Follow by Email

mardi 16 octobre 2012

زابينغ

زابينغ
1
في حيّز بين التبرّم والتحكّم يكون الزابينغ ،حركة نسيطر بها عن بعد على التلفاز فنغيّر الأقنية ، بسرعة تليق بهذا العصر و بوهم حريّة يليق بالاغتراب المشهديّ.
لا أحبّ المعاجم ولكنها متاحف تحفظ بعضا من ذاكرة الكلمات.وحين سألناها عن الزابينغ أنبأتنا بأنّه في أصل معناه محاكاة صوتيّة لطلقة البندقيّة: قد تكون طلقة عن بعد تزيح ما لا يريحك بمنطق راعي البقر الأمريكيّ القويّ المغامر.ومن هذا ، في ظنّنا ، اتسع حقل الدلالة ليشمل الصعق المباغت والصدم القاتل المدمّر. ويستحيل الصعق ، في لغة الحرب،قصفا ناريّا مكثّفا.بذلك يكون الزابينغ قوّة ماحية ماحقة تصوّب نحو خزانة الصور من آلة التحكّم عن بعد فيستقيم التشبيه والتمثيل.
لعلّها حرب الفرد المتوحّد ضدّ تراكم الصور وتدهور المدلولات في كون مغلق من العلامات الباذخة الضاغطة.فالقاعدة معروفة وإن حدسا: كلّما قلّت العلامات ملأ التأويل فراغ المعاني وكلّما فاقت الدوالّ الحدّ ضَعُفَ الفهم.
إنّ عالم الأقنية المكتفي بذاته متاهة لا نخرج منها إلاّ بخفّي حنين، وخفّا حنين ،في سياق الحال ،  
ثقافة في عجلة من أمرها وتزييف للوقائع وتلبيس للحقائق وأكاذيب منمّقة.فلم تعد الصورة تكثيفا بصريّا لدلالة من الحياة والوجود أو مقترحا جماليّا يثري الحياة بل أضحت تتناسل بلا ضابط وتتوالد كخلايا بعض العلل لتعمّر الفراغ.
أفلا يكون الزابينغ ،والحال تلك، تعبيرا عن تبرّم مضمر أو حركة احتجاج صامت لا أفق له إلاّ مزيد التيه في متاهة الصور؟
2
والمفارقة أنّ ثقافة الزابينغ قد كيّفت السلوك كلّة معدّلة من القول بأن الآلة امتداد للجسد لتثبت أن الجسد يتعلّم من الآلة وبها بعض ردود فعله وانفعالاته.وما نراه أن مشهدنا العام اليوم يتيح للناس أن يمارسوا ما تعلموه من الزابينغ.
فلئن كنا نشكو من عزوف الناس عن التدخّل في الشأن العام فقد انتقل الجميع تقريبا من قناة الرياضة  ليصبحوا مشاركين ومتفرّجين في قناة السياسة يحشرون أنوفهم في كلّ شيء ويهرفون بما لا يعرفون على ما يتبرّم الجميع من الجميع وعلى ما يزعم الخبراء بشؤون المدينة وسياستها .
ولكنّهم نسوا أنّ تعدّد أقنية القول وانعدام الأسيجة لممّا ييسّر أمر الكلام بلا حساب ويفتح الباب للاستطراد والتطويل والتطاوس والانتشاء بفتنة القول.فكأننا انتقلنا من مشاهدة قناة واحدة بالأبيض والأسود تتكلّم بلسان السلطان إلى فضاء مأهول بمئات القنوات. فما على السامعين والمتفرّجين جميعا إلاّ أن يمارسوا رياضة الزابينغ ضدّ الجميع مادمنا نشهد العروض الخطابيّة السياسيّة أحاديّة الصوت والمعنى ولم ندخل بعد مجال الحوار العمومي بشروطه وأخلاقيّاته وعقلانيّة الحجاج فيه بدل السجال والتدافع الأخرق واللجاج .
3
 وهاهنا يقع على عاتق النخبة السياسيّة والفكريّة دور مزدوج.فهم من جهة مطالبون بالتمسّك ببيداغوجيا التبليغ وآداب المناظرة حتى لا يلتجئ الجمهور إلى ممارسة الزابينع ضجرا وقرفا ،وهم من جهة ثانية مدعوّون إلى تعلّم تقنيات العرض الفرجوي حتى يشعر الخلق أنّهم قطعوا ، وإلى الأبد، مع الأشرطة القديمة المكرورة والمسلسلات الطويلة بحبكتها الضعفيفة المهلهلة.
فلا وقت عند الناس لينتظروا غودو ، لا صبر لهم كي يتأسّوا بأيّوب ،لا رغبة لهم في اقتفاء خطى سيزيف،فلتغيّروا البرمجة لقد ملّوا إعادة المسلسل السمج القديم ويرغبون في برنامج حواريّ أصيل.وفي انتطار ذلك يصوّبون آلة التحكّم عن بعد نحو الأجهزة كلّها ليتلهّوا بالزابينغ كرها لا طوعا.

Aucun commentaire: