vendredi 29 juin 2012

تاريخ الاحتراق




1
لا نعرف إنْ كان المؤرّخون قد كتبوا تاريخ ثقافة الحرق والاحتراق. ما نعرفه أنّ رمزيّة النّار الحارقة المدمّرة أو المطهّرة قد حلّلت بعض صورها وأخيلتها. ما نعرفه أيضا أنّه كلّما عنّ للحالمين في الثّورات أو اليائسين من الحياة أن يحلموا بعالم جديد أو أن يعودوا ، ولو تخيّلاً ، إلى عالم موهوم أشعلوا النّار في كلّ شيء.
كأنّ الحلم والوهم لا يبدآن إلاّ من أرض محروقة. سيناريو يتكرّر في الثّورات والثّورات المضادّة جميعًا : هكذا يقول التّاريخ.
      إنّها بدائيّة أصليّة مستكنّة في اللاّوعي تعود مع كلّ اِحتجاج رغم لغة الحضارة وإهاب التّمدّن وبنود العقد الاجتماعيّ.
2         
جاء الخبر مع نوادر الأخبار وغريبها، جاء من إيطاليا : إيطاليا " الدولشي فيتا" :الحياة الممتعة الرّائقة. من ميلانو حيث يوجد متحف الفنّ المعاصر بكازوريا Casoria)).
طفق مدير المتحف ، وهو فنّان ، يحرق ما يناهز العشرين لوحة ويهشّم بعض المنحوتات اِحتجاجًا على السّلطة الثّقافيّة في بلاده : سلطة تركت المتحف في وضعٍ مُزْرٍ رغم أنّه يحتوي على نصف التّراث العالمي المعاصر.
اِحتجاج أيضا للفت نظر الرّأي العام في مدينة أشبه بالجثّة الهامدة. لا يهتمّ سكّانها بالثّقافة أو الفنّ لأنّهم مشغولون بتصريف شؤون حياتهم القاسية في مدينة تسيطر عليها المافيا وتتزاحم فيها حمّى المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة.
انتشرت النّار في هشيم اللّوحات. والمفارقة أنّ حركة الحرق هذه ساندها الفنّانون أصحاب اللّوحات أنفسهم وبعضهم بادر بحرق إبداعاته التّشكيليّة على سبيل التّضامن.
ألْف عمل فنّي يضمّه هذا المتحف الإيطالي مهدّد بالحرق القصدي. ثمّ ماذا !؟
 أيُلقي الفنّانون بأجسادهم ولوحاتهم في محرقة السّياسيّين الذين يرون الثّقافة تَرَفًا ونشاطًا هامشيًّا ؟
       3      

هذه الهشاشة التي لا تحتمل تذكّرنا ، على سبيل التّداعي ، بهامشيّة كيميائيّي الألوان والموادّ في بلادنا ومن شابههم ممّن مسّتهم شياطين الفنّ.
بالأمس ، كادت البلاد تحترق بتعلّة أعمال فنّية تشكيليّة عرضت في "ربيع الفنون". فكاد ينقلب  الرّبيع صيفًا قائظًا أشبه بنار جهنّم يحشر فيها ، باسم المقدّس ، فنّانون ذكروا بأسمائهم وأرقام هواتفهم وكفروا على المنابر بما في ذلك منبر الجامع الأعظم.
 والأنكى أنّ وزارتهم (تحت ضغط الشّارع السّياسي في تحالفه الشّعبوي مع الشّارع المحافظ) رفعت أمرهم إلى القضاء لتصنعَ منهم ، من حيث لا تدري ، شهداء لحرّية التّعبير الفنّي. والشّهادة ، في هذا الباب كما في غيره ، تخليد لمن يستأهل ولمن هو دون ذلك.
ولمّا كان الشّيء بالشّيء يذكر، ندعو فنّانينا التّشكيليّين إلى التّفكير عميقًا قبل مزيد الضّغط والإلحاح وقبل العودة إلى التّذكير بمشروعهم لإنشاء متحف الفنّ التّشكيلي المعاصر في تونس.
فما نخشاه أن يجدوا أنفسهم في وضع المتحف الإيطالي : يحرقون أعمالهم بأيديهم احتجاجًا على غياب التّمويل ولا من مصغٍ أو مجيبٍ.
وما نخشاه عليهم أن يصبحوا مادّة لإعادة فتح باب الاجتهاد الفقهيّ في آليات ... التّكفير.
وما نخشاه قبل هذا وذاك أن يكونوا ، هم وأعمالهم الفنّية ، مادّة يعالجها مؤرّخو الزّمن القادم حين يشرعون في كتابة تاريخ ثقافة الحرق والاحتراق.واحتراق الرّموز والإبداعات الفنيّة، لو ندري، أشدّ مضاضة من احتراق المحامل جميعها.
لقد بدأ التوحيدي في ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة ثقافة الاحتراق ... ولا ندري من يوقفها.

1 commentaire:

Entrümpelung wien a dit…

Dank den Themen .... Ich hoffe, mehr von den Themen