Follow by Email

lundi 2 juillet 2012

روح اللّغات




 1
 في المقعد التاسع والعشرين من قبّة الأكاديميّة الفرنسيّة يجلس العربيّ الثاني الذي دخل إلى عالم الخالدين.بعد الجزائريّة آسيا جبّار فُتح الباب للبنانيّ امين معلوف.
  دخل إلى معبد الّغة الفرنسيّة بالراء التي لا ينطقها على سمت أهل باريس اليوم.ربّما أراد ان يذكّر الفرنسيّين بأصل نطقهم للراء أو ربّما أراد أن يؤكّد من داخل الحصن الحصين للفرنسيّة أنه من أبناء لغة الضاد ...والراء والغين أيضا.
لنتذكّر ،والذكرى عماد الثقافات، أنّ صاحب جائزة غنكور لسنة 1993  من الذين نقدوا الفرنكوفونيّة منذ سنوات.فرآها أشبه بجدار فصل عنصريّ.قال ذلك في بيان وقّعه مع ثلّة من أبرز المؤلفين الذين يكتبون بالفرنسية وسموه بــ" من أجل أدب-عالميّ بالفرنسيّة".
 مفارقة محيّرة لمن يطمئنّ لإجاباته الجاهزة عن أسئلة اللّغة والهوّيّة ،لمن يحلم بلغة نقيّة لا تنازعها لغة أخرى ولا تخالطها عجمة ولمن يركن إلى هويّة يمكن أن تكون "قاتلة" بعبارة امين معلوف.
2
يستنكر بعض أهل الصفاء والنقاء اللغويين عندنا ،باسم الهوية،ما نعيشه في بلادنا من ثنائيّة لغويّة.يطلقون صيحات الفزع وصرخات العار:فاللغة مسكن الثقافة وعنوان الهوية والسيادة القومية.
غير أن في التاريخ ، كالعادة ، عبرا تحتاج إلى نظر وتدبّر.
يثبت تاريخ بلادنا الثقافي أنّ الرغبة في اللّغات الأجنبيّة لم تأت بإرادة دولة الاستقلال ومدرستها الحديثة مع ما سمي بمشروع المسعدي.إنّها رغبة النخبة الاصلاحية التونسية منذ مدرسة باردو الحربيّة والصادقية بالخصوص.فلغة الآخر بعض أسرار قوته العلمية والتقنية وتفوّقه في الابتكار المعرفيّ والتجديد الثقافي.ولكن المركب انزلق بالراكبين جميعا.إذ لم توجد إلى حدّ الآن لغة منفصلة عن روح ثقافتها.
ولم تعمّ الرغبة في لغات الآخرين إلاّ حين نادى المصلحون المتنورون من أبناء التعليم الزيتوني بنشر اللغات الأجنبيّة.فقد عاينوا انغلاق الدرس الزيتوني على ثقافة التكرار والاجترار.
 ففي المسالة وجه من الاضطرار وآخر من الاختيار.ولكن الثابت في الحالتين أن بابا واسعا قد انفتح لتطوير العربيّة نفسها.وهنا مكمن المفارقة الطريفة الدالّة.
3
لقد تطوّرت لغة الجاحظ فاتسعت آفاق القول فيها.بدأت آلة تحديث العربيّة تتحرّك ليستكشف بها أهلُها أوساع الثقافة الحديثة.ولكنّ تطوّرها لم يحدث على أيدي ذوي اللسان الواحد مهما تكن فصاحته وطلاقتهم.كان ذلك بأيدي مزدوجي اللسان الّذين يحسنون نطق الراء بصفاتها الصوتية المعروفة في شعر العرب وفي القرآن الكريم والراء الباريسيّة في آن واحد.
تعامل صوتي في ظاهره أمّا باطنه فتنويع ثقافي مؤلم أحيانا ، متوتّر أحيانا أخرى ولكنه مخصب دائما.إنّنا أمام تدرّب على قول الوجود والأشياء مرهق شيّق مثير بتلعثمه مثقل بتردّده ولكنه فاتح دائما لسبل بكر في المعنى.
  والذين طوّروا العربيّة كذلك هم من يحقّ لنا أن نسمّيهم بأحاديّي اللسان مزدوجي الثقافة.نقصد أمثال الحدّاد بنداء الحريّة الاجتماعيّة المجلجل في أرجاء العشرينات من القرن الماضي، ونقصد أمثال الشابي الذي نفخ في العربيّة مطلقا روحا من التجديد خفّاقة.
 ولم يكن أمام مدرسة الاستقلال إلاّ ان تواصل السير في هذا الاتجاه الذي ولّد أجمل الأفكار في الثقافة التونسيّة وأخصبها.فليست اللّغات في حدّ ذاتها مهمة بل الأهمّ الروح التي تسكنها .وهذه الروح آفاق من ثقافة ثريّة تقولها اللغة وتعمل على استكشاف ممكناتها.

1 commentaire:

Sperrmüllentsorgung Wien a dit…

شكرا على الموضوع