lundi 9 avril 2012

إلى السيّد وزير الداخليّة


سيدي الوزير ،
    أهدي إليك بمناسبة عيد الشهداء وبداية السقوط الأخلاقي لمن وصلوا إلى كرسي الوزارة بفضل المظاهرات غير المرخّص لها في شارع الحبيب بورقيبة هذين البيتين للشاعر التونسي منوّر صمادح وقد كتبهما بعيد الاستقلال .
    وأشهد انّ القمع غير المبرّر الذي رأيته اليوم في أحياز شارع الزعيم يجعلني أقول في ما بيني وبين نفسي " ما أشبه اليوم بالبارحة " وأردّد قول القائل إنّ التاريخ فعلا "يعيد نفسه في شكل مهزلة أو مأساة".


                                   عهدي به جدّا فكان مزاحا       بدأ الضحيّة وانتهى السفاحا
البابُ فتّحه الذين استشهدوا     فلمن تُرى قد سلّموا المفتاحَا

           

mardi 3 avril 2012

انتهى الحفل الانتخابي ، ثمّ ماذا؟





    انتهت انتخابات ممثّلي الطّلبة بالمجالس العلميّة بمفاجآت سارّة للجميع تقريبا. فأمّا طلبة الاتّحاد العام لطلبة تونس (المحسوب على اليسار) فقد اعتبر النّتائج نصرا تاريخيّا يؤكّد وقوف النّخبة ضدّ النّهضة ومشروعها الاجتماعي والسّياسي وأمّا طلبة الاتّحاد العام التونسي للطّلبة ، المحسوب على الإسلاميّين و المدعوم صراحة من شباب حركة النّهضة ، فقد اعتبر النّتائج مشرّفة له بعد عقدين تقريبا من المنع و القمع .و أمّا سلطة الإشراف فقد سجّلت بارتياح كبير انتهاء الانتخابات دون مشاكل تذكر و أمّا رؤساء الجامعات و المسؤولون على المؤسّسات ، مديرين و عمداء ، فقد تنفّسوا ،والحقّ يقال، الصّعداء لأنّ التوقّعات كانت منذرة بعنف كبير بين اليساريّين والإسلاميّين.
انتهى الحفل وخرجت جميع الأطراف منتشية. ولست أريد أن أكون مفسدا لهذه الفرحة ولا لهذا الانتشاء. فقط أودّ أن أبرز ما أراه جزءا فارغا من الكأس. فقد ثبت ضعف مشاركة الطّلبة في اختيار ممثليهم في هيكل بيداغوجي وعلميّ محوريّ في حياة المؤسسات الجامعية إذ لم تتجاوز النسبة وطنيّا خمس الطّلبة المسجّلين بل سجّلنا ،للأسف ، عزوفا من طلبة بعض المؤسّسات عن التّرشّح أصلا لتمثيل زملائهم.
ولئن ركّز المعلّقون على التّنافس بين الاتّحادين الطّلاّبيين فإنّ الواقع الجامعيّ يؤكّد الحضور القويّ ، ترشّحا وفوزا ، لمن اختاروا تسمية أنفسهم بالطّلبة المستقلّين. وهم الفائز الأكبر في انتخابات 15 مارس 2012 من حيث العدد. والواقع أنّنا لا نثق تماما في هذه الاستقلالية لأنّها تضمّ فعليا طيفا واسعا يمتدّ من طلبة التّجمّع سابقا إلى الطّلبة السّلفيين دون أن ننفي عددا ممّن لا يجد في شعارات اليسار ولا اليمين ما يعبّر عن اختياراته.
غير أنّ السّؤال الذي يدعو فعلا إلى التفكير هو : إلى أيّ مدى يمكن لهؤلاء الفائزين أن يمثّلوا زملاءهم ويعبّروا عن شواغلهم ويبلّغوا آراءهم ويدافعوا عنها ويساهموا في حلّ ما أمكن من مشاكلهم ؟ وإلى أيّ مدى يمكنهم أن يكونوا في الآن نفسه مؤثّرين في زملائهم قادرين على تأطيرهم وبلورة تصوّرات بيداغوجية وجامعية جزئية في كلّ مؤسّسة أو كلّية تهمّ المنظومة كلّها ؟
إنّ وراء هذا السّؤال سؤالا أهمّ مداره على كيفية خروج ممثّلي الطّلبة بالمجالس العلمية من منزلة "الملاحظ" في أحسن الأحوال، إلى منزلة الشريك الفاعل ذي الدّور الأساسي في القرار الجامعي. وإذا نظرنا إلى الأمر نظرا موضوعيا وجدنا خلطا قد يكون مبرّرا عمليّا بين العمل النّقابي في الوسط الجامعي ومهامّ ممثّلي الطّلبة بالمجالس العلمية. فلئن كان النّشاط النّقابي متعدّد المحاور متّصلا بقضايا كبرى تخصّ الطّلبة جميعا وتتجاوز كل مؤسّسة على حدة (كالسّكن والتّنقّل والمنح والتّربصات والصّحة وآفاق التشغيل ومنظومة التكوين...إلخ ) فإنّ التّمثيل الطّلاّبي داخل المؤسّسات أعلق بالقضايا الخصوصيّة والمشاركة في حياة المؤسّسة وهياكلها الدّاخلية من أقسام بيداغوجية ومجالس تأديب وفضّ للمشاكل الفردية والجماعية الطارئة وإيجاد صيغ سليمة للتّواصل بين الطّلبة والإدارة من جهة وبينهم وبين الأساتذة من جهة أخرى.
إنّ تعقّد مشاكل الطّلبة وتراكمها منذ عقود وانشغال النّاشطين النّقابيين بالجانب السّياسي لمقاومة الدّكتاتورية ومسار القطيعة التّنظيمية والسّياسية التي تولّدت عن حركة فيفري 1972 وغيرها من المعطيات قد شلّت فعليا العمل النّقابي بالجامعة وأضعفت قدرة الاتّحاد العام لطلبة تونس عن تحقيق مكاسب حقيقيّة للطّلبة تارة بسبب تعنّت النظام وتارة أخرى بسبب رغبة بعض مكوّناته عمّا يعدّ ، عندهم باسم الثوريّة،عملا إصلاحيا. فخسر الطّلبة ليزداد بؤسهم وخسر الاتّحاد ليزداد تشرذما وراديكالية لا تتجاوز الشعارات.
 والحاجة اليوم ماسّة لردّ الاعتبار إلى العمل النّقابي وفتح الملفّات الحارقة ومعالجة المشاكل المزمنة خدمة للطّالب وللجامعة ولمستقبل النّخبة التونسية. وبالمقابل فإنّنا نحتاج إلى إعادة النّظر في صيغ التّمثيل الطّلابي بالمجالس العلمية والأقسام البيداغوجية وآليات العمل الطلابي بالجامعة عموما.
من ذلك أن تشريك الطلبة تشريكا ناجعا وتمثيلهم تمثيلا فعليّا لا يمكن أن يظلا على الصّورة المعمول بها حاليا. فالرّأي يتّجه نحو اختيار ممثّلي الطّلبة في مستويات متعدّدة.
 أوّلها مستوى كلّ فريق من فرق التّدريس حتى يكون الطّالب المنتخب من زملائه ممثّلا لفريقه أمام إدارة القسم والأساتذة. وثانيها مستوى سنوات الدراسة داخل القسم الواحد ليصبح الطالب المنتخب من بين ممثلي الفرق المحاورَ المباشرَ لرئيس القسم في كل ما يتّصل بسير الدروس والعلاقات بين الطلبة والأساتذة والمشاكل الطارئة في الاختبارات والامتحانات. وثالثها مستوى المعهد العالي أو المدرسة أو الكلّية ليكون الطالب المنتخب من بين ممثّلي الأقسام ممثّلا للطّلبة في المجلس العلمي. حينها ستتوفّر للطّلبة والإدارة معا عبر الديمقراطية المباشرة ومن خلال المشاركة القاعدية في كلّ فريق وفي كلّ قسم صيغ مرنة للتّواصل والتّحاور في قضايا الطلبة وشواغلهم.
 وهي صيغ ستمكّن في ظنّنا، إذا عاضدها العمل النّقابي بعد هيكلة جميع الأجزاء أو جلّها ، وتدعيم العمل الجمعياتي ، وتطوير عمل النّوادي المختلفة ، من تغيير جذري في الحياة الجامعية و تتيح إمكانات أوسع لتناول القضايا ومعالجة المسائل فرديا وجماعيا على نحو تشاركي يكون الطلبة وممثّلوهم فيه فاعلين مؤثّرين .
لقد انتهى الحفل ، حفل انتخابات ممثّلي الطّلبة ، وانتصر المنتصرون وانهزم المنهزمون ولكن مسألة التّمثيل الطّلاّبي والدفاع عن حقوق الطلبة عامة وحقهم في المشاركة تظلّ في حاجة إلى تدبّر و تفكير.

jeudi 1 mars 2012

في يوم اللغة العربية : لتعدّد اللّغات !



لم أر في تاريخ السياسات اللغوية، أعجب من علاقتنا، نحن التونسيّين، بلغتنا العربية. فـهي مـن عناوين سيادة الدولة ، لكنّنا نجد بعض هياكل هذه الدولة لا تتورّع عن استعمال الفرنسية في مراسلاتها أو تقاريرها أو وثائقها .فكأنّها سلطة لا تريد أن تبسط نفوذها و تتخلى طوعيّا ،ولو على نحو رمـزي، عن بعض سيادتها .
   والعربيّة لغة رسمية لكننا مازلنا نعتمد لغات أخرى في تدريس بعض المواد العلمية لأطفالنا بحجة ،ضمنية أحيانا و صريحة أحيانا أخرى، مفادها أنا الـعربية ليست لغة العلم! و الحال أن المواثيق الدولية في مجال الحقوق اللغوية تمنح أبناء الشعوب الحقّ في التعليم باللغة الوطنية، و تثبت الدراسات في مجال التعلم أن مردوديّة التعلّم باللغة في المواد الـعلمية أرفـع وأنجح.
  والأخطر من هذا أن العربية ، بصفتها لغة وطنية ، كانت منذ عقود محل جدل إيديولوجي عقيـم يحتدّ أحيانا ويخفت أحيانا أخرى. و هو جدل مداره على الهوية بحكم الترابط التاريخي و الوجداني بين اللغة العربية و الدين الإسلامي .فأدى ذلك إلى دعوات أقرب إلى الانغلاق الغبي على هوية قلقة، ترى نفسها مهددة من الخـارج فتستعيد فزّاعة الاستعمار الثقافي عبر لغة المستعمر السابق لتنكفئ على لغة عربية تراثية محنطة ترفعها إلى مصاف القداسة .
   و بالمقابل ظهرت دعوات نخبة قليلة جاهلة بلغتها الوطنية تعيش في مجتمعها العربي و لكن الهوى فرنسي وتزعم باسم هوية منفتحة زائفة أن الفرنسية مدخلنا إلى التحديث العلمي و التكنولوجي أما العربية فهي لغة المساجد و الخطاب الاجتماعي والسياسي المتخلّف .
    لذلك لا تعجب إن رأيت عندنا قوما يرفضون لغة الآخر حتى عند التعلم كما لو كان رصيد الإنتاج العربي بالعربية أو المترجم إليها كافيا لمتابعة حركة الذكاء الإنساني العالمي. و لا تعجب إن رأيت قوما ثانيا لا يرى ضيرا في العجز عن استعمال لغته الوطنية كما لو كان إتقان الفرنسية كافيا للارتقاء إلى مصاف الأمم المتقدمة .                                                                                                                                                                                                                  
     إنهما وهمان خطيران متقابلان ولكنهما يلتقيان إيديولوجيا في الوعي الزائف بمقتضيات السياسة اللغوية و ما لها من انعكاسات على التنمية الاقتصادية و العلمية والاجتماعية ومن أثر في التنمية البشرية العامة.
والمفارقة عندنا رغم كل هذا أنّ الواقع اللغوي التونسي ليس بالسوء الذي يبدو للمتدخلين الإيديولوجيون في المجال اللغوي.وربّما احتجنا إلى التثبت من هذا الأمر ونحن نحتفل في الفاتح من شهر مارس بيوم اللغة العربية الذي أقرته الألسكو.
      فالعربية المنتشرة في مدارسنا ووسائل إعلامنا وإدارتنا، (سواء كانت الفصحى أو الدارجة )عربية مؤدية للأغراض، حديثة، قادرة على إداء المفاهيم اللازمة لإدارة محادثة في الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة أو الفكر والثّقافة عموما . والأهم من ذلك أن النخب الفرنكفونية  نفسها قد بدأت تعي أهمية التخاطب بالعربية وبدأت تتدرب على استلهام  روح اللغات الأخرى لإدارة الحوار في الفضاء العمومي الواقعيّ والافتراضي.
 وفي الأحوال جميعا للعربية مؤسسات تحميها وللغات الأخرى فضاءات تعلمها أبرزها الجامعة والمدرسة أي مفخرتا دولة الاستقلال مهما تكن المشاكل التي تعانيان منها اليوم بعد تخريب منهجي سافر تعرضتا له منذ عقود.
إننا أمام حركة مزدوجة مطلوبة في سياستنا اللغوية  إذ نحتاج ،من جهة، إلى  تدعيم العربية باعتبارها لغة حديثة على قدر عراقتها وإلى إقحامها في معترك الحداثة لتستلهم روح اللغات والثقافات الأخرى فتستفيد من التّطور التّكنولوجي المتسارع دون خشية على أنموذج أصلى لها موهوم ونحتاج، من جهة أخرى، إلى  تدعيم جادّ قوي لجميع اللّغات الممكنة المعبرة عن الثقافات المؤثرة في الفكر العالمي أو الحاملة لذاكرة إنسانية ثرية وعلى رأسها الإنكليزية وبعض اللغات الأوربية والآسيوية.
لقد صمدت العربية في تونس و تجددت وأصبحت بالفعل لغة حديثة ولكنها لن تتقوى بالإيديولوجيا والعواطف وتنقية المجال اللّغويّ من الفرنسيّة أو غيرها من اللّغات بل تتقوّى بتدعيمها مؤسّسيا من خلال تجديد مناهج تعليمها والكتابة العلمية بها والترجمة إليها واحتكاكها باللغات الأجنبية.
  لتتعدّد اللّغات عندنا فكلّها غنائم لنا وغنم كبير للغتنا الرائعة.
    






                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    

dimanche 19 février 2012

رسالة إلى طالبتي التي تزوّجت عرفيّا


رسالة إلى طالبتي التي تزوّجت عرفيّا

منّوبة في 13 فيفري 2012
 تحيّة طيبة
    أكتب إليك بعد أن قرأت في إحدى الصحف السيارة حديثا نسب إليك ونسبك لكلّيّة الآداب بمنوبة.و من المرجّح أنّني لم أدرّسك ولكن اسمحي لي أن أعتبرك من طالباتي مادمت مسؤولا عنك جامعيّا ولو من الناحية الإداريّة والأكاديميّة على الأقلّ.
   لا أدري إن كان عليّ أن أهنئك بزواجك عرفيّا من زميل لك بقسم الفرنسيّة وإن لم أكن راضيا  عن هذه الصيغة من صيغ الارتباط بيد أنّك تعلّمت ولا شكّ في دروس الفلسفة بالمعهد  معنى الحرّيّة في الاختيار وتحمّل المسؤوليّة في ما تقدمين عليه بخيره وشرّه.وفي الحالات جميعا لم أكتب إليك لألومك أو لأدينك أو لأتهمك أو لأنتصب واعظا بليدا بل لأفضي إليك ببعض ما عنّ لي من خواطر وأنا أقرأ تبريرك لما أقدمت عليه داعيا لك بالسعادة والهناء والتوازن النفسيّ والتمتع بمباهج الحياة فعلى الأرض حقّا ما يستحقّ الحياة كما قال الشاعر.فلا تبتئسي لما تسمعين من الناس متديّنين وغير متديّنين من نقد وانتقاد وقلّة تفهّم لدوافعك وإن كان منهم مخاطبك في هذه الرسالة.لقد اخترت سبيلا أخرى غير السبيل المسطورة فلا تضيعي على الأقلّ القصد الذي قصدت والهدف الذي رسمت.
ابنتي العزيزة،
   قرأت عنك أنّك أقدمت على الزواج عرفيّا لتلبية حاجتك الجنسيّة وما تشعرين به نحو صديقك ابتعادا منك عن المعاصي والمحظورات والمحرّمات والعلاقات غير المشروعة دينيّا.وفسّرت اختيارك لهذه الصيغة في الارتباط تفسيرا اقتصاديّا على اعتباره أنّه زواج لا يتطلّب إنفاقا ولا ولائم ولا غيرها من المصاريف التي أصبحت ثقيلة عليك وعلى أبناء جيلك كما كانت،والحقّ يقال، ثقيلة على الأجيال التي سبقتكم.
   أودّ بدءا أن أعبّر لك عن تفهّمي لك عميق التفهّم وربّما فهمت منك شيئا غير الذي قصدت.فقد صدمت بموقفك هذا مجتمعا ونخبا توهّمت أنّها مطمئنّة بفضل منظومة حقوقيّة متطوّرة على حقوق المرأة والأسرة لذلك اندهش أهل الحداثة والفكر اليساري وأحفاد الزعيم الخالد الحبيب بورقيبة من هذه الحلول كما انزعج الذين يتبعون السراط السنيّ المالكيّ القويم  ممّا أقدمت عليه فهم لا يذهبون إلى ما يذهب إليه أهل الملل والنحل والمذاهب الأخرى من شيعة وسلفيّة طلعت لهم من الفضائيّات كالعفاريت ولا رادّ لها عندهم.
    لذلك وجّهت إليك سهام النقد باسم القانون.فقد خالفت ما تنصّ عليه مجلّة الأحوال الشخصيّة من منع للزواج بغير الصيغة الرسميّة.ووجّهت إليك سهام النقد باسم المدافعين عن حقوق المرأة لأنّ ما أقدمت عليه يسقط عمليّا حقوقا لك، قد لا تعرفينها أو لا تتصوّرين أهميّتها عندك في قادم الأيام، كالنفقة والاعتراف بالأبناء وحقّك في الإرث ولو لم يكن تناصفا وغير ذلك من الحقوق التي كفلها لك القانون التونسيّ. ووجّهت إليك أيضا من جهة ثالثة ضروب من النقد باسم الإسلام الذي يوجب عند من نقدك إشهار الزواج وإلا اعتبر دعارة مقنّعة.
    أعرف أنّ الأمر ثقيل عليك لكثرة السهام من كلّ صوب ولكنني متأكّد من أنّك ستواصلين مغامرتك عنادا نفهمه ممّن هم في سنّك من جهة وتعبيرا ، من جهة أخرى، عن طاقة فيك كامنة على الاحتجاج والإصرار على الدفاع عن النفس رأينا صورة منها يوم تمسكّت بالدراسة وإجراء الامتحانات دون التخلّي على النقاب.
   ولا أخفي عليك أنّك في وضعيّة صعبة أرجو لك أن تجدي لها بذكائك مخرجا.فللصدام مع المجتمع والدولة ثمن باهظ لا أتمنّاه لك.فاحذري مثل هذا الصدام ولا تعوّلي كثيرا على نقابك الذي تخفين به وجهك عن المجتمع.فالدولة تزيل الحجب والأنقبة جميعا متى شاءت ومتى لزم الأمر. ولا يغرّنّك ما يدور في الوسط الضيّق الذي وجدت نفسك فيه لأنّه وسط مقطوع عن الواقع يعيش ما عاشته عبر التاريخ المجموعات المغلقة التي لا تزيدها قلّة مريديها إلاّ توهما للقوّة والحقّ وهي أوهى من بيوت العنكبوت.ولا يذهبنّ في وهمك أنني أخيفك أو أهدّدك بالدولة وقوّتها فأنا معك يهمني أمرك لأسباب سأفصلها في ما سيأتي ولست ممن يدعوك إلى ما لا ترغبين فيه.
ابنتي العزيزة،
   أصدقك القول أنّك ، بقطع النظر عن النقد الذي وجه إليك ولأمثالك، قد طرحت عليّ شخصيّا وعلى النخب التونسيّة وعلى المجتمع سؤالا خطيرا مهمّا لم يجد له من نقدك إلاّ ردودا جاهزة أعترف لك أنّها تعبّر عن خوف منك أكثر ممّا تعبّر عن تفهّم وسعي إلى إيجاد الجواب الذي يريحك ويريح من يفكّر بأسلوبك.
    لقد قلت لنا بلغة متلعثمة وإن بدت واضحة وبخطاب مأزوم وإن بدا واثقا من نفسه: "كيف تريدونني أن أوفّق بين شهوة الجسد والغريزة التي ركّبها اللّه فيّ وحقّي في المتعة الجنسيّة وبين أحكامكم عن الزنا وتجريمه وركام المحرّمات الدنيّة والقانونيّة ونفاق المجتمع المهووس بالجنس ، المتسربل بالتقوى الكاذبة ؟".
   وأصدقك القول مرّة أخرى أنّك على حقّ.وأحب أن أصارحك بأنّك بسؤالك هذا قد أدخلت عليّ بعض السرور ومزيد الشعور بالفخر ببنات تونس الرائعات وأنت منهنّ.
     فربّما فاتك أنّ مثل هذه الجرأة في طرح مسألة متعة المرأة الجنسيّة، وهي مما أقرّه الإسلام للمرأة على ما أعلم دون غيره من الأديان،لا يمكنها أن تصدر إلاّ من بنت من بنات المدرسة التونسيّة التي علّمت المرأة التونسيّة ففاقت نسبة الطالبات في التعليم العالي نسبة زملائها الذكور وتجاوزتهم في النتائج الممتازة ونسب النجاح الدراسيّ.فصوتك الذي اعتبره بعض المبكوتين المهووسين برائحة الأنثى عورة صوت قويّ حديث رغم الإهاب الدينيّ الذي يغلّفه.
    وهو صوت نشاز في العالم الإسلاميّ الذي يقمع المرأة ويسكتها خوفا من جرأتها ومن فتنة قولها لا من جسدها وأنوثتها فحسب.إنّه جبن الرجل الضعيف المتحكّم بالترهيب والتخويف في رقاب النساء وليس حرصه على الدين وتعاليمه.فأنت يا بنيّتي وإن كنت منتقبة أو متحجّبة ممّن وضعت فيه مدرسو تونس الحديثة من الجرأة والعقل النقديّ ما لا يستطيع إنس أو جنّي أن يخرجه من قلبك.فعظّي على دينك بالنواجذ كما تعظّين ، من حيث تشعرين أو لا تشعرين، على حداثتك الأصيلة بالنواجذ أيضا وإن كره الكارهون.
    وربّما فاتك أيضا ، وهو أمر أجد لك فيه الأعذار كلّها لعيب فينا نحن أساتذتك لا فيك، أنّك ابنة كلّيّة الآداب بمنّوبة.وهي كلّيّة من مفاخر منظومة التعليم العالي ببلادنا رغم كلّ ما يكال لها من اتهامات بعضها صحيح و كثيرها كاذب. وهذه الكليّة كما تعرفين يتوسّطها نصب سمّاه مجلسها العلميّ منذ سنوات " مشكاة الأنوار" فجمعوا بذلك بين عنوان كتاب للعقل الجبّار الذي مثّله حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي وبين الإيحاء المقصود إلى العقل النقديّ الحديث الذي أنتجه عصر الأنوار الغربيّ.فكنت ، وأنت ابنة قسم الفرنسيّة بكلّيّة الآداب ، جامعة بين النورين:نور الدين الموافق للفطرة ونور العقل في أقوى تجلّياته رغم السواد الذي تلتحفين.ولكن لا يعرف المرء بلباسه ولا يدلّ اللباس على حقيقة المرء على ما هو شائع قولا وعيانا. 
     لقد فاتك الأمران معا ولكن لم يفتك أن تعبّري بلغة تبدو للغافل المتسرّع لغة الظلام عن سؤال من أسئلة الأنوار التي تخرج من مشكاة النفس اّلإنسانيّة المتشوّقة للحياة والمتعة وطيّبات ما رزقنا الخالق المبدع.لذلك أنا فخور بك، يا بنيّتي، وإن خالفتُ ما اخترت لك من سبل في اللباس والزواج وما استقرّ عندك من فهم للدين والشريعة.
   والحقّ أنّ من ينقدك اليوم لم يقدّم لك إجابات شافية عن سؤالك.فما فعلت لا يرقى إلى الأخطار التي يمثّلها الاغتصاب والتحرّش الجنسيّ والمتاجرة بأجساد النساء واستغلالهنّ جنسيّا بل لا يبلغ صورا من العلاقات الجنسيّة المريعة كزواج المحارم و ما ينتج عنه من أبناء والاعتداء الشنيع على الأطفال والقاصرين والقاصرات بل الاتصال الجنسيّ، نساء ورجالا، بالحيوانات الأليفة في بعض أريافنا التونسيّة بالخصوص.واسألوا القضاة ومراكز الشرطة والحرس والأطباء إن كنتم لا تصدّقون.
     وهي ظواهر لا تعود كما يريد الأتقياء، من السلفيّين وغير السلفيّين، إيهامنا بذلك إلى خروج المرأة إلى الحياة الاجتماعيّة ولا إلى تدهور الأخلاق. ففي كتب الفقه، يوم كان الفقهاء يعرفون مجتمعاتهم ويعملون على حلّ مشاكلها، وفي كتب الأدب شعرا ونثرا أدلّة وشواهد أخبار ونوادر تبرز أنّ الأمر لا يتّصل بحجب المرأة في البيت.
   ولا تنزعجي يا بنيّتي فأنا ، وإن اختلفت معك في ما ذكرته لك ، أشهد أن ما فعلته شبيه ، بما يسمّيه بعض من نقدك بما نعرفه في بلادنا أمس واليوم من علاقات تسمّى حرّة ومعاشرة زوجيّة دون عقد وخيانات زوجيّة أساسها تعدّد العلاقات الجنسيّة وغير هذا من الظواهر.وهو شائع منتشر عندنا وعند غيرنا من المجتمعات الإسلاميّة التي لا تجرأ على أن تنظر إلى واقعها مدّعية التديّن وتحكيم الشريعة.وهو شائع أيضا لدى الجميع بقطع النظر عن انتماءاتهم الإيديولوجيّة والفكريّة دينيّها ولائكيّها ولا فرق إلاّ في التبرير الذي يستند أحيانا إلى آيات غير بيّنات من ماركس وفرويد وإيريك فروم وغيرهم أو إلى فتاوى بائسة يطلقها من نصبوا أنفسهم علماء بالدين يبحثون عن ختان البنات و الزواج بالرضيع و إرضاع الكبير وغيرها من المسائل التافهة الخطيرة ليكشفوا عن أمراضهم الجنسيّة وهوسهم بالجسد الذي يدعون إلى قمعه وحجبه.
طالبتي العزيزة،
     ما يخفيه كلامك وما لا نريد أن نعترف به هو أنّنا مجتمعات مكبوتة مهووسة بالجنس ولكن ثقافة التحريم والخوف والتستّر على المعاصي تمنعها من أن ترى نفسها في المرآة.إنّها مجتمعات تعيش بؤسا جنسيّا معمّما وتدّعي في الآن نفسه طهرانيّة كاذبة باسم الدين فلا تجد لها من مخرج إلا مخالفة تعاليم الدين في السرّ لقوّة الغريزة التي لا تعرف لها تصريفا وفق المجاري السائدة أو استمرار الكبت وما يحمله معه من عذاب صامت وألم عميق ووجع ممضّ.
    لهذا يا بنيّتي لا أدينك ولا أقسو عليك بقدر قسوتي على من  يزعمون أنهم رعاة القيم والدين وحماة القانون ومصالح المجتمع.فقد كفّوا منذ أمد بعيد عن الإصغاء إليكم وإلى الناس  وأصبحوا يدعونكم إلى ما استنبطته عقول الأسلاف وأودعوه كتبهم ناسين أنّهم كانوا رجالا وهم اليوم ينبغي أن يكونوا رجالا يجدّدون القول الدينيّ على ما تقتضيه أسئلتكم.بل لعلّهم يحتاجون إلى أن يفكّروا بما تشعر به المرأة التي تطالب باسم الإسلام نفسه بحقوقها التي منحها لها الخالق بما في ذلك الحقّ في الجسد والتصرّف فيه والحقّ في المتعة شأنها شأن الرجل لتخرج من منزلة الوعاء الذي يفرغ فيه فقهاء الكبت سموم هلوساتهم.فلئن لم تبرز عندنا فقيهات فإنّ قراءة الدين من وجهة نظر المرأة المقموعة أمر ممكن ولا جدال.
    و الواقع يا بنيّتي أنّ الإجابات الموجودة عن سؤالك هي بضاعة قديمة تكتفي بتذكيرك وأخواتك بالتعفّف والإكثار من الصلاة وغضّ البصر والتحذير من الزنا والمعاصي والتهديد بالنار وبئس المصير.
     ولا يذهبنّ في وهمك أنّ الزواج العرفيّ حلّ كما قد توهمت.نعم قد يحلّ جانبا من مشكلتك الجنسيّة ولو ظرفيّا ولكنه يا بنيّتي صيغة في الارتباط تدلّ على أنانيّة الرجل وانتهازيّته وجبنه.فهو لا يرتضي هذه الصيغة لأخته أو ابنته ولا يريد أن يتحمّل مسؤوليّته والإيفاء بالتزاماته الأخلاقيّة بإزائك ( أن يسكن إليك دون نيّة الانفصال مسبقا احتراما لذاتك وكرامتك الإنسانيّة لا استجابة لشهواته الجنسيّة) والاجتماعيّة ( أن يحمي حقوقك عند الإنجاب والميراث وحقوق طفلك ومكانتك الاجتماعيّة باعتبارك امرأة قد تشتهي الأمومة يوما من الأيام) والاقتصاديّة ( أن يكون قادرا على التعاون معك في التغلّب على مصاعب الحياة وما تتطلّبه ماديّا إن لم نتحدّث عن القوامة التي يعرفها في الكتب ويباهي بها ولكنه لا يتحمّل تبعاتها).
   لقد بذلت يا بنيّتي من حيث لا تشعرين جسدك لمن لا يحترم ذاتك وكرامتك ولا يراك إلاّ جسدا يفرغ فيه كبته مع تفصّ من جميع الالتزامات باسم تصوّر عن الدين لا يرى أبعد من حلّ مشكلته الجنسيّة على حسابك.
ابنتي العزيزة،
 اعرف أن لغة المنع والتحريم والتجريم والعقاب والتهديد في خطاب السياسة وخطاب الدين لم تعد تنفع مع جيلكم، جيل الثورة.ورجائي أن يتفطّن رجال الدين عندنا من أهل السنة المالكيّة بالخصوص إلى ذلك ليشرعوا في التخفّف من القوالب الجاهزة الموروثة ويفكروا في قضاياكم بلغة جديدة أقرب إلى الحياة التي تنشدون : حياة الحرّيّة والتفتّح العقليّ والفكر والجسدي والجنسيّ في إطار المساواة بين المواطنين المؤمنين وغير المؤمنين مهما كان جنسهم عند الولادة مع الرفق أكثر ببناتنا اللاتي يحملن تاريخا مرعبا من الاضطهاد الجنسيّ والنظرة الدونيّة وإيجاد الحلول المبرّرة دينيّا على حسابهنّ.فأنا، يا بنيّتي، ممّن يعتقدون أنّ لرجال الدين دورا ،شأنهم شأن مختلف الفاعلين الاجتماعيّين ، في إيجاد الحلول لمشاكل الناس وبالخصوص لشبابنا المتديّن على نحو يجمع بين الدين والدنيا جمعا لا يغلّب الدين ليخسر أبناؤنا الدنيا ولا يجعل دنياهم تسير على غير هدى.
    وفي انتظار ذلك اعترف لك أنني لا أملك لسؤالك جوابا وإن كنت أحدس حدسا أنّ الأمور لا يمكن أن تكون على ما اخترت ففي ما اخترت من الشرور الممكنة لكينونتك وكرامتك أكثر من الخير الذي تتوقّعين  أو المنفعة التي تبحثين عنها.ورغم ذلك أكرّر لك أنني أتفهمّك و أتعاطف معك فأنت ضحيّة مجتمع مكبوت منافق ولست جلاّدا يريد أن يحطّم منظومة الحداثة التونسيّة على ما قد يبدو من ردود فعل ناقديك.
      سلاما يا بنيّتي لنفسك التواقة المريدة.
        
    

jeudi 2 février 2012

الجامعة والسياسة



مثل الرجل الذي أراد أن يغيظ زوجته
( صدر في العدد الثاني من مجلّة " أكاديميا " ، فيفري ، 2012)

  

  يروي طه حسين في سيرته الذاتية أنّ طلبة الجامعة المصريّة  
    الفتيّة أضربوا في بداية القرن الماضي بسبب إعلان إيطاليا
    الحرب على تركيا وغزوها لطرابلس. وكان صاحب الدرس
     المستشرق الإيطالي كارل نيلّينو فقال لطلبته "مثلكم مثل 
     الذي أراد أن يغيظ إمرأته فخصى نفسه".



    وحتى لا نبالغ في الانحياز لموقف قد يبدو للبعض قائما، في سياقه المخصوص، على حميّة قوميّة من نيلينو، وقد يبدو للبعض الآخر، خارج سياقه، أقرب إلى الوعظ والإرشاد منه إلى التفهّم الواقعي للجامعة في علاقتها بالمواقف السياسيّة فإنّ تاريخنا وتواريخ غيرنا تشهد على دور الطلبة ومؤسساتهم الجامعية في الاحتجاج السياسي ومقاومة الظلم والاستبداد والدفاع عن الحقوق. فلم تكن الجامعة ،عندنا وعند غيرنا، بمعزل عن السياسة.

غير أنّ الوجه الآخر من العملة أنّ الجامعة وجدت نفسها في بعض الفترات رهينة صراعات بين تيارات سياسية تخوض معاركها في ساحاتها. وهو أمر لا يمكن فصله عن انزلاق دولة الاستقلال إلى نظام قوامه هيمنة الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة منذ بداية الستينات وصياغته لمجتمع يقوم على ما سمّي بالحزب الدولة. فنتج عن ذلك، شيئا فشيئا،خنق المجتمع السياسي باحتكار الفضاء العام ومنع المجتمع المدني من التنظّم للتعبير عن شواغله. وما الأزمة الطويلة التي عاشها، وما يزال، الاتحاد العام لطلبة تونس منذ ، وما المنع ىالذي تعرّض إليه الاتحاد العام التونسي للطلبة إلاّ شاهدان من شواهد هذه السياسة المستبدّة.
ولذلك كان الجامعيّون، قبل الرابع عشر من جانفي، يتفهّمون اتخاذ بعض التيارات السياسية اليسارية والقومية والإسلامية لساحات الجامعات متنفّسا للتعبير السياسي ويغضّون الطرف أحيانا عن تجاوزات غير مقبولة لأنّ مهمّتهم الجامعيّة تقتضي منهم ترشيد النضال الطلابي ومرافقة تلك الطاقات الهائلة التي تنطوي عليها النّخب الطلاّبية.
لقد كانت ساحات المؤسسات الجامعيّة الكبرى ببلادنا مشاتل لتخريج الخطباء الذين نرى اليوم عددًا منهم في الأحزاب السياسية الناشئة بعد الثورة ونرى عددًا آخر من الاتجاهات جميعا يساهمون في المشهد الإعلامي والسياسي ويشرفون على بعض هياكل الدولة فيمدّونها بالخبرة السياسية اللاّزمة لتسيير دواليبها، ونرى فريقا ثالثا في المجلس التأسيسي بأغلبيّته ومعارضته. وهذا شرف للجامعة يعتزّ به الجامعيّون بمختلف أجيالهم.

فقد كانت آليّات المرافقة والمساندة والتوجيه والترشيد بواسطة الحوار والإقناع أساس التعامل بين النّخبة الجامعيّة أساتذة وطلبة. وساهمت هذه الآليّات في أغلب الأحيان في رسم قواعد للتعايش داخل الحرم الجامعي. وهي قواعد مثلت حصيلة الأزمات التي عاشتها الجامعة التونسية منذ أواخر الستينات إلى اليوم. وأوّلها التوازن بين الحق في الاحتجاج بالأشكال القانونية المتاحة وبين الحقّ في الدراسة لمن يرفض الإضراب أو الاعتصام أو غيرهما من أشكال الاحتجاج وثانيها التخلّي عن العنف بين الفرقاء السياسيين والنقابيين والتمسّك بأصول العمل والحوار السياسيين بعيدا عن الثّلب والتّجريح والتّهجّم على الأشخاص. فالطالب المناضل نقابيا وسياسيا يحتاج إلى أخلاقيات للنضال احتراما للفضاء الجامعي، أوّلا وقبل كلّ شيء، وإبراز الطابع النوعي لتحرّكاته باعتباره من النخبة.
أما القاعدة الثالثة فهي الامتناع عن المرض الطّفولي للعمل النقابي الذي ظهر في بداية النضال النّقابي في جميع بلدان العالم وهو تهشيم ممتلكات المؤسّسة وتجهيزاتها.

وتشهد التجربة أنّه لم يكن من المتيسّر دائما الالتزام بهذا الخطّ الأحمر أو ذاك. لأنّ مرتادي الجامعة الذين يشكّلون المجموعات النقابية والسياسية متعدّدة مشاربهم ويختلفون في تكوينهم الفكري ولا يمتلكون دائما الحسّ النقابي السليم والوعي السياسي الكافي والأسس النظرية المناسبة. فقد عرفت الجامعة أجيالا مختلفة وتيارات متعدّدة تنبت أحيانا كالفطر وتنقسم داخلها إلى مجموعات بطريقة سرطانية تتحمّل الجامعة في نهاية المطاف انعكاساتها.
ولكن ّالناظر ولو بسرعة ودون إلمام مدقّق بالتيارات السياسية منذ سبعينات القرن الماضي، دون أن يكون بالضرورة من المؤرّخين أو المعايشين لهذه التيارات، يلاحظ بيسر أنّنا نشهد، منذ أربعين عاما، في كلّ عقد تقريبا، ظهور مجموعات متطرّفة ،من اليمين واليسار على حدّ السّواء، تحمل أفكارا جديدة غريبة وتتبنّى سلوكات في التعبير عن آرائها لا تخلو من حدّة وعنف. وفي كلّ مرّة نكتشف بعض الحقائق المرّة التي أصبحت بمثابة المبادئ في فهم ما يعتمل في الجامعة من تيارات.
فإذا وجدت شقّا متطرّفا فاسأل عمّن يقف وراءه خارج الحرم الجامعي. وإذا سألت وجدت أجندا غير جامعيّة لمواجهة النظام القائم يتّخذ أصحابها ساحة الجامعة ملجأ بسبب انسداد آفاق العمل السياسي في الفضاء العمومي أو لعجز جذريّ عن العمل الشعبيّ أو لاكتساح الفضاء الجامعي بعد اكتساح مواقع أخرى في المجتمع. فرهان بعض المجموعات السياسية على الجامعة هو رهان لفرض إرادتها وتصوّراتها على مؤسسة تضمّ شبانا يحملون طاقة هائلة على الفعل ويتميّزون بقدرة أكبر على التأثّر بحكم المرحلة النفسية والفكرية التي يعيشونها. هذا إذا لم نلق بالاً لمناورات النّظام السّياسي والأمني القائم واندساس عناصر منه داخل المجموعات المغلقة.

ولا أريد في هذا السياق التذكير بالصّدامات العنيفة بين مجموعات طلاّبية وطلبة الحزب الحاكم بعهديه ولا بتعطيل الدروس لفترات طويلة ولا بإلغاء بعض دورات الامتحان ولا بالمعارك الدامية بين الطلبة أنفسهم ولا بالتدخّل العنيف لقوى الأمن ولا باحتجاز بعض العمداء والمديرين ولا بالاعتداء على أساتذة ولا باستعمال الهياكل النقابيّة والمصلّيات في المؤسسات الجامعية لأغراض حزبيّة وسياسية ولا بالاعتصامات ولا بمن ذهب ضحيّة العنف البوليسيّ والعنف بين الطلبة المنتمين لتيارات سياسية مختلفة ولا بمن حرموا من الدراسة بالتجنيد أو الطرد أو السّجن ولا بمن قتلوا ولا بمن دمّروا مستقبلهم العلمي والاجتماعي جرّاء أفكار لا أظنّهم مازالوا يؤمنون بها اليوم.
إنّ التّداخل البغيض بين السّياسة والعمل النّقابيّ في الجامعة آلية جهنّمية تدمّر الأفراد وتقضي على أحلامهم وتعطّل المؤسسات الجامعيّة عن أداء مهامّها في التكوين والبحث وتوفير النخب اللاّزمة للبلاد. ولكنّها في الحالات جميعا، وهذا هو الدرس المهمّ، ليس فيها نفع لا قليل ولا كثير، للأحزاب والمجموعات السياسية التي تقف وراءها. فمنطق العمل السّياسي بما فيه من شهوة إلى السلطة وقدرة على الفعل الاجتماعي والسّياسي يرتبط بالفضاء العامّ وبالمجتمع السّياسيّ والمدنيّ وليس بمؤسّسة إنتاج المعرفة وتداولها وتجديدها. فلا نعرف في التّاريخ حزبا وصل إلى السّلطة عن طريق الضّغط السّياسي من خلال ذراعه الطلاّبيّة أو عن طريق الهيمنة على الجامعة أساتذة وطلبة. فَلْتَكُفَّ المجموعات السّياسية عن السّذاجة في فهم السّياسة ولِتُغَيِّرْ ما بنفسها بدل التشبّث بأضغاث الأحلام.

إنّ هشاشة الجامعة، باعتبارها مفتوحة للجميع دون استثناء في المبدإ، طبقيا أو جنسيا أو سياسيا أو نقابيّا، هو، وياللمفارقة، مصدر قوّتها. فهي مؤسسات تخدم المجتمع كلّه، بما في ذلك، الأحزاب من خلال مدّها بالنّخب الفكريّة والعلميّة والتقنيّة.
ومن وجوه القوّة في الجامعة، ويحسبها البعض ضعفا، أنّها تقبل جميع الإيديولوجيات والأفكار والآراء والمذاهب والمعتقدات والتّصوّرات، بما في ذلك الغريبة والشاذّة، ولكنّها تلتزم بمواصفات في تناولها تناولا تحدّده المراسم العلميّة التي اتّفقت عليها المجموعة العلميّة الدوليّة وتضبطه التقاليد الجامعيّة.
وكلّ من يطمع في فرض تصوّراته على العلم الحديث فاشل ولا جدال، فشلَ الستالينيّة في فرض تصوّرات للعلم وصفت بالماركسية أو فشل بعض الفرق الدينيّة الإسلاميّة ماضيا وحاضرا في فرض رؤيتها للتاريخ أو للنّصوص الدينيّة وحتى لبعض المسائل التي حسمها العلم الحديث.
فإلى أين نريد أن نذهب بجامعتنا في سياقنا السّياسي الجديد ؟
إنّ الجامعة في لفظها ومعناها رابط يجمع ولا يفرّق وهي في لفظها الأعجميّ تتّصل بالمفاهيم والقيم والمناهج الكونية والكلّية لذلك فما نطالب به الجامعيّين قبل السّياسيّين وطلبتنا بمختلف نزعاتهم ومشاربهم قبل قياداتهم السّياسيّة هو التمسّك بالميثاق الضّمنيّ الذي تقوم عليه الجامعة مهما كانت الظروف والقوى المتدخّلة الآن وهنا.
فرهانات الجامعة ليست سياسية حزبيّة ولكنّها ذات طابع كونيّ في سوق للتعليم العالي مفتوحة وأمام تطوّر سريع مذهل للمعرفة.
وليعلم أهل السياسة عندنا أنّ كلّ تدخّل في الشّأن الجامعي بالتحرّكات الاحتجاجية المختلفة إنّما هو تقليص من قدرة مؤسّساتنا على مواكبة المستجدّات اليومية. فتأخّرنا الحاصل عن قطار المعرفة الحديثة كبير ولم يعد لنا الوقت لمزيد إضاعة الجهود في حلّ مشاكل لا يد للجامعيين طلبة وأساتذة فيها.

لقد تفهّمنا في الجامعة ظروف الاستبداد التي حرمت الجميع من حقوقهم وتمكّنّا من أن نحافظ في الحرم الجامعي على هامش للحرّية والاستقلاليّة النسبيّة رغم كلّ الضغوطات. لذلك وجد طلبتنا فيه ملجأ حين صودر الفضاء العام.ولكننا بعد الثورة لا نجد من المقبول ولا من المعقول أن تكون جامعتنا، جامعة الجميع، ميدانا لمعركة مهما كانت مفرداتها بين الفرقاء السياسيين والإيديولوجيين. إنّها تتّسع للجميع ولكن بشروطها لا بشروط هذا الطرف السياسي أو ذاك التوجّه الإيديولوجيّ وشروط الجامعة بسيطة هيّنة: الحرّيات الأكاديميّة والتقاليد الجامعيّة.
غير أنّنا لا نريد العودة إلى منطق التّصحّر الفكري والفقر السّياسيّ ومنع العمل النّقابي والجمعياتي والمدني بالجامعة على ما شهدنا في العقود السّابقة. لذلك نحن ندعو طلبتنا إلى أن يكونوا ضميرنا الحيّ باستنباط وسائل للنضال والاحتجاج السلميّ دفاعا عن حقوقهم وتحسينا لوضعيتهم ومعالجة مشاكلهم المادية والبيداغوجية وما أكثرها!، والتعبير عن مواقفهم وآرائهم الفكرية والإيديولوجية والسياسيّة في الفضاء الجامعي. لهم أن يتنظّموا نقابيا كما يشاؤون وأمامهم فرص عديدة لبعث جمعيات ونوادٍ فاعلة ناجعة يخدمون بها مجتمعهم وجامعتهم ويطوّرون فيها حسّهم المدنيّ.
كيف يمكن أن يدافع طلبتنا عن حقوقهم دون إيقاف للدّرس وتعطيل للمؤسسة ؟ هذا هو السؤال.
كيف يمكن أن ينتظم طلبتنا سياسيّا وأن يمارسوا ما هم به مقتنعون إيديولوجيا دون أن تصبح الجامعة رهينة لهذا الفريق السياسي أو لذاك التيار الإيديولوجي؟ هذا هو السّؤال.
والإجابة عنه، لا تكون في تقديرنا، إلاّ بعقد جامعيّ تلتزم به الأطراف الجامعيّة والسّياسية. ولكنّه عقد لا يحتاج إلى أن يكون مكتوبا لأنّه الأصل في الجامعة وتستمدّه من التقاليد. فلا ننسى أننا أخذنا مفهوم الجامعة من الغرب ولسنا في حاجة إلى إعادة ابتكار العجلة كما يقول الفرنجة ولا نريد لبعضنا قليل الرّأي فكريّا ،ضيّق الأفق سياسيّا أن يفعل ما فعله الرجل الذي أراد أن يغيظ امرأته فخصى نفسه على ما روى نيلينو لطلبة الجامعة المصريّة.

dimanche 8 janvier 2012

افتتاحيّة العدد الأوّل من مجلّة " أكاديميا "



يصدر العدد الأول من مجلّة أكاديميا بعد سنة من الحركيّة الهائلة التي أنشأتها ثورة التونسيين في الرابع عشر من جانفي2011. فلتكن مجلّة جامعة منّوبة هذه ،على سبيل الاعتراف لشباب تونس الرائع ومنه شبابنا الطالبي. ولتكن أيضا هديتنا لشبابنا الذي تحرّر وحرّرنا جميعا ليفتح لنا آفاقا رحبة للعمل والقول والتفكير والتعبير.
لقد رأينا شباب مؤسّساتنا الجامعيّة في ذاك الصباح الفاتن أمام وزارة الداخليّة يهتف برحيل الطاغية ويردّد، بحماس الثائرين وإصرار الأحرار، النشيد الوطنيّ.وبعضهم كان قد غادر السجون قبل أيّام من ذاك اليوم الاستثنائيّ بعد أن دفع ضريبة الاحتجاج على القهر والحيف والاعتراض على الفساد والاستبداد. وقد كنّا نجد التهم واهية : نشاط نقابيّ دافعوا به عن زميلاتهم وحقهنّ في السكن الجامعيّ، والتعبير عن رأي سياسيّ اتخذوا ساحات المؤسّسة الجامعيّة فضاء للاصداع به بعد انّ غلّقت أمامهم المنافذ إلى الفضاءات العموميّة ومنعوا من حقّ التنظّم السياسيّ والمدنيّ.
ولكنّ فورة الثورة كانت تعتمل عميقا وكانت تيّاراتها التحتيّة تتكثّف : من رفع الصوت عاليا ضدّ زيارة شارون إلى بلادنا إلى أحداث الحوض المنجميّ التي شارك فيها طلبتنا فحوكم بعضهم وسجن منهم من سجن مع النقابيّين والناشطين السياسيّين. وقبل هذا وذاك، كانت الحركة الطلاّبيّة وأبناؤها أبرز المدافعين عن حقّ التونسيّين في التعليم والتنظيم والتعبير واستقلاليّة المنظمات عن الآلة الجهنّميّة، آلة الحزب-الدولة.
إنّهم أبناء هذه الحركة بنضالاتها ورمزيتها وبتجاوزاتها وحماستها. لذلك يستحقّون منّا هذا الفضاء الإعلاميّ للتعبير عن قضاياهم وشواغلهم وأحلامهم وطموحاتهم وإبداعهم وإنتاجهم.
لقد كانت الجامعة التونسيّة، منذ تأسيسها، وما تزال، من أبرز عناوين التحرير والتنوير والتجديد والتحديث في بلادنا.ومهما يكن تقييمنا لما يفوق الخمسين عاما من نشأتها فالتاريخ يؤكّد انّها كانت مصعدا اجتماعيّا لأبناء الطبقات الكادحة والفئات الفقيرة في المدن والأرياف. وهو يثبت، ولا ريب، أنّها صنعت، بفضل أجيال من أساتذتها المخلصين،نخبا ممتازة وكفاءات عليا هي رصيد الذكاء التونسي وزهرة دولة الاستقلال وتضحيات التونسيّين جميعا.
ويثبت التاريخ أيضا أن الجامعة التونسيّة أدّت وظائفها الأساسيّة بتركيز التفكير العلميّ الحديث ونقل المعارف الجديدة والاسهام في تطوير ما تيسّر تطويره منها وتكوين إطارات تربويّة وعلميّة رفيعة المستوى.
وعلى الرغم من محاولات التخريب المنهجيّ للجامعة واحتقار المستبدّ الجاهل للعلماء والجامعيين والمبدعين والمثقفين عموما فإنّ المعين لم ينضب وحافظت الجامعة، بفضل نخبها المستقلّة فكريّا والمخلصة للقيم والتقاليد الجامعيّة وبفضل نقابيّيها النوعيّين وطلبتها المتميّزين المجتهدين، على المقوّمات الأساسيّة لمؤسّسات البحث والتعليم العالي.
وليس من باب الصدفة أن تكون أوّل قطاع، في تقديرنا، يحقّق انتقاله الديمقراطيّ في ظرف وجيز لم يتجاوز الأشهر الخمسة. فأصبحت هياكله العلميّة والبيداغوجيّة في المؤسّسات والجامعات منتخبة. ولكنّنا مازلنا للأسف ننتظر فتح ملفّ التمثيل الطلاّبيّ في فصله النقابيّ أساسا. وأملنا معقود على شبابنا الطالبي الذي برهن على حسّ مدنيّ رفيع وإحساس بالمواطنة خصوصا في الأزمات القليلة التي عرفتها الجامعة بعيد الثورة وفي مفتتح هذه السنة الأكاديميّة الجارية.
نرجو أن تكون الجامعة قد استعادت الأمل وإن لم تفقد ثقتها في قدراتها الكثيرة الغزيرة، حتى في أحلك الظروف. وما أكاديميا، مجلتكم الجديدة هذه، إلاّ حيّز للنقاش والحوار والتداول في الشأن الجامعيّ في انتظار تنفيذ جوانب أخرى من خطتنا الاتصاليّة ونقصد بالخصوص جريدتنا الإلكترونيّة وإذاعة "أكاديكمياأف.أم" وتلفزيون "أكاديكميا تي.في". فلا ننسى أن من حسن حظّنا في جامعة منّوبة وجود المعهد الوحيد الذي يدرّس الصحافة والاتصال ببلادنا.
فمطالعة مفيدة للجميع في انتظار بهجة الأذن عند الإنصات إلى إذاعتنا ومتعة العين عند مشاهدة تلفزتنا.

mercredi 9 novembre 2011

رسالة مفتوحة إلى السيّدات والسادة نواب حزب حركة النهضة بالمجلس الوطني التأسيسي





السيدات والسادة النوّاب الأفاضل،
  أتقدّم إليكم بخالص التهنئة على الثقة التي وضعها فيكم الناخبون التونسيّون و في الحزب الذي رشّحكم.و لا يسعني إلاّ أن أرجو لكم دورا فاعلا في صياغة دستور جديد يقطع دابر الاستبداد والفساد ويؤسّس لدولة مدنيّة.
   ويطيب لي أن أحدّثكم بخطابي هذا ، وأنا لا أعرف منكم معرفة شخصيّة إلا واحدا أو اثنين ،بعد ما لاحظت ، كما لاحظتم ولا ريب، ما عاشته نخبنا قبل الحملة الانتخابيّة وبعدها من تجاذب خطير حول مسائل كبرى ذات طابع حضاريّ مهمّ ولكنّها للأسف أضحت أداة للاستقطاب السياسي والانشقاق الثقافي بدل أن تكون محلّ نقاش معمّق يرمي إلى معالجة مستقبليّة لا إلى التناول السياسيّ الظرفيّ.
   ولا مراء في أنّ حصول قائمات حزب النهضة على ما يناهز التسعين مقعدا من مقاعد المجلس الوطنيّ التأسيسيّ لهو حدث هام سيؤثّر ، أيّما تأثير، في المشهد السياسيّ والثقافيّ التونسيّ.
   ولئن كنت تاركا الوجه السياسيّ من المسألة لأصحابه، لريبة متأصّلة فيّ من السياسيّين والأحزاب ولرغبة عن الخوض في " السياسة الصغرى " بحساباتها ومنطقها، فإنّني ، من موقعي باحثا جامعيّا في اللّغة العربيّة وآدابها ومثقفا يطمح إلى أن يدلي برأي في شؤون مدينته وأسئلة ثقافته وقضايا أمّته وحضارته، لحريص الحرص كلّه ،على الخوض في " السياسة الكبرى " وأقصد سياسة المعنى التاريخيّ والحضاريّ.فهي عندي خير وأبقى.ولهذا السبب أتوجّه إليكم اليوم بخطابي هذا.
   واسمحوا لي ، سادتي النوّاب، أن أذكّركم بأنّكم ، من حيث تشعرون أو لا تشعرون، جزء من النخبة التونسيّة التي يشهد التاريخ بأنّها تحمل في ذاكرتيها القريبة والبعيدة إرثا مدنيّا ثريّا يمثّل عندي استثناء تونسيّا أعتزّ به مثلما تعتزّون به على ما أقدّر. وهو إرث بدأ بإلغاء الرقّ ووضع وثيقة عهد الأمان وإحداث التعليم العصريّ ومرّ بتأسيس الجمهوريّة وقيمها وتكوين النقابات والعناية بالتعليم الحديث وتعميمه وتعليم البنات وطرح قضايا المرأة والأسرة وتطوير اللّغة العربيّة ولم ينته بمنع تعدّد الزوجات وتوحيد القضاء وتحديث الإدارة وتأسيس أول جمعيّة للدفاع عن حقوق الإنسان.ولولا الوقوع تحت نير دكتاتوريّة الزعيم الأوحد ثم دكتاتوريّة الجهل والعائلة المالكة الجشعة لكانت الطموحات أكثر وأغزر.وها قد منحكم التاريخ فرصة نادرة لتساهموا من موقعكم السياسيّ والفكري في إثراء رصيد رأس المال الرمزيّ التونسيّ فأرجو ألاّ تتركوا حسابات السياسة وضغوط الإيديولوجية وقيود الانضباط الحزبيّ تدفعكم إلى إهدارها.
    وفي جميع الحالات فإنّ لحزبكم ، حزب حركة النهضة ،دورا على ما أظنّ سيكتبه التاريخ إذا أراد هذا الحزب أن يكون مروره من المجلس الوطنيّ التأسيسيّ حدثا تاريخيّا عظيما لا مجرّد واقع فرضه سياق انتخابيّ لا يدوم. فالأيّام ، كما تعلمون، دول ولكنّ أسماء خير الدين والحدّاد والشابيّ والحاميّ وحشّاد وبورقيبة وغيرهم ،على ما بينهم من اختلافات ، ستظلّ رموزا ومراجع بسبب أفكارهم الجريئة والمعاني الكبرى التي دافعوا عنها ونمط التفكير الذي أرادوا به الحياة فاستجاب لهم القدر وقد كانوا قلّة قليلة لم ترض بالعيش بين الحفر رغم ما لاقوه من اضطهاد أو تهجّم باسم  الدين  أو الهوّيّة العربيّة الإسلاميّة أو ثوابت الشعب والأمّة وغير ذلك ممّا يستعمل ،عندنا وعند غيرنا عربا وغير عرب ومسلمين وغير مسلمين ،لمنع الأرواح الحالمة المبدعة من التحليق في سماء الحرّيّة .إنّه قمع الشعوب ونخبها المستشرفة باسم الشعوب و رموزها لتأبيد بؤسها وشقائها.
   واسمحوا لي أن أرى في حزبكم ، حزب حركة النهضة ، مقارنة بغيره من الأحزاب الإسلاميّة أو ذات المرجعيّة الإسلاميّة في العالم العربي على الأقلّ، نتاجا طبيعيّا لهذا الاستثناء التونسيّ رغم الإرث الإخواني الذي تنهض عليه وغيره من المؤثرات الملتبسة ورغم ما يشقّه من تيّارات وما يعتمل داخله من تردّد مأتاه العلاقة مع الأطراف الإسلاميّة الأخرى.ولكن ذلك لم يمنع النهضة من أن تقدّم نفسها على أنّها حزب مدني يدعو إلى دولة مدنيّة وديمقراطيّة تضمن الحرّيات الفرديّة والعامّة وتقبل بمجلّة الأحوال الشخصيّة و لا تدعو إلى تطبيق الحدود باسم الشريعة.إنّه خطاب مدنيّ سمعناه مشافهة وكتابة من بعض قيادات النهضة وإن سمعنا بعض ما يخالفه من قيادات أخرى كما سمعنا من إطارات أدنى في النهضة ومن قواعدها الخطابين معا بما يشي بوجود حركيّة سياسيّة وفكريّة يمكن أن تشفّ عن وعي سياسيّ منبن على خلفيّة عقائديّة جديدة إذا حسم أمر الجمع بين منطق الأحزاب ومنطق الجماعات والحركات الذي يتجلّى في تسمية الحزب نفسه.ولكنّنا نحكم بالظاهر والآتي كاشف لا محالة للسرائر الإيديولوجيّة والبواطن السياسيّة.
    ورغم ذلك فقد اطلعت على ملامح برنامج حزبكم الذي رشحكم.وهو برنامج لا يتضمّن ما قد يؤوّل على انّه مدخل إلى دولة دينيّة على النمط الاستبداديّ.غير أنّني لم أجد فيه ، والحقّ يقال ،ما قد يجعل مرور النهضة بالمجلس الوطنيّ التأسيسيّ إسهاما حقيقيّا في ترك بصمة لا تمّحي بعد ّأن ينفضّ المجلس.نعم ، قد لا تكونون في هذا وحدكم ولكن انطلاقكم من أرضيّة عقائديّة دينيّة يجعل ما تنتظره النخب من النهضة أعمق وأبعد شأوا وأقصد النخب التي تطرح، حتّى داخل حزبكم وفي ضواحيه الفكريّة القريبة، الأسئلة الجذريّة للحضارة العربيّة الإسلاميّة وتبحث عن سبل عودتها إلى مدار الفعل التاريخيّ والتفاعل مع خلاصة الذكاء البشريّ.ولكنّ الانضباط الحزبيّ والخوف على مشروعها الوليد والتعلّل بمدى مناسبة التوقيت يجعلها عازفة عن الجهر بما سأحدثكم به في هذه الرسالة.

السيدات والسادة النوّاب المحترمون،
    إنّني ممّن يعتقدون أنّ حزب حركة النهضة وممثّليه في المجلس الموقّر قادرون ، إن شاؤوا ،على فضّ إشكالين خطيرين من إشكالات واقعنا الحضاري العربيّ الإسلاميّ اليوم.وهما إشكالان قد لا يكونان في الأهمّيّة العاجلة لمسائل مثل التشغيل وتحسين مستوى العيش ومعالجة التفاوت بين الجهات وتحريك دواليب الاقتصاد ولكنهما برمزيتهما وما قد يكشفانه من جرأة في التناول وقوّة في المعالجة سيتركان أثرا عميقا في الفكر الإسلاميّ وسيفتحان الباب مشرّعا لمصالحة "المسلم الحزين" مع إرثه وعصره وإنسانيّته التي يستعيد بها كونيّته وكونيّة القيم التي سيصنعها.وأقصد مسألتي علمانيّة الدولة والمساواة في الميراث.
    وليكن واضحا من البداية أنّني ممّن يعتقدون أنّ الممانعة بإزاء هاتين المسألتين باسم الإسلام أو الهوّيّة أو توقيت طرح الأمر أو الرأي العام أو غيرها من التعلاّت لن تنفع في المديين المتوسّط والبعيد.فالمسألتان ستحسمان بقوّة التاريخ المتسارع مثلما حسم التطوّر الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ تاريخيّا مسائل كانت تبدو من صلب الشريعة والدين كالعقوبات المهينة من قطع يد السارق ورجم الزاني والزانية أو كنظام الاسترقاق وأحكامه المنزّلة والمستنبطة فقهيّا.فليكن الأمر في مسألتي علمانيّة الدولة والإرث بوعينا بالتاريخ ومساراته وباجتهادنا وحسن نظرنا بدل أن يكون بقهر التاريخ العاصف وانتشار الوعي الحديث على هامش الضمير الدينيّ للمسلم المعاصر إن لم يكن ضدّه.
  حضرات النواب الكرام،
    لئن كانت علمانيّة الدولة ومسألة اللائكيّة بتجاربها المتنوعة أيسر تناولا لوجود الأنموذج التركيّ في فضائنا الإسلاميّ فإنّ مطالبة النهضة نفسها قبل خصومها بها والعمل على تضمينها في الدستور الجديد سيكون انقلابا جذريّا داخل المرجعيّة الإسلاميّة. فعلمانيّة الدولة التركيّة فرضها الزعيم أتاتورك بالقوّة ولكنّ علمانيّة الدولة التونسيّة إذا ثبتت ستخرج ، ولأوّل مرّة على ما نعلم ، من رحم المرجعيّة الدينيّة الإسلاميّة فتدعّم الاستثناء التونسيّ وتجعل الأنموذج التونسيّ أهمّ وستشجّع الحركات الإسلاميّة في العالمين العربيّ والإسلاميّ على التخلّص من الحكّام المستبدّين باسم الدين الإسلاميّ مثلما شجّعت الثورة التونسيّة شعوبا أخرى على التعبير عن حلمها بالحرّية والكرامة.وإنّي لأعرف من أبناء الحركة الإسلاميّة في تونس داخل النهضة وخارجها من يمتلك مفاتيح التأويل المناسب تأويلا ينشئ خطابا في اللاّئكيّة بمرجعيّة إسلاميّة تنويريّة.وفي بعض الاجتهادات المنتشرة لدى عدد من أتباع حزبكم ما يفسّر المسألة ويجد لها تخريجات موصلة للغرض سواء بتبني التمييز بين العلمانية الجزئيّة والعلمانيّة الشاملة أو بتأويل قرآنيّ لمدنيّة الدولة أو بالاحتفاظ بالمفهوم وتجنّب التعبيرات الواضحة والعزوف عن استعمال لفظي " اللائكيّة" و" العلمانيّة " واستبدالهما بلفظ " المدنيّة".فالمهم هو الصدق في أداء المفهوم والاقتناع به ثم إقناع الناس بأنّ الأمر  ليس على ما يصوّر للعامّة على انّه مناقض للدين.
   وعلى هذا قياس قضيّة الإرث.بل هي أهمّ لما لها من بعد رمزيّ دينيّا ومدنيّا.فقد اتهم الدين الإسلاميّ بأنّه معاد للمرأة وحقوقها اعتمادا على بعض الأحكام الواردة في القرآن الكريم كتعدّد الزوجات وضرب المرأة والإرث والممارسات الاجتماعيّة في عهود مختلفة من التاريخ الإسلاميّ كالحجاب والنقاب وختان البنات والحريم وملك اليمين.ولا فائدة من التذكير بأنّ الكثير ممّا قيل لم يأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخيّ لمسألة المرأة في المجتمعات العربيّة ولا في غيرها.ولكنّ الثابت أنّ غير المسلمين هم أوّل من بادر لأسباب تاريخيّة وحضاريّة بالدعوة إلى تحرير المرأة. وللأسف مازلنا إلى اليوم رغم زوال السياقات التاريخيّة التي كوّنت تلك الصورة عن المرأة المسلمة نرى آثار تلك السياقات البائدة تظلم المرأة في كثير من بلاد المسلمين.ولولا الاستثناء التونسيّ لما حازت المرأة التونسيّة الحقوق التي تعضّ عليها اليوم بالنواجذ وقبلتها النهضة ووعدت بعدم المساس بها.مع الإشارة إلى أنّنا كنّا على الأرجح سندرج هذا الأمر في رسالتنا المفتوحة هذه لو لم يتجرّأ بورقيبة وتعامل مع وضعيّة تعدّد الزوجات بمنطلقات دينيّة جامدة ووفق مقتضيات مراعاة السياسيّين للوعي السائد لدى الجمهور.
   ومن الناحية المدنيّة لا يخفى عليكم ، سادتي النوّاب أنّ مسألة المساواة بين الجنسين أضحت من معايير التنمية البشريّة وأنّ التوجهات الدوليّة ، رغم الواقع المرير للنساء في جلّ البلدان ،بما في ذلك بعض البلدان التي تتشدّق بحقوق الإنسان،سائرة إن عاجلا أو آجلا نحو مطلق المساواة بين النساء والرجال.
    ولمّا سمعنا من بعض قيادات النهضة وعودا بتدعيم حقوق المرأة التونسيّة و إثرائها فقد رأينا أن ندرج مسألة المساواة في الميراث ضمن رسالتنا هذه.ولا يحتجّ علينا كما قد قرأنا من أحد قياديّي النهضة بوجود نصّ صريح في مسألة الإرث. فالمعطّل من الأحكام التي فيها نصّ صريح غير قليل ولا أفهم لم يستثنى حكم الميراث منها. ولا يحتجّ علينا أيضا بأنّ نصّ الميراث يتيح صورا عديدة عند التطبيق يتساوى في ثلاثين منها الرجال والنساء في الميراث وترث المرأة في حالات عشر أكثر من الرجل وتنفرد في بعض الحالات الأخرى بالميراث دون الرجل ولا يفوق الذكر الأنثى في الإرث إلاّ في أرع حالات .فالمسألة لا تقاس بالذراع لأن الحكم الصريح نفسه غير مطبّق في العديد من أريافنا ومدننا لأسباب اجتماعيّة تتصل بمنزلة المر’ نفسها ومدى قدرتها على الدفاع عن نفسها والمطالبة بحقوقها مهما كانت منقوصة. لا يحتجّ علينا بهذا كلّه لأنّ قصدنا في رمزيّة ما نطلبه تدعيما للمساواة التامّة وتفاعلا إيجابيّا مع التوجّهات الكبرى في عالمنا اليوم وليس مجرّد رغبة في الدخول في جدل فقهيّ أو تحليل اجتماعيّ لأسباب عدم تطبيق الشريعة.فما يهمّنا أمر حضاريّ أكبر عندنا مردّه إلى السؤال التالي: أتدعونا أصول الفقه ومقاصد الشريعة و "روح التحرّر في القرآن " إلى أن نطوّع الواقع للنصّ أم إلى أن نطوّع النصوص بالنظر والتأويل الحسن إلى الواقع ونوازله و إلى السياقات وخصائصها؟ إلى متى يرفع الناس ، بفعل العادة والكسل والقراءة الحرفيّة وتعطيل آليّات إنتاج المعنى من النصّ، شعار الجاهليّة:"إنّا وجدنا آباءنا على هذا...."؟
   ولئن كان منع تعدّد الزوجات اجتهادا جريئا من الزعيم بورقيبة الذي اتهم باحتقار هوية الشعب والقفز على الواقع الاجتماعيّ فإنّ التسوية بين الرجال والنساء بما في ذلك  الإرث  وتضمينها في الدستور المقبل سيكون جرأة من النهضة ونخبها النيّرة تدعّم ولا جدال الاستثناء التونسيّ وتفتح أما نساء العالمين العربيّ والإسلاميّ آفاق الحريّة واسعة.

السيدات والسادة النوّاب الكرام،
    أعرف ، كما لمستم ولا شكّ ، أنّني أخاطبكم من غير موقعكم الفكريّ والفلسفيّ ولكنّني أعرف أنكم ، مثلي، على قدر من الإلمام بهذه المسائل إن لم يكن إلمامكم بها يفوق ما عندي.ومهما يكن تقبلكم لقولي هذا فثقوا أنني لا أحدّثكم من منطلق سياسيّ ضيّق لأنّني ممّن مازالوا يؤمنون بأنّ للتاريخ غائيّة غائمة عامّة هي الحرّيّة لجميع الناس فلا تهدروا هذه الفرصة التاريخيّة مهما بدت لكم المهمّتان عسيرتين.نعم ، أعرف أنّ حزبكم قد يخسر جمهورا  من " الحركة" ولكنّه سيربح أنصارا جددا فلا مناص لحزب يريد أن يدخل التاريخ من أن يكون في حجم اللّحظة التاريخيّة وأن يكون قادرا على فتح مسارات جديدة في الفكر والاجتماع.
فقد أراد شعبنا الحياة رغم إحكام الدكتاتور لقبضته فاستجاب القدر .وعلى نخبه اليوم ، ومنها أنتم ، أن تطلب ما يبدو مستحيلا بحساب الموروث الرمزيّ والفقهيّ والاجتماعيّ لتكون حياة شعبنا أجمل في الواقع وأرقى في مضمار المدنيّة وأرفع في درجات الفعل الحضاريّ الخلاّق.
  إنّ شعبنا صغير، بمقياس العدد، فقير ، بمقياس الخيرات ، ولكنّه برهن على أنّه عظيم بثورته السلميّة المدنيّة وغنيّ بذكاء نخبه الرائعة ، لو تأمّلنا وتخلّصنا من جلد الذات وصراع الديكة.وما أطلبه منكم إنّما هو الارتقاء إلى الطموحات الحضاريّة التي عبّر عنها شعبنا عفويّا فالتقطتها الشعوب الأخرى بغريزتها الثوريّة .ولا يتطلّب ذلك منكم إلاّ بعض  الاجتهاد حتّى تفتحوا السبيل ، إذا شئتم، أمام الشعوب العربيّة والمسلمة المقهورة باسم الدين كذبا وبهتانا وبفعل الاستبداد والفساد واقعا وعيانا.