mardi 10 juillet 2012

ثقافة الثورة




1
     كلّما سمعت حديثا عن "ثقافة الثورة" هذه الأيّام لا أدري لم تزكم أنفي روائح الإقصاء الإيديولوجي والسياسيّ فأستحضر في ذهني الثورة الثقافية الصينيّة.
     قد لا أكون ثوريّا كما ينبغي لي ان أكون في بلد شهد ثورة مدنيّة "نظيفة" صنعت الأمل ثم جعلها أبناؤها تراوح بين الأمل والخوف.
       بهدي من الكتاب الأحمر لماو تسي تونغ بدأت الثورة الثقافيّة بمقاومة الفكر المحافظ ودك حصون البيروقراطية وإسناد السلطة إلى الشباب والعمال والفلاّحين فانتهت إلى ما يشبه الحرب البشعة:تحطيم للمنحوتات والمعابد ( البوذية خاصة) وانتهاك لحرمة جامعة بيكين والاعتداء على المثقفين والفنانين.
      رفعت الثورة الثقافية الصينية شعار التطهير فغرقت في وحل الفوضى التي كادت تؤدّي إلى حرب اهليّة، لوّحت ببيارق الطهارة والنقاوة الثوريّة فوقعت في شرنقة معركة السياسيين لوضع اليد على اجهزة الدولة الإيديولوجيّة والقمعيّة.

2

    باسم الثورة والفنّ الثوريّ وثقافة الثورة وحق الشعب الثائر في ثقافة تعبّر عن أحواله مرّغت أنوف آلاف المثقفين والفنانين والمبدعين في التراب.من لم يقتل مات كمدا وغمّا.من لم يمت أوقف دماغه عن التفكير وخياله عن الإبداع.كان عليه أن يصمت إلى الأبد أو أن يبيع ضميره لشيطان الثورة الجشع.
ولنا في روسيا البلشفيّة وإيران الإسلاميّة والصين الماويّة ...وحتى الثورة الفرنسيّة شواهد على مقصلة تنصب لتقطع الرؤوس التي اينعت .. والرؤوس التي مازالت غضّة أيضا.
  والطريف أنّ أهل العلم بالثقافات وتواريخها يؤكّدون ّأنّ الانتقال الثوريّ لا ينتج بالضرورة وآليّا فنّا ثوريّا أو ثقافة ثوريّة.فالثورة في التصوّرات والذهنيّات أشدّ بطءا منها في أبنية المجتمع وهياكل السياسة.

   فمن المفارقات التي تدعو إلى تدبّر انّ الثورة الفرنسيّة مثلا أنتجت في الفنّ تيّارا كلاسيكيّا عبّر عنها على ما يقول ثقات من الدارسين.فكأنّ هذه الثورة ، وهي تعيد توزيع الثروة ورأس المال السياسيّ وتشكّل الخارطة الاجتماعيّة على صورة جديدة عجزت في الفنّ عن توليد فنّ ثوريّ يقولها.

3

أيّ فنّ يحتاج إليه شعبنا في نشوة ثورته بآمالها ومخاوفها ،بانتظاراتها وخيباتها ؟
 أيّ فنّ يحتاج إليه شعبنا بعيدا عن منطق الإملاءات و"الينبغيّات" التي لا تنتج ثقافة بل تصنع المقاصل ووسائل الإقصاء؟
    في مجتمع محافظ يعيش توتّرا في صلته بذاكرته وفصاما منذرا بالخطر في علاقته بواقعه ،
 في مجتمع تتجاذبه أوهام التاريخ وأخيلته وقسوة الحداثة المعطوبة التي لم تزدها مشهديّة العالم المعاصر إلا قسوة،
في مجتمع بهذه الملامح والخصائص ،ليس للفنّ إلاّ أن يشتغل على الفرح اليوميّ ليفكّك الأنساق الكليّة الخانقة والأنظمة المغلقة.
ليس له إلاّ أن يحتفي بطيّبات ما رزقنا اللّه ومباهج الحياة حتى يغذّي النفوس المعذّبة والقلوب الكليلة حبورا ومسرّات،
ليس له إلاّ ان يكون ، كما هو شأن الفنّ الأصيل دائما، مقاومة للموت وصروف الزمن وأهواله وأغواله.
فلنستلهم  صوت الثورة المجلجل الذي هدى شعبه إلى شعار " إذا الشعب يوما اراد الحياة..."،
صوت الشابي الذي قال استكمالا لبيته الثوريّ : " إلى النور.. فالنور عذب جميل"
  إنّ حبّ الحياة هو الأساس المكين لإرادة الحياة.. وهو مبتدأ الحريّة وخبرها.

lundi 2 juillet 2012

روح اللّغات




 1
 في المقعد التاسع والعشرين من قبّة الأكاديميّة الفرنسيّة يجلس العربيّ الثاني الذي دخل إلى عالم الخالدين.بعد الجزائريّة آسيا جبّار فُتح الباب للبنانيّ امين معلوف.
  دخل إلى معبد الّغة الفرنسيّة بالراء التي لا ينطقها على سمت أهل باريس اليوم.ربّما أراد ان يذكّر الفرنسيّين بأصل نطقهم للراء أو ربّما أراد أن يؤكّد من داخل الحصن الحصين للفرنسيّة أنه من أبناء لغة الضاد ...والراء والغين أيضا.
لنتذكّر ،والذكرى عماد الثقافات، أنّ صاحب جائزة غنكور لسنة 1993  من الذين نقدوا الفرنكوفونيّة منذ سنوات.فرآها أشبه بجدار فصل عنصريّ.قال ذلك في بيان وقّعه مع ثلّة من أبرز المؤلفين الذين يكتبون بالفرنسية وسموه بــ" من أجل أدب-عالميّ بالفرنسيّة".
 مفارقة محيّرة لمن يطمئنّ لإجاباته الجاهزة عن أسئلة اللّغة والهوّيّة ،لمن يحلم بلغة نقيّة لا تنازعها لغة أخرى ولا تخالطها عجمة ولمن يركن إلى هويّة يمكن أن تكون "قاتلة" بعبارة امين معلوف.
2
يستنكر بعض أهل الصفاء والنقاء اللغويين عندنا ،باسم الهوية،ما نعيشه في بلادنا من ثنائيّة لغويّة.يطلقون صيحات الفزع وصرخات العار:فاللغة مسكن الثقافة وعنوان الهوية والسيادة القومية.
غير أن في التاريخ ، كالعادة ، عبرا تحتاج إلى نظر وتدبّر.
يثبت تاريخ بلادنا الثقافي أنّ الرغبة في اللّغات الأجنبيّة لم تأت بإرادة دولة الاستقلال ومدرستها الحديثة مع ما سمي بمشروع المسعدي.إنّها رغبة النخبة الاصلاحية التونسية منذ مدرسة باردو الحربيّة والصادقية بالخصوص.فلغة الآخر بعض أسرار قوته العلمية والتقنية وتفوّقه في الابتكار المعرفيّ والتجديد الثقافي.ولكن المركب انزلق بالراكبين جميعا.إذ لم توجد إلى حدّ الآن لغة منفصلة عن روح ثقافتها.
ولم تعمّ الرغبة في لغات الآخرين إلاّ حين نادى المصلحون المتنورون من أبناء التعليم الزيتوني بنشر اللغات الأجنبيّة.فقد عاينوا انغلاق الدرس الزيتوني على ثقافة التكرار والاجترار.
 ففي المسالة وجه من الاضطرار وآخر من الاختيار.ولكن الثابت في الحالتين أن بابا واسعا قد انفتح لتطوير العربيّة نفسها.وهنا مكمن المفارقة الطريفة الدالّة.
3
لقد تطوّرت لغة الجاحظ فاتسعت آفاق القول فيها.بدأت آلة تحديث العربيّة تتحرّك ليستكشف بها أهلُها أوساع الثقافة الحديثة.ولكنّ تطوّرها لم يحدث على أيدي ذوي اللسان الواحد مهما تكن فصاحته وطلاقتهم.كان ذلك بأيدي مزدوجي اللسان الّذين يحسنون نطق الراء بصفاتها الصوتية المعروفة في شعر العرب وفي القرآن الكريم والراء الباريسيّة في آن واحد.
تعامل صوتي في ظاهره أمّا باطنه فتنويع ثقافي مؤلم أحيانا ، متوتّر أحيانا أخرى ولكنه مخصب دائما.إنّنا أمام تدرّب على قول الوجود والأشياء مرهق شيّق مثير بتلعثمه مثقل بتردّده ولكنه فاتح دائما لسبل بكر في المعنى.
  والذين طوّروا العربيّة كذلك هم من يحقّ لنا أن نسمّيهم بأحاديّي اللسان مزدوجي الثقافة.نقصد أمثال الحدّاد بنداء الحريّة الاجتماعيّة المجلجل في أرجاء العشرينات من القرن الماضي، ونقصد أمثال الشابي الذي نفخ في العربيّة مطلقا روحا من التجديد خفّاقة.
 ولم يكن أمام مدرسة الاستقلال إلاّ ان تواصل السير في هذا الاتجاه الذي ولّد أجمل الأفكار في الثقافة التونسيّة وأخصبها.فليست اللّغات في حدّ ذاتها مهمة بل الأهمّ الروح التي تسكنها .وهذه الروح آفاق من ثقافة ثريّة تقولها اللغة وتعمل على استكشاف ممكناتها.

vendredi 29 juin 2012

تاريخ الاحتراق




1
لا نعرف إنْ كان المؤرّخون قد كتبوا تاريخ ثقافة الحرق والاحتراق. ما نعرفه أنّ رمزيّة النّار الحارقة المدمّرة أو المطهّرة قد حلّلت بعض صورها وأخيلتها. ما نعرفه أيضا أنّه كلّما عنّ للحالمين في الثّورات أو اليائسين من الحياة أن يحلموا بعالم جديد أو أن يعودوا ، ولو تخيّلاً ، إلى عالم موهوم أشعلوا النّار في كلّ شيء.
كأنّ الحلم والوهم لا يبدآن إلاّ من أرض محروقة. سيناريو يتكرّر في الثّورات والثّورات المضادّة جميعًا : هكذا يقول التّاريخ.
      إنّها بدائيّة أصليّة مستكنّة في اللاّوعي تعود مع كلّ اِحتجاج رغم لغة الحضارة وإهاب التّمدّن وبنود العقد الاجتماعيّ.
2         
جاء الخبر مع نوادر الأخبار وغريبها، جاء من إيطاليا : إيطاليا " الدولشي فيتا" :الحياة الممتعة الرّائقة. من ميلانو حيث يوجد متحف الفنّ المعاصر بكازوريا Casoria)).
طفق مدير المتحف ، وهو فنّان ، يحرق ما يناهز العشرين لوحة ويهشّم بعض المنحوتات اِحتجاجًا على السّلطة الثّقافيّة في بلاده : سلطة تركت المتحف في وضعٍ مُزْرٍ رغم أنّه يحتوي على نصف التّراث العالمي المعاصر.
اِحتجاج أيضا للفت نظر الرّأي العام في مدينة أشبه بالجثّة الهامدة. لا يهتمّ سكّانها بالثّقافة أو الفنّ لأنّهم مشغولون بتصريف شؤون حياتهم القاسية في مدينة تسيطر عليها المافيا وتتزاحم فيها حمّى المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة.
انتشرت النّار في هشيم اللّوحات. والمفارقة أنّ حركة الحرق هذه ساندها الفنّانون أصحاب اللّوحات أنفسهم وبعضهم بادر بحرق إبداعاته التّشكيليّة على سبيل التّضامن.
ألْف عمل فنّي يضمّه هذا المتحف الإيطالي مهدّد بالحرق القصدي. ثمّ ماذا !؟
 أيُلقي الفنّانون بأجسادهم ولوحاتهم في محرقة السّياسيّين الذين يرون الثّقافة تَرَفًا ونشاطًا هامشيًّا ؟
       3      

هذه الهشاشة التي لا تحتمل تذكّرنا ، على سبيل التّداعي ، بهامشيّة كيميائيّي الألوان والموادّ في بلادنا ومن شابههم ممّن مسّتهم شياطين الفنّ.
بالأمس ، كادت البلاد تحترق بتعلّة أعمال فنّية تشكيليّة عرضت في "ربيع الفنون". فكاد ينقلب  الرّبيع صيفًا قائظًا أشبه بنار جهنّم يحشر فيها ، باسم المقدّس ، فنّانون ذكروا بأسمائهم وأرقام هواتفهم وكفروا على المنابر بما في ذلك منبر الجامع الأعظم.
 والأنكى أنّ وزارتهم (تحت ضغط الشّارع السّياسي في تحالفه الشّعبوي مع الشّارع المحافظ) رفعت أمرهم إلى القضاء لتصنعَ منهم ، من حيث لا تدري ، شهداء لحرّية التّعبير الفنّي. والشّهادة ، في هذا الباب كما في غيره ، تخليد لمن يستأهل ولمن هو دون ذلك.
ولمّا كان الشّيء بالشّيء يذكر، ندعو فنّانينا التّشكيليّين إلى التّفكير عميقًا قبل مزيد الضّغط والإلحاح وقبل العودة إلى التّذكير بمشروعهم لإنشاء متحف الفنّ التّشكيلي المعاصر في تونس.
فما نخشاه أن يجدوا أنفسهم في وضع المتحف الإيطالي : يحرقون أعمالهم بأيديهم احتجاجًا على غياب التّمويل ولا من مصغٍ أو مجيبٍ.
وما نخشاه عليهم أن يصبحوا مادّة لإعادة فتح باب الاجتهاد الفقهيّ في آليات ... التّكفير.
وما نخشاه قبل هذا وذاك أن يكونوا ، هم وأعمالهم الفنّية ، مادّة يعالجها مؤرّخو الزّمن القادم حين يشرعون في كتابة تاريخ ثقافة الحرق والاحتراق.واحتراق الرّموز والإبداعات الفنيّة، لو ندري، أشدّ مضاضة من احتراق المحامل جميعها.
لقد بدأ التوحيدي في ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة ثقافة الاحتراق ... ولا ندري من يوقفها.

samedi 23 juin 2012

تاريخ التنوير التونسيّ... عسى تنفع الذكرى



يبدو أنّنا دخلنا مرحلة تتميّز بالتشكيك في الأسس التي اعتبرتها النخبة التونسيّة الحديثة، عصريّين وزيتونيّين، مميزة لما يبدو لنا استثناء تونسيّا.
فالتنوير أفق رنت إليه هذه النخب منذ أواخر القرن التاسع عشر على الأقلّ في إطار الجمعيّة الخلدونيّة.فقد كانت هذه الجمعيّة بديلا من التحنيط الذي عرفه التعليم الزيتونيّ فانقطع عن مقتضيات العلم الحديث. فقامت استراتيجية الخلدونيّة على الجمع بين المدرسيّين من أبناء الصادقيّة والمتنوّرين الأذكياء من أبناء الجامع الأعظم. إضافة إلى ذلك شهد تاريخ التنوير التونسيّ تأسيس جمعيّة قدماء الصادقيّة سنة 1905 وحركة الشباب التونسي بعد سنتين من ذلك والحزب الحرّ الدستوري سنة 1920 وجامعة عموم العملة التونسيّين بعد أربع سنوات.

لم تكن هذه الحركيّة الجمعيّاتيّة والسياسيّة والفكريّة مجرّد صدفة سعيدة من صدف التّاريخ بل هي تدلّ دلالة قويّة على اختمار الأفكار الحديثة واتخاذها شكلا مؤسّسيّا يحميها ويعبّر عن وعي ثقافيّ وحضاريّ عميق. 
ولم يكن اجتماع الفاضل ابن عاشور وعبد الجليل الزاوش والبشير صفر والعربي الكبادي وعبد الرحمان الكعاك وسالم بوحاجب، على سبيل الذكر لا الحصر،إلاّ صورة من تعامل النخبتين وشوقهما معا إلى التحديث.

وليس من باب الصدفة أيضا أن تكون عشرينات القرن الماضي مجمع التقاء الأفكار المجدّدة من «تونس الشهيدة» و«روح التحرّر في القرآن» للثعالبي و«تطوّر تونس الاقتصادي» لمحمد الصالح مزالي و«العمال التونسيّون وظهور الحركة النقابيّة» و«امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للحدّاد إلى «الخيال الشعريّ عند العرب» للشابّي وقبلها جميعا «أليس الصبح بقريب» لسماحة الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور حول مأزق التعليم الزيتوني. دون أن ننسى ما كانت تحفل به الصحف باللّغتين العربيّة والفرنسيّة من أفكار وتصوّرات جديدة عصريّة.

إنّه عقد الأسئلة الكبرى الدائرة على الحداثة التونسيّة في السياسة والمجتمع والفكر والتعليم والثقافة واللّغة والاقتصاد وجميع مناحي الحياة.وهو في تقديرنا بداية تشكّل الوعي التنويريّ وصياغته مكتوبا على نحو واضح لا لبس فيه ومنطلق تطوير ما سيأتي بعده من لبنات واختيارات وممكنات تاريخيّة.
وبعيدا عن القراءات الثأريّة للتاريخ، وما اكثرها اليوم انتشارا أو القراءة التمجيديّة لهذه الشخصيّة الوطنيّة او تلك وما أضعف وعيها بالتاريخ الثقافي التونسيّ، نعتقد أنّ دولة الاستقلال والأفكار التحديثيّة القويّة التي غيّرت البنية الثقافيّة والاجتماعيّة في بلادنا لم تنبثق كطائر المينرفا من جمجمة جوبيتار.ومينرفا في سياق الحال رمز للزعيم بورقيبة الذي أوتي حكمة السير في طريق العصر والأنوار. 

فلئن كنّا لا ننكر ما للأفراد من دور في التاريخ، بفضل الجرأة مثلا أو الغباء أحيانا أو جنون العظمة أحيانا أخرى، فإنّ مقاربة بنية الواقع التونسيّ بثوابتها وإبدالاتها لتؤكّد أنّ ما جاءت به دولة الاستقلال والنخبة الحداثيّة التي التفّت آنذاك حول زعيمها التاريخي كان منخرطا ضمن مسار لحركة التاريخ نكاد نراه طبيعيّا.
إلاّ أنّ لشمس الحداثة وأنوارها ظلال أيضا كما انّ لدولة الاستقلال ضحاياها.فإذا تركنا جانبا من كانت مصالحهم تناقض الديناميكيّة الجديدة لشدّة محافظتهم ووعيهم المحدود بالتاريخ فإنّ الزعيم صالح بن يوسف الذي يستخدم اليوم، وهو الصوربوني الحداثيّ مزدوج اللّغة والثقافة صنو الزعيم بورقيبة، للمزايدة على التاريخ والتآمر على الذاكرة والتوظيف السياسي الغبيّ لا يندرج، ثقافيّا، ضمن نفس الاتجاه المحافظ.

فبن يوسف هو بورقيبة الذي انهزم سياسيّا. ولولا خشية الدخول في علم الغيب وقراءة التاريخ بمرايا محّدبة او مقعّرة لقلنا كان ما سوف يكون.. وكان بن يوسف سيفعل، وإن بنسق أضعف، ما فعل بورقيبة. فماذا فعل الزعيم المنتصر المظفّر وماذا كان سيفعل الزعيم المهزوم المغدور لو انتصر ؟
ببساطة سيظلّ كلاهما وفيّا للاستثناء التونسيّ: رغبة جامحة في الانتماء إلى الثقافة الحديثة من خلال اللّغات وإن من كوّة الفرنسيّة، و كثير من الرغبة عن الغرق في المحافظة والسباحة ضدّ تيار التجديد التاريخي الذي انخرط فيه دعاة الهويّة الجامدة.
والسبيل إلى ذلك بيّنة : الوفاء للتحالف التاريخي بين أبناء النور من الزيتونيين والمدرسيّين، والمراهنة على التعليم بمواصفات حديثة في عمومها.

فعلى من يتوهّم انّه يمكنه التشكيك في أسّ الثقافة التحديثيّة التنويريّة التونسيّة متعلّقا بأضغاث أحلام يرى فيها التعليم الزيتوني الكلاسيكي، وقد ردّه الزيتونيّون المتنوّرون قبل الحداثيّين، أن يكفّوا عن الصدام مع ديناميّات التاريخ وإضاعة مزيد من الوقت الحضاري العامّ. فالأرجح أنّهم سيجدون انفسهم، طال الدهر أم قصر، مرّة أخرى في هوامش التاريخ... الحديث. 

* يصدر في " أكاديميا" بداية جويلية ، عدد خاص بالتعليم العالي في تونس من قرطاج إلى دولة الاستقلال.

dimanche 27 mai 2012

هجاء البطء... مديح الجرأة




وَاهِمٌ من يعتقد أنّ الاستشارة الوطنية حول منظومة التّعليم العالي والبحث العلمي ستفتح لنا الطّريق لبناء جامعتنا الجديدة، ولكنّها خطوة لا مناص منها.
فبعيدًا عن التّفاؤل والتّشاؤم سنمرّ بفترة يصعب معها ولادة المنظومة الجامعيّة الجديدة وانهيار القديمة. إنّه التّعريف نفسه للحالة الثّورية التي قد تطول إلى حدّ الملل ويعسر أن نتخلّص من آلام مخاضها وأوجاعها الممضّة. فحجم الخراب والتخريب السّاكن في التفاصيل والجزئيات أكبر ممّا قد يذهب في ظنّنا. ولكنّ التّعلّق بالتّفاصيل ومعالجتها عبث محض، في تقديرنا، شأنه شأن تقويض المنظومة من أساسها. فالخسارة في الحالتين أكبر والرّبح ضعيف.

وعلينا أن نعترف بأنّه لا أحد، سلطةً وأحزابًا سياسيّة ومنظّماتٍ نقابيّة وهياكل أكاديميّة منتخبة، يمكنه اليوم أن يدّعيَ امتلاك تصوّر للجامعة بديل أو حلول لمشاكلها المتفاقمة ناجعة. لذلك لا سبيل إلاّ سبيل التّشارك والتّحاور والإصغاء إلى الأطراف جميعًا. فالتّجارب موجودة قائمة لا تتطلّب منّا أن نعيد ابتكار العجلة أو أن نُيمّم شطر البلدان التي نجحت منوالاتها في التّعليم العالي. إذ يكفي الضّغط على لوحة مفاتيح الحاسوب لنرى المنظومات جميعا أمامنا. ولكن الإشكال في تنزيل الخبرات والمعايير الدّولية في سياقنا التونسي لتكون الجامعة عندنا موافقة للمعايير الدّوليّة في التعليم العالي والبحث من جهة ومتناسبة مع الحاجيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافية لبلادنا من جهة ثانية عسى أن نخرج ممّا وقعنا فيه عند اعتماد منظومة "إمد" : ألبسوها جبّة تونسيّة فخسرنا روحها وأهدافها وقصدوا منها التّلازم مع المعايير الدّوليّة فجاءت مسخًا مشوّها تَوْنَسْنَاها فخرّبناها.

والدّرس الذي علينا استيعابه هو أنّ علّة منظومتنا الجامعيّة لا تكمن في "إمد" في حدّ ذاتها وإنّما هي كامنة في أنّ إدارة الفضاء الجامعي قائمة على مركزيّة مفرطة في التّصوّر واتّخاذ القرار والإنجاز وفي نزعة تسلّطيّة للانفراد بالقرار والتّوجيه والمراقبة القبليّة. كلّ ذلك رغم أنّ التّوجّهات العالميّة في مجال حوكمة الجامعات ومؤسّساتها تنبني على اللاّمركزية والمشاركة والقرب وتحمّل المسؤولية والمحاسبة البعديّة.
وما لم تتغيّر آليات التّسيير والتّصوّرات القائمة في مجال اتّخاذ القرار فإنّ أيّ إصلاح مآله الفشل الذّريع. ولكن علينا أن نعترف بأنّ الأمر ليس موكولا للمسؤولين على الجامعات والمؤسّسات المنتخبين ديمقراطيّا. فقد تقدّموا إلى الانتخابات مفعمين بآمال عريضة لتغيير ما بمؤسّساتهم الجامعيّة طامحين إلى الرّفع من أدائها وجودة خدماتها.
وسرعان ما اكتشفوا أنّ الآمال والطّموحات لا تكفي لأنّ النّظام مغلق بإحكام تمسك ببعض مفاتيحه الوزارة الأولى وبيروقراطيتها. فهي الآمرة النّاهية بمناشيرها وتعليماتها ومراقبتها وادّعائها امتلاك الحقيقة فتَسْأَلُ وتسائل الجميع ولا تُسألُ عمّا تفعل وبعض المفاتيح الأخرى لدى الإدارة المركزيّة في وزارة التّعليم العالي. وهي إدارة لا تملك أيّ تصوّر ولو كان مرحليا متدرّجا لمعالجة القضايا المتراكمة والمشاكل العديدة ولن يوجد هذا التّصوّر مهما حسنت النّوايا لأنّ تطوّر التعليم العالي أصبح يتجاوز قدراتها وإمكاناتها.

إنّ هذا كلّه لا يتماشى مع مفهوم الحرّيات الأكاديميّة والحوكمة الرّشيدة للجامعات حسب المعايير الدّوليّة. ومن مفاتيح الحلّ بالنّسبة إلينا العودة إلى المبادئ التي نجحت بها الجامعات في العالم وهي مبادئ عقلانيّة بسيطة أساسها الاستقلاليّة والشّفافيّة والمحاسبة.
ومن هنا فإنّ المطلوب اليوم مرحليًّا واستراتيجيًّا إعادة صياغة العلاقات بين سلطة الإشراف والجامعات والمؤسّسات المنضوية تحتها على نحوٍ يؤكّد مبدأ التّعاقد والمسؤولية ويُجسّم التّصرّف حسب الاهداف بالمحاسبة البعديّة وتركيز آليات الجودة والتّقييم والاعتماد. وحجر الزّاوية في هذا كلّه إنّما هو استقلاليّة الجامعات.

وهو ما تسمح به القوانين الجاري بها العمل ولا يمثّل شيئا ثوريًّا جديدًا بقدر ما سيكون وجهًا من وجوه تطبيق القانون مع تعديلات طفيفة. غير أنّ الإرادة السّياسيّة التي ستقف وراء هذه الخطوة ستكون فعلاً ثوريّة.
مرّة أخرى، لا نطالب بإعادة ابتكار العجلة.. نريد مشاركة في هجاء البطء والتّردّد والانتظار ومشاركة في مديح الجرأةِ والنّجاعة والحماسة للتّغيير الفعليّ... باتّجاه المستقبل.

mercredi 9 mai 2012

كيف تسرق أموال الدولة دون أن تحاسب؟

كيف يكون قصدك نبيلا و جهدك المبذول كبيرا و لا تقبض في خاتمة المطاف إلا حفنة من الريح و دمار الأعصاب ؟كيف يمكنك، و أنت الماسك على جمرة القانون ، أن تهدر المال العام و لا تحاسب؟
    في إحدى مؤسّسات التعليم العالي وضع مشروع لدعم الجودة و تحسين المردود البيداغوجي و العلمي بتمويل من البنك الدولي .
    اجتمع الأساتذة الأجلاّء كلهم حماس ليصوغوا، تطوّعا و دون أية مكافأة مادية ، برنامج عمل و ليملؤوا حزمة من الوثائق و الأوراق متبعين سلسلة من الإجراءات الدقيقة تهدف كلها إلى الإقناع بفائدة مشروع الجودة أمام لجنة من الخبراء الكبار الذين يفهمون كل شيء و يعرفون الدقائق و الرقائق. تهدف هذه الإجراءات المعقّدة التي تتطلب خبراء في التصرف الرشيد غير موجودين في مؤسسات التعليم العالي  إلى حماية المال العام و ترشيد صرفه و التثبت من أنه استعمل على الوجه المطلوب.
   و الحجة دائما حاضرة : مال الشعب يجب أن يحمي و القرض عبء على المجموعة الوطنية التي تضحي بالغالي و النفيس و هدفنا أن نحسّن ترتيب جامعتنا العالمي .
    الملف جاهز تتكفّل به بيروقراطية الجامعة بالتّنسيق مع بيروقراطية سلطة الإشراف.تأتي الموافقة أخيرًا  بعد تعديلات وتنقيحات وتبديل في صياغة هذه الفقرة أو تلك وفي أسلوب عرض هذا الجانب أو ذاك.
    يدعى المزوّدون إلى تقديم عروضهم بعد جهد في إعداد الإعلان للنشر في الصحف وصياغة كراس الشروط حسب متطلبات البنك الدولي في المنافسة النزيهة "و المناقصة  " الشفافة ".    
     يتقدم المزودون .تتفاوض معهم نخبة من الأساتذة المختصين العارفين بالمواصفات الفنية المطلوبة .يتم تعديل العرض المالي لأن الأموال المرصودة للمشروع أقل من السعر الذي اقترحه المزود .يتمسّك كل طرف برأيه .يبحثون عن تمويلات إضافية .لا يجدون موارد أخرى يتفاوضون مع مزود آخر .يخفّضون من سقف مطالبهم. يعيدون ، بالتنسيق مع غيرهم ممّن لا أذكر، يتركون مكاتبهم ويوقفون أعمالهم ليجتمعوا مدّة ساعات وساعات ينعمون النّظر في الملف، يقرؤونه فقرة فقرة وسطرا سطرا وكلمة كلمة. بعد مارطون النّقاش الجدّي المفعم بحب الوطن والإخلاص للمال العام يقررون إرجاع الملف إلى مصلحة كذا وكذا لتعيد صياغته  والأسباب خطيرة حقّا : كلمة كذا لا توافق المقصود والفاصل الموجود بالسطر العاشر من الصّفحة الأخيرة ينبغي أن يستبدل بنقطة والوثيقة التي تبين حسن نيّة المزود، غير ممضاة من العمدة ولا يكفي ختم رئيس البلديّة...إلخ...إلخ....  .
    وتتواصل هذه الصّرامة التي يتعامل بها مع مثل هذه الملفات الخطيرة المستقبلية التي ستجعل مؤسساتنا وجامعاتنا في منزلة مرموقة عالميا وستجعل بلادنا في مصاف الدول الكبرى في مجال البحث العلمي المجدّد وستجعل باحثينا يقتحمون سوق اقتصاد المعرفة بفضل رأس مال الذكاء التونسي الذي يتوقف عليه مصير الإنسانية إلى آخر التّرهات والأكاذيب عن النّفس والنّرجسية الخانقة .
     وقد فاتني أن أوضّح لكم أن موضوع هذه الصّفقة العظيمة هو بضعة حواسيب وبضعة ناسخات رقميّة و بضعة تطبيقات إعلاميّة للأرشفة الرّقمية . ومقدار الصّفقة المذكورة لا يتجاوز الثّمانين ألف دينار أي سعر سيّارة من طراز يعتبر بمعاييرنا التّونسية فارهة .
    وفاتني أيضا أن أقول لكم إن هذه الصّفقة التي ستغير وجه العالم في عالمنا الرّاهن تراوح مكانها تقريبا منذ سنتين .
    وفاتني أخيرا أن أقول لكم إنّ التّجهيزات المذكورة إجمالا أصبحت بحكم تسارع التّجديد التّكنولوجي في قطاع الإعلامية وتوابعه ، متقادمة غير مُوفية بالغرض ولا يمكن تغيير المواصفات الفنّية لأن القانون ، وما أدراك ما القانون ، يمنع ذلك حمايةً للمال العام ومقاومةً للرّشوة والفساد والتّعامل تحت الطّاولة .
     يمرّ المشروع إلى لجنة الصفقات يترك رئيس الجامعة و بعض رؤساء المصالح و المشرفون على المشروع في وزارة التعليم العالي و ممثلون عن أمانة المال و تفقدية الشغل و السيد مراقب المصاريف مكاتبهم وأشغالهم العاديّة.
       والحاصل أنّ المطلوب هو احتساب ساعات العمل تفكيرا وتصوّرا وصياغة ومتابعة إدارية واجتماعات ومجهودات مختلف المتدخلين الجامعيين والإداريين والوزارات المختلفة وسنجد حينها أنّنا صرفنا أكثر من قيمة الصّفقة التيّ لم تعقد إلى حدّ كتابة هذه الأسطر .
    هذا أنموذج بسيط جدا و عليه يكون القياس عما يجب أن يعالج ببلادنا إذا أراد التونسيون أن يخرجوا من الثرثرة البلاغية الثورية ليفككوا منظومة الفساد الخفّي الذي ينخر جسد الدولة و البلاد و يحبط الكفاءات التونسية في إدارتنا و مراكز القرار فيها .
    فمن يسرق أموال الشّعب بطريقة قانونية بل بفضل تطبيق القانون ؟ من وضع هذه القوانين باسم حماية المال العام ويحرص على تطبيقها حرفياّ لإهدار المال العام ؟ من يعطّل تقدّم الجامعة التّونسية وأداءها لمهامها في التّجديد البيداغوجي والعلمي ؟ من تسبّب في اقتراض المال من البنك الدّولي لصرفه في تجهيزات بسيطة لا تحتاج إلى التّداين الخارجي ؟
سلوا سلطة الإشراف العارفة بكل شيء فتتدخل في كل شيء وهي أعجز ما تكون عن أن تساعد المؤسسات الجامعية على الوصول إلى مستوى الجودة المطلوبة حتّى  بتكاثف الجهود كما يقال في اللغة المتخشبة.
    سلوا الوزارة الأولى ووزارة الماليّة حتّى تقدّم لنا الحلول المبدعة العظيمة من أجل مصلحة أبنائنا الطلبة، فلذات أكبادنا التي احترقت بنار البيروقراطية و انتعشت بشعارات حماية الأموال العمومية .
    فما لا يعرفه عامة الناس هو أن لمؤسسات الدولة التونسية المختلفة و الجامعية على الأقل اعتمادات كافية عموما و لكنها لا تستطيع صرفها على نحو مفيد ناجع بسبب هيمنة الوزارة الأولى ووزارة المالية و ترسانة القوانين البائسة التي تقوم على مبدأ أن المسؤولين سرّاق محتملون إلى أن يثبتوا عكس ذلك .
فمن يسرق أموال هذه الدولة : المسؤولون فيها أم القوانين الموضوعة لحماية تلك الأموال؟ 

dimanche 22 avril 2012

ربيع الهوية المأزومة أو خريف الثقافة المدنيّة



                                                                                      
لا أعرف من ابتدع استعارة الربيع للتعبير عما تشهده بعض البلدان العربية من حراك اجتماعيّ وانقلاب سياسي.ولا أدري كيف استدعت هذه الاستعارة، على سبيل التضاد، استعارة الخريف لأداء وجوه من الحال التي أفضى إليها ذاك الحراك.غير أن الحديث عن الخريف العربيّ جاء ، على الأرجح من باب التوجّس من هيمنة التيارات الدينيّة المحافظة على الفضاء السياسيّ و المجال الاجتماعيّ هيمنة ستفضي لا محالة إلى تحويل مطالب الحرية والكرامة إلى مطالب أخرى.وربّما أدّت إلى التركيز في أحسن الأحوال على مسائل ومحاور ما كانت في الأصل من دواعي الاحتجاج الذي اندلع في تونس على الأقلّ.
   أهي دورة الفصول الثقافية والإيديولوجيّة التي بدأت بربيع مدنيّ تزيّن نهاراته شمس الحرّيّات المنشودة وتحلّي لياليه المقمرة نجوم الكرامة لتنتهي إلى خريف دينيّ تتردّد فيه عواصف الهوّيّة المأزومة؟
   لنا أن نواصل ترشيح الاستعارة لنتوه في مفاوز التخييل وفيافي التأويل.ولكنه من الأجدر أن نجرّد الاستعارة ونحقّقها .ففي هذا الزمن العربيّ الجديد عامّة ،والوقت التونسي تخصيصا، مهما يكن موقعنا وموقفنا ،تدور المعاني على مستقبل ثقافتنا والنظام القيميّ والتصوّري الذي يشدّ مجتمعاتنا.
    بدأ كل شيء منذ أن وصل المشروع الاجتماعي والثقافي التونسي إلى حلقة مفرغة لم يعد معها من الممكن لجدول " الإنجازات " و " المكاسب"، بلغة النظام السياسي والإعلاميّ السائد، أن يكون أكثر انفتاحا وثراء.
    خمسون عاما من عمر الدولة التونسيّة بتردّدها بين المعاني المدنيّة الجديدة وتبريرها للتحديث أحيانا بالمعجم الدينيّ.هكذا اختار زعيم الدولة الوطنيّة ، دولة الاستقلال، الحبيب بورقيبة أن يصنع الحداثة التونسيّة، وهو المثقّف والحقوقيّ خرّيج الجامعات الفرنسيّة، على نمط شبيه بالنمط الفرنسيّ ولكن بتوظيف الدين مثلما توظّفه الأنظمة التقليديّة المحافظة لتمنع دخول الأفكار الحديثة.ولم يكن " الزعيم" نسخة تونسيّة من الزعيم التركيّ كمال أتاتورك ولائكيّته الجذريّة ، على ما يزعم خصومه من الإسلاميّين وعلى ما كفره به بعض مشائخ الوهابيّة،فهو لم يعاد يوما الدين وإن أقصى الناطقين باسمه. ولم يقبل تطبيق الفهم الحرفيّ للشريعة معتصما بالقراءة المقاصديّة المتجذّرة في البيئة المغاربيّة المتشبّعة بإرث اجتهاديّ بعضه أندلسيّ وبعضه الآخر زيتونيّ لأوّل جامعة إسلاميّة (جامع الزيتونة  المعمور).فاستغلّ الزعيم الحداثيّ المجتهد ذلك الإرث، بقدر استغلاله للإرث الإصلاحيّ التونسيّ الحديث  لخدمة مشروع التحديث الاجتماعي وبناء الدولة المدنيّة.فجاءت إنجازاته في مجال الأحوال الشخصيّة والأسرة وتحرير المرأة قائمة على اجتهادات الفقهاء من المذهبين المالكي والحنفيّ في جلّها.وأعمق تعبير عن هذه الإرادة الجامحة التوفيقيّة الفصل الأوّل من دستور الجمهوريّة الفتيّة الذي أحكم بورقيبة صياغته بذكاء نادر جمّع أطياف المجتمع كلّها:" تونس دولة ،حرّة ،مستقلّة ، ذات سيادة ، الإسلام دينها والعربيّة لغتها ..."
    إنّها منزلة بين منزلتين لم تكن خالية من ذكاء سياسيّ وفهم براغماتيّ للمرحلة التاريخيّة ولكنها أنشأت ، من حيث تدري أو لا تدري، في سيرورتها نقيضها المكبوت والمهمّش الذي كان يترصّد الفرصة ليرفع صوته خصوصا بعد فشل السياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
     وحين بدأ هذا الصوت المخرس يمهمه، أثار في البدء استهزاء النخب الحديثة ولعنة آلة التحديث المسنودة بسلطة الدولة ثم سرعان ما بدأت المخاوف من قدرتها على إنتاج خطاب ثوريّ مناهض لدولة التنوير يعبئ الناس ضدّ مشروع الاستثناء التونسيّ في العالم العربيّ : منعا لتعدّد الزوجات و إقرارا للتبنّي وتوجّها نحو المساواة بين الجنسين وإلغاء للمحاكم الشرعيّة بتوحيد القضاء...إلخ.
   ولئن استطاع جهاز الدولة الماسك الوحيد بشرعيّة العنف أن يكمّم الأفواه ويضحّي بشباب إخوانيّ التكوين على مذبح الحداثة المبتورة المعطوبة، فإنّه ثقافيّا كان أعجز عن أن يدير في الفضاء العام ، على نحو سلميّ، الصراع بين تيارات التحديث ونزعات التنوير وتيارات العودة إلى الأصول والدفاع عن تصوّر محافظ للهوّيّة العربيّة الإسلاميّة.
    والمفارقة انّ هذا الإخماد لنار السجال الفكري صحبه إخماد لكلّ صوت دينيّ أو مدنيّ من أهل اليسار واليمين وحتّى الوسط، لتحتكر الدولة – الحزب الدينَ والحداثةَ  وتوزّع خيراتهما الرمزيّة على هوى الحاكم بأمره.فكان الحاصل مسخا لم يرض هذا الطرف ولا ذاك:دولة تدّعي المدنيّة ولكنّها توظّف الخطاب الدينيّ لصياغة إسلام رسميّ فقير معرفيّا وتدّعي التحديث ولكنّها عاجزة بمشائخها ومثقّفيها ونخبها عن تقديم قراءة مجتهدة متناسقة للمتن الإسلاميّ.
    أصوات ضعيفة تتلعثم ولا تجد إلى ماء القول الصافي  سبيلا.فعبّرت بذلك عن مأزقها التاريخيّ وعجزها المزدوج : عجز عن مرافقة الحركيّة الثقافيّة والاجتماعيّة بسبب احتكار الدولة – الحزب للفضاءات جميعا وعجز عن تجاوز التناقضات الصارخة بسبب غياب إيديولوجيّة جامعة و قيامها وصيّة على المجتمع والثروة والفكر والسياسة والدين.أتوجد شموليّة أقوى من هذا في عهد الزعيم بعد أن أضاف إليها خلفه المتوجّس خيفة من كلّ شيء قبضة أمنيّة حديديّة؟
   والمفارقة الأخرى أنّ دولة الخَلَف أدخلت إلى الخطاب السياسي التونسيّ ، لملء الفراغ الإيديولوجيّ للحزب المهيمن على كلّ شيء تقريبا ، مفردات الخطاب الكونيّ حول حقوق الإنسان والديمقراطيّة والحرّيّات وتكافؤ الفرص وغيرها من خلاصات الذكاء الإنسانيّ المتجسّدة في الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدوليّة.فأسهم دون قصد ولا شكّ في نشر ثقافة الحرّيّة والكرامة الإنسانيّة والحقوق لدى فئات واسعة من مجتمع شاب مشرئبّ الأعناق بموجب التاريخ والجغرافيا إلى "العالم الحرّ" ، منفتح نحتت وعيه وفكره إحدى مفاخر دولة الاستقلال : المدرسة والجامعة التونسيّة.
    يخطئ من يعتقد أنّ " الربيع التونسيّ" ، من جهة الوعي على الأقلّ ، كان صدفة.فالبون بائن بين الثقافة المنتشرة الدائرة على الحريّات والكرامة ( وهما الشعاران الأساسيّان في جميع الأحداث التي اعتملت في البلاد) وبين الواقع الذي يبرزه الخطاب السياسيّ المتهافت والخطاب الإعلاميّ المتخشّب: دولة مزهوّة بهيمنتها وتماسكها الموهوم وواقع يضيّق الأنفاس على الجميع دون رأسمال حقيقيّ أو رمزيّ يصرّفه الناس في حياتهم.هذه هي الخميرة التي صنعت منها خمرة الثورة وخبزها في قدّاس مهيب ذات صباح مشمس من شهر جانفي.
   بعيد ذلك اليوم الاستثنائيّ بدأ الجسم الاجتماعيّ يتنفّس بعد سنوات من المسكّنات والإخماد وضروب العلاجات الوقتيّة فأخرج علله وأمراضه:أوجاع الهوّيّة المأزومة وأنماط من التديّن المستوردة من فضائيّات فقهاء الظلام وبائعي الأوهام والاستيهامات و أصوات مبحوحة في السياسة والفكر.لقد بدت الحداثة المعطوبة ، في أحسن الأحوال، أقلّ تجذّرا ممّا ذهب في وهم الحداثيّين.
    غير أنّ العلاقة بين الهوّيّة المأزومة والتحديث المبتور ليست بالحدّة التي يريد البعض أن يبرزها.فقد شمل مسار التحديث الجميع بما في ذلك أعداؤه الظاهرون.إذ اجتمعت ثقافة المجتمع التونسيّ ، وإن بدرجات متفاوتة، في ملتقى القيم والمبادئ الحديثة إلاّ قلّة تشذّ لتؤكّد القاعدة.
     فإذا تركنا جانبا المناورات السياسيّة والجدالات المفتعلة لاختبار ردود الفعل أو لفت الأنظار عن القضايا الكبرى ألفينا ما يشبه الإجماع على رفض الاستبداد باسم الدين والحديث عن مدنيّة الدولة والدفاع عن حقوق المرأة ومكتسباتها الحداثيّة والتداول على السلطة التي تستمدّ من الشعب والحرّيّات العامة والفرديّة وحقوق الإنسان المختلفة بأجيالها المختلفة .والجميع يدّعي وصلا بالعروبة لغة وبالإسلام دينا للدولة وللشعب مع تنصيص على ضرورة الانفتاح على اللّغات الأخرى ورفض القراءة الحرفيّة للنّصّ الإسلاميّ.
    والواقع أنّ هذا الاتفاق الصريح في أغلبه والضمنيّ في بعض جوانبه لا يدعو إلى الاطمئنان من جهة الرهانات الثقافيّة وحدّتها.فهو في أحيان كثير رهين حسابات الربح والخسارة السياسيّين بسبب ضعف المرجعيّات الفكريّة والأخلاقيّة .
     فلا القائلون بالمرجعيّة الدينيّة يملكون من الممارسة النظريّة والرصيد الفكريّ والكتابات المتداولة ما يكفي لصياغة تصوّرات متماسكة تخرجهم وتخرج أنصارهم من ثقافة السماع والقراءات الإخوانيّة والسلفيّة والعقائديّة المنغلقة لتؤسّس فكرا إسلاميّا حديثا يؤصّل المبادئ المدنيّة في التربة الدينيّة.
   ولا أهل اليسار، بتنويعاته المختلفة القوميّة والأمميّة، بقادرين على التفاعل الجدّيّ المخصب مع المسألة الاجتماعيّة في تعقّدها وإنتاج تصوّرات مناسبة عن منوال التنمية وعلى التخلّي الجذريّ عن جميع المفاهيم المتّصلة بثقافة الاستبداد والمناهضة للحرّيّات الفرديّة في المتون التي يعودون إليها.
    ولا الليبيراليّون والحقوقيّون استطاعوا أن يخرجوا عن المعالجة القانونيّة الضيّقة للنصوص ليجذّروا في الثقافة العربيّة الإسلاميّة مفاهيم الحريّة والحقوق وينشؤوا خطابا حقوقيّا متفاعلا مع الرصيد الثقافي الحاصل في المجتمع.
   إنّه ربيع تونسيّ ، وربّما عربيّ، دون كتاب ومدوّنة للفكر الذي يقول الحرّيّة ويصوغ خطاب الكرامة ويوضّح الرهانات ويفتح الآفاق ويجذّر التصوّرات.ربيع تونسيّ مكتوب بدم العفويّة التي لا تدوم تحت ضغط اليوميّ والعابر وبأجساد انعتقت من سجنها وصنعت التاريخ  ولكنها لا ترى تأصيلها الفكريّ رغم الصراع على نمطين اجتماعيّين متضادّين.
   وإذا صحّ وصفنا لحالنا وحال الربيع الذي نفض الخطاف المبشّر به جناحيه والخريف الذي بدأت في السماء المكفهرّة تلوح سحبه ورياحه فإنّنا نكون بعيدين عن معنى النقض الذي تحمله مفردة الثورة و دلالة التأسيس التي تستلزمها.
    فمادامت الثقافة الجامعة البانية مبهمة متلعثمة متردّدة، فلا معنى للربيع ،وإنّما هو ولا شكّ خريف التفكير الكسول المستعدّ أبدا إلى النكوص والاطمئنان إلى الثوابت والمستقرّ من القيم والمبادئ والتصوّرات.
   إنّ قدر الربيع التونسيّ أن يجد في مدنيّته أسس تصوّرات جديدة خلاّقة تبني ثقافة أخرى يحتاج إليها التونسيّون بقدر حاجة العرب تاريخيّا إليها.فقد وصل المشروع التونسيّ الاستثنائيّ إلى مأزق لا يمكن أن يكون حلّه في التصوّرات المحافظة التي ولّدها فقاومته ثمّ بدت منتصرة عليه سياسيّا لا فكريّا.و لا يمكن للحلّ أن يكون في نزعات التحديث القانونيّ الفوقيّ والسياسيّ السطحيّ دون ثقافة تمسّ العمق الاجتماعيّ.
   غير أنّ الحديث عن تعبير الدولة ومنظوماتها القانونيّة والسياسيّة عن ثقافة الشعب وهوّيّته حديث خرافة لا يأخذ بعين الاعتبار دور الدولة ونخبها المبدعة في صياغة الوعي الجمعيّ، والحديث عن التطابق مع المعايير الدوليّة في بناء الحقوق والسياسات دون أخذ الخصائص الحضاريّة وتنزيلها في التاريخ والثقافة حديث غرّ لم يفهم جدليّة الكونيّ والخصوصيّ.
   إنّه مسار ثقافيّ جديد ممكن لا شيء يضمن الشروع فيه مادمنا نشهد صياح الديكة ولعبة الضحيّة والجلاّد بتغيير مستمرّ للأدوار السمجة.ولا بديل باديا غير فتح فضاء التفكير العموميّ المشترك لكتابة نصّ الثورة الحقيقيّة بعمقها الثقافي الخصيب لا بأشكال سياسيّة لن تعيد على الأرجح، إن مباشرة وإن مداورة ، إلاّ صناعة الاستبداد ولو بعد حين.
   حينها ، وحينها فقط ، سيصطفّ على هامش الحوار الجادّ وبجانب حلبة الصراع الفكريّ العاجزون ثقافيّا والمنغلقون فكريّا والقاصرون إبداعيّا .سيجدون أنفسهم  في العراء ينمّون عزلتهم معرفيّا وأخلاقيّا وإيديولوجيّا .
   حينها ،وحينها فقط ، يمكن تحقيق استعارة الربيع وتثبيتها في الواقع واستبعاد استعارة الخريف بجميع إيحاءاتها السالبة.والأرجح أنّنا سنعرف خلال ذلك قرّ الشتاء وعواصفه وقيظ الصيف ولفح هجيرته.
بعيدا عن التفاؤل والتشاؤم وما بينهما ،لا شيء يطمئن ...لا شيء مكتسب ...فالباب مفتوح للممكنات جميعا بما فيها انقلاب الربيع المدنيّ ربيعا للاستبداد باسم الدين.حينها ستتساقط الأوراق من شجرة الحلم الخضراء معلنة،للأسف، عن خريف طويل طويل.