Follow by Email

dimanche 28 avril 2013

في الموسوعة التونسيّة



1
يمثّل إصدار بيت الحكمة للموسوعة التونسيّة حدثا ثقافيّا جللا يصادف لحظة فارقة من الزمن الثقافي التونسيّ.فنحن نشهد مناكفة حادة ، تبدو لنا حاسمة، في شأن ما به تتحدّد خصائص الهويّة الوطنيّة للتونسيّين والرهانات الحضاريّة الكاشفة عن مسارات الآتي. فالبيّن أنّ أهل هذه البلاد دخلوا في مرحلة شكّ وتشكيك في السرديّة التي كانوا يعيشون بها وتتغذّى منها أرواحهم وعقولهم.فأوصلهم الشكُّ إلى مفترق طرق تؤدّي جميعها إلى تغليب الخارجيّ المحيط بهم ثقافيا وجغرافيّا على الداخليّ الخصوصيّ.ويستتبع هذا الانتقال من السرديّة القديمة إلى السرديّات الأخرى أمرين متلازمين:أحدهما المحو، محو غير المطابق للكتابة المنشودة وللذاكرة المطلوب صنعها والآخر تمزيق الحدّ الأدنى من قماشة الثقافة المشتركة ليجد التونسيّ نفسه في العراء باحثا عمّا يستره من الملابس الضيّقة جدّا أو الفضفاضة أكثر ممّا يجب.فيبدو في هذا متضايقا وفي ذاك مضحكا. وفي الحالات جميعا نرى العلم الوطنيّ ينتزع ويمزّق ويحرّق بسبب كرة القدم أو ترفرف أعلام أخرى ورايات غريبة بدل الراية الموحّدة.
2
صدرت الموسوعة التونسيّة لتكون متحفا تجتمع فيه الأعلام والمعالم والمواقع والأحداث والمدن والمؤسّسات.قد يكون ثمّة سهو هنا أو نقص هناك ولكن الجهد بدءا من الفكرة والتصوّر جهد سخيّ ولا ريب.فالموسوعات باعتبارها مجمعا للذاكرة المشتركة وجمعا لشتات المعارف الحاصلة تقبلُ التنقيح والتصحيح والتعديل والإضافة.فإن هي إلاّ طبعة تجريبيّة وإن كانت نسخة توصّل إليها المشاركون والمشرفون من المختصّين بعد سنوات من الكدّ والجهد.
بيد أنّ هذا الجهد قديم بدأ منذ عقدين من الزمن ولا نرى وجها أخلاقيّا ولا معرفيّا لتناسي من ساهم فيه بالتحرير واقتراح المداخل أو الرأي والمشورة.والغريب أنّ أوّل المنسيّين ، حتّى نحمل الأمر على مجرّد النسيان وإن لم يكن نسيانا،هو رئيس بيت الحكمة الأسبق الأستاذ عبد الوهّاب بوحديبة.
نعم قد يكون لنا احتراز على الرجل ، احتراز سياسيّ يعود إلى ولائه السابق وعلاقته بدولة الاستبداد.نعم قد يرى أحدنا في ممارسته عند إشرافه على المجمع تحويلا لمؤسّسة علميّة أكاديميّة تنتج الثقافة النوعيّة إلى ناد ثقافيّ لم يضطلع، على الوجه المطلوب، بالمهامّ الأصليّة.نعم قد نختلف معه في هذا الأمر أو ذاك ولكن لا يجوز أخلاقيّا ألاّ نعترف لذوي الفضل بفضلهم ولأصحاب المشاريع بأفكارهم. نعم وضع الأستاذ بوحديبة البيض كلّه في سلّة واحدة فوقعت السلّة بما فيها ولم يعد له ما يخسر.ولكن ما الذي خسره من لم يدعه إلى حفل تقديم الموسوعة التي ساهم في صناعتها ولو بالإشراف؟ ولماذا لم يُذكر المشاركون في التحرير؟ ألأنّ منهم من والى النظام البائد ولا تسمح الظروف التي حوّلت الجميع إلى ثورجيّين جدّا مجانا بذكرهم؟
3
أحبّ أن أشير إلى أمر يتّصل بهذه الموسوعة قد يبدو ثانويّا للناس ولكنّه عندي حمّال دلالات كثيرة.فقد سبق لي أن دعيت إلى الإسهام فيها باقتراح المواضيع والمداخل و بالتحرير وتأليف فصول  لمّا كانت مجرّد مشروع. غير أنّني رفضت ،على تقديري للمشروع وإيماني بالحاجة إليه.أمّا سبب الرفض فيعود إلى ما اقترح على الكتّاب والمؤلّفين ، وهم من المختصّين في علومهم وأبوابها، من مقابل زهيد بدا لي أنّه ينمّ عن احتقار للخبرة والعلم والجهد.وهذا دأب المؤسّسات التونسيّة في التعامل مع إسهامات المختصّين والمبدعين وحقوقهم الماديّة والمعنويّة التي تنصّ عليها المواثيق الدوليّة والقوانين الوطنيّة.فلئن كنّا نتفهّم الخواصّ وأصحاب المشاريع التجاريّة في سعيهم إلى الربح على حساب العاملين بالفكر فإنّ اتّباع الدولة وأجهزتها ومؤسّساتها لسلوك الخواصّ ، أو بعضهم، لممّا يدلّ عندي دلالة قاطعة على أنّ مكانة المثقّف والمبدع والفنّان والمفكّر والجامعيّ والنخبة عموما في عيون السلطة السابقة لهي في أسفل السافلين.فما الذي يدلّ اليوم على أنّ الحال تغيّرت؟

Aucun commentaire: