Follow by Email

jeudi 13 août 2015

«الطلياني»: سيرة اليسار التونسي وظلاله بتقنية خيالية



محمد بن مسلم المهري (أكاديمي عماني)

القدس العربي، 9 أوت، 2015
                             

«ربما أدرك أن الأسرار التي تشد الناس إلى المرء لا تكتسب قيمتها من ذاتها»
تلك الأسرار التي فتحت شهية القارئ للاطلاع عليها؛ هي التقنية التي عمل عليها المبخوت باحتراف؛ حيث بدأ بالزقاق الأخير المليء بالأسرار، وانتهى برأس الدرب الذي كشف فيه تفاصيل منازل الخطوة الأولى الذي انتهى باسم الشيخ علالة إمام المسجد.
بين هذه الفصول تبدأ رحلتي مع «الطلياني»، وإذا ما أردت الجرأة قليلا فإن أسئلة هنا تعتلج في صدري أهمها:
هل رواية «الطلياني» سيرة لليسار التونسي بتقنية خيالية؟
هل تعد رواية «الطلياني» مراجعة جادة للملفات المسكوت عنها عند اليسار لبناء يسار جديد بعد الثورة؟
الحق حين وقفت على تخوم رواية «الطلياني» وجدت نفسي أمام بناء محكم تمكن المبخوت منه، وقد تشرب ما حوله، فالمبخوت هو «الطلياني»، وهو السارد، وهو الراوي، وهو اليسار، يحرك شخوصه بطريقة تختلط على القارئ وتوقعه في سراب لا نهاية له، كلما قطع واديا ظهرت مفازة تحيطه بأسئلة لا يجد لها الكثير من الأجوبة، وحتى لا أقع في تيه «الطلياني»، أو هكذا يظهر لي عمدت إلى بناء خاص يلملم ذلك السراب من خلال عنوانات تضيء بعضا من معالم الطريق؛ لمواصلة درب مليء بالإشارات لصفحة طويت ومستقبل جدير بالقراءة المتأنية.
النشأة:
أثث «الطلياني» (عبدالناصر وهو الشخصية الرئيسية) بداياته بالبيئة التي نبت فيها اليسار، حيث كانت البذرة الأولى في بيت مكون من أب مثقف يميل إلى الأخذ بالنمط الغربي في التربية، وأم تحاول فرض سيطرتها لتكوّن مجتمعا محافظا أقرب ما يكون إلى النمط المتطرف الذي لا يقبل النقاش حول المبادئ العامة في البيت، وهذه هي البذرة الأولى لتمرد «الطلياني»، والحركة الأولى للتحرر من قيود المجتمع المحافظ .

«غرفتي وأنا حرّ فيها»

لقد بنى «الطلياني» قلعته، على الرغم من المعارضات التي تظهر هنا وهناك من لدن القوة المهيمنة على البيت بقوانينها «أصبحت لعبدالناصر ممكلته الخاصة معلنا من خلالها استقلاله عن نساء البيت الشرسات»، لقد تكوّن التوجه اليساري ثقافيا لدى عبد الناصر ورفاقه من خلال قراءة أدبيات الحركات الشيوعية بداية برواية «الأم»، وكتب الفلاسفة الكبار أمثال جورج بولتيرز، ونهاية بالجلوس إلى بعض من يعد على الاتحاد العام التونسي، ومن هناك انضم إلى التنظيم السري.
الخروج:
للأسف لا نجد «الطلياني» بعدها إلا في قلب التنظيم لينتمي إلى خلية يسارية يقودها محام لا يقبل من ينتقد مبادئه، وكأن خروجه إلى مجتمع الجامعة ولحظة التنظيم والاجتماع لحظة واحدة، لم تكن هناك مساحة زمنية تؤهل القارئ لتلقي الانخراط في الدوائر اليسارية، ولكننا سنمضي معا لنجد عبد الناصر في لقاء جمعه بجعفر ورضا ونبيل في شقة نجم الدين في حي الزرهوني الشعبي لمناقشة التخلص من الطالبة زينة، التي بدأت تناقض مبادئ اليسار، وتسفه بعض آرائهم حسب توجيهات الرفيق المحامي، الاجتماع يمثل اليسار بمرجعياتهم المختلفة، ويصور عدم الاتفاق حول الآراء المطروحة على طاولة النقاش، وعلى رأسها تصفية زينة، إذ خرج الجميع على غير وفاق على محور الاجتماع، بل كان الانفضاض عن المحامي الجهبذ على رأس النتائج التي خرج بها المجتمعون، والنقطة المهمة هي التفاوض مع زينة؛ حتى تخفض من حدة نقدها.
زينة الفتاة المنحدرة من القرى البربرية في الشمال الغربي واسمها الأمازيغي « أنروز»، الذي لا يعرفه إلا أصدقاؤها المقربون. تمثل المرأة التونسية التي أتت من الأرياف تبحث عن التطلع إلى حياة أرقى، في ظل نظام جديد يتيح للمرأة الخروج وخوض الحياة جنبا إلى جنب مع الرجل. من هنا كانت زينة بكل آمالها وتطلعاتها التي فاقت كل التقديرات، بما تشربت من ثقافة واسعة تتيح لها محاورة كل التيارات اليسارية منها والإسلامية، تصل إلى درجة الاستهزاء بل التسفيه؛ الامر الذي دعا اليسار إلى توجيه أمر إلى كوادره بتصفيتها.
القلب والدوائر:
السؤال الذي يطرح نفسه في أي دائرة من دوائر اليسار يمكن وضع زينة فيها؟
لا شك أنها في دائرة المثقف؛ لأنها وبكل سهولة تناقش كل الأفكار التي تراها خاطئة، إذ جلّ خطاباتها نقد حادّ عنيف لما تسميه «الوعي الطلابي البائس» و»الحركات الفاشية ذات المشروع الديني الاستبدادي» و»التشرذم السرطاني لليسار البيرقراطي»، «فالحركة الطلابية عندها ليست طليعة الحركة الثورية، بل هي المكون الهش منها… وتتهم اليسار بغياب العمق الفكري والاكتفاء بقوالب جاهزة حول نمط الإنتاج في المجتمع والتناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، والتعويل على تحليلات لينين وماو تسي حول الواقعين الروسي والصيني وإسقاطها على الواقع التونسي… كانت تصف اليسار بالجاهل وبالكلب الأعمى الذي يجس في مزابل اللينينة الستالينية العفنة».
ولم تكن زينة تقف بنقدها عند اليسار وحسب بل تتعداهم إلى التيار الإسلامي حيث كانت تقول لهم: «تتحدثون عن هويّة ميتة لا تعرفونها… فكركم خلطة ساذجة من إسلام الإخوان والوهابية وتأثيرات شيعية… أنتم تقدسون الأفكار المحنطة، تقدسون أفكار مدرس تربية إسلامية محدود الذكاء، أو معلم من أرياف مصر، لا تقدسون الخالق. أنتم أبناء الجهل المغلف بالبحث عن أصل كاذب لم يوجد أبدا».
كانت هذه الثقافة العالية التي تتمتع بها زينة؛ محط إعجاب من الخصوم وعلى رأسهم «الطلياني»، ومن خلال اللقاءات المتكررة نشأت أول بذرة بين المبادئ اليسارية وابناء الطبقة الكادحة، وتشاء الظروف أن تجمع «الطلياني» وزينة في كلية الآداب في منوبة، ولكن تحت هراوات رجال الأمن، وبعد أن أظهر عبد الناصر شجاعة في حماية زينة وإخراجها من براثنهم، هنا يحدث القران بين اليسار وطبقة البروليتاريا المتعلمة، وإن كانت تحمل شروطا ترفض فيه (زينة/ القرية) الخضوع التام للمبادئ، ومع ما يوجد من تجاذب جسدي بينهما، إلا أنها علاقة تنتهي بعد انفصال الأجساد إلى ألم لا يطاق ولذة لا تحتمل». وكان اللقاء هنا ماديا يلامس اليسار، القرية، أو الانحاء كيما يغرس مبادئه بكل ما يحتوي من إغراء، وحين تذهب كل تلك القرابين تنتهي إلى ألم لا يحتمل، قد يكون ذلك عائدا إلى المأساة التي عانتها المرأة، وخوفها من أن تكون تلك الجارية مرة أخرى، على الرغم مما تجد من لذة جسدية التي هي في أصل الخليقة «بيد أنها في حالما تثوب إلى رشدها لا يبقى إلا ألم حاد مروّع في أحشائها».
النهاية:
بموت الأم الريفية التي تعد معادلا موضوعيا للعهد البورقيبي، أصبحت الريفية الآن أم نفسها، أي أن القيود التي تحافظ عليها ولو من باب المجاملة سقطت، وبمعنى آخر أصبحت حرة نفسها، حينها عملت نجلاء (المدينة) العمل على توثيق أواصر العلاقة بين اليسار والقرية المتحررة، وإن كان النجاح حليفها في بادئ الأمر، إلا أن الأحداث جاءت مخالفة لسنن البحر، بل أن العهد الجديد قدم من التسهيلات ما لم يقدمه العهد المنصرم، الذي وضع المرأة في خط اللارجعة. وما الإشكال في ذلك؟ إذ أن التغيير شمل المجتمع بأسره في العهد الجديد، لقد شمل ذلك التغيير عالم الصحافة والثقافة حتى غدا أمرا ممجوجا»، الذي فسره سي عبد الحميد بأن العالم المتموج جاء من مزاج بلاده، هذه البلاد التي مر بها القرطاجيون والوندال والرومان والفاتحون، واحتضنتهم بصدر رحب، وكأن «الطلياني» أراد أن يخرج لنا تصوره عن الطبقة الحاكمة الجديدة، والمداخل التي من خلالها ظن أن الولوج إليها سهل إلى السيادة، منها على سبيل المثال جو السهرات التي تجمع صناع القرار ووجوه المجتمع.
كان إقدام زينة على الإجهاض هو قطع أي رابط بين (القرية + الطبقة الكادحة +المرأة المتنورة + المناضلة) واليسار، وبخروج تلك المضغة التي تعد تتويجا لامتلاك اليسار للطبقة الكادحة المتثلة بالمرأة الريفية، يكون الخلاص الأبدي للمرأة العربية من العبودية والامتلاك لتحيا حياة تريدها، سواء أكانت تتماهى مع المعقول أم لا، وبذلك أنهت احتمالات التلاقي، إلا أن المبخوت لم يرض لها ذلك الخروج فقدمها إلى هاوية أخرى يسمى اليسار الباريسي، حين ربطت نفسها بأريك فظلت في دوامة الرفض لم تستلم مع فيض المحبة «وأشهد شهادة حق أن أريك كما رأيته يموت في حب زينة». في عام 1989 كان الفراق بين الطلياني وزينة وتقديري الشخصي ـ للراوي ـ أن «الطلياني أضاع الجهات الست بعد طلاقه من زينة، من دون أن يفقد عقله تماما ـ لأمر ما يمكن القول ـ إن الميزان الذي يجعل الناس على هدى هو النظر إلى الواقع بعين التروي لا أدري ولكن هو وجود».
بهذا الفراق الذي رفض الحزب اليساري التوقيع مع الأحزاب 1989 كانت هناك المصارحة التي أطلقها «الطلياني» عن نفسه «إنني لا أصلح لشيء.. أنا فاشل.. مخفق.. خائب ولا أريد أن أعترف بذلك.. الكأس كلها مهشمة منذ البدء ولم أقدر على رأب صدعها وإن أوهمت نفسي بقدرتي على ذلك».



Aucun commentaire: