Follow by Email

mercredi 22 juillet 2015

معشوق النساء...الراوية التي رفعت الإمارات عنها الحظر


غونتر أورت
 ترجمة: يوسف حجازي، قنطرة 2015 ar.qantara.de
الأديب التونسي شكري المبخوت يقدم بروايته "الطلياني" عملا يكشف آليات مرحلة بن علي وتعسفاتها، ونال مستحقا الجائزة العالمية للرواية العربية "جائزة البوكر" لعام 2015. المترجم الألماني غونتر أورت قرأ الرواية باللغة العربية ويشبّه أسلوبها العربي، في استعراضه التالي للرواية لموقع قنطرة، بـ "نبيذ معتّق ثمين لا نجده اليوم سوى عند قلة من الكتّاب".
مَنْحُ جائزة البوكر العربيَّة لسنة 2015 للأديب التونسي شكري المبخوت غير المعروف من قبل فاجأ حتى ممولي الجائزة الخليجيين، فكتابه كان محظورًا في الإمارات العربيَّة المتحدة إلى حينه، ولكن ولتجنب أيِّ حرجٍ إضافيٍ تمَّ رفعُ الحظر بسرعةٍ عن الكتاب بعد نيله الجائزة. بيد أنَّ جاذبيَّة ما هو ممنوع زادت فضول التعرُّف على ما كاد يكون محجوبًا عند جزءٍ من القراء العرب.
وأول ما نتعلمه من هذا الكتاب أنَّ الرجال الوسيمين في تونس يُسمَّون بالطليان. وعليه نجد عبد الناصر محور رواية "الطلياني" الذي تتودد له النساء باستمرار، يظهر بشكلٍ لافتٍ في أولى صفحات الرواية أثناء دفن والده أمام موكب المشيِّعيِن، ويضرب بغضبٍ جنونيٍ الإمام الذي يصلي للتو على والده ضربًا مبرحًا. هذا التصرف الأرعن الذي قام به عبد الناصر المُعلِن إلحاده ظل في البدايةِ أمرًا مخجلاً وغير مفهومٍ لجميع الحاضرين.
البحث عن السلام الشخصيّ
نتعرف على الشخصيَّة الرئيسة بعد ذلك بصفتها شخصًا يساريًا حالمًا متطرفًا وناشطًا سابقًا يتصالح تدريجيًا وبمرور السنين مع الأوضاع القائمة في تونس، ولكنه يبحث عبثًا عن سلامه الشخصي.
تتمحور الرواية من الناحية التاريخيَّة على مرحلة حكم الحبيب بورقيبة مؤسس الجمهوريَّة التونسيَّة (وحاكمها حتى 1987) وصولاً إلى سنة 1990 وترسيخ رئاسة زين العابدين بن علي الذي كان قد انقلب على بورقيبة. ولكن شكري المبخوت يصف هذه الفترة الزمنيَّة بتفصيل ودقّة يسهِّلان إلى حدٍّ بعيدٍ فهم النقاشات والنزاعات في بلدِ انطلاق الثورات العربيَّة سنة 2011، بحيث تدفع القارئ إلى استشعار قدوم الثورة. 
العيش في دولة زين العابدين بن علي البوليسيَّة: يقدم شكري المبخوت للتونسيين خدمةً جليلةً عبر استعراضه آليات مرحلةِ بن علي، بينما يضع بين أيدي القرَّاء روايةً مفهومة عالميًا تتحرك بين توثيق دولةٍ أمنيَّةٍ والسقطات العاطفيَّة الخاصة بـ "ناصر" بطل الرواية.
لا يضير المبخوت عدم انصياعه لإغراء الكتابة عن الفترة اللاحقة وعن طرد بن علي بعد هبَّة الشعب التونسي، إذ لا بد من انتظار بضعة أعوام بعد، حتى تأتي الرواية العربيَّة المثلى التي سوف تروي أحداث سنة 2011 ، حيث أنَّ التحولات في البلدان العربيَّة لم تنتهِ بعد، كما لم تصِل تونس إلى برِّ الأمان بالرغم من بعض الإنجازات الديمقراطيَّة.
إلا أنَّ شكري المبخوت يقدم للتونسيين خدمةً جليلةً عبر استعراضه آليات مرحلةِ بن علي، بينما يضع بين أيدي القرَّاء روايةً مفهومة عالميًا تتحرك بين توثيق دولةٍ أمنيَّةٍ والسقطات العاطفيَّة الخاصة بناصر بطل الرواية. وهي رواية عصريَّة بامتياز، ورواية عربيَّة غير نمطيَّة، والجدير هنا بالذِّكر أنَّ جلَّ الروايات العربيَّة غير نمطيَّة، لكننا لا نكاد نجدُ في الغرب من يلاحظ ذلك.
لغويًا تشبه نبيذًا معتقًا غالي الثمن
يقوم الكتاب على سرد أجواء الحكاية وتطور الشخصيَّة الرئيسة، وأيضًا على تكلـُّف وصف الراوي ودقته المفرطة أحيانًا بحيث لا يوفر جهداً في التفاصيل والمجازات والتناص في جمله الانسيابيَّة الطويلة والمنظّمة بإحكامٍ على الدوام.  لغته العربيَّة تشبه نبيذًا معتقًا ثمينًا لا نجده اليوم سوى عند قلةٍ من الكتَّاب، وبالرغم من ذلك لم يخفِ الكاتب النكهة المغاربيَّة، حيث استخدم كلماتٍ وعباراتٍ متأصلةٍ في شمال إفريقيا.
يصبح عبد الناصر أحد قيادات الحركة الطلابيَّة اليساريَّة المتطرفة في الجامعة، ويستشرف وقوع مواجهاتٍ مع قوى الإسلام السياسي المتنامية ومع أجهزة الدولة على حدٍّ سواء، لذا يبقى دوره الاجتماعي هامشيًا. لكن في الحركة السياسيَّة تكمن حركة العالَم، وإلى هذا العالَم تدخُل زينة طالبة الفلسفة القادمة من الأرياف، وتغدو من منظـِّري الحركة، فيُعجب عبد ناصر بجمالها الأمازيغي وأطروحاتها التجريديَّة والمنطقيَّة والمُحكَمة في الوقت نفسه. نقاشاتٌ في نظريات بيير بورديو في علم الاجتماع تدور بين الطلبة مثلها مثل النقاشات بخصوص الموقف من ماو أو لينين بوصفها شخصياتٍ تسترشد بها الثورة العالميَّة أو تفضي بها إلى طريق التيه.
النقاشُ بين عبد ناصر وزينة حول ما إذا كانت علاقتهما علاقة حب يحتل جزءًا كبيرًا من الرواية، حيث لدى زينة تحفظات، فهي مثقلةٌ بعد تعرُّضها لاغتصابٍ همجيٍ، تتهم والدها وأخاها باقترافه. لكن لكي تستطيع التدريس في الجامعة بعد التخرج يتحتم عليهما أن يتزوجا، فيعقدا قرانًا مدنيًا. وكما يمكن التوقّعُ، يزداد اغتراب بعضهما عن بعض باضطراد، ولكن بشكلٍ مؤلمٍ وبطيء.
تآخٍ مع أهون الشرور
يصبح عبد ناصر صحافيًا في إحدى الصحف الحكوميَّة، ولا يستطيع أن يبقى فيها مستقلًّا، إذ تدفعه الرقابة نحو اتخاذ مواقف ملتويةٍ مهينةٍ. بيد أنَّ التهديد الإسلاموي المتنامي دفع بمثقفين كثرٍ نحو التآخي مع النظام وجعله يظهر بصفته أهون الشرَّين. وحتى زينة المتطرِّفة سابقًا تمسي من المعجبين بـ "المنقذ" زين العابدين بن علي.
ثورة منطلقة من فوهة البندقية: في الحركات الراديكالية تكون الحركة هي كل العالم، وإلى هذا العالَم تدخُل زينة طالبة الفلسفة القادمة من الأرياف، وتغدو من منظـِّري الحركة، فيُعجب عبد ناصر بجمالها الأمازيغي وأطروحاتها التجريديَّة والمنطقيَّة والمُحكَمة في الوقت ذاته.
وأثناء استعداد زينة لامتحانات القبول، يتقرب عبد ناصر من ابنة عمها نجلاء، فينشأ عن ذلك ثاني قصة حب كبيرة في الرواية، وكذلك أطول وأجرأ مشاهد حب في الأدب العربي الحديث وأكثرها شاعريَّة في آن. فعليًا تنشأ علاقة شائكة ثلاثيَّة الأطراف، لن يُكتب لها بدورها سوى الفشل.
وبينما تتغيَّر الأجواء في تونس، حيث تزداد سطوة المجرمين ويستقطب الإسلامويون بالمساجد المتزايدة باطراد أعدادًا متزايدة من الناس، تعلم زينة أنها لم تنجح في الامتحان. ولا تتمكن من إقناع إدارة الجامعة بأنَّ فشلها لا يعود سوى إلى رفضها الانصياع لرغبات الأستاذ الجامعي الجنسيَّة، فكان هذا الإذلال الماحق العامل الحاسم بالنسبة لها لكي تدير ظهرها لتونس، فتتوجه إلى باريس حيث ينتظرها عشيقٌ طاعنٌ في السن، يحبها بتفانٍ، لكنها تضطر لأجله أنْ تتخلى عن حلمها الكبير بالعمل الأكاديمي. كما يتحطم في الوقت نفسه حلم عبد ناصر الأخير بالحب الناجح.
بعد فشل العلاقة البديلة مع نجلاء يختلُّ سلوك ناصر أكثر فأكثر. فريسته الأخيرة طالبة شابة يحاول ربطها به من خلال وعودٍ بالنجاح المهني. إلا أن غزوته الغراميَّة تصاب بفشلٍ ذريعٍ، عندما يستيقن مشهدًا من طفولته يُفسِّر للقارئ أيضًا مشهد المقبرة الذي ورد في مطلع الرواية.
تفشل الشخصيات الرئيسة في هذه الرواية بسبب استحالة الحب، وبسبب الظروف السياسيَّة والاجتماعيَّة. وقد قدَّم شكري المبخوت من خلال رواية "الطلياني" عملًا فاز بجدارة بالجائزة الكبرى لهذا العام.



شكري المبخوت: "الطلياني"، رواية عربية صدرت في القاهرة سنة 2015، 344 صفحة.

Aucun commentaire: