samedi 27 février 2016

الرواية أقدر على تصوير الصراع وكشف المسارات في تعرّجاتها وتردّداتها


            


حوار : عبد الله المتقي، مجلّة أعناب


نالت رواية “الطلياني” في دوتها الثامنة لهذه السنة بالجائزة العالمية للرواية في دورتها الثامنة لهذه السنة ، للعام 2015.
باعتبارها أفضل عمل روائي نُشر خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وجرى اختيارها من بين 180 رواية مرشحة تتوزع على 15 بلداً عربياً، وعلى هامش هذا التتويج لشكري  وللرواية التونسية ، كان لنا معه هذا الحوار لمجلة أعناب:
بداءة … ماذا عن تلك الحوادث التي ورطتك في متاهة الكلمة؟
أنا متورّط منذ أكثر من ثلاثين عاما في تلك المتاهة الرائقة المدوّخة ، وما الحوادث التي تشير إليها إلاّ بعض الحوافز للتأمّل، وتدبّر الصيغ القوليّة المناسبة. فنحن نختار هذا الجنس أو ذاك من أجناس الكلام بحسب الموضوع والهاجس الذي يستبدّ بنا.
أنت باحث أكاديمي أولا، ثم روائي ثانية، كيف عشت هذا العبور للرواية؟
كان عبورا سلسا جدّا بحكم أنّ اشتغالي الأساسيّ أكاديميّا منصبّ على التداوليّة والخطاب والبلاغة. إنّ قولة الجاحظ التي حفظناها مدرسيّا “لكلّ مقام مقال”، تجمع جوهر فعل القول والكتابة وما علينا إلاّ أن نتبع مقتضياتها واستلزاماتها.
فبإزاء الرواية لا تنفع القواعد الأكاديميّة بل لعلّها لا تصلح إلاّ رقيبا على الكاتب من داخله ليبتعد عمّا تحمله سيول القول المتدفّقة من سذاجة أو اندفاع مفرط أو نزعة إلى الشعر لا أعتقد أن الرواية تحتمله كثيرا. تلك الأكاديميّات تتضمّن بدورها الخيال والدقّة شانها شان الرواية وهو ما ييسّر العبور من جنس إلى آخر.
وكيف تشكّلت لديك الرغبة في كتابة “الطالياني”؟ من أين جئت بهذا العنوان، كيف اخترته؟ ومن أي ورشة أتيت به؟
لم أخطّط لشيء، جاء الأمر في ظاهره عفوا، وفرضت الرواية نفسها عليّ، لأنّها أقدر على تصوير الصراع وكشف المسارات في تعرّجاتها وتردّداتها. وليست تسمية الرواية باعتبارها عتبة من عتبات النصّ، إلاّ التقاطا للفظ ملتبسة جذّابة في ما بدا لي، حمّالة لأوجه من المعنى بعضها يلمس لمسا في سطح الرواية ،وبعضها يحتاج إلى الحفر في طبقات رمزيّة منه. لقد كان مخبّأ بشكل مفضوح في ورشة الرواية نفسها وفي الذاكرة التي كتبتها ونهل منها النصّ.
 بداية الرواية هي نهايتها … ما الحكاية؟
ليس في الأمر أيّ حكاية هكذا ولدت بمثابة لغز يتطلّب حلاّ كما هو الحال في الرواية البوليسيّة مثلا. ثمّة دائما في البناء السرديّ ممكنات واحتمالات علينا أن نختار منها ونوجّهها هذه الوجهة أو تلك وندفع بمنطقها الداخليّ إلى نهايته. وحين استنفدت المكونات السرديّة احتمالاتها انغلقت الرواية على نفسها وجاءت النهاية لتعود إلى نقطة البدء كشفا وبيانا. طبعا هي لعبة سرديّة لشدّ القارئ ليس من جهة مضمون الحكاية وتفسير المشهد الافتتاحي بل من جهة أهمّ عندي هي مسارات الطلياني ومسيرته باعتباره بؤرة تجتمع فيها صور عديدة للشخصيّات في النصّ او لنقل باعتباره محور لعبة المرايا في النصّ.
الجنس والخيانة… غطاء لإخفاقات جيل ،هروب من التسلط، أم تعرية لمرموز مرحلة؟ وما دلالات معاني هذا الحضور للجسد في “الطلياني”؟
الأجساد المقهورة في الواقع العربي عموما أكثر عددا وأعمق جراحا ممّا يوجد في الطلياني ولكنّ نفاقنا المعمّم لا يحبّ أن يرى نفسه في مرآة السرد أو هو يصيبنا بشيء من الخوف. لا أعتبر الرواية مبنيّة على الإثارة في تناولها لمسائل الجسد والجنس ولكنها تسعى إلى إبراز التوازي بين إخفاقاتنا في الحياة جميعا وإخفاقنا الأساسيّ في أن نكون أجسادا حرّة تتحرّك خارج إسار التمثّلات الزائفة للجسد والقيود الاجتماعيّة الصارمة. فأنا ممن يعتقدون ان تحرير الجسد محرار لا مناص منه للحريّة في أشمل معانيها.
التاريخ كان إطارا ضروريا للبناء السردي في الرواية ، بالمناسبة ، أسألك عن الرواية والتاريخ، أية علاقة؟
لم أسع إلى كتابة رواية تاريخيّة ولكنّ بعض القراء الذين لم يعيشوا فترة الانتقال من العهد البورقيبي إلى العهد النوفمبري رأوا فيها جانبا من تاريخ لم يكتب بعد. وهذا امر طريف عمدي طرافة رأي عبّر عنه صديق باحث في الأنتروبولوجيا بإحدى الجامعات الكنديّة حين لاحظ لي انّ الرواية تتضمّن معطيات أنتروبولوجيّة دقيقة. هذا أيضا يبهجني. ولكنّني أؤكّد دائما أن التاريخ او المعطيات التاريخيّة في حدّ ذاتها لا يمكنها أن تكون معينا تنهل منه الرواية إلاّ إذا صهر في مصهر التخييل بحسب قوانين الرواية. والهم من ذلك هو ما تضيفه الرؤية الروائيّة إلى ذلك التاريخ من تفاعلات البشر ممثّلين في الشخصيّات لنّ الرواية تقول لنا ما لا يقوله التاريخ أي معاناة الناس وردود أفعالهم النفسيّة وتحوّلاتهم كأفراد.
كيف يقرأ سي شكري مبخوت فوزه بجائزة الكومار أولا؟ والبوكر ثانية؟
قبلهما كانت جائزة معرض الكتاب بتونس. ببساطة وجدت الرواية حظوة كبيرة لدى لجان تحكيم الجوائز الثلاث بقدر ما وجدتها لدى القرّاء وربّما يحتاج ذلك إلى تساؤل أعمق عن سرّ هذه الحظوة. وأكبر ظنّي أن الرواية قدّمت للناس، علاوة على أسلوب سردها وحبكتها التي وصفت أحيانا بالكلاسيكيّة واعتبرت أحيانا أخرى واقعيّة، نماذج من شخصيّات يتعرّفون فيها على أنفسهم خصوصا شخصيّة عبد الناصر ثم زينة. فهي من الشخصيّات المركّبة المعبّرة عن بعض تردّدات الإنسان.
ماذا عن المشهد الروائي بتونس بعد الثورة ؟
هناك دفق سرديّ كبير وأعمال عديدة ناجحة وطريفة. هو مشهد يتحرّك في اتجاهات شتّى يبشّر بشيء جديد ما يزال غامضا يحتاج إلى درس وتحليل ولكنّ النقد الجادّ لا يتابعه دائما على الوجه المطلوب ثقافيّا وأكاديميّا.
ما هي أخر الأخبار عن تحويل “الطلياني” إلى شريط سينمائي ؟

مازالت المقترحات قيد الدرس فهي تتساوى في جدّيتها والمطلوب النظر في الضمانات التي يقدّمها المنتجون من حيث الإمكانات الماليّة واللوجستيّة والآجال الزمنيّة.

samedi 20 février 2016

ولا يتوقف العميد عن إثارة الشغب



عن مجموعة السيدة الرئيسة لشكري المبخوت

محمّد السباعي، روائيّ مصريّ

تطالعنا جاكلين بروك زوجة بيكاسو الثانية على الغلاف الامامي وهي اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1954م بعنوان جاكلين مع الورود لكن اللوحة كانت على الغلاف بدون المربعات التي تحوي الورود كانت جاكلين فقط بلا ورود، وكتب العنوان مكان الورود"السيدة الرئيسة" على سطرين، وكأن الغلاف يعكس السيدة رئيسة بلا ورود، وحيدة مرفوعة الرأس طويلة العنق.
أما الغلاف الخلفي اقتباس جذاب من قصة "السيدة الرئيسة" يوحي بقصة رومانسية لحد كبير، وغير مكتوب من أي قصة من المجموعة كان هذا الاقتباس، فمن راقه عليه البحث عنه داخل المجموعة.
يبدأ المبخوت مجموعته بقصة بعنوان "صورة سيادته" صغيرة الحجم وأقصد القصة وليس الصورة، سريعة الإيقاع، ولأنها تجريدية فيمكن رؤيتها من أكثر من زاوية وإلباسها ما في الهوى من انطباعات حول تأويلها، وفي نفس الوقت إن قرأناها كما هي دون تأويل فهي مباشرة المعنى والمفهوم مما يأخذنا لمقصود واضح... وفي اختيار القصة الأولى والعنوان الأول يضع المبخوت منهجاً خفيا يربط المجموعة "سيادته" فيبدأ بصورة سيادته ويأخذنا للتعرف في قصة أخرى على "إعلام سيادته" و"صحافة سيادته" سخرية وتهكم من واقع لا يمكن إنكاره لا يضخمه "العميد" بل ينقله بتجريد من شوائبه ليطل واضحاً، وقبل تملل القارئ من فساد "سيادته" المنعكس في صور متعددة يطل خيط آخر يضاف لعصر "سيادته" اليمين الظلامي واليسار التائه، فننتقل من أعلى الجبل من "صورة سيادته" لنمر بقلب مؤسسات سيادته نازلين حتى الوادي... المجتمع في عصر "سيادته"... الضوابط والشواغل... المحددات... وحتى ما آل إليه الطموح بعد رحيل "سيادته" ماذا ترك؟ ومن حمل الإرث؟ أو نهبه... هذا متروك للقارئ ليقرر فيه... وعندما نصل للقصة الأخيرة "السيدة الرئيسة" والتي نصل إليها بنسق يجعلنا نتوقع أنها حول السيدة الأولى أو سيدة "سيادته" فنجدنا أمام قصة من نوع آخر ربما سيلاحق ذئاب الرجال المبخوت بعدها لفضحه كتابهم الأسود في اصطياد الأنثى... أساليب الشيطان المثقف في الصيد والتخلي... سيبتسم الكثيرون عند قراءتها... الاحتياج... توفير مناخ القبول... الحصول والتمتع... ثم الخروج الآمن... وبعد الانفعال وإلقاء اللوم على اليساري المتسلق والمستغل للطبقة المتوسطة "برغبتها" وفقا لما يعرفه عن احتياجاتها ومخاوفها... فيتحصل هو على المتعة المجانية ويترك لها الكثير من الألم بالإضافة لبعض المتعة التي رغبتها، ويجعل هروبها منه من وجهة نظرها هو قمة الانتصار فهو مريض، عنيف ومستبد... وصفته هي بكلب السلطة وقد تكون أخفت في سريرتها الأسوأ... وبعد امتصاص موجة الغضب تتبين حقائق أخرى... الطبقة المتوسطة العاملة الفاعلة، قلب الدولة وعمودها... تحتاج وجدانيا لمثل هذا المثقف لا تحتاجه شيطاناً لكنها تحتاجه، فهو من يستطيع باتساع رؤيته أن يحتوي طموحاتها ويؤمن مخاوفها... لكنه شيطان... فهل عليها الرضوخ لمن يعرف مفاتيحها أن يعبث بها ويلهو؟... هي لن تقبل أن تسلم جسدها لمن لم يحتل عقلها... ومن دون هذا الشيطان مهما بلغت قدرتهم الجسدية لن يصلوا بها لقمة نشوتها الجسدية لقصورهم في إمتاع عقلها... فهل هذا هو المتاح لطبقة كاملة؟ إما الرضا بالأقل أوالتنازل للشيطان المثقف؟ هل بتلك الطبقة من يمكنه أن يحتل وجدان "فائزة"؟ أم ستظل هي الفائزة في طبقتها والمؤمنة بدورها وأن تقبل النقص الوجداني والاحتياج الشعوري؟ أم عليها قبول المغامرات المتقطعة المتابعدة أو المتقاربة مع الشياطين المثقفة؟ أم ستتحول كما قال لها "عبد الناصر" لعاهرة بتغير وتطور احتياجاتها؟ كالعادة لا يغلق "المبخوت" الأبواب من خلفه بل يترك الكثير من المفاتيح للعديد من الأسئلة التي تقود بدورها للمزيد منها...
الشخصية الرئيسية في المجموعة هي شخصية اعتبارية "سيادته"، والحدث له حدود زمان ومكان داخل تونس أثناء وما بعد فترة ولاية "سيادته" والدافع هو استفزاز العقول للسؤال... أما الوسيلة فهي لغته الخاصة التي تلعب دورا مهماً في المجموعة مفردات محلية قليلة تركيبات لغوية بسيطة ومباشرة كمن يحكي لكل الأعمار، لا يعتمد على الاستعارات ولا يعتمد على قوالب مستهلكة فلن نجد إلا أقل من صوابع اليد الواحدة أذكر منها "الأفاعي وسمها الزعاف" وأذكر أيضا "انطللق السهم ولا سبيل لعودته للقوس" ولا أذكر المزيد، كما يظهر اهتمام المبخوت بالشخصيات من خلال اللغة فلكل شخصية بقدر الإمكان لغتها الخاصة المعبرة عن خلفياتها ولا ينقص المجموعة إلا الأداء الصوتي التعبيري ليجعلها "حكايات" يمكن حكيها بسهولة.
في الوقت ذاته تتميز تلك المجموعة بوضوح العلاقة بين عقل المؤلف وعقل القارئ، ويتعامل معها "العميد" بقدسية العاشق ولا يترك بها مكاناً للناقد، فهي علاقة بسيطة واضحة صادقة لا تسمح بوجود "عزول" فلا يحتاج القارئ لقراءة نقدية ولن يؤثر كلام النقاد أو "العوازل" في تلك العلاقة... مما يضعنا أمام أدب بسيط لا يمكن تصيده أو اصطياده لا يحتاج للنقد المعياري فلن يضيف إليه ولن يقلل منه، بل يحتاج للقراءة بأعماق مختلفة ورؤى متنوعة، أدب يأخذ فيه القارئ رأي القارئ فالمتخصص هنا هو القارئ... كيف قرأ؟ ماذا فهم؟ إلى أي حد استمتع؟ وتكون القراءات التحليلية تأويلا ينتج عنه نص آخر فتتحقق مقولة "الناقد يقرأ ليكتب، فهو كاتب بلا نص" ولكن الفرق أنه سيكتب ما يقرأه القارئ وليس دارسي الأدب وحراس اللغة المقدسة.


mardi 16 février 2016

الدولة وبناء المجال الجغرافيّ والروحيّ



صدر بجريدة العربيّ الجديد بتاريخ 15/02/2008

تعيش كثير من المجتمعات العربيّة اليوم ظواهر ما قبل الدولة (قبليّة وطائفيّة وعشائريّة...) ويشهد جلّها انفجار الهوّيّات في غياب لمعنى الدولة - الوطن وتملّك حقيقيّ لشروط المواطنة. وبسبب من هذا نرى صراعات كثيرة حول السلطة تضع الدولة ومؤسّساتها موضع تشكيك ونجد خلطا بين الانتساب إلى مجال للسيادة مشترك والاعتبارات الروحيّة التي تدخل ضمن الحريات الفرديّة ومن بينها حرية الضمير والمعتقد.
وهذا ما عاين الجميع جوانب منه مع تولّي "الإسلام السياسيّ" السلطة ولو فترة وجيزة في مصر وتونس بالخصوص. فصار مفهوم فضفاض للفضيلة تعلّة للوصاية على الناس انعكست سياسيّا على تصوّر مهزوز لهوّيّة المجتمع. وأدّى ذلك إلى العمل على تفكيك الدولة والخلط الشنيع بين التقليد والتحديث من جهة وبين المحافظة والتغريب من جهة أخرى. 
وتبدو العودة إلى التاريخ الحديث للنظر في كيفيّة تشكّل الدولة في تونس والمغرب الأقصى بالخصوص من خلال ترتيب المجال الترابيّ وبناء الذاكرة الجماعيّة مفيدة جدّا في فهم الكثير من هذه الظواهر. ويمثّل كتاب الباحث التونسيّ لطفي عيسى "بين الذاكرة والتاريخ: في التأصيل وتحوّلات الهوّيّة" (الدار البيضاء، إفريقيا الشرق، 2015) من هذه الناحية دراسة تطبيقيّة لمسائل بناء الدولة في فضاء المغارب ضمن مقاربة تاريخيّة مقارنة.
ذاكرة المخزن
وظّف لطفي عيسى مفهوم المخزن، أي مجموع المؤسّسات التي تكوّن جهاز الدولة، لإبراز استقلال الدولة عن الخلافة في مجال المغارب قبل دخول الاستعمار إثر تراجع تجارة القوافل وتطوّر المبادلات التجاريّة مع الممالك الأوروبيّة. ولكنّ الميزة الأوضح هي انقسام المجال الداخليّ لتونس والمغرب إلى مركز سياسيّ و"سيبة" أي قبائل ممانعة ومعارضة لسلطة الدولة.
بنى المخزن في هذا السياق علاقتَه بالقبائل على أساس الإخضاع عبر الردع والضرائب. بيد أنّ عمليّة رسم المجال لم تكن يسيرة. وقد احتفظت الذاكرة الجماعيّة بتوتّرات وضروب من المقاومة الشرسة تعبّر من وجهة نظر المؤرّخ عمّا لقيته النخبة السياسيّة والعسكريّة والماليّة من عنت في حصر المجال الترابيّ شرطا لقيام الدولة. وانطلاقا من تمثّلات مختلف الفاعلين الاجتماعيّين لهذه التوّترات يعيد لطفي عيسى بناء "ذاكرة المخزن".
لقد فرض رسم المجال تصوّرا جديدا لإخضاع الرعايا ومراقبتها وضبط مجال تحرّكها حتّى تتمكّن الدولة من تحديد قوانين الأداء الضريبيّ. فتولّد عن ذلك نظام إداريّ وعسكريّ وجبائيّ فُرض على القبائل فمثّل منعطفا أساسيّا قام على شكل جديد من أشكال التعاقد بين الحاكم والمحكوم.
غير أنّ الأمر لم يكن مرتبطا دائما بالقهر وما نسمّيه اليوم "المعالجة الأمنيّة" بل قام كذلك على "حوار ساخن" بين أطراف اجتماعيّة مختلفة للتوصّل إلى توافق حول منظومة الضرائب. وبرز انعكاس هذه الديناميكيّة في بناء المجال على تشكيل الهوّيّة الجماعيّة في ارتباط وثيق ببناء المخزن وفرض سلطته.
وعماد هذه الهوّيّة تمتين أواصر الانتساب إلى "مجال موحّد تسهر مؤسّسة المخزن على تنظيمه ويخضع جميع رعاياه إلى نفس القوانين والأعراف الجارية" (ص 86). وهو ما يعني، على سبيل العبرة التاريخيّة، إضفاء معنى واقعيّ على مفهوم الهوّيّة بربطها بمجال موحّد.
غير أنّ بدايات القرن التاسع عشر حملت معها توسّعا تجاريّا أوروبّيا أضعف اقتصاد "الإيالة التونسيّة" فاختلّ الميزان التجاريّ ممّا أدّى إلى إضعاف الدولة وأعوانها. وهو ما مهّد للسيطرة الأوروبيّة ماليّا وتراكم الديون والانهيار المالي فالإفلاس بما سمح بالتسرّب الرأسماليّ مهيّئا الفرصة للتدخّل الاستعماريّ.
ولا تختلف حال المغرب الأقصى كثيرا رغم اختلاف الخصوصيّات. فقد كان لاحتلال الجزائر وقع سلبيّ عليها. فبعد هزيمة سلطان المغرب ضدّ جيش الاحتلال الفرنسيّ اقتطع الأسبان أراضي جديدة على الساحل المغربيّ. ورغم رسم الحدود فإنّ الفرنسيّين والأسبان احتفظوا بالحقّ في مراجعتها. وتعهّد المخزن بدفع غرامات ماليّة مقابل انسحاب الأسبان من تطوان ممّا اضطرّ السلطان إلى الاقتراض من البنوك الأنكليزيّة. عندها غرق المغرب الأقصى في وحل الديون وقروض الإفلاس.
الدولة السلطانيّة والرأسماليّة
ولم تنفع الإصلاحات المتتالية في رتق الفتق. فهل يفسّر مفهوم "الدولة السلطانيّة" هذا التراجع الحضاريّ؟ أم يعود ذلك إلى تداخل وظائف الأمير والإمام والتاجر والقاضي أي تداخل السلطات السياسيّة والدينيّة والاقتصاديّة والقضائيّة وعدم تقسيم الأدوار؟
مهما تكن الإجابة عن هذا السؤال المحوريّ فالثابت أنّ المعاملات التجاريّة قامت على الاحتكار واستغلال الموقع السياسيّ. فالترابط بين حضور الدولة ونموّ الحواضر بيّن. ولكنّ الدولة السلطانيّة، كما لاحظ لطفي عيسى، "دولة استملاك وترف واستمتاع (...) وعملت جميع الفئات المالكة أو المنتجة للثروة على المحافظة على ما بيدها أكثر من التفكير في إنمائه فلم يستقلّ الاقتصاد عن السياسة ولا المدينة عن الدولة" (ص 114).
ولكن على الرغم من تدخلات أعوان المخزن والرفض المتواصل للتجمّعات القبليّة لمراقبة مؤسّسات الدولة وعلى الرغم من هجمة رأس المال الأوروبيّ فقد استطاعت مدن المغرب الكبير من أن تنظّم مجالها.
الجغرافية الروحيّة
ومن أطرف ما في كتاب لطفي عيسى، منهجا ومحتوى واستنتاجا، تحليله لأساطير تأسيس مدينتي تونس وفاس وبيانه لوظائف تلك الأساطير في تحقيق الهوّيّة المشتركة وبناء الذاكرة الجماعيّة. فقد كانت تسييجا للمجال الروحيّ يناظر تسييج الدولة للمجال الترابيّ.
 أبرز الباحث، انطلاقا من سير أرباب الصلاح التونسيّين والفاسيّين ومناقبهم، وهو المجال الذي أبدع فيه لطفي عيسى في كتاباته السابقة، وما حفّت بها من تخاريف وتهويمات وتلفيقات، كيف أضحت أضرحة الأولياء والجوامع والزوايا علامات رسمت الهوّيّة الرمزيّة والروحيّة ورسّخت المجال الترابي للدولة بما يوافق الذهنيّات الشعبيّة.
ولهذه الجغرافيا الروحيّة وظائف اجتماعيّة وسياسيّة هامّة. فهي تسهم في تأمين مسالك العبور والسيطرة على العنف والفوضى وبثّ الاستقرار والأمن وإدماج الفئات المهمّشة والخارجة على الدولة. فقد شاهم رأس المال الرمزيّ هذا في إضفاء القداسة على المجال الترابيّ. إذ قام محرز بن خلف، الملقّب بسلطان المدينة (مدينة تونس) بعمليّة تجنيس مذهبيّ كبيرة من خلال نشر المالكيّة وأسلمة البربر المروْمنين والأعاجم اللاّتينيّين والأقباط واليهود والشيعة وجميع من استوطن مدينة تونس. ولكنّ الذاكرة الشعبيّة سكتت عن تعصّبه الدينيّ وممارسته للتقتيل المنهجيّ.
ونجد إدريس الثاني الملقّب بـ"الأنور" بطلا عجائبيّا في ذاكرة المغرب الأقصى. فهو ابن أمَة بربريّة أوروبيّة شارك في جعل مدينة فاس متعدّدة الأعراق (بربر وعرب وأندلسيّين) بما يسّر لصاحب السلطان أن يلعب على ما بينها من اختلافات.
وهذا كلّه يدلّ على أن روايات التأسيس مثّلت تعبيرا عن البحث عن رابطة تردم الهوّة بين مستويات متباينة من التمثّل الثقافيّ العالم والتمثّل الثقافيّ الشعبيّ. ومن نتائج ذلك، سياسيّا، أنّ دولة المخزن، حين عجزت عن السيطرة الكلّيّة على مجال نفوذها، استفادت من شبكة الطرقيّة ومؤسّساتها لتأمين مسالك التفاوض مع القبائل الممانعة.
إنّ كتاب لطفي عيسى نموذج من المقاربة التاريخيّة المنفتحة على الأنتروبولوجيا الثقافيّة. لذلك نجده لا يتورّع عن استنطاق نصوص لا تبدو ذات طابع أرشيفيّ موثوق به في عرف المؤرّخين. بيد أن كتابه هذا، كما كتاباته الأخرى في أدب المناقب، يؤكّد أن الإشكال في العين التي ترى وقدرتها على قراءة ما بين السطور وتنزيله منزلته من التاريخ والذهنيّات لاستنباط المعنى فيه وكشف تمثّلات الناس لأنفسهم ولما يدور حولهم. وهذه بعض فضائل هذا الكتاب الثريّ بالإشكالات والقضايا التي تجعلنا نعيد التفكير في كثير ممّا عندنا من مسلّمات.


mercredi 6 janvier 2016

الاتحاد العام التونسيّ للشغل: قصّة شغف تونسيّ


نشر المقال في "العربيّ الجديد" 
بتاريخ 6 ديسمبر 2015

في استفتاء على موقع جائزة نوبل للسلام طُرح على الزائرين السؤال التالي:" هل تعرف الرباعي الراعي للحوار الوطنيّ التونسيّ ومساهمته في الديمقراطيّة بتونس؟" فجاءت إجابات 70 بالمئة من المصوّتين بالنفي. ومن حسن الحظّ أن البيان الذي أصدرته لجنة الجائزة يقدّم فكرة عن المؤسّسات الأربعة (الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة والهيئة الوطنيّة للمحامين بتونس والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان) التي كوّنت هذا الرباعي ودورها وأهميّة ما قامت به في إبعاد شبح الحرب الأهليّة عن البلاد.
غير أنّ ممّا ينبغي إبرازه الدور المركزيّ الذي قام اتحاد الشغل داخل هذا الرباعيّ. فهو من بادر إلى دعوة الفرقاء إلى مائدة الحوار وضمّ إليه الأطراف الثلاثة الأخرى التي رعته وقاد أمينه العام المفاوضات العسيرة. ويهمّنا، بعيدا عن سياق التمجيد والفخر الوطني الذي عمّ شريحة واسعة من التونسيّين، فهم المسار المعقّد الذي أوصل إلى هذه التجربة في إدارة الخلاف السياسيّ.
ومن حسن الحظّ أنّ الباحثة هالة اليوسفي، الأستاذة المشاركة بجامعة باريس - دوفين، يقدّم لنا قراءة سوسيولوجيّة علميّة لهذا المسار وحيثيّاته. ففي كتابها الصادر بالفرنسيّة هذه السنة، قبل الإعلان عن جائزة نوبل، بعنوان "الاتحاد العام التونسي للشغل" قصّة شغف تونسي" ( نشر بالاشتراك بين معهد البحوث حول المغرب المعاصر ودار محمّد علي الحامي بتونس) معطيات كثيرة مفصّلة عمّا أهّل اتحاد الشغل لأداء هذا الدور.
الوجه والقفا
لقد جنّب الحوار الوطني تونس، لدى المراقبين، سيناريو الاحتراب الداخلي وسيناريو إزاحة الإسلام السياسيّ من الحكم بواسطة اانقلاب العسكريّ. ومن مكوّنات هذه الصورة الورديّة توافق التونسيّين على دستور مدنيّ حديث متطوّر وانتقال سلس للسلطة عبر انتخابات نزيهة في عمومها.
لكنّ قفا الصورة يكشف بعض ثوابت الحياة السياسيّة في تونس وربّما توجّهاتها المستقبليّة.فما قام به حسين العباسي، الأمين العام لاتحاد الشغل،كان مغامرة سياسيّة تاريخيّة. غير أنّ ضمانات هذه المغامرة تكمن في ثقافة الاتحاد نفسه وأساليب عمله. فلئن دعا إلى حكومة تكنوقراط ( أو "مستقلّين")، على معنى الحياد في الصراع السياسيّ والابتعاد عن التوظيف الحزبيّ لأجهزة الدولة لصالح هذا الفريق أو ذاك، فإنّه انطلق من لازمة ظلّ اتحاد الشغل يردّدها طيلة سنوات عن استقلاله وحياده رغم المواقف السياسيّة التي ما فتئ يعلنها.
أمّا عبارة "التوافق" فقد أضحت في تونس كلمة سحريّة تحرّك المشهد السياسيّ كلّه. إذ خرج الحوار الوطني من منطق هيمنة أحد الحزبين الكبيرين (النهضة الإسلاميّ ونداء تونس المدني). والواقع على ما بيّنت هالة اليوسفي، أنّ أساس هذا التوافق هو التنازلات. والمتأمّل في تاريخ الاتحاد يلاحظ بيسر أنّ هذه المنظّمة لم تقم طيلة وجودها إلاّ على منطق التوافق.  فبحكم تركيبتها الاجتماعيّة والتيارات السياسيّة المتعدّدة التي تخترقه والمصالح المتناقضة للقطاعات المهنيّة المختلفة داخله والضغوطات الجهويّة والعلاقات الملتبسة مع السلطة والمعارضة كان محكوما عليها أن يقوم على توازنات هشّة. فلم يكن الاختيار السياسيّ أو الإيديولوجيّ هو الذي يقود سياسة الاتحاد بل التوافقات بين المصالح المتباينة.
وهذا يعني أن توفيق الاتحاد في وساطته بين الفرقاء السياسيّين مأتاه تشبّع قيادته بثقافة سياسيّة تجمع بين الضغط والحوار لفضّ الخلافات مع صبر على التفاوض وطول نفس مذهلين.
والطريف أنّ اتحاد الشغل استطاع بذلك ترضية جميع الأطراف نسبيّا رغم الضغط عليه من قواعده وهياكله الوسطى ومن أحزاب المعارضة لإقصاء حزب النهضة ورغم تشكيك حزبين من الترويكا هما النهضة والمؤتمر من أجل الجمهوريّة (حزب المرزوقي ) في حياده. بيد أن نتائج الحوار أرضت النهضة التي لم تقص بحلّ المجلس التأسيسيّ، كما طالبت المعارضة، وأرضت المعارضة التي حصلت على استقالة "طوعيّة" (ولو ظاهريّا) لحكومة الترويكا. وهذا مظهر مهمّ من مظاهر التوازنات والتنازلات التي برع فيها الاتّحاد.
من أين له هذه القوّة؟
يُعرف اتحاد الشغل بخصلتين ترعبان خصومه. فهو الجهة الوحيدة بعد الثورة التي ظلّت منظّمة بما جعله قادرا على توجيه التحرّكات الاجتماعيّة وتعبئة الشارع للضغط. ولكن الاتحاد لا يستعمل هذه القوّة، حتّى فترة حكم الترويكا بقيادة الإسلاميّين، إلاّ للعودة إلى طاولة التفاوض. وقد وظّف هذه القوّة بعيد سقوط بن عليّ وخلال كلّ مراحل الانتقال الديمقراطي وفي الحوار الوطنيّ كذلك. ولم يكن حسين العباسي مخطئا حين قال منذ سنة 2012 على ما أوردت هالة اليوسفي:" الاتحاد هو ما يتبقّى بعد أن يتفكّك كلّ شيء".
وهذا ما بوّأ الاتحاد مكانة اللاّعب الأساسيّ في الحقل السياسيّ التونسيّ رغم أنّه عاش خلال حكم الترويكا صراعات كثيرة مع حزب النهضة بالخصوص الذي اتهمته بتعطيل عمل الحكومة. وبلغ الصراع بين الطرفين أشدّه في 4 ديسمبر 2012 حين هاجمت لجان حماية الثورة المدعومة من حزبي النهضة والمؤتمر المقرّ المركزيّ لاتحاد الشغل واعتدت على النقابيّين لكسر شوكة أكبر سلطة مضادّة في البلاد.
والحقّ أن علاقة الإسلاميّين بالعمل النقابيّ محدودة جدا. فمن ناحية لا يتجاوز حضور أنصار النهضة في الاتحاد 10 بالمئة من الناخبين. ومن ناحية ثانية لم تتّخذ النهضة أي موقف من الليبيراليّة الجديدة وتحكّم المموّلين الدوليّين في السياسات الاقتصاديّة وانعكاساتها الاجتماعيّة الوخيمة. وعلاوة على ذلك يوجد عداء تاريخيّ مستفحل بين الإسلاميّين واليسار الذي تعتقد النهضة أنّه يهيمن على الاتحاد وقياداته الوسطى ومكتبه التنفيذيّ.
فسعى الإسلاميّون إلى اختراق اتحاد الشغل من الداخل بتكثيف انخراطات أنصاره في الهياكل القاعديّة خصوصا في القطاع الخاص. وقد غاب عنهم أنّ الاتحاد خبير بهذه التكتيكات التي جرّبها قبلهم الحزب الحاكم السابق.
ورغم هذا التوتّر المستمرّ لم ينقطع الحوار بين الاتحاد وحكومة الترويكا التي واصلت نفس المنوال الاقتصادي الليبيرالي ولكنّه اعتمد كالعادة التوازن الهشّ بين إيقاف التحرّكات العشوائيّة عند الاقتضاء وافتكاك امتيازات لمنخرطيه لم تكن أحيانا متناسبة مع وضع البلاد حتّى بدا الاتحاد أمام الحكومة أفضل وسيط لمنع الانفجار الاجتماعيّ.
وهذا الصراع بين النهضة والاتّحاد لم يمنع من القبول به، في نهاية المطاف وبعد تلكؤ، وسيطا في الحوار الوطنيّ.
الحوار وسياقه
كان الاتحاد خلال المرحلة الانتقاليّة يبحث عن موقعه في مشهد سياسيّ جديد لم تتبيّن ملامحه بعد. فالوضع العام قام على استقطاب بين الإسلاميّين والعلمانيّين. واتهمت النهضة المعارضة بالانقلاب على شرعيّة صندوق الاقتراع والعمل على إزاحتها من الحكم. واختار الاتحاد الاصطفاف مع المجتمع المدني وطيف واسع من المعارضة للدفاع عن العمّال والجمهوريّة ومؤسّساتها. فكانت أغلب التحرّكات النقابيّة من أجل الحرّيات الفرديّة والاحتجاج على عنف المجموعات السلفيّة (التي تهاونت النهضة في مواجهتها) ولجان حماية الثورة والأمن (الذي استعملته الحكومة في قمع بعض التحرّكات). والحاصل من هذا أنّ المطالب الاجتماعيّة أصبحت ثانويّة واستخدمت أحيانا وسيلة للضغط السياسيّ.
وفي هذا السياق دعا الاتحاد منذ شهر جوان 2012 إلى حوار وطنيّ مؤكّدا بذلك دوره السياسيّ. ولكن الإشكال الكبير، حسب هالة اليوسفي، هو مدى التوفيق بين تعتبره قيادة الاتحاد دورا سياسيّا وطنيّا متجذّرا في تاريخه ومواقفه في فترة حركة التحرّر الوطنيّ وبين عدم الانسياق وراء الحسابات السياسيّة التي تخترق المنظّمة.
وكان الاتحاد يبحث أيضا عن توازن بين ضرورة العناية بالملفّ الاجتماعيّ خصوصا المفاوضات وصياغة بديل اقتصادي واجتماعيّ وبين استيعاب الحراك السياسيّ الذي يمرّ عبر الاتحاد. وهذا ما أدّى إلى تشتيت اهتمام النقابيّين وتركيزهم.
والواقع أنّ التناقضات الداخليّة كانت تعمّ الجميع من النهضة إلى الاتحاد لأنّها وليدة توتّرات خارجيّة تتّصل، على ما ترى هالة اليوسفي (ص 199) بإعادة بناء الحقل السياسيّ التونسيّ. فضعف المعارضة جعلها تدعّم دور الاتحاد السياسيّ وضعف تأثير النهضة في الاتحاد دفعها إلى مواجهته أحيانا.
وفي هذا الخضمّ استطاع الاتحاد أن يحافظ على موقعه وقدرته على جمع المعارضة المشتّتة فخرج أقوى ممّا كان ورضيت النهضة به وسيطا في الحوار الوطني إثر اغتيال الشهيد محمّد البراهمي (قومي عروبيّ) وقبله الشهيد شكري بلعيد (ماركسيّ لينينيّ).
واجتمعت بذلك لدى الاتحاد قوّة الضغط بالشارع والاحتجاج الاجتماعيّ مع موقع قويّ في الحقل السياسيّ المتناقض وثقافة عميقة في التفاوض وتقنيات الحوار خبرة عمليّة في إيجاد التوازنات ليفرض على الفرقاء جميعا خارطة الطريق التي أعدّها للحوار الوطنيّ.  
الصندوق الأسود
إنّ كتاب هالة اليوسفي أثرى ممّا عرضنا. فقد جاء تشريحا مدقّقا أحيانا لمنظّمة عريقة تحفل بالتناقضات والتحوّلات والخبرات والأخطاء والأمجاد حتّى بدا الجميع يرغب في قربها ويتحامل الجميع في آن واحد عليها. فلئن كان الاتحاد نقابة فهو في الواقع أكثر من ذلك وإذا قام بأدوار سياسيّة كبرى فهو شيء آخر غير حزب سياسيّ. ولعلّ في هذا تحديدا ما يفسّر بقاءه قوّةَ توازن في تونس مكّنت من خروج البلاد بأخفّ الأضرار.
ولكنّ الديناميكيّة داخل اتحاد الشغل تفترض حسب الباحثة رهانات كبرى من قبيل التخلّص من البنية الهرميّة البيروقراطيّة وصياغة آليّات لمواجهة الليبيراليّة الجديدة التي تهدّد المكاسب الاجتماعيّة وتشريك الفئات المهمّشة في المنظّمة مثل الشباب والمرأة.
لقد سعت هالة اليوسفي إلى فتح الصندوق الأسود لاتحاد الشغل فكشفت في الأغلب الأعمّ جوانب ممّا يحويه ولكنّ الصندوق الأسود للحوار الوطنيّ سيظلّ، بعيدا عن الاحتفاء بنتائجه وبتتويج رعاته بنوبل للسلام، في حاجة إلى وثائق عديدة منها شهادات الفاعلين السياسيّين والوسطاء وعلى رأسهم مدير الحوار حسين العبّاسي في مذكّرات ستكشف ولا ريب الأسرار والخفايا أو بعضها على الأقلّ.


dimanche 3 janvier 2016

مراجعة لرواية "الطلياني"


فايز علام، رصيف 22، 07.05.2015

تبدأ رواية "الطلياني" للكاتب التونسي شكري المبخوت من حدثٍ صادم، إذ يقوم "عبد الناصر" في يوم دفن والده بشتم وضرب الإمام "علالة" الذي كان في الحفرة يهمّ بدفن المرحوم، "دخل عبد الناصر في حالة هيجان صارخاً يرمي الإمام الشيخ علالة بأقذع النعوت التي لا تليق إلا بأسافل القوم. لم يكفه ذلك، ارتمى عليه يريد إشباعه لكماً وربما نوى خنقه لولا أنني انتزعته منه ثم أخذته مع بعض الأصدقاء بعيداً وهو سادر في صياحه وسبابه وتهديده".
وكي يفسّر هذا الموقف غير المفهوم، يبدأ الراوي، وهو صديق "عبد الناصر"، بسرد الحكاية من أولها، وما بين الحدث وتفسيره في نهاية الرواية، تمر الصفحات مختزلةً تاريخ تونس في مرحلة تاريخية مهمة، هي المرحلة التي تمتد بين حكم "بورقيبة" وانقلاب "زين العابدين بن علي" عليه ثم توليه الحكم بعد ذلك.
و"عبد الناصر" الذي تتمحور حوله الرواية، جميل الشكل والملامح، ذو عينين أخاذتين، وهذا ما دفع أهل الحيّ الذي يسكن فيه إلى تلقيبه بالطلياني، ذاهبين إلى أن أمه أثناء حملها به "توحمت على إحدى الشخصيات في قناة "الراي أونو" الإيطالية". و"الطلياني" ينحدر من عائلة برجوازية، لكنه مع ذلك ينخرط أثناء دراسته الجامعية في أحد الأحزاب اليسارية، فيخالط أبناء الفلاحين والطبقات الكادحة، ويترأس إحدى قوائم الحزب الشيوعي.
يدخل الكاتب إلى عالم الجامعة التونسية، سارداً نشاط الطلبة السياسي وتنظيماتهم، والأفكار التي كانت سائدة في تلك الفترة، وما ينجم عنها من مواجهات مع المؤسسات الأمنية، لينتقل منها إلى رصد الحياة في المجتمع التونسي في تلك الفترة الملتهبة من حكم "بورقيبة".
نقطة التحوّل الأولى في مسيرة "الطلياني" ستكون حين يُطلب منه تصفية "زينة" بسبب انتقاداتها اللاذعة للحزب الشيوعي وتأثر الكثير من الطلاب بها، لكنه يعجب بالفتاة القروية التي تدرس الفلسفة، ويعجب بشخصيتها القوية المستقلة، وفكرها النقدي، فيرفض قتلها، ويتخذ مسؤولية حمايتها على عاتقه، ثم يتزوج بها سراً.
ولـ"زينة" حكايتها المؤلمة، التي تختزل حكاية الكبت الجنسي، ومآلاته في المجتمع الشرقي، فهي تعرضت للاغتصاب في طفولتها من قبل أخيها أو أبيها. كانت تنام في الغرفة نفسها حيث ينامان، وفي إحدى الليالي أحست "بسكين من لحم يخترقها، ويد على فمها تكتم أنفاسها، تمنعها من الصراخ، والأخرى تلصق رأسها بالحائط حتى تشلّ حركتها. فهمت أن أمراً معيباً يحدث. ولكن من وراءه؟ من صاحب السكين؟ أبوها؟ أخوها؟ شخصٌ آخر. لكن الرائحة تعرفها، رائحة السنابل والتراب".
يلقي الكاتب الضوء على وضع الصحافة في الأنظمة الاستبدادية، ومدى الرقابة التي تمارس عليها، وكيف أن الصحف تتحول إلى أداة بيد السلطة لتلميع صورة الحاكم، إذ يلجأ "عبد الناصر" إلى العمل في إحدى الصحف المحلية لتدبير نفقات العيش، وسرعان ما يثبت كفاءته، فيصبح أهم صحفي فيها، متخلياً عن المبادئ التي طالما آمن بها، ويترافق تحوّله ذاك مع تحوّل آخر في علاقته مع "زينة" فيبدأ في خيانتها مع صديقتها، لينتهي الأمر بطلاقهما.
يؤرخ الكاتب للانقلاب الذي قاده "بن علي"، وتوليه السلطة، وكيف أنه أحكم قبضته على المجتمع، محوّلاً أحلام الكثير من الشباب بالعدالة والحرية إلى انكسارات وهزائم، هكذا بدأت مرحلة جديدة من سيرة تحولات "الطلياني"، الذي أخذ يغرق في الجنس والسهر والشراب، وفي حياة بوهيمية، ما هي إلا صورة عن العالم "المتعفن المليء بالخيانات والبذاءات والأطماع والحقارات والسفالات" الذي أصبحت عليه تونس بسبب الديكتاتوريات المتعاقبة.
برغم فوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) هذا العام، تتضمن الرواية بعض نقاط الضعف. أولاً المباشرة الفجة في سرد الأحداث التاريخية، والغرق في التوثيق. ثانياً، الانقلابات العميقة في مواقف بطليها "الطلياني" و"زينة" وتحوّلهما من شخصين حرّين مستقلين صلبين مناضلين إلى شخصين يميلان مع الريح كيفما مالت، يحتاج إلى مبررات أكبر وأعمق من تلك التي أوردها الكاتب، أو على الأقل إلى غوصٍ أكبر في دواخلهما. ثالثاً، الأخطاء السردية، ومنها اختيار الراوي، فمن يسرد الحكاية هو أحد شخوصها، ولكنه مع ذلك على اطلاع مباشر بأدق تفاصيل كل الشخصيات. ورغم أن الكاتب أورد على لسان راويه في مرات كثيرة مسوغات لتبرير قيامه بدور الراوي، فإن هناك جزءاً كبيراً من التفاصيل لا يمكن تبرير معرفتها من قبل طرف لم يكن موجوداً فيها


mardi 10 novembre 2015

الطلياني تونسياً

         
                                                     
بقلم مختار اللواتي

قليلون هم الكتاب التونسيون، من الجيل الجديد، الذين قرأت لهم. لااستنكافاُ أو تعاليا، ولكن، أولا لأنني لست باحثا أو ناقدا محترفا يقوم عملي على قراءة كل شاردة وواردة، غثها وغثها، في انتظار العثور على سمينها، ثم لأنني من جيل يرى القراءة نزهة رائقة في فضاء جميل، مهما كان الموضوع المكتوب، رواية أو بحثا أو شعراً. إتفقت مع مضمونه أم اختلفت. فكنت أبحث عن جديد من عرفت من كتاب، وكفى شيخا مثلي خيبة المجازفة!
لكن فوز كاتب تونسي بجائزة
 "بوكر العالمية للرواية العربية"، ليس أمرا يحدث كل سنة، أو ربما حتى كل عشر سنوات. لذلك خرج الأمر عن كون شكري المبخوت من كتّاب هذا الجيل أو من الجيل الذي سبقه. كتب روايات من قبل أم هذه هي مولوده البكر، لم يعد موضوعا للنقاش. المهم أن الحدث خارق للعادة بكل المعايير ويستحق التأمل. وهل يكون تأمل حدث من هذا العيار بغير سفر متأن داخل عالم "الطلياني" ، العالم الذي أقامه شكري المبخوت ونسج كل الخيوط الرابطة بين شخوصه ووقائعه وأمكنته؟
كنت ذات مساء من بداية شهر جويلية الماضي أبحث في رواق إحدى مغازات بيع الكتب والمجلات، عن مجلة "دبي الثقافية" الشهرية التي أتابع مطالعتها منذ سنوات. مررت، في طريقي، على رفوف الكتب الصادرة حديثا.. فكان "الطلياني" أول ما لمحت عيناي.. فرحت بوجود الكتاب في رفوف مكتبات دبي، فلا أنتظر حتى أسافر إلى تونس وأشتريه. وفرحت بأن أرى كتابا تونسيا معروضا خارج تونس، ليس في بعض معارض الكتاب، وإنما في عرض مستمر عادي، مالئا مستطيله على رافعات العرض بكل ثقة، إلى جانب غيره من كتب المشاهير من كل مكان. إختطفت الكتاب وكأنني أخشى أن ينقضّ عليه غيري قبلي وأن تكون تلك هي النسخة الأخيرة. إطمأننت لمَّا وجدت وراء الكتاب نسخا أخرى منه، وزادت فرحتي لما قرأت في الزاوية اليسرى أعلى الغلاف، "الطبعة الرابعة"! ياالله، كتاب تونسي يفوز بجائزة دولية شهيرة في بريطانيا وفي الغرب عموما، والآن هي كذلك في الوطن العربي، بعد إحداث نسخة عربية منها عام 2007 بالإتفاق مع مؤسسة جائزة بوكر البريطانية، وهاهو يوزع خارج تونس، وتنفد منه ثلاث طبعات؟. ولحد اليوم الذي اشتريته فيه، هو في الطبعة الرابعة!. ولاأعلم إن كان زاد عدد الطبعات بعد ذلك، أم لا!
قد يكون بديهيا أن يوزع الكتاب في دبي، وهي إحدى الإمارات العربية المتحدة التي تجتمع في عاصمتها أبو ظبي هيئة الجائزة، وتحظى بالتمويل من هيئة السياحة فيها.
كما قد يذهب البعض أو الكثير إلى التأويل أو "التكمبيص" بأن الأمر لايخلو من حسابات سياسية، وهو الكلام الذي يرافق غالبا الإعلان عن فائز أو فائزين بجوائز، سواء كان اسمها "غانكور" أو"بوكر" أو"نوبل" وغيرها..
أما أنا، فلم أنكد على نفسي بكل هذا. فقط، فرحت لهذا الكاتب التونسي ولتونس، في هذا الظرف بالذات!
إنه أول حدث يفرحني من القلب، من وعن تونس، بعد غمِّ السنوات الماضية!
صحيح، فاجأت تونس أحرار العالم في كل أصقاع الدنيا بأنها أصبحت مفرخة للإرهاب وذات الرقم القياسي في تصدير، إما مشاريع إرهابيين أو إرهابيين جاهزين، لكنه أكيد أيضا أنها يمكن أن تفاجئهم بأنها ناهضة من حطامها. وبأي سلاح؟ بالثقافة!.. وقد كان تبلور عندي هذا الموقف المتفائل عند إصدار الصديق صالح الطرابلسي منذ أشهر قليلة روايته "سنابل خاوية". وإن لم يسعفني الحظ إلى الآن باقتنائها وقرائتها.
 عدت إلى البيت، ذلك المساء، كطفل يحمل هدية بين يديه، منعه أبواه من فتحها في الشارع. ليس لأن هناك من منعني من الإنزواء في ركن المطالعة الموجود في مغازة بيع الكتب، وهو مساح موجود في غالب قاعات ومغازات ومكتبات بيع الكتب والمجلات في دبي، وإنما لأنني أردت أن أكون لوحدي أنا، وفي عالمي أنا، لأتأمل وأتمعن شيئا جميلا يخصني أنا.. هكذا قدرت الأمر.
ولكن ماإن بدأت القراءة حتى وجدت في أسلوب السرد والبناء اللغوي، تشابكا ظريفا خفيفا ممتعا، جمع بين عوالم نجيب محفوظ بأغوار نفوس وسلوكات شخوص رواياته، وصور أفلام النوري بوزيد في جرأتها وصدقها، وشجاعة عبد الجبار العش في كسر المغلق بالشمع الأحمر في الذات البشرية وطرحه في إنشاء جديد يبهر ويحزن في نفس الآن. بلغة سلسة وأنيقة في نفس الوقت، دون مغالاة أحلام مستغانمي في استطراداتها المعرفية. مع ملامسة محسوبة لعالم محمد شكري الجامح الصادم بصوره الخارجة لتوها من الدهاليز المظلمه المهجورة، قسراً أو طوعاً.
عندها، خشيت، إن تماديت، أن أكمل مغامرتي مع هذه البحار المتلاطمة في جلسة واحدة، فأستنفد نصيبي من المتعة سريعاً، وأفرِّط بهذه السهولة في هذا الجليس المؤنس لي في غربتي ووحدتي؟ قررت أن أمطط القراءة قدر ماأستطيع. أصبحت علاقتي بالطلياني، علاقة صداقة، يرافقني في حِلِّي وترحالي. إذا كنت في المترو، أكتفي بورقتين أو ثلاث، لاأكثر. وإن كنت على سفر، أرفع مدة اللقاء إلى عشر أو خمس عشرة صفحة، وأحرص أن لاأزيد! إلى أن أتيت على الرواية بكاملها، وقد نجح شكري المبخوت في مخاتلتي بنوع الخاتمة التي اختارها لروايته! وللحقيقة، إن المخاتلة لم تظهر فجأة في الخاتمة، بل هي متعمَّدة مع سابقية الإصرار منذ البداية بالعنوان الذي اختاره للرواية، "الطلياني" ! فلم يكن العنوان "المتحللون" أو "ما قبل الغروب" أو "الحصاد" أوفقط "زينة"! إنما كان.. "الطلياني"!
ماذا أقول بعد الخاتمة؟ قبلاً، أسأل، ماهو المطلوب من الرواية؟ أليس القدرة على الإبحار بك إلى عوالم، قد لاتكون تعرفها بذاتها، ولكنك ترى نفسك متآلفة مع مدن وأحياء وشوارع وحواري وأزقة كأنك عشت فيها؟. كما إنك ترى فيها نفسك متداخلة مع نفوس أخرى، إن كان تعاطفا أو تعارضا، فيعز عليك الإبتعاد عنها أو مفارقتها، ولو إلى حين؟ تأسرك اللغة وتُحلِّق بك الصورة ويستدرجك السرد إلى فضاءاتٍ، تقول إنني كنت هناك فيها ومعها، فتبين لك كلها كدنيا ثانية، لحياة ثانية، قد تكون عشتَها قبل ميلادك حتى! أفلم يبهرنا غارسيا ماركيز بحكاياه الموسومة بتلك "الواقعية السحرية"، مثلما وصفها هو نفسه، منذ "مائة سنة من العزلة"، من مسقط رأسه "أراكاتاكا" إحدى قرى كولمبيا، يتعبك البحث عنها على الخريطة، قبل الإنتقال إلى المكسيك حيث عاش العقود الأخيرة من حياته حتى المماة، دون أن تسقط قريته من ذاكرته ووجدانه؟(ستعاد رفاته، أو بالأحرى رماد جثمانه، إلى قريته في كولمبيا عما قريب). فقد أصبحت ثنايا تلك الأماكن وملامح أولئك الشخوص إمتداداً افتراضيا لمحيطنا المادي الواقعي الذي عشنا أو نعيش فيه! وقس على ذلك أسماء الفتوات والأفنديات والحواري والأزقة في روايات نجيب محفوظ، وسائر الروائيين الذين عمّرت أعمالهم في مخيلاتنا ومازالت، لما ملكوه من قدرة على النفاذ لخصوصيات لم يكن يخطر على بال الأشخاص العاديين أنها ذات بعد إنساني يلتقي عنده أهل الشرق وأهل الغرب!.
غير إن عملا كذلك ليس بالامر الهين. فهو يشترط من الموهبة، ودقة الملاحظة، وسعة الخيال، والتمكن من اللغة، والحبكة في السرد والحكي، والبراعة في التشويق، والتفرد في الأسلوب، ما يرقى بالعمل إلى حيث صفاء الروح وسكينة الفؤاد، ولن يبرحهما! . فتراك تطفو من أعماق الرواية، وقد أتيت على آخر كلمة فيها، وفي ذاتك أكثر من خيار أو من مفتاح، لتستكشف سرها الأساسي أو سر صاحبها الذي أراد أن يبوح به إليك..وإذا صادفك الحظ، تكتشف بالمرة أسراراً أخرى، تخصك أو تخص أحداً غيرك، كانت غائبة عنك، أو كنت تجدُّ في البحث عنها من قبل!. ويكون صحيحا هنا، أن الرواية الناجحة يكتبها مؤلفها، ويكملها أو يبعث الحياة فيها، القارئ حسب هواه.. وهذا لماذا لاتعجب بعض الأفلام المأخوذة عن قصص شهيرة عددا مهما من قراء تلك القصص لأنها لم توافق الصورة التي بنوها لها في مخيلاتهم.
كل هذا وجدته في رواية "الطلياني" للمبخوت!







dimanche 8 novembre 2015

أساطير قرطاج في نسختها الإسلاميّة

                          
"العربي الجديد"، 08 نوفمبر 2015

لصناعة التاريخ، حسب التصوّر الخلدونيّ، دعامتان هما الإخبار والاعتبار. إحداهما ظاهره الذي لا يزيد عن ذكر الوقائع والأخرى تدبّر ونظر وتعليل بحثا عن الحكمة. ولئن كان الاعتبار عملا تأويليا يبحث عما يقع وراء تفاصيل الأيّام والأعمال وما يشدّها من منطق فإنّ الخبر وما يقتضيه من تدقيق وتحقيق يظلّ، كما نقول اليوم عن الصحافة التي تؤرّخ للحظة، "مقدّسا".  بيد أنّ سلوك المؤرّخين العرب وتعاملهم مع تاريخ قرطاج، واسمها عندهم  قرطاجنّة، يثير من الناحيتين الخبريّة والـتأويليّة مشاكل جمّة تصدّى لها الباحث في تاريخ الفنون والآثار الإسلاميّة فوزي محفوظ بالدّرس والتحليل.  ففي كتابه "أساطير  قرطاجنّة في عيون المؤرّخين العرب" (صدر عن كليّة الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، ودار الأطلسية، تونس، 2015، 242 صفحة) يكشف خصائص الرواية التاريخيّة التي صنعها المؤرّخون العرب رغم النقص الفادح في معارفهم التاريخيّة عن قرطاج. وهو مثال جيّد عن كيفية كتابة التاريخ في غياب المعطيات الكافية والضروريّة من الأخبار والآثار والشواهد. فتنقلب حكاية التاريخ بوقائعه إلى بناء لأسطورة تستدعي المجهول إلى فضاء المعلوم.
خرائب قرطاج
تصادف الفترة الوسيطة التي فتح فيها العرب إفريقية تحوّل قرطاج بمجدها الأثيل إلى قرية صغيرة خربة تمثل منطقة زراعيّة في ضواحي مدينة تونس. فقد فقدت دورها السياسي القديم بداهة بسقوط الدولة البيزنطيّة بعد الفتح العربيّ وفقدت بالخصوص مركزيّتها في المجال الإفريقيّ ودورها التجاريّ. ولم يتبقّ منها، علاوة على تاريخها المجيد، إلاّ الآثار والرخام.
و رغم الطفرة العلميّة التي شهدها التأريخ لقرطاج بعد الحفريّات الأثريّة التي كشفت معطيات عن المدينة في العصور البونيّة والرومانيّة والونداليّة والبيزنطيّة فإن الفترة الإسلاميّة تكاد تكون مجهولة.  فالكتابات في هذه الفترة التي امتدّت على عشرة قرون شارك فيها المؤرّخون والجغرافيون والإخباريون والفقهاء... إلخ من مختلف بلاد الإسلام. بيد أنّ المفارقة تكمن في أنّ قيمة قرطاج التاريخيّة لم تشفع لها في وضع مؤلف خاصّ بها فظلت الكتابة عنها موجزة مختصرة. فكأنّ حالة الخراب التي كانت عليها في الفترة الإسلاميّة جعلتها غير جديرة بتأليف خاص. ووراء هذا سبب آخر جعل أهمّ المؤرّخين   العرب كالطبريّ والبلاذريّ واليعقوبيّ لا يشيرون إليها ولو مجرد إشارة. فهي مدينة بعيدة عنهم واطّلاعهم عليها محدود لقيام صناعتهم على النقل.
الفاطميّون وقرطاج
و لما قامت الدولة الفاطميّة التي حوّلت إفريقية من هامش تابع للمشرق إلى مركز خلافة بعاصمتها المهديّة مدّت نفوذها إلى مصر وبلاد الشام وصار لها مؤرّخون وجغرافيون انكبّوا على الاهتمام بقرطاج. والواقع أنّ وراء هذا الاهتمام إعجابَ الخلفاء الفاطميّين بالحنايا الرومانيّة التي شيّدت لجلب الماء على ما يروي القاضي النعمان في "المجالس والمسايرات" إذ رغب الفاطميّون في بناء حنايا على منوالها. وتروي المصادر أنّ عبيد الله المهديّ مرّ بقرطاج قبيل بناء مدينة المهديّة فاندهش لمعالمها الفاخرة وروعتها وتساءل عن بانيها أملك واحد أم أكثر؟ وكيف أمكن لدولة على هذا القدر من القوّة أن تزول؟
و لكنّ البحث عن أفول قرطاج ودواعيه كان مستحيلا على المؤرّخين أن يجيبوا عنه لغياب المعطيات التاريخيّة السابقة للفترة الإسلاميّة. فقد كانت دارا من ديار المسيحيّة بعد الفتح العربي أهملت تماما  وخرجت عن مجال التمدّن .
وفي بداية فتح إفريقية أوائل القرن السابع للميلاد، كانت قرطاج مركز الحكم البيزنطي ولا سبيل إلى فتح إفريقية دون الاستحواذ عليها لرمزيّتها السياسيّة والدينيّة والعسكريّة.  وقد استطاع حسّان بن النعمان، بعد حملة أولى فاشلة، إخضاع المدينة فزال الوجود البيزنطي بإفريقية ومعه اضمحلّت المسيحيّة تدريجيّا فأصيبت قرطاج بدمار كبير تبعه إهمال.
أسطورة التأسيس
يَبرز في الكتابات التاريخيّة العربيّة غياب أسطورة تأسيس قرطاج وما شهدته في الفترة البونيّة الأولى. فمن المعلوم أنّ تأسيس قرطاج ارتبط بأسطورة عن دهاء الملكة عليسة ( ديدون ) عندما قدمت من صور بلبنان فرحّب بها الأهالي واشترت قطعة أرض على مقاس جلد ثور بَنتْ عليها المدينة. 
بيد أنّ المؤرّخين العرب لم تصلهم هذه الأسطورة المتداولة في الكتابات الرّومانية عن قرطاج. والسبب في ذلك هو انقطاع الأسانيد لجهل المؤرّخين العرب، حسب المؤلّف، باللّغات القديمة خصوصا منها اللاّطينيّة. ورغم ذلك استطاع المؤرّخون الأندلسيّون أن يقدّموا قصصا عن الحروب البونيّة الرومانيّة التي لا أثر لها في كتابات المشرقيّين. وهذا دليل على اطّلاع الأندلسيّين على بعض الكتابات التي وضعت باللاّطينيّة إماّ مباشرة أو من خلال تعريبها. من ذلك أن كتاب هروشيوس المولود في نهاية القرن الرابع للميلاد قد ترجم إلى العربيّة. وهو كتاب لا يخلو أيضا من أخطاء وتحريفات.
إعادة صياغة الأسطورة
و على أهميّة الكتابات الأندلسيّة بنقائصها و إيجابياتها فإنّ أطراف ما في كتابات المؤرّخين العرب ما وضعوه من قصة لتأسيس قرطاج لا تخلو من دلالة (عبرة!).
فحسب الرّقيق القيرواني بنى  قرطاجنّة قوم من بقيّة آل عاد الذين هلكوا بالريح وظلّت بعدهم خرابا ألف عام إلى أن جاء " الزبير بن لاود بن ثمود الجبار"، وسنُّه سبعمائة عام (كذا!)، فأعاد بناءها على النّمط الأول وزاد عليها. وتوافق الفترة التي صنعت فيها هذه الأسطورة فترة حكم الفاطميين. وأهّم ما في هذه الرواية أنّ علامة خراب قرطاج هي "ظهور الملح فيها". ولعلّ هذه هي الإجابة التي طلبها عبيد الله المهديّ.  
و إذا كانت الإحالة القرآنية على آل عاد و ثمود بيّنة في أسطورة التأسيس الإسلاميّة فإننا نجد ما يدعمّها لدى المؤرّخين العرب في حديثهم عن "بحر رادس" (و هو خليج تونس اليوم). فقد كان ملك  قرطاجنّة ( و يسمّى عند المؤرّخين العرب الجلند ) يعتدي على السّفن التي تمر ببحر رادس فاعترضه النبيّ الخضر وقتله. وفي هذا الموضع القريب من تونس فارق الخضر النّبيّ موسى. ولا يخفى على العارف بالقرآن أنّ هذه الحكاية مستوحاة من قصّة لقاء موسى بالخضر ( سورة الكهف، الآيات من 60 إلى 82).  ولئن كان القصص في القرآني لا يذكر موضع افتراقهما فإنّ المفسّرين اعتبروا أنّه بحر رادس والملك المعني هو الجلند. وعلى هذا فإنّ الأحداث، أسماءَ أعلام وأقوام من القرآن، إنّما تحمل وراءها جملة من القصص القرآنية التي تعرض بالاعتبار.
والأهمّ من ذلك أنّ صلة أسطورة قرطاج هذه بالنصّ القرآني ومرويّاته عن الأقدمين تجاوزت مجال الجزيرة العربية لتدرج المدينة ضمن رؤية إسلاميّة. والحاصل من هذا هو تعريب تاريخ  قرطاجنّة لتندمج في نسق المدن التاريخيّة الكبرى بجعل مؤسّسيها عربًا وملوكها وشعبها ولغتها من العرب أيضًا.
ونجد علاوة على تعريب تاريخ قرطاج، إدراجا لها ضمن الرؤية الإسلاميّة للتاريخ الكونيّ من خلال المكوّنات الخطابيّة التي يوفّرها القصص القرآنيّ. وبهذا نفهم تفسيرهم لعظمة آثار قرطاج وضخامة معالمها بعظمة بناتها الجسمانيّة وضخامتهم من خلال ذكر قوم عاد أو العمالقة .
وداخل هذه الرؤية القرآنية يصبح تفسير أفول قرطاج وتحوّلها إلى خرائب مفهومًا عند المؤرّخين   العرب. فدمار قرطاج مصداق للآيات التي تجعل هلاك القرى عقابا إلهيّا على فسق أكابرها وإجرامهم وظلم أهلها.
ومن الطّبيعي في هذا النّسق السّردي الباحث عن العبر والمواعظ ألاّ نجد في كتابات المؤرّخين   العرب عن قرطاج تحديدًا زمنيّا لواقعة ولا تدقيقًا جغرافيا لموقع. فالعبرة من القصص تجعل ضبط الأحداث زمنيّا أمرا ثانويّا والأساطير تزيل الحدود الجغرافيّة.  فما وقع في حقيقة الأمر إنّما هو تعويض انقطاع السّند التّاريخيّ الإغريقيّ واللاّطينيّ بسند عربيّ إسلاميّ مكّن المؤرّخين من إدراج تاريخ قرطاج في نسق الحضارة العربيّة المشرقيّة.
وممّا يسير هذا التّعويض أنّ السّؤال المحوريّ الذي شغل المؤرّخين لم يكن متّصلاً بالواقع والأحداث بقدر ما ارتبط بتفسير زوال حضارة عظيمة مثل حضارة قرطاج، فجاءت الإجابة عن هذا السّؤال محكومة بالإطار الذّهنيّ والمعرفيّ الإسلاميّ العام. فغلب بذلك الاعتبار على الإخبار بل قل لم يعد للخبر في ما كتبه المؤرّخون، أيّة قيمة.  
جهل أم تجاهل ؟
إنّ هذا الكتاب، على طرافته في الكشف عن خطاب تاريخي لم يُدرس بعد، يظلّ محيّرًا في تفسيره لهذا القصور المعرفيّ لدى المؤرّخين في العرب عن استيعاب التّاريخ السّابق للإسلام. فلئن كنّا نتفهّم اتّصال الأندلسيين بالسند التاريخيّ اللاّطينيّ فإننا لا نعرف مدى استفادة المؤرّخين الأندلسيين من الوقائع والأحداث الواردة في الرواية التاريخيّة الغربيّة.
والأمر الثاني الذي ظلّ محيّرا في الكتاب يتعلّق بالمصادر الإغريقية. فجهل المؤرّخين العرب بها بيّن فيما أورده الباحث. ولكنّ السّؤال القائم هو: لماذا رغب العرب الذين ترجموا الكثير من كتب اليونان عن ترجمة كتبهم في التاريخ حيث يجدون معطيات أساسيّة في تاريخ قرطاج ؟
فهل هو جهل بالمصادر الغربيّة، الإغريقيّة واللاّطينية، أم هو انعدام للحاجة الثقافيّة بما جعل المؤرّخين العرب يتجاهلون تلك المصادر لأنّ التاريخ عندهم يظلّ صناعة مقصدها الاعتبار، وهو باطن التاريخ، مهما تغيّرت الأحداث والوقائع والأيّام والأعمال ؟