني» عنوان الرواية نسبة لبطله (عبد الناصر) الشاب اليساري الذي أفرد له المبخوت جملة من الصفات الخالية من أي تشويه يذكر وأنكرَ عليه أي إحساس بالنجاح أو الاستقرار، أمّا أحداث الرواية فتدور فترة الثمانينيات أو أواخرها، تحديداً فترة إنهاء حكم بورقيبة وانقلاب بن علي، أو ما يُعرف تونسياً (تحول السابع من نوفمبر/تشرين الثاني) حيث الصراعات السياسية على أشدها والقبضة الأمنية محكمة. يدخل بك المبخوت عالم السياسة عبر أحداث كثيرة وسرد أكثر من الأكثر، إضافة لعوالم أخرى كالصحافة أنىَّ انتقل ببطله (عبد الناصر)، يشتغل ضمنها ويكتب مقالات تبارك انقلاب بن علي وعالم الثقافة أو لنقل عالم اللاثقافة لوشئتَ أيها القارئ.
الشخصيات متعددة، لبعضها حضوره الواضح والبعض الآخر بدا كالشبح… البطل (عبد الناصر) الشاب اليساري جميل الصفات، إضافة إلى مجموعة الشخوص المحيطة، كالأم المرأة المتسلطة والأب المتفاهم والأخ الأكبر الخبير الاقتصادي، وزينة الشابة اليسارية المتمردة، الخارجة عن أي ضابط واللاجنينة أولى تجارب عبدالناصر الجنسية، وصولا إلى نجلاء، الشخصيات كثر، تحضر بأدوارها المختلفة، الضرورية أحيانا والمسقطة أحيانا أخرى. الكاتب أيضا كان له حضوره حين نصبَّ ذاته راوياً عليماً بالأحداث، في حين أننا على امتداد ثلاثمئة وخمسين صفحة لم نره إلاَّ في مشهد واحد يتيم.
القارئ لرواية «الطلياني» خصوصا القارئ التونسي، سيشعر بأن الأحداث في بعضها تهمه، أقصد الصراع السياسي والحركة الطلابية تحديداً، ما دون ذلك تذهب الرواية في السرد الكثيف لا المكثف باللغة، حدَّ الشعور بأنك تركض خلف الكاتب، تركض حدَّ اللهاث فقط كي لا يفوتك شيء من تلك الأحداث الكثيرة التي شاء لها أن تكون، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المبخوت أدمج العامية التونسية ضمن النسق السردي، وأظنه نجح في ذلك.
السرد تتخلله الكثير من الحوارات، غير أنّها بانت خالية من أي حياة تذكر، باهتة، كأنَّ الشخوص تتحدث لبعضها بعضا وكل منها (عاطي بظهره للآخر) عكس ما يفترض للحوار أن يكون عليه ضمن النسق السردي من بث للحياة في أرواح الشخوص وإعطاء مصداقية أكثر للأحداث.
المبخوت ولإحياء شخوصه جعل لها حياة جنسية، ولأكن صادقة، أفرد لها مساحات شاسعة عبر وصف أولى تجارب «الطلياني» مع اللاجنينة زوجة علالة، وهو مايزال مراهقا وهي المرأة كاملة الأنوثة التي تكبره بمراحل عمرية وحياتية، إضافة إلى تجارب البطل مع زينة ونجلاء في ما بعد.
الجسد له بعدٌ ثابت ضمن التركيبة البشرية، ولعلي لا أبالغ إذا ما قلت: إن حياة البشر دونه أمر يستحيل وهذا لا علاقة له بالأخلاق ولا الفضيلة ولا غيرها بقدر ما هو إقرار بكافة أبعاد هذا الكائن الذي يسمى إنسانا، توظيف هكذا مفهوم يحتاج قدرة على الغوص فيه والأخذ به ضمن تفاصيل الحسية والروحية، وإلى غير ذلك مع المحافظة على قداسة غموضه الشهية.
«الطلياني» في جانب منها كانت عبارة عن سرد لمجموعة من المشاهد الحميمية فبانت كأنها (إباحية)، خلت من تلك الروح المفترض توفرها للجسد كعنصر ثابت في التكوين البشري، وهو ربما جعل الرواية تتجه إلى الملل والعسر في القراءة، إلى الدرجة التي يشعر فيها القارئ بعدم الرغبة في مواصلة فعل القراءة.
ما يعابُ على «الطلياني» أنَّ أسلوب السرد التقريريّ الذي فصل بين زمن الكتابة وزمن القصّة فصلا واعيا وكليا، يتبينه القارئ في كل لحظة من الرواية، ويجعله لا يعيشها كما ينبغي للرواية أن تُعاش، وإنما يعيشها كما يعيش الأحداث التاريخية التي قد قرأها في كتب ابن خَلدون والطبريّ مثلا . لا يصوّر شكري المبخوت المحادثات وإنما يقدّم تقريره عنها. لا يصف حالة الشخصيات في أقسى لحظات انفعالاتهم، رغم إطنابه في الوصف والتشبيه وبديع القول، وإنما يلخّص ذلك أو يجعلك تشعر بذلك. بدت القصة أشبه بمجموعة ملخصات طويلة لا تسمح للقارئ بأن يعيش القصة كما ينبغي، وإن سمحت له باكتساب صورة دقيقة عنها.
هذا الأمر انعكس على الخاتمة التي جاءت على الرغم من فجاعتها وتوقعها رتيبةً ومملةَ وغيرَ قادرة على غفران كل تلك الترهات من السرد غير المبرر والتصوير الباهت للشخوص والأحداث، حيث بالغ المبخوت في الاحتفاء بها، وأظن السبب في هذه الخاتمة المتوقعة المعتلة هو أسلوب السرد نفسه الذي اتخذه الكاتب، حيث باعد بين الرواية والقارئ.
رغم اتساع الفكرة الأساسية للرواية ـ الحركات الطلابية والصراع السياسي زمن القبضة الأمنية وقبل ما عرفته الدول في الربيع العربي ـ وجماليتها وغموضها وما تثيره من الافتراضات التحليلية والسياسية وغيرها فإنها أفلتت من يد الكاتب ليشغلَ السرد لمجرد السرد، فجاءت الرواية مخيبة للآمال، خصوصاً من كان يتوقع منها ملامسة تلك الجوانب الخفية، التي تبدو غامضة بالنسبة لعامة الناس.
في ختام قراءتي أخرج بالكثير من الأسئلة التي قد تبدو بعيدة عن الرواية ولكنها تتقاطع معها ..هل يدرك المثقفون اليوم حقا هذه التحولات التي طرأت في مجتمعاتهم؟ هل يفهمون حاجة مجتمعاتهم لفهم تلك الجوانب المخفية ضمن الحياةالعامة؟ هل هم قادرون على ملامسة واقعهم وإعادة خلقه من جديد، أذكر مرة دخلتُ في نقاش مع شاعر سوري، يكتبُ النقد أيضاً فقال: «الكاتب الحقيقي راوياً وشاعراً هو الذي يأخذ واقعه معه، يرتفع به ويهبط به، ويفعل بالقارئ ذلك، يجره إلى مرتبة الخيال، ليعيد بالخيال نفسه إنتاج واقع محايث وآخر حقيقي».
كم نحن بحاجة إلى هؤلاء الكتّاب الذينَ يعيدون إنتاج ذاتنا من خلال الواقع والخيال معاً.



Aucun commentaire: