Follow by Email

mardi 12 février 2013

ما لا يعرفه القتلة...





في الشارع الرئيسيّ نفسه، الشارع الذي مرّت منه سيّارة الإسعاف حاملة الجثمان كانا يسيران. في أماسي الصيف حين يخفت الحرّ يمارسان هواية المشّائين ولكن في الجادة التي تتوسّط شارع الزعيم.
هناك ، لو تشهد ذاكرة الأشجار ، لو تعلّمنا منطق العصافير التي تردّد إلى الآن حديثهما كانت تحلّق أحلام الشابّين بعالم أجمل وأعدل.
كان يصنعان من الكلمات وشواهد الكتب ومزيج الأفكار القديمة والجديدة والأشعار الرائعة جنّة الإنسان على الأرض ، يبحثان في خريطة العالم التي يفكّكانها ويعيدان تركيبها عن المسالك الموصلة ويحدّدان المدن الفاتنة التي لم تظهر بعد.
كان يستنطقان التواريخ والأحداث والوقائع كأنهما عاشاها بمآسيها وأفراحها ، كأنّهما عاصرا أوجاع المقموعين والمضطهدين والثائرين جميعا.يركّبان من نثار المعلومات عن تاريخ الثورات ومآسي البشريّة التي تجرجر وراءها تراثا بذيئا من البربريّة صورا من البطولات الدمويّة والعذابات المتكرّرة.يبنيان بها، وفيها، أملا بعيدا يشحذ فيهما إحساسا أقوى فأقوى بأن الإنسانيّة لم تدخل بعد مدينة المعنى التاريخي العميق الأصيل.كأنّ للتاريخ غائيّةً يسير إليها قُدُما بدونها يتواصل السقوط في أرذل صيغ الاستعباد والاستغلال وإهانة كرامة الإنسان.
كانا يتنقّلان من ثقافة العرب إلى الأفكار الرائعة الآتية من بعيد ، من مدن لم يزوراها أبدا.يشعران صادقيْن بأنّ الإنسان واحد وأن الفكر حديقة متنوّعة خلاّبة وبستان يتيح لهما متعة النظر والتأمّل في عبقريّة الإنسان:الإنسان الحالم التوّاق الخارج عن طوق حدوده ليعانق ما وراء العرش : عرش الخير والجمال والعدل ،بحثا عن مطلق آخر لم يُكتب بعد ، عن القصيدة التي تختزل الجوهريّ ، قصيدة لا تقال بل تعاش ،لا انفصال فيها بين القول والفعل،قصيدة تُنشأ خارج شروط الاغتراب الإنسانيّ وبعيدا عن قيد الضرورة.
كان يحبّان مخطوطات 1948  لماركس الهيغليّ الشابّ.ينقمان على ألتوسير وقراءته الجافّة لأجمل الأحلام باسم العلم وتمييزه عن الإيديولوجيا باعتبارها وعيا زائفا.ويعودان لإنصاف الرجل حين يحلّل أجهزة الدولة الإيديولوجيّة.
كان يختلفان في أمر ستالين ولينين وتروتسكي وماوتسي تونغ  وكاوتسكي وروزا لوكسمبورغ كأنّهما بعض أفراد عائلتيهما.أسماء وأفكار ومواقف تنثال هكذا من الذاكرة.قرآ نصوصَهما أو بعضها وفي أثناء ذلك كانا يطوّران كفاءتهما في الجدال والحجاج واللّجاج .
يتفقان على معاودة القراءة والتدقيق والتحقيق .يقطعان الجدل الذي يحتدّ دون أن يقطع الخلافُ حبلَ الحوار والودّ والإعجاب بالعقل النقديّ الوقّاد .
يستريحان في ظلال ما يجمعهما.يصدح صوت أحد الشكرييْن بما تيسّر من شعر درويش أو أدونيس او ناظم حكمت أو بوشكين أو بودلير او المتنبّي او النواسيّ... وبقيّة العصابة .قد يقرأ أحدهما للآخر قصيدته الجديدة: لو غيّرت هذه الكلمة بتلك لكان أفضل، لو تركت القافية في ذاك السطر لكان أنسب ، لو حذفت هذا المقطع لكان أقوى إيحاء.ولا سبيل لرفض رأي الناقد الحصيف فهما يعرفان أسرار الكتابة ، أو هكذا شبّه لهما، ويثقان في حساسيّتهما الشعريّة المشتركة التي قرّبت بينهما في الفكر والحياة.
ومن أجمل اللّحظات حين يعنّ للفقيد الشهيد أن يستظهر بعض محفوظه من القرآن الكريم.ما يزال يذكر الحديث الممتع عن الآية الكريمة من سورة الكهف :( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) و عن الفرق بينها وبين ما جاء في سورة لقمان : ( ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) .   عادا إلى التفاسير وظلاّ يستجليان وجوها من التآويل كان أحدهما يحبّ رأي المتصوّفة في تخريجها ويعارضه الآخر برأي العلاّمة صاحب التحرير والتنوير في تلخيصه الفذّ النبيه لأجمل الآراء عن الآيتين.
لم يكونا يريان التضادّ بين الأفكار والسياقات ومقامات الخطابات.كان يتأمّلان خلاصة الذكاء البشريّ وتجسّداته وتشكّلاته المختلفة.يتمتّعان بتنوّع الأقوال وتموّجاتها وبتلك الثروات المتاحة للجميع على مائدة الفكر البشريّ الباذخة الفاخرة.
تعرّفا على بعضهما في الأزمات ،في أثناء ما شهدته بداية ثمانينات القرن الماضي من حركة تلمذيّة.جيل جديد من أبناء مدرسة الجمهوريّة و أبناء الحيرة التي تُغلّف أحيانا بيقينيّات تشبه المطلقات.ولكنّ الرؤية الشعريّة العميقة للكون والشعور الإنسانيّ الفيّاض بواجب العمل على سعادة البشر ورفض القهر والاستعباد لم يمنعا اختلاف السبل بينهما لشجاعة عند هذا او التزام عند ذاك أو بحث لا يتوقّف  أو تردّد في مفترقات طرق  أو طبع شخصيّ يكره التفكير العموميّ أو شكّ يولّد شكّا في اليقين السابق.جيل حيرة لم يفقد حيرته حتّى في أشدّ لحظات اليقين.
كان آخر هاتف من الفقيد إليّ :" عد إلى كتابة الشعر. أعرف أنّك ستقول أجمل قصيدة عن أحلى لحظة شعريّة نعيشها رغم كلّ ما يقع".
ما لم يكن يعرفه الفقيد أنّه رغم افتراق السبل ما زال في ذاكرتي ،كما ظلّ منذ ثلاثين عاما، بيتا جميلا في قصيدتي التونسيّة.
ما لا يعرفه القتلة أنّ شكري صنع مجده بالكلمات التي قرأها وكتبها وقالها خطيبا مصقعا أمّا سلاحهم الحقير فهو لا يحبّر في كتاب الحياة جملة مفيدة فلن تنفد كلمات الحقيقة ولو قتلوا عددا من أشباهه ونظرائه.
رحم اللّه شكري بلعيد لقد كان أعظم من قتلته.
                                                            

2 commentaires:

Lotfi Aïssa a dit…



هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبد
المائدة 119

zeineb a dit…

للشوارع اثر في قلوبنا، تحينا وتحمينا وقد تقتلنا، الشارع الذي تحدثت عنه شارع يلخص الكون: فيه حضننا فيه حتفنا. ما أجمل هذا النص، فقط لو يتحول سيرة أو رواية، لم يكفني منه ما قرأت.لو يصبح هذا النص رواية لقصة الحالمين والمكان لعله يحي ما قد غيب المكان في ذات اربعاء حزين.