Follow by Email

mercredi 10 décembre 2014

وزارة التعليم العالي في جلباب لزهر بوعوني




    يحقّ لوزير التعليم الأسبق السيّد لزهر بوعوني أن يقول: " الآن أمدّ رجلي" حين يطّلع على النتائج الأوّليّة للاستشارة الوطنيّة لإصلاح التعليم العالي وبالخصوص النتائج التي قدّمت في ندوة العمداء والمديرين التي أشرف عليها وزير التعليم العالي الحالي. ويحقّ له أن يردّد ما قاله أحد من تزيّدوا في الأحاديث النبويّة :" قد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال، وأحلل فيها الحرام‏". أمّا الأحاديث التي وضعها لزهر بوعوني في قانون 2008 فهي مجمل الأحكام التي أفسد بها منظومة "إمد" وجعل روح التقييد وغاية غلق باب الاجتهاد تستعصيان على المعالجة والإصلاح دون المساس بأسس المنظومة كلّها.
فظاهر القانون الذي وضعه لزهر بوعوني العمل على مطابقة المعايير الدوليّة في التعليم العالي وصياغة المنظومة وفق مقتضيات اللّغة السائدة والمفاهيم المعتمدة في "سوق التعليم العالي " المعولم اليوم ولكنّ باطنه خنق كلّ نفس أو إمكانيّة لاشتغال هذه المنظومة بمبادئ الجوكمة الرشيدة والاستقلاليّة والمحاسبة والتشاركيّة. لذلك فكلّ محاولة لإصلاح منظومة صيغت بهاجس الخوف من الحرّيّات الأكاديميّة في معناها الحقيقيّ والأصيل لا يعدو أن يكون جولة مدوّخة في متاهة مغلقة أو وقوعا في الفخاخ المنصوبة في كلّ جملة من جمل قانون 2008.
    وتقديرنا أنّه لا إصلاح ممكنا من داخل هذا النصّ القانونيّ بل ينبغي تشخيص تلك الفخاخ فيه وتحديد مواضع التلاعب بالمعايير الدوليّة داخله ثمّ إعادة فتح مغالقه حتّى نتمكّن من فكّ الفخاخ المنصوبة.
أمّا الطريقة الثانية التي نميل إليها فهي أبسط وإن كانت تتطلّب جرأة سياسيّة وإرادة حقيقيّة لا نراهما متوافرتين. إنّها طريقة إعادة التأسيس. نعم! فنحن نتحدّث في حياتنا العامّة وحياتنا السياسيّة عن مرحلة تأسيسيّة قوامها الاستناد إلى خلاصة الذكاء البشريّ ومطابقة المعايير الدوليّة في كلّ شيء رغم ضروب المقاومة والمحافظة. فلمَ ننسى هذه الروح التأسيسيّة حين يتعلّق الأمر بمنظومة التعليم العالي أي بمستقبل بناء البلاد وصياغة العقول؟ إنّها لمفارقة مخجلة ممّن يفترض أنّهم يمثّلون النخبة الجامعيّة ومؤتمنون على إدراج التعليم والبحث في مسار التنمية الحقيقيّة.
بيد أنّ بين هذا الذي نقوله وبين ما نجده في "خطّة" الوزارة ( نقول خطّة من باب المجاز لأنّ الوثيقة الموجودة لا ترسم أيّ شيء في تقديرنا كما سنوضّح) وما تتبنّاه الجامعة العامّة للتعليم العالي الشريكة في عمليّة الإصلاح بونا بائنا.
   فقد أصدر السيّد الكاتب العام للجامعة العامّة للتعليم العالي والبحث العلميّ بتاريخ 13 أوت 2014 بيانا حول الإصلاح. والحقّ أنّنا لا نعلم هل يعبّر فعلا عن تصوّرات جادّة أم هو مجرّد خطوط عريضة تمثّل منطلقا للتفكير في الإصلاح وإن بعد ثلاث سنوات من بداية ما سمّي بالاستشارة الوطنيّة. نكتفي بذكر مثال واحد على ما نزعم. فممّا نجده في البيان من "تصوّرات" لإصلاح منظومة التعليم العالي في باب الحوكمة هو الانتقال الاختياري ( نعم الاختياري!) إلى اعتماد صيغة المؤسّسة العموميّة ذات الصبغة التكنولوجيّة والعلميّة. هذا دون دراسة موضوعيّة لمحدوديّة هذه الصيغة وعدم ملاءمتها لواقع الجامعات.
 فقد جرّبت هذه الصيغة وتبيّن فسادها ولكنّ لزهر بوعوني وضعها كإمكانيّة بشروط مجحفة حتّى لا تتحقّق الحرّيّات الأكاديميّة. إنّها حديث من الأحاديث التي وضعها الوزير الأسبق عن وعي لقطع الطريق أما الجامعيّين المنادين باستقلاليّة الجامعات. ولكنّنا نرى نقابة نخبة التعليم العالي تتبنّاه كحدّ أقصى في إصلاح حوكمة الجامعات. وليس لي والحال تلك إلاّ أن أستذكر الآية الكريمة:" إنّا أو إيّاكم لعى هدى أو في ضلال مبين"
أمّا الوثيقة المؤرّخة في 9 أكتوبر والتي اعتمدت في ندوة العمداء والمديرين بصفاقس فأمرها أغرب. نجد أصحابها يتحدّثون عن "خطّة العمل الاستراتيجيّة" وعن الأهداف الخصوصيّة للإصلاح والأهداف الفرعيّة في مجالات المسارات والتكوين والبحث العلميّ والحوكمة..إلخ. وممّا أستغربه أنّ جميع المعطيات الواردة فيه لا تخرج عمّا ورد في قانون 2008 الذي أعدّه لزهر بوعوني وتمسّك به رغم معارضة جلّ الفاعلين في الفضاء الجامعيّ آنذاك. وهذه أمثلة من مكوّنات هذه الخطّة اخترناها جزافا: "ملاءمة التكوين لحاجيات المحيط الاجتماعيّ والاقتصاديّ" و"تدعيم التكوين في بعث المؤسّسات" و"مهننة التكون الجامعيّ" ( كذا! حرفيّا ودون تحريف) و"تطوير الإدماج المهنيّ لحامليّ الشهادات الجامعيّة"...إلخ.
        هذا إجمالا امّا إذا ناقشنا التفاصيل فالأمر يستدعي منّا أن صفحات طويلة لبيان أنّ هذا الإصلاح المزعوم الذي أضاع فيه الجامعيّون ما يفوق الأربع سنوات بتزكية من نقابتهم لا يعدو أن يكون تفطّنا بصفة متأخّرة إلى أنّ القانون الحالي للتعليم العالي غير مطبّق بروحه ونصّه. فهل علينا أن نعتذر للسيّد لزهر بوعوني الذي ورّطنا ولم نتفطّن إلى "عبقريّته" القانونيّة إلاّ بعد خمس سنوات؟ أم علينا أن نأخذ الكتاب بقوّة وننزع عنّا جلباب لزهر بوعوني ونعيد تأسيس منظومتنا الجامعيّة وفق المعايير الدوليّة ونكفّ عن الأوهام التي ظلّت تلازمنا؟.
      لقد قلنا مرّات إنّ هذا الإصلاح لن يفضي إلى شيء وأشعلنا شمعة بدل أن نلعن الظلام وقدّمنا فكرتنا الأساسيّة لبلوغ الإصلاح الحقيقيّ والجدّيّ على صفحات هذه المجلّة وفي غيرها من المنابر ولكن لا حياة لمن تنادي.

       لقد صرنا نعتقد أنّ وزارتنا لا تملك أيّ تصوّر عن الإصلاح بل هي عاجزة عن صياغة أيّ تصوّر لإصلاح التعليم العالي وإنّما الأمر كلّه مجرّد إضاعة للوقت وإيهام بوجود عمليّة تفكير في الإصلاح وسعي إليه. ولكنّ الجبل سيتمخّض ويلد في أحسن الأحوال تطبيقات جزئيّة للقانون الذي وضعه لزهر بوعوني وكبّل به الجامعة. ورجائي أن أكون مخطئا.  

Aucun commentaire: