vendredi 3 octobre 2014

خارج الإطار الزماني لرواية "الطلياني"



عرفتُ الجامعة خارج الإطار الزماني لرواية "الطلياني" لشكري المبخوت، أي في العشرية الأولى من هذا القرن، لكن بقايا روائح وألوان ما تحدث عنهُ الراوي كنتُ قد عشتُها في كلية الآداب بمنوبة، بل ربما كنتُ شاهدًا، كما كان الراوي –وهو عميد الكلية حينها- على حالة الاحتضار التي كانت تعيشها الحركة الطلابية، فأي من الخُطباء لا يُذكرني بطلياني المبخوت، لا في هيأته ولا في خطاباته، أما زينة الفيلسوفة فحلمٌ بعيدُ المنال.

لا أعرفُ حالة صخرة سقراط بكلية الحقوق، لكني أعرفُ أن الخطباء في ساحة كلية منوبة كانوا مدعاةً للسخرية أو الإشفاق عند عموم الطلبة. الرفيق الذي شارف على الأربعين يصيحُ أو يزعقُ فينا غاضبٍا يائسًا، يُخاطب جماهير الطلاب التي لم تتجاوز عشرة طلاب أو "أنفار" بلغة البوليس الجامعي الذي كان علينا تحيتهُ كُل صباح، أغلبهم من الرفاق، يُخبر عن بطولات طلبة كليتنا، قلعة النضال التي أهداها كما يقول لتونس "القائد الزعيم صدام حسين
". يذكر أسماء لم نكن نعرفها، رغم تكرار ذكرها في كُل الاجتماعات العامة تقريبًا، "حمة الهمامي"، "عز الدين زعتور"...يفضحُ ممارسات وفساد نظام بن علي وزبانيتهُ، من الطرابلسية وصولاً إلى الحجامة. 

تُعجني جرأتهُ، لكنني كنت في حركة لا إرادية كلما تجرأ على النظام ورجاله، أنظُر قلقًا إلى الواقفين بجانبي، فربما يكون أحدهُم مخبرًا عند سي عُثمان، يُسجلُ أسماء الطلبة الذين حضروا الاجتماع، أو حتى بدا عليهم الاهتمام بما يقول هذا الرفيق.

 إنهُ خوف جيل كامل مُصاب بعمى الألوان، جيل وقع تهجينهُ كي لا يرى إلا اللون البنفسجي. كذلك هو خوف أنبنى على ما كنا نسمعهُ من خيانات بعض الرفاق، فذاك الذي يسُب النظام صباحًا مساءً، تبين أنهُ قواد سي عثمان. أما ذاك الخطيب البارع، المُهلهل الثياب، فهو يناضل كما ذكر لي أحد الرفاق من أجل شراء صوته بوظيفة في سلك التعليم. 


الفقرُ كافر وطاقة الإنسان على التحمل محدودة، لكن سقطات الرفاق تبقى دائمًا مؤسفة وُمُخيبة. من صخرة سقراط ورفاق حلقات النقاش الفلسفية إلى كرسي جريدة حكومية ورفقة سي عبد الحميد. من طلياني يُضرب المثل في قدرته على فضح النظام إلى مُصحح أو بالأحرى مُرقع لعورات ذاك النظام. من زينة الفيلسوفة الناقدة للجميع والمُتأففة عن أفكارهم المُحنطة حد التقديس، إلى زينة أنانية، ربما أكثر أنانية من أي نظام ليبرالي كانت تنتقدهُ، فلم تنفع في الواقع مطالعاتها الكثيرة عن الاشتراكية، ولا معرفتها بفلسفة الأنوار. من رفيق يفضحُ فساد رجال النظام في ساحة كلية الآداب بمنوبة إلى رفيق يغشُ في قاعة الامتحان.

رواية الطلياني رسمت صورة لتناقضات مُجتمع كامل، تبدأ بتناقضات المسيرة الشخصية لأبطال الرواية، أي تحديدًا الطلياني وزينة، رغم أننا لا نفهم بصفة كلية أسباب سقوطهما، فهل هي حقًا الحاجة المادية رغم تواصل مساعدات الأخ صلاح الدين أو "الدوائر المالية العالمية" -كما يسميه الطلياني- أم هي النعرة الرجولية الشرقية التي لم تقتلها كل الكتب التحررية في أن الرجال قوامون على النساء؟ 

وزينة لماذا اتسمت بكل هذه الأنانية مع زوجها أو حتى صاحبها، وهي التي لم تكن تنظر إلى الصداق إلا على أساس أنهُ إجراء قانوني؟ هل هو طموحها الجارف؟ أم أن للأمر علاقة بحادثة "ليلة سكين اللحم"؟ هل جعلتها هذه الحادثة تحتقر كُل الرجال حتى حبيبها الذي لم يبخل عليها لا بالحب ولا بالمال، بل ربما كانت بداية سقوطهِ أو تدجينهِ من أجل عينيها؟

في خضم مسيرة سقوط أبطال الرواية يُقدم لنا المبخوت تشكيلة من التناقضات الاجتماعية الحادة، فيكشف في غُرفة صلاح الدين، ومنزل للا جنينة... زيف المُحافظة الظاهرية التي يدعيها المُجتمع. كما يكشف من خلال شخصية العنيّن الشيخ علالة الإمام عن النفاق الإيماني لرهط كبير من العُبّاد.

لئن وقع تكثيف الجانب الشبقي أو الجنسي في الرواية-حد المبالغة في بعض الأحيان- فإنهُ يُعبر عن بُعد جمالي وقدرة هائلة على الوصف. كما أنهُ يعبر عن مشكلة مزمنة وتناقض أساسي عاشهُ ومازال المُجتمع التونسي، أي المسألة الجنسية، فتعرُض بطلي الرواية إلى تحرش جنسي في مرحلة الطفولة، يؤكد أهمية هذه المسألة في طرح الراوي.


 لم تفلح عملية التحديث التي عاشها المُجتمع التونسي في التخفيف من حالة الكبت الجنسي، بل أن هذا التحديث الجزئي قد عمّقها. فالجسد المُشتهى خرج من المنزل، وأصبح في مرمى نظرات رواد المقاهي، المُتأوهين حينًا والمُحترقين 
أحيانًا أخرىمن جمال تلك الصبية، هؤلاء الذين يُحبون أن يغزوا في مُغامراتهم الليلية كُل الأجساد الحرة، لكنهم عند الزواج يريدون جسدًا مُغلقًا بالشمع الأحمر.

في نفس الإطار لعل الراوي أراد من خلال حادثة تحرش الأستاذ الجامعي بطالبتهِ زينة، أن يبرز أن حالة الكبت المرضي هذه، ليست حكرًا على فئة مُعينة: ريفية كانت أم حضرية، جاهلة أو مُتعلمة، بل هي سُوسة تنخر المُجتمع بكُل طبقاته وفضاءاته، من مِيضَأة الجامع إلى حرم الجامعة.

لم تكن نهاية الرواية حاسمة لا في مصير الطلياني  أو في مصير زينة، بل رُبما يُلمح الحديث عن مسار الطلياني في منتصف التسعينات، إلى جزء ثاني من الرواية، فرغم ضحالة عشرية التسعينات -على الأقل من وجهة النظر السياسية- فهناك دائمًا ما يدون، خصوصًا في تطوير سي عبد الحميد ومن معهُ لفنون عديدة من فنون التمجيد، الترقيع والتشويه. 

كذلك فإن ماكينة طحن الذكاء وتحطيم الناجحين لم تتعطل إلى اليوم، فالبطاقة عدد 3 مازالت ضرورية لأي وظيفة. أستاذ زينة مازال مكتبهُ مفتوحًا لكُل الطالبات. مُجتمعات النفاق مازالت تحافظُ على توازناتها وقوانينها المافيوية. أما الرفاق الصادقون –والخائنون- فمازالوا يصيحون "خبز حرية، كرامة وطنية".

الكيخوتي
03 أكتوبر 2014

vendredi 26 septembre 2014

طلياني شكري المبخوت كاماسوترا بنكهة يسارية

مقال للصديق لطفي عيسى في مدوّنته "خربشات    Griffonnages

لست أدري ما الذي دفعني حيال قراءة رواية "الطلياني" لشكري المبخوت، وهو عمل روائي أول غاص بمبضع جراح ماهر في سمك سياقات الثلث الأخير من القرن الماضي، عارضا على قراءه وضمن سردية قصصية محكمة الحبك، "نثارا من [سير] جيل الخسارات المبهجة والأحلام المجهضة" تونسيا، إلى استعادة أحداث رواية الكاتب المغربي محمد الأشعري "القوس والفراشة"؟
فلئن غاب التواشج بين مضمون الحكايتين، فإن السياقات الزمنية المربكة التشابه لا يمكن أن تخطئها كل عين متدبّرة. يكفي أن تُعرض تلك السياقات على الإضاءة المركّزة، حتى نكتشف كبوات جيل ضائع أضناه التأرجح أزلا بين عالمين متخالفين دون فكاك أو رحمة.
فالفاجعة التي نزلت على رأس "يوسف الفرسيوي" المناضل اليساري ذي الأصول البربرية الألمانية حال فقدانه لفلذة كبده "ياسين" الذي راح ضحية انتسابه إلى الجماعات الإرهابية بعيد انتقاله إلى باريس لمزاولة دراساته الهندسية وتوجّهه بغتة للقتال بجبال أفغانستان حيث قضى نحبه، لا يكن أن لا  تعيدنا إلى الدوافع الحقيقة التي كانت وراء خروج المناضل اليساري "عبد الناصر" عن طوره يوم تشييع جنازة والده الوجيه "الحاج محمود"، لما انهال أمام أعين الحاضرين ضربا مبرّحا وتقريعا مقذعا على الشيخ "علاّلة" وهو من تولى إتمام مراسم لحد والده ووجيه رأس درب.
بين أحضان ريحانات متقلبات الطباع والسجايا أمضى عبد الناصر المشهور بـ"الطلياني" و"يوسف الفرسيوي" حياتهما المفتوحة على احتمالات لا متناهية، عكست تحولات مسارهما الشخصيين وتطورات السياقات التاريخية التي كيّفت طموحاتهما وحدّدت إخفاقاتهما أيضا.
تتعدد محطات قطار حياة عبد الناصر ضمن متاهة الرواية المكانية التي شيّدها شكري المبخوت بين أزقة وشعاب، ومنعرجات، وأروقة، ومنحدرات، وثنايا، ومسالك، وسكك، ومفترقات، ودروب، ومضايق وطن التونسيين، تقابلها تحولات سيرة يوسف الفرسيوي في علاقتها بالانقلاب الكلي الذي عاينه مشهد مربع الدار البيضاء - زرهون - الرباط ومراكش على إثر حصول التناوب وصعود ملك المغرب الشاب إلى سدة الحكم.
ما مدلول التحولات التي طالت فكر اليسار ونضاله جنوب المتوسط؟ ما المعنى الذي يمكن أن تكسبه المقاومة ضمن مجتمعات اجتاحتها العولمة، وشارفت على فقدان سيادتها في غفلة تامة من شعوبها؟ ما قيمة الحرية داخل مجتمعات تعاني الهشاشة المادية والنفسية، وتدار من خلال تشغيل ثقافة الوصاية وتأجيل الاعتراف بحرية الأفراد ريثما يتم الانتهاء من معركة النماء واللحاق بركب الأمم المتحضرة؟
ثم ما حقيقة القول بانغلاق قفص الهامشية على حياة المحسوبين على نخب المعرفة والرأي؟ وما وتيرة تدرّج تأثيم النجاح الفردي وانقلابه إلى ما يشبه الخطيئة الأصلية، حيث يتدحرج المثقف إلى مجرد عابث أسود يندفع قدما نحو سقوط مدوي في مستنقعات الرداءة والدناءة المعمّمتين؟
تقريظ على معنى الرثاء أو لعبة الكاماسوترا بنكهة يسارية، هو على الحقيقة العنوان الذي نعتقد اختزاله لمضامين حكايات قصها علينا كلا المؤلفين دون عجل، نقلتنا من مضاجعة الابن الضال والزعيم اليساري عبد الناصر لربة الصون والعفاف "للاّجنية" إلى معاشرة الفيلسوفة البربرية "زينة" والاستمتاع بغنج السويسرية "أنجيليكا" الفاتن والاهتبال بمتعة الخيانة الزوجية صحبة أستاذة التربية البدنية "نجلاء" والاغتباط بضم طالبة الفنون الفارعة الطويل "ريم" إلى سجل عشيقاته. يقتفي يوسف الفرسيوي في قوس محمد الأشعري وفراشته المفتون على شاكلة المناضل اليساري عبد الناصر بصاحبة الجلالة، نفس المسالك المظلمة متنقلا بين زوجته الرضيّة "هنية" وصديقته الخبيرة فاطمة وعشيقته المطلّقة ليلي.
اختار المؤلفان عن قصد الحفر في التحولات المتلاحقة التي عاينتها حداثة الدولة الوطنية المعلنة وذلك من نافدة التطورات الفارقة التي طالت مسارات حَدِيَّة، اعتقد أصحابها وبقدر غير قليل من السذاجة أن قدر قطار النضال من أجل تحقيق قيم الحداثة وفقا لمبادئ الاشتراكية الماركسية، سبيل معلومة من المستحيل أن تحيد عن مسارها قيد أنملة. فكان اصطدامها بالواقع المتقلّب مفزعا حوّل مسارات حياتها إلى ما يشبه تراجيديا فاجعة لأبطال مأساة اجتماعية تعمّد المؤلفان بعناد مهرة الرواة الحفر في ثناياها الملتويّة والتكشّف على إنسانيتها المربكة وبطولتها الموهومة وإخفاقاتها المستجّلية لطباعها البشرية.
جنوب المتوسط حيث زرقة السماء وعافية الماء يجثم فكر الجماعة الوصي على خضوع الجميع لبرد اليقين المعدم لنعمة الشك والتساؤل، لا فكاك من القبول بأنصاف الحلول المعدّلة بدهاء على عقارب ساعات تشبه حركاتها دورات الطبيعة الأزلية. لا يسار ولا يمين لا حرية ولا عبودية لا مواطنة ولا رعية لا إفراط ولا تفريط، اعتدال فجّ ومخزن يعيد إنتاج نفسه بمنتهى الدهاء والمكيدة. رحلة في عطالة الفكر والروح، نجوس عبر منعطفاتها في عاصف ذكريات عبد الناصر من مختبر تنشئته العائلية ورفاق نضاله في الجامعة ومستنقع الصحافة الموبوء الذي ساقته الظروف لمعاشرة دينصوراته، لكي نصل في الأخير إلى انكسار ألواح أشرعته وأزف روحه النزقة على صخرة الاعتداء الفاحش على طفولته الغضة.
نفس تلك الأقدار تضع بطل رواية محمد الأشعري أمام مساره العاثر الذي دفع بابنه الوحيد ياسين إلى السقوط في مخالب الإرهاب، وإصراره العبثي على استحضار روحه قصد مساءلتها بخصوص الدوافع التي جرت وحيده إلى اقتراف رزيّة بذلك الحجم من دون الحصول على شفاء للغليل. فر الفرسيوي من فجيعته المتمثلة في فقدان أمه الألمانية التي قررت بعد أن رافقت والده لسنين وضع حد لحياتها عند موقع ولّيلي الأثري المصاقب لمرقد شريف الأدارسة بزرهون، ليجد نفسه مغدورا في فلذة كبده المنتسب لخفافيش الظلام ومدبري الجرائم الإرهابية. تحت سماء الكيد المعمّم واللعنة الأبدية تعيد الحكايتان رسم عبثية أقدار من أصابوا قدرا من المعرفة متشوّفين إلى رسم أفق مفارق. يغرق والد يوسف الفريسوي في العمى بعد أن يخسر واسع الثروة والجاه، متحوّلا إلى دليل سياحة مجنون يطوف بزائريه في أركان موقع أثري مهيب، تماما مثل ما اضطر "سي عبد الحميد" مدير الصحيفة الرسمية التي آوت عبد الناصر مصحّحا مبتدأ فصُحفيا لامعا، إلى التفريط في إنسانيته في خوف مريع وجبن مخزي إلى شياطين المخزن وزبانيته. ينغلق قفص الهامشية على ذوات قلقة يدفعها مصيرها الحالك قسرا دون رضا إلى الشعور بالصغار والمهانة، فراشات ترقص في زهو حذو اللهيب المستعر لتتلظى بألسنته وتسقط في الدرك الأسفل من نيرانها.
تقريظ عبثي لمفتعل الأفراح ومسترق اللذات يتسلل من تجاويف مشاهد الحانات المعربدة والغرف المغلقة التي تغشاها روائح الانعاض وتعرّق الأجساد المتلويّة من فرط الالتحام وتدفق صنابير الشهوة، لكي يفتح أعيننا على جسامة تكلّس فكر النخب اليسارية تونسيا وغربته المؤذنة بفساد مادته طول عشرية ثمانيات القرن الماضي الحالكة. كاماسوترا باذخة تذكّرنا بأجواء "ديكامرون" بوكاش و"ساتيركون" بيترون الفاجعة، تلك التي يندفع أبطالها تحت مفعول خوف مدمّر في طواف هستيري وجنوح ماجن إلى الهروب إلى الأمام حيث لا فكاك من السقوط في الهاوية.
رواية شكري المبخوت البكر تشريح مفزع بنكهة شبقية لسياقات انحدار "نخب" اليسار الرثة تونسيا، "نخب" لم تبرح الوقوف عند محطات لم تعد تصلها بقطار اللحاق بالأمم المتحضرة أية سكة.                                        

dimanche 14 septembre 2014

شكري المبخوت وروايته الأولى التي قرأتني !

مقال الكاتب محمّد المصمولي بجريدة "الصحافة"
 بتاريخ 14 سبتمبر 2014


ليس من غاية هذه الكلمة ان تكون تحليلا او دراسة لرواية الدكتور شكري  المبخوت التي صدرت أخيرا بعنوان «الطلياني» وذلك لان هذا الركن الصحفي لا يتسع لمثل تلك المهمة وانما اردت بهذه الكلمة ان اقول فقط ان الرواية  المشار اليها قد «قرأتني»  بحجم صفحاتها التي تجاوزت الـ (340)  صفحة  من دون ان تسمح لي بالانصراف عنها او الذهاب في سبيل حالي الى غيرها من مشاغلي اليومية او غير  اليومية.
 ...نعم فهذه الرواية  قد «قرأتني»  كما قلت شأنها في هذا شأن عدد محدود جدا ونادر جدا من الروايات الجيدة التي يتصفحها القارىء فإذا بها تفرض عليه من حيث يدري او لا يدري ان يخضع لاوامر فتنة أسلوبها ولذة  نصها وغواية المواصلة لاحداثها شوقا الى معرفة مصائر  شخصياتها  او ابطالها المتحركين على بياض الصحفات بحيوية متدفقة... وطموحات متناقضة...
 ... ولقائل ان يقول متسائلا :
 - «....كيف يمكن لرواية اولى من تأليف باحث جامعي مختص او يتوفر فيها هذا السحر ومتعة النص والقدرة  على التأثير في القارئ؟
 .. واجابتي هي ان الكتب الجيدة التي «نقرأ»   قارئها هي الكتب التي تكون في المجال الاكاديمي جامعة  بين موضوعية  العلم وذاتية الفن كما في كتب الدكتور طه حسين مثلا او تكون في المجال الابداعي.. جامعة بين لذة العقل والشعر والذوق الرفيع  (كما في كتب الاستاذ محمود المسعدي مثلا).
 ... صحيح ان رواي)  التي نحن بصددها هي باكورة الانتاج الابداعي الى  حد الآن للاستاذ الجامعي شكري المبخوت الذي عرف بكتبه العلمية حول (المعنى المحال)  و(انشاء  النفي) و(الاستدلال البلاغي)وما الى ذلك من المواضيع والمسائل لكن الاصح هو ان هذا الجامعي المتألق «بتواضع العلماء»  في عضويته بعديد هيئات تحرير مجلات محكمة وغير محكمة والمعروف بمشاركاته العديدة في الندوات الفكرية والادبية  هو عالم قد حافظ دائما علىذاتية الفن في مقارباته المنهجية وبحوثه العلمية، فجمع بين رهافة الحس وصرامة العقل.. من دون ان يتحول الى انموذج الباحث الاكاديمي المتجهم على نحو بعض من نعرفهم او لا نعرفهم، عربيا أو محليا.. (بل على نحو الكاتب محمود عباس العقاد مثلا، لكن دون الارتقاء الى منزلته الرفيعة)..
«نعم، فصاحب رواية (الطلياني) ليس كاتبا متجهما، او باحثا جافا، ولو كان كذلك لما أتاح لروايته ان «تقرأني» بهذه السهولة ـ كما اعترفت ـ وانما هو هذا الأكاديمي الذي لمحت في كتاباته العلمية ملامح المبدع منذ سنة 1993 عندما أصدر كتابا بعنوان (جمالية الالفة: النص ومتقبله في التراث النقدي) او عندما أصدر، قبل ذلك او بعد ذلك، كتابا دراسيا جميلا بعنوان: «سيرة الغائب وسيرة الآتي في كتاب (الايام) لطه حسين».
.. وكيف لا يمكن «لشكري المبخوت» ان يكون هذا الكاتب الروائي المتميز.. وقد بحث في أحد مؤلفاته في «الشعرية لدوروف»<؟
***
... رواية (الطلياني) مليئة بالأحداث، وصل فيها المؤلف العهدين (البورقيبي والنوفمبري) بتحاليل ومواقف، كما وصل فيها بين غليان الجامعة والمحيط السياسي والاجتماعي والاعلامي والثقافي، وفقا لرؤية المؤلف، باعتباره من ذلك الجيل الطالبي الذي ثار على واقعه واصطدم بالقمع والاستبداد.. وجوبه بقهقهة السراب.. سواء في سبعينيات القرن العشرين او ما تلاها..
وفي هذه الرواية المثيرة التي قال فيها كاتبنا كل شيء ببراعة فائقة.. ثورة وغضب وجنس واشواق الى المثل السامية.. وقد بدأت الاحداث.. بالزقاق الاخير، وانتهت برأس الدرب، مرورا بشعاب الذكريات، والمنعرج، ورواق الوجع والألم، وغيرها من الدروب التي ظلت تسير بي على هواها، او بالأحرى على هوى شكري المبخوت، هذا الدليل المجرب، والمعلم الخبير، الذي أغتنم هذه الفرصة لأقول له: هل من مزيد أي المبدع؟ ... بعد تهنئته بمناسبة هذه الرواية!


بقلم : محمد مصمولي

lundi 1 septembre 2014

حوار حول صدور رواية الطلياني والجامعة التونسيّة

حوار أجرته سيماء المزوغي لجريدة "المغرب" بتاريخ
30/08/2014



«الطلياني» رواية جديدة صافحت الساحة الثقافية التونسية والعربية، واعتبرت منعطفا جديدا في سيرة الدكتور شكري المبخوت رئيس جامعة منوبة، الذي عهدناه أكاديميا وناقدا وباحثا و له
إطلالات عديدة في الندوات العلمية وإسهامات كثيفة في التأليف المدرسيّ والجامعي وفي معالجة قضايا تربويّة وتعليميّة ونقدية، من مؤلفاته نذكر: «سيرة الغائب» و»جمالية الألفة»، و» النص ومتقبّله في التراث النقدي»، و«إنشاء النفي»، و»الاستدلال البلاغي»، و «المعنى المحال» و «نظريّة الأعمال اللّغويّة» و «توجيه النفي في تعامله مع الجهات والأسوار» و»الروابط و دائرة الأعمال اللّغويّة»، ومن بين أعماله في الترجمة نذكر، «الشعرية لتزيفتان تودوروف» ، و»تخييل الأصول: الإسلام وكتابة الحداثة» والمعجم الموسوعيّ للتداولية». «المغرب» حاورت الدكتور شكري المبخوت بمناسبة صدور روايته الجديدة فكان لنا معه الحوار التالي:
• عرفناك ناقدا وأكاديميا، فكيف ولدت الرواية فيك؟ وكيف ولد «الطلياني»؟
ولد «الطلياني» هكذا دون أي إذن، ظاهريا من باب الصدفة ودون أن يستشير أي أحد ولكن في الحقيقة في تجربتي مع الكتابة ليس منفصلا عن مساري لكن الذي لا يعرفه الكثيرون أنني بدأت أنشر بأسماء مستعارة خصوصا شعرية والأدبية.
• لماذا بأسماء مستعارة؟
لأنني كنت أخجل مما أكتب فقط، وإلى الآن مازلت أخجل، لأن مسألة أن تكتب هي مسؤولية، وليست المعنى الخشبي، هي مسؤولية أمام القارئ ومسؤولية أمام الناس والسؤال البسيط الذي يجعلني أخجل من نفسي هو ما الذي سأضيف أمام هذا الإنتاج العظيم للإنسانية وأمام هذه الروائع القديمة والحديثة والمعاصرة. هذا هو سبب التوجس خيفة مما أكتب.
• نرجع لرواية «الطلياني»؟
ظاهريا ولدت الرواية هكذا دون أي إذن ولكن واقعيا كنت أراها شكلا آخر للتعبير عن شيء في النفس وعن موقف تبلور شيئا فشيئا في كتابات عديدة، بعضها ذو طابع صحفي، بعضها الآخر من باب البحث الأكاديمي، بعضها الثالث من باب الكتابات الثقافية التي تتناول القضايا العامة وبعضها أيضا ما يعرف بالقول الشعري.
إذن ظهرت رواية «اللطليناني» لأنها تلبي حاجة أساسية في رأيي لفهم ما نعيشه اليوم من حالة بلبلة وحالة اضطراب وتداخل. إذن اعتقادي أن الرواية هي الفضاء الكتابي الأساسي الذي يمكننا من فهم مراحل التحول ومراحل الانفلاتات ومراحل الانقلابات. فالرواية تمكننا، أو على الأقل مكنتني، من أن أجد حيّزا لفهم عوامل متداخلة اجتماعية ونفسية من خلال متابعة مسارات وصيرورات الشخصيات التي كنت أرسمها وكانت تنفلت أحيانا من بين أصابعي وتنمو بشكل ذاتي لا أتحكم فيه تماما إلا بعد التنقيح والمراجعة. إذن الرواية في رأي هي الجنس الذي يمكن أن أنقل فيه التحول والتغير الاجتماعي وأن يكون بطريقة أصدق من البحث العلمي أو الأكاديمي.
• عند كتابتك لـ «الطلياني» هل انفلتت شخصياتك منك؟ وهل البحث الأكاديمي، ونحن عهدناك ناقدا، أثّر على روايتك؟
سؤال مزدوج ولكنه ذكي في الآن نفسه، أولا بالنسبة إلى الشخصية، حين نكتب لا توجد صياغة نهائية الصياغة النهائية تكون عند ولادة النص. والشخصية لا أقول تتمرد على الكاتب، وأنا في وضعية من الوضعيات تتصرف بشكل لم أخططه، وهذا جانب المباغتة، في سلوك الشخصيات وتصوراتها وردود أفعالها داخل سياق ما، هو الذي ينشئ لحظة الكتابة لدي، هذه المتعة، متعة الاكتشاف، فأنا أكتشف بقدر ما أواجه، وهذه الجدلية بين توجيه الشخصية وبين مباغتتها للمؤلف هو أمر ممتع اكتشفته فقط في الكتابة الروائية. رغم أن شخصيات الرواية تعيش خيبات، ليس فيها بطل يمكن نعته بالإيجابي، هي خيبات وتحولات ومسارات تعيشها الشخصيات لكن سرعان ما تنقلب لأن عمق الرواية هو بيان هذا التردد الإنساني، هناك تردد في النفس الانسانية، تردد في الكتابة، تردد في رسم الشخصية، والمهم هو النتيجة العامة التي يصل إليها النص وهي أن تكون متناسقة.
• إذن هل أثّر الجانب الأكاديمي في الرواية؟
أصدقك القول أن كل الأفكار التي يمكن أن توجد في الذهن عن المقولات السلبية وعن الزمان وعن المكان والشخصيات وغير ذلك، أو كل ما يقرأ نظريا يضيع لحظة الكتابة. لا أظن – في تجربتي على الأقل – أنني لا أفكر في التقنيات بل التقنيات هي التي تنشأ أثناء الكتابة لأن هناك ذاكرة نصية وذاكرة أسلوبية تطفح على سطح الكتابة دون تفكير.
في الرواية كنت أكثر حرية، لأن فضاء الرواية وفضاء الأدب هو أساسا فضاء الحرية ولا يمكن أن توجد فيه ممنوعات والحق أن المخطوط الأول كان متمتعا بدرجة عليا من الحرية حتى في المشاهد التي تمس بالحس العام، أو التي قد تمس بصورة الأكاديمي، ولكن هناك مواقع وظيفية ممكن أن تصدر من وصف لمشهد حميمي في رواية بمثل تلك الإيروسية وهذا أمر نبهني إليه أصدقاء لأني قدمت إلى بعضهم قراءات قبل الصياغة النهائية. وأصدقك القول أني مارست بعد ذلك الرقابة الذاتية وصنصرة لبعض المواضع في العمل.
• هل تألمت من الرقابة الذاتية والصنصرة؟
لا، لم أتألم البتة، لأسباب عديدة، السبب الأول لأننا لا نكتب لأنفسنا فقط، لأن عملية الكتابة هي عملية تخاطب لذا بعض المشاهد إذا مست أناسا تثق في انفتاحهم الفكري، وفي معرفتهم بالأدب وخاصة بمعرفتهم بالمجتمع، إذا مستهم ووجدوا فيها ما يدعو فيها إلى الخجل فلا فائدة من البطولة في تقديم أشياء قد تبدو من باب إنشاء الفضيحة، أنا ابحث عن رواية تمتع ولا أبحث عن رواية تثير الفضائح.ولكن كتبت تلك المقاطع لأنها جاءت في سياقها.
• لماذا اخترت النشر في الخارج وليس في تونس؟
«دار التنوير» هي تونسية مصرية لبنانية، لأن النشر في تونس مشكلته الكبرى هي التوزيع، فلا يصل الكتاب إلى العالم العربي ومن يكتب لا يكتب للتونسيين فقط، ومن يكتب هو يكتب لأكثر من 300 مليون قارئ محتمل. هذه نقطة والنقطة الثانية أنني أخذت درسا من صديقي وأستاذي حسين الواد، فروايته التي وصلت إلى «القائمة القصيرة» لجوائز «بوبكر»، حتى ذهب إلى الإمارات كانت جميع الروايات قد بلغت من المبيعات خمسين ألف نسخة إلا رواية حسين الواد لم تكن موجودة، السبب ليس في دار النشر، بل التوزيع لأن الكتاب التونسي لا يصل، لأن السوق التونسية ضيقة وهناك معضلة كبيرة، ليست معضلة النشر كما يقال ولكن معضلة التوزيع.
وعلى الدولة هنا إذا كانت بالفعل تريد أن تدافع عن الثقافة التونسية، وما أسميه بالاستثناء التونسي، عليها أن تقوم بدورها وتتجاوز دعم الكتاب وشراء الكتب وغير ذلك، لأن هذا يفسد السوق...
• هل تعتبر وزارة الثقافة مقصّرة مع الكاتب التونسي؟
ليست وزارة الثقافة ولكن الدولة التونسية، فهناك أيضا وزارة الخارجية، فهناك بعثات دبلوماسية لا توجد لديها خطة لايصال الكتاب التونسي ليس هناك سوق حقيقية للكتاب التونسي. وهذا يجعل الكاتب يمتنع عن الكتابة لأنه كتابه لم يصدر، قلّما نجد نقدا له، قلما نجد صحافة تونسية تهتم بالكتاب الاهتمام الضروري، قلما نجد نقادا صحفيين.
• كيف تقيّم الساحة الثقافية والفكرية في تونس؟
وضعية الساحة الثقافية والفكرية اليوم في تونس جيّدة، نلاحظ مثلا في مجال الكتابة وفي السينما... نجد الحركية والرغبة في التعبير، وهذا مهم لأن في الوضع الجديد الذي نعيشه قد تحررت الأقلام... في الآن نفسه نجد أن الفوضى العارمة التي تعيشها في حياتنا تنعكس على حياتنا الفكرية والسياسية والثقافية. ولكن الأمر المهم أن جميع التيارات وقفت عند حدودها. مثلا اليوم عندما نتحدث عن الصراع العلماني الإسلامي.
أين الكتابات التي تعبّر عن هذا الصراع؟ مثلا كتب الإسلاميون، الذين تطوروا كثيرا من خلال (على الأقل) النقاشات حول الدستور في تونس أن هناك تحولات حقيقية على الأقل في الخطاب، ولكنها غير مستندة إلى تنظيرات. لنأخذ اليسار، ماذا أنتج اليسار من فكر؟! يتحول اليساريون اليوم باسم المصلحة الوطنية والوفاق إلى وطنيين بمعنى «الوطنية والقومية». أو يتخلون عن مفاهيم، دكتاتورية البروليتاريا أو غير ذلك، هل توجد تنظيرات، لذلك المدونة الإيديولوجية محدودة جدا ورغم ذلك هناك حيرة وبلبلة ونقاش أعتقد أنها مهمة ويمكن أن تُخرج شيئا جديدا..
• هل قمتم بنقد ذاتي لمؤسستكم الجامعية باعتبارك مسؤولا على رأس الجامعة؟
النقد الذاتي هو عمل مستمر بالنسبة إلى الأكاديمي وبالنسبة إلى المؤسسات، لكن المشكلة أنه لا توجد ضمن مؤسساتنا الجامعية آليات، أو ما يسمى بالتقييم الداخلي. هذا التقييم الداخلي مرحلة ضرورية ضمن التقييم الخارجي، او ما يسمى بجودة التعليم العالي. المشكلة في تونس أن في منظومتنا التعليمية الجامعية أن جميع القوانين تنص على هذا لأنها جزء من المعايير الدولية ولكن واقعيا حتى القانون الموجود بكل مساوئه غير مفعّل يعود ذلك إلى أن العلاقة بين سلطة الإشراف أي الوزارة والجامعات ثم بين الجامعات والمؤسسات كانت علاقة قائمة على مركزية مفرطة زمن الاستبداد أما بعد 2011 فإن ما وقع هو التفكك لهذه المنظومة فلم تعد الوزارة قادرة على السيطرة على المؤسسات وغير قادرة بالخصوص على الإيفاء بالتزاماتها في إزاء الجامعات، والجامعات نفس الشيء.
إذن لا بد من إعادة صياغة العلاقة بين هذه المكونات الثلاثة داخل المنظومة الجامعية، أي المؤسسة التي تسدي خدمات معينة.. وبين الجامعات وبين الوزارة.
إلى الآن مر 3 وزراء في حكومات مؤقتة ولا وزير له مشروع وتصور عن إعادة هيكلة المنظومة الجامعية.
• ما هي المقترحات التي تطرحها على وزير يريد تغيير المنظومة الجامعية؟
المقترحات كثيرة ليس هذا اللقاء كافيا، أقول لك القضية الأساسية والكبرى في المنظومة الجامعية التونسية، هي ما كنت قد ذكرت وهي إعادة صياغة العلاقة على نحو يطابق المعايير الدولية للتعليم العالي والسعي الفعلي إلى تأسيس جديد للجامعة التونسية يزيل عقبة التفكك داخل المنظومة ويقدّم مشروعا بالفعل يستطيع أن يجدد هذه المنظومة ويدفع بها إلى الأمام، إذن المقترحات التفصيلية لا فائدة من ذكرها ولكن المهم هو وجود حوار مجتمعي حقيقي حول أي جامعة نريدها طبقا للمعايير الدولية لأن المشكلات المطروحة اليوم تعود أغلبها إلى قضية طالما كتبت عنها وطالما تحدثت عنها ولكن لا توجد الآذان الصاغية وهي استقلالية الجامعة.
استقلالية الجامعات تفهم أحيانا بطريقة خاطئة ولكنها في المعايير الدولية هي حجر الزاوية لما يسمى بالحريات الأكاديمية. وهو مصطلح دقيق وله انعكاسات عديدة، نحن نفهم الحريات الأكاديمية عادة على حرية البحث والكتابة.. ولا وجود لممنوعات إلى آخره، هذا جزء هيّن وبسيط، لأنك إذا وضعت قيودا أمام البحث فإنك قتلت الجامعة ولكن أهم من هذا هناك جوانب أخرى في المفهوم وهو التسيير التشاركي بين مختلف الفاعلين في الفضاء الجامعي، بالإضافة إلى الاستقلالية الحقيقية للمؤسسات الجامعية وللجامعات.
• ما معنى الاستقلالية؟
الاستقلالية تعني استقلالية القرار الجامعي وتعني أيضا هيكليا إيجاد سلطة فعلية لرئيس الجامعة في الانتداب، انتداب الأساتذة والأعوان... بعث المشاريع داخل الجامعة وإحداث المؤسسات وتمكين الوزارة من سلطة إشراف فعلية، الوزارة واقعيا لا تشرف على شيء، إذ المسألة دائما تطرح من ناحية مادية لكن المعمول به حتى الآن التمويلات الممكنة الذاتية التي تستطيع أن تستجبيها الجامعات والمؤسسات بنفسها، القوانين الموجودة الآن تعطلها. إذن المسائل التي ينبغي التفكير فيها ويمكن إدراجها ضمن مشروع للنهوض بالتعليم العالي وضمن إرادة سياسية حقيقية هي مسألة «ما معنى استقلالية الجامعة؟» وهذه الاستقلالية ينبغي أن نعرف جميعا أنها المدخل الأساسي لما نص عليه الدستور الجديد من الحريات الأكاديمية.
• ماذا قدّمت جامعة منوبة للبحث العلمي؟
هنا أيضا نعود لسؤال التقييم، إذ أن اجابتي ستكون اجابة حدسية أكثر منها إجابة مدعمة بالأرقام وغير ذلك، عموما جامعة منوبة تتميز أساسا بأقطاب علمية وكل قطب علمي له إضافات معمقة في البحث، أشهر هذه الأقطاب هو قطب الانسانيات التي هي أساسا كلية الآداب، ولكن ننسى أن لكلية الآداب انتاجها العلمي في مستوى الماجستير وفي مستوى الدكتوراه في مستوى بحوث أساتذتها هو من أهم ما يوجد في تونس وفي المؤسسات الجامعية التونسية. وأنجبت كلية الآداب أعلاما اليوم يسيرون الحياة الثقافية في تونس ويشعون أيضا على العالم العربي وخارج العالم العربي.. ولا ننسى أيضا أن جامعة منوبة فيها المؤسسة الوحيدة لتدريس الإعلام ولتدريس الصحافة وعلوم الأخبار، كذلك لها مؤسسة متميزة وهو معهد التوثيق، ولا توجد في البحوث التوثيقية أهم مما ينتج في جامعة منوبة إلى آخره..

samedi 7 juin 2014

في التسيير التشاركي للمؤسّسات الجامعيّة



تنطلق في شهر جوان وإلى حدود منتصف شهر جويلية عمليّة تجديد الهياكل البيداغوجيّة ( المجلس العلمي ومجلس الجامعة) والمسؤولين على المؤسّسات الجامعيّة والبحثيّة (المديرين والعمداء ورؤساء الجامعات).
ورغم مطالبة بعض الأطراف الجامعيّة، من عملة وموظّفين، بالمشاركة في انتخاب المسؤولين على المؤسّسات فإنّ المنشور المنظّم لهذه الانتخابات لم يأت بجديد. وظلّت الانتخابات مقصورة على إطار التدريس والبحث. ةلئن كان هذا الموقف مفهوما في سياق التجاذب بين النقابات الممثّلة لمختلف الأصناف الاجتماعيّة في الجامعة خصوصا بين نقابة العملة والجامعة العامّة للتعليم العالي والبحث العلميّ فإنّ مشكلة التسيير الديمقراطيّ التشاركيّ لم تحلّ بعد. والسبب في ذلك أنّ الأمر يكاد يخفي هاجس التموقع وتحسين "شروط التفاوض" والضغط من خلال الانتخابات أكثر ممّا يحمل تصوّرا ديمقراطيّا. فالبيّن أنّ التجاذب بين الفاعلين في الفضاء الجامعيّ يحمل في طيّاته تضاربا جذريّا بين المنطلقات البيداغوجيّة والأكاديميّة والمنطلقات ذات الطابع النقابيّ المطلبيّ المغلّف بالتشارك في اتخاذ القرار.
بيد أنّ هذا التوجّه التشاركيّ يضعف جدّا في غياب تصوّر شامل للتسيير الديمقراطيّ ونزعة التهديد للمسؤولين الجامعيّين واستغلال ضعف الدولة والإدارات ومحدوديّة قدرتها على التفاوض لتحقيق ما يعتبره هذا الطرف أو ذاك "مكاسب". وهذا ما جعل الكثيرين يتعاملون بشيء من التوتّر والتوجّس خيفة من اختلال التوازنات وتكبيل المسؤولين والمزايدة على الإدارة وجعل مسالك اتخاذ القرارات مسدودة. فمفهوم التشارك الديمقراطي لا يعني سيطرة طرف على آخر ولا يعني صناعة قوى ضغط او تعطيل أو فرض الرأي بقدر ما هو توفير الإطار المناسب لفتح الحوار وتبادل الآراء وتحمّل المسؤوليّة في إطار شفافيّة المعلومة وإتاحتها وإلاّ أصبح التشارك المزعوم تعطيلا ومزايدات وتنازلات حتّى ضدّ القانون.
ولا يعني هذا البتّة أنّ إدارة الشأن الجامعيّ اليوم وبالصيغة المعمول بها على أفضل حال ولكنّ الوقوع في الشعبويّة باسم المشاركة وتحويل غائيّات المشاركة إلى ضرب من المطلبيّة التي لا تتّصل بقواعد التسيير الرشيد سيجعلان الفكرة نفسها محلّ رفض. لذلك نعتقد أنّ المطلوب هو التفكير الجماعيّ في صيغ الممارسة الديمقراطيّة حقّا في الجامعة واستبطان مبادئ الحكم الرشيد والتدرّب على شفافيّة التعامل ضمن خصوصيّات الفضاء الجامعيّ. ولا نظنّ هذا يتحقّق بالتلويح بمقاطعة المشاركة في إعداد الانتخابات أو التخلّي عن المهامّ الإداريّة في بعض الظروف التي لا تناسب هذا الطرف أو ذاك. فبقاء طرح المسألة بهذا الشكل الضيّق القطاعيّ المصلحيّ لا يخدم المبدأ العام السليم والمطلوب أي التسيير التشاركيّ للجامعة.
والأهمّ من ذلك في تقديرنا هو الانكباب الجدّي على صياغة مشروع ناجع واضح متكامل لهذا المفهوم وترجمته إلى إجراءات مؤسّسيّة وترسيخ قواعد التعامل المتوازن السليم بعيدا عن هاجس التموقع والنزعة المطلبيّة في غير محلّها. فمشاركة مختلف النقابات، وهو حقّ من الناحية المبدئيّة وشرط من شروط الحوكمة الرشيدة، لا يعني تكبيل الإدارة أو السكوت عن التجاوزات أو تعطيل آليّات محاسبة المخلّين بواجباتهم باسم التضامن النقابيّ. فالأصناف المختلفة في الجامعة اليوم أصبحت مهيكلة نقابيّا بطريقة أفضل ولها تطلّعات مشروعة ومطالب متراكمة منذ سنوات ولكنّ السعي إلى الهيمنة وفرض الأمر الواقع لن يوصلنا إلى تحقيق الهدف الأسمى.
ولا نخفي أنّ مختلف الأطراف الجامعيّة تفقد أحيانا، عن وعي أو عن غير وعي وبسبب من الحماسة المفرطة، البوصلة وتشدّ الحبل أكثر ممّا يجب دون أن تعي أنّ ذلك لا يصبّ بالضرورة في صالح المشروع التسييريّ المنشود.
غير أنّ ما يطمئن بعض الطمأنة أنّه رغم التجاوزات والضغوط يوجد دائما العقلاء ومن يراعون مصلحة المؤسّسات ويجتهدون للعمل بعيدا عن الحسابات الفئويّة وتضخّم الذات وبعيدا عن البطولات الزائفة. فالثابت أنّ الجامعة يسيّرها الجامعيّون فهذا جزء من مفهوم الحرّيّات الأكاديميّة والثابت كذلك أنّ الجامعة لا تقتصر على إطار التدريس لأنّ نجاحها في مهمّتها يتطلّب إدارة قويّة حديثة ناجعة. هذا دون أن ننسى الطرف الغائب الأساسيّ عند الحديث عن التسيير التشاركيّ وهو الطلبة ولا بدّ من إيلائهم المكانة التي يستحقّونها رغم مشاكل التمثيل الطلاّبي وما أكثرها!

أملنا أن نخرج من مجرّد الشعار، شعار التسيير الديمقراطيّ التشاركيّ والحوكمة الرشيدة، إلى صياغة التصوّرات الكفيلة بالنهوض بجامعتنا والخروج بها من وضعها المتردّي.      

* افتتاحيّة شهر جوان 2014 لمجلّة أكاديميا

mardi 3 juin 2014

بداية الفصل الأوّل من رواية "الطلياني"




الزقاق الأخير

   لمْ يفهم أحد من الحاضرين في المقبرة يومها لمَ تصرّف عبد النّاصر بذاك الشّكل العنيف. ولمْ يجدوا حتى في صدمة موت الحاج محمود سببًا مقنعًا.
   كان الإحساس العام أنّ النار تخلّف الرّماد. فأين وقار الحاج محمود وأناقته في جبّته السكرودة التونسيّة وشاشيّـته الإسطنبوليّ أو في بدلته الإفرنجيّة وقبّعته المستديرة، على حدّ السّواء، من طيش ابنه بسروال "الدجينز" وسترة "الدّنقري" والشّعر الأشعث واللّحية المعفاة؟ فحتى وسامة الفتى، التي جمعت جمال الأصول الأندلسيّة لأمّه وجدّته ومخايل الوسامة التّركيّة لأبيه وجدّه، تلاشت في تلك الهيئة التي جعلته أقرب ما يكون إلى "هبّاطة" الميناء و"بانديّة" الحيّ الذين لم ينالوا ولو حظًّا يسيرًا من التّعليم.
   كانت مقبرة الزلاّج في حالة خشوع، لا تسمع في أرجائها إلاّ التّكبير وأصوات القرّاء يرتّلون ما تيسّر من آي القرآن الكريم. وكان موكب الدّفن كبيرًا على قدر ما يكنّه أهل الحيّ للحاج محمود وللعائلة كلّها من تقدير. فالموتى لا يتساوون، والجنازة دليل على رأس مال المتوفّى وعلى ما في رصيد العائلة من المعاني والرموز والمكانة.
    حضر يومها، إضافة إلى العائلة الموسّعة، الجيران وأبناء الحيّ والأحياء المجاورة وأناس عاديّون عديدون وأصدقاء ابنيْ المغفور له من الفنّانين والمثقّفين والجامعيّين ورجال الإعلام وحتى رجال السّياسة وبعض الوزراء. وأكثرهم كان من أصدقاء عبد النّاصر وأخيه صلاح الدّين الباحث الجامعيّ المرموق والخبير لدى مؤسّسات ماليّة دوليّة.
  أقيمت صلاة الجنازة في الباحة الكبرى للمقبرة. فخيّم الصمت واصطفّ النّاس يؤدّون الواجب. كنت، منذ سمعت النبأ، إلى جانب عبد الناصر الذي لم أفارقه إلاّ لساعات قليلة. كان معنا جمع من رفاقنا. وقفنا على الجانب الأيمن من الباحة حذو عرصة ننتظر الفراغ من صلاة الجنازة لنشيّع الحاج إلى مثواه الأخير مع المشيّعين. اقترب منّا توفيق خال عبد النّاصر. سمعته يوشوش له، يدعوه إلى الوقوف مع الواقفين للصلاة:"عيب! التحق بأخيك في الصّفّ الأوّل ماذا يقول عنّا النّاس؟ استرنا على الأقلّ يوم دفن والدك". نهره عبد الناصر ممتعضًا حانقا:"تعرف كما يعرفون أنّني لا أصلّي ولا أصوم"
   سار الحشد وراء سيارة البلديّة في اتّجاه طريق سيدي أبى الحسن الشاذلي فتقدّم عبد النّاصر الصّفوف. التفت فلمح الإمام. كان بدينًا يلبس جبّته العكريّ. حدّق متثبّتا فوقعت عيناه على عينيه. طأطأ الإمام رأسه مرتبكًا. ظلّ ينظر إليه وهو يسير في الموكب وراء سيّارة دفن الموتى مثلنا.
   حين وصلنا إلى مكان الدّفن علت أصوات المكبّرين من كلّ جانب. وُضِع التّابوت قرب حفرة القبر وشرع في قراءة الفاتحة ثمّ تتالت الأدعية. لم يبسط عبد الناصر يديه عند تلاوة الفاتحة وترديد الأدعية دون بقية الخلق المتحلّقين حول القبر والتّابوت. رأيته شاخصًا في جارهم الإمام الذي كان يتحاشى أن ينظر إليه ويتعمّد تلاوة القرآن وترديد الأدعية مغمضا عينيه. كانت عمامته تكاد تحجب تينك  العينين.
    بدا عبد النّاصر متوتّرًا. ربّت خاله على كتفه ثمّ تفطّن صلاح الدين إلى توتّره فعانق أخاه الصّغير. سالت على خدّيه دمعات حين احتضنه. أغمض عينيه ومسح دموعه. ما إن فتحهما حتى رأى الإمام داخل الحفرة على يساره يتسلّم الجثّة استعدادًا للحدها.
   لا أحد من الجمع الغفير المتحلّق حول القبر فهم لِمَ علا صراخ الإمام. لم يشهد الحادثة إلاّ من كان في الدّوائر الأولى.
-"يلعن دين والديك، يا منافق، يا نذل، يا ساقط، اُخرج من غادي يا نيـ***.. "
   كان الإمام يتأوّه ويئنّ أنينًا مرًّا. نزفت الدّماء من فمه فاختلطت بقميصه السّكري وبدعيّته فاتحة اللّون ولطّخت قطرات منها جواربه البيضاء. كان يتألّم ويتوجّع في شبه غيبوبة.
   تعالى الصّخب واختلطت الأصوات: "الإمام غارق في دمائه"، "عبد النّاصر الطلياني ضرب الإمام"، "لقد جنّ ابن الحاج محمود المسكين"، "لا أدري ماذا وقع، لا أرى إلاّ الإمام ينزف فمه دمًا"، "الطلياني يصرخ ويسبّ الإمام"، "ابن الحاج في حالة هستيريا"، "عيب والله عيب أن يقع هذا في جنازة"، "أستغفر الله العظيم، عشنا وشفنا"، " استرنا يا ربّ".
   من كانوا في الدّائرة الأولى رأوْا عبد النّاصر يوجّه ضربة بحذاء " البرودكان" إلى وجه الإمام الذي كان في الحفرة يستعدّ لدفن المرحوم. كانت صرفقتها مسموعة ممّا يدلّ على قوّتها. دخل عبد النّاصر في حالة هيجان صارخا يرمي الإمام الشّيخ علاّلة بأقذع النّعوت التي لا تليق إلاّ بأسافل القوم. لم يكفه ذلك، ارتمى عليه يريد إشباعه لكمًا وربّما نوى خنقه لولا أنّني انتزعته منه ثمّ أخذته مع بعض الأصدقاء بعيدًا وهو سادر في صياحه وسبابه وتهديده، يرغي ويزبد إلى أن فقد الوعي.
   عجّل الحاضرون بدفن الحاج محمود ولم يقف أيّ من أفراد العائلة لتقبّل العزاء من الحاضرين. فقد ألهت الدّهشةُ الجميعَ، صلاح الدين والخال توفيق وكبار العائلة والمعزّين أيضا، عن إتمام مراسم التعزية.
   حصل هذا في أواخر شهر جوان أو بداية شهر جويلية من سنة 1990 تاريخ وفاة الحاج محمود. كان الحاضرون يومها، قد عاينوا أوّل فضيحة في الحيّ، وربّما في البلاد، يذهب ضحيّتها الميّت. 

mardi 13 mai 2014

الاتّحاد وجائزة نوبل للسلام

لماذا رشّح الجامعيّونالاتّحاد العام التونسيّ للشغل 
لنيل جائزة نوبل للسلام؟

في معترك الانتقال الديمقراطيّ الصعب الذي تمرّ به بلادنا وفي ظلّ التخوّفات المشروعة من انتكاس التجربة التونسيّة، يأتي ترشيح جمع من رؤساء الجامعات التونسيّة للاتّحاد العام التونسي للشغل لنيل جائزة نوبل للسلام معبّرا عن موقف أخلاقيّ ومدنيّ جدير بالتوضيح.
فالجامعة، باعتبارها حاضنة لقيم الحضارة وأخلاق التمدّن والمثل الإنسانيّة العليا ومناهضة بالضرورة للبربريّة والعنف، لا يسعها إلاّ أن تشير إلى ما تراكمه الشعوب من تجارب وخبرات في إرساء الحوار بصفته آليّة للسلم وصياغة المسارات الديمقراطيّة والعمل على نزع فتيل الأزمات والنزاعات الداخليّة والخارجيّة.
والواقع أنّ ما شهدته تونس منذ أشهر خلت، خصوصا إثر الاغتيال البشع للشهيد محمّد البراهمي وقبله الشهيد شكري بلعيد، كان ينذر بحرب أهليّة حقيقيّة في سياق إقليميّ متفجّر إثر ما يعرف بالربيع العربيّ. وهذا ما نشاهده الآن، هنا وهناك في العالم العربيّ، من عنف وإرهاب وتقاتل ومخاطر كثيرة تهدّد المنطقة العربيّة.
ولا ريب أنّ تونس استطاعت مرّة أخرى أن تمثّل استثناء نرجو ألاّ يكون ظرفيّا. فهي عند الكثيرين من المراقبين والفاعلين المحلّيّين والدوليّين أمل من الآمال الجدّيّة لانتصار المبدإ الديمقراطيّ.
ولا يمكن في هذا كلّه التغاضي عن الدور الحاسم للاتّحاد في اللّحظة المناسبة. فقد استطاع بمبادرته، في ظلّ الاحتقان الشديد وبكثير من الصبر والجهد والأناة، أن يقوم بدور سيذكره التاريخ في الخروج من النفق المظلم وإرجاع الأمل وتهدئة النفوس الغاضبة وفرض الحوار الوطنيّ وسدّ الطريق أمام نزعات العنف والإرهاب. ولسنا نحتاج إلى خيال واسع لنتصوّر المآلات المأسويّة داخليّا وإقليميّا لو لم يتدخّل الاتّحاد أو لو لم تكن في تونس هذه المنظّمة الاستثنائيّة بتاريخها ومناضليها وثقة قطاع واسع من التونسيّين فيها وقدرتها على التجدّد والخروج من حيّز المطلبيّة الضيّق.
ولكن من المفيد التنبيه إلى أنّ هذا لم يكن من باب الصدفة ولا هو ظاهرة عرضيّة أو موقف أملاه الخوف من صراع كان ينذر بسفك الدماء وإزهاق الأرواح.
فما وقع حين تقدّم الاتّحاد بمبادرته ثم حين شرّك بعض المنظّمات في جمع أهمّ الفرقاء السياسيّين على طاولة الحوار، رغم تمنّع البعض، بحثا عن حلول هادئة ومتوازنة بواسطة النقاش إنّما هو استثمار لرصيد رمزيّ سابق وأسلوب عمل ظلّت معتمدة حتّى في أعتى فترات الدّكتاتوريّة.
فالجميع يعلم أنّ الاتّحاد كان يضمّ جلّ التيّارات السياسيّة التي لم تجد في مشهد سياسيّ يحكمه الاستبداد متنفّسا لها للعمل. ولكنّه استطاع بوصفة سحريّة لا يدرك سرّها إلاّ المناضلون داخله من إدارة الحوار الصعب بينها وتأسيس آليّاته وتطويره ليكون الدفاع عن قيم الحرّيّة والكرامة وعن تصوّرات مجتمعيّة أساسها العدالة الاجتماعيّة والنظام الديمقراطيّ الرابط المشترك بين تلك التيّارات السياسية والأجندا الوحيدة المعترف بها. فما وقع في الحوار الوطنيّ إنّما هو نقل لهذه الخبرة المتراكمة والتجربة الطويلة من مجال محدود هو المنظّمة الشغيلة إلى المجال الوطنيّ الواسع. وما الحوار الوطنيّ إلاّ مشاركة من الاتّحاد في ترشيد العمل السياسيّ بتونس على أساس التوافق والتفاهم بين أحزاب لم تكن أمامها، في ظلّ دكتاتوريّة مقيتة، فرصة للعمل الجماعي والحوار والتفكير المشترك في سياق أزمة خطيرة كانت تهدّد بحرب الكلّ ضدّ الكلّ. فالحوار الوطنيّ بهذا المعنى صورة مكبّرة في مستوى وطنيّ من طريقة في العمل جرّبها الاتّحاد داخله فصحّت لذلك أمكن له توسيع مداها.
وبهذا الاعتبار يمثّل ما قام به الاتّحاد من خلال مبادرته ورعايته للحوار الوطنيّ ابتكارا لشكل من أشكال إدارة الأزمات السياسيّة في مراحل الانتقال الديمقراطيّ وابتداعا لحلول سلميّة تقوم على التسامح ونبذ العنف صيانةً لمسار الثورة المواطنيّة السلميّة. وهي ثورة ينسى الكثيرون أنّ هياكل الاتّحاد في الجهات المحرومة والمدن الكبرى قد احتضنتها منذ بدايتها معبّرة عن شوقهم إلى الحرّيّة ومعزّزة لقدراتهم على التحرّك الاحتجاجيّ السلميّ. فدخل هذا البلد الصغير بلغة الجغرافيا سفر التاريخ المدني الحديث ليكتب صفحات ستكون مرجعا ولا شكّ في سعي البشريّة إلى التخلّص من البربريّة حتّى تنتصر قيم الحضارة وأخلاق التمدّن.
والثابت أنّ هذا العمق المدنيّ هو النسغ الذي تتغذّى منه شجرة الاتّحاد الوارفة. ولعلّه من المفيد أن يتذكّر ضعيفو الذاكرة أنّ التجربة النقابيّة التونسيّة لم تكن في محيطها الإقليميّ والقاريّ رائدة فحسب منذ عشرينات القرن العشرين بل كانت بالخصوص استثناء تونسيّا لا يقلّ دلالة عن مبادرة تونس منذ أواسط القرن التاسع عشر بإلغاء العبوديّة قبل الولايات المتّحدة الأمريكيّة ولا مبادرتها في أوائل تأسيس دولة الاستقلال بإلغاء العمل بتعدّد الزوجات.
فلا وجه عندي لنسيان هذا التاريخ أو تناسيه لأنّه الأساس المكين الذي ننزّل فيه موقع الاتّحاد وأدواره الوطنيّة. إنّه لحظة فارقة في الإرث المدنيّ التونسيّ مازالت مؤثّرة إلى اليوم وتجعل منه مظهرا من المظاهر تميّز هذا البلد بثورته المدنيّة. وإنّي لأحبّ أن أرى في الطابع السلميّ للثورة التونسيّة حلقة من مسار تمدينيّ تحديثيّ طويل يعود إلى ثلاثينات القرن التاسع عشر ومن ركائزه الثابتة الاتّحاد العام التونسيّ للشغل.
ولعلّ في ترشيح الاتّحاد لجائزة نوبل للسلام، بقطع النظر عن إسناد الجائزة من عدمها، تكريما من الجامعيّين التونسيّين قبل كلّ شيء لشعب عُرف عنه حبّ الحياة ورفض العنف والإرهاب والتعلّق بقيم الحرّيّة والمدنيّة بقدر ما هو اعتراف بأنّ من حسن حظّ تونس أنّ فيها منظّمة قادرة على مواجهة العفاريت التي نبّهنا غرامشي إلى انفلاتها من عقالها في فترات الأزمات حين يعسر على العالم الجديد أن يولد ويتعذّر على العالم القديم أن يضمحلّ.