samedi 7 juin 2014

في التسيير التشاركي للمؤسّسات الجامعيّة



تنطلق في شهر جوان وإلى حدود منتصف شهر جويلية عمليّة تجديد الهياكل البيداغوجيّة ( المجلس العلمي ومجلس الجامعة) والمسؤولين على المؤسّسات الجامعيّة والبحثيّة (المديرين والعمداء ورؤساء الجامعات).
ورغم مطالبة بعض الأطراف الجامعيّة، من عملة وموظّفين، بالمشاركة في انتخاب المسؤولين على المؤسّسات فإنّ المنشور المنظّم لهذه الانتخابات لم يأت بجديد. وظلّت الانتخابات مقصورة على إطار التدريس والبحث. ةلئن كان هذا الموقف مفهوما في سياق التجاذب بين النقابات الممثّلة لمختلف الأصناف الاجتماعيّة في الجامعة خصوصا بين نقابة العملة والجامعة العامّة للتعليم العالي والبحث العلميّ فإنّ مشكلة التسيير الديمقراطيّ التشاركيّ لم تحلّ بعد. والسبب في ذلك أنّ الأمر يكاد يخفي هاجس التموقع وتحسين "شروط التفاوض" والضغط من خلال الانتخابات أكثر ممّا يحمل تصوّرا ديمقراطيّا. فالبيّن أنّ التجاذب بين الفاعلين في الفضاء الجامعيّ يحمل في طيّاته تضاربا جذريّا بين المنطلقات البيداغوجيّة والأكاديميّة والمنطلقات ذات الطابع النقابيّ المطلبيّ المغلّف بالتشارك في اتخاذ القرار.
بيد أنّ هذا التوجّه التشاركيّ يضعف جدّا في غياب تصوّر شامل للتسيير الديمقراطيّ ونزعة التهديد للمسؤولين الجامعيّين واستغلال ضعف الدولة والإدارات ومحدوديّة قدرتها على التفاوض لتحقيق ما يعتبره هذا الطرف أو ذاك "مكاسب". وهذا ما جعل الكثيرين يتعاملون بشيء من التوتّر والتوجّس خيفة من اختلال التوازنات وتكبيل المسؤولين والمزايدة على الإدارة وجعل مسالك اتخاذ القرارات مسدودة. فمفهوم التشارك الديمقراطي لا يعني سيطرة طرف على آخر ولا يعني صناعة قوى ضغط او تعطيل أو فرض الرأي بقدر ما هو توفير الإطار المناسب لفتح الحوار وتبادل الآراء وتحمّل المسؤوليّة في إطار شفافيّة المعلومة وإتاحتها وإلاّ أصبح التشارك المزعوم تعطيلا ومزايدات وتنازلات حتّى ضدّ القانون.
ولا يعني هذا البتّة أنّ إدارة الشأن الجامعيّ اليوم وبالصيغة المعمول بها على أفضل حال ولكنّ الوقوع في الشعبويّة باسم المشاركة وتحويل غائيّات المشاركة إلى ضرب من المطلبيّة التي لا تتّصل بقواعد التسيير الرشيد سيجعلان الفكرة نفسها محلّ رفض. لذلك نعتقد أنّ المطلوب هو التفكير الجماعيّ في صيغ الممارسة الديمقراطيّة حقّا في الجامعة واستبطان مبادئ الحكم الرشيد والتدرّب على شفافيّة التعامل ضمن خصوصيّات الفضاء الجامعيّ. ولا نظنّ هذا يتحقّق بالتلويح بمقاطعة المشاركة في إعداد الانتخابات أو التخلّي عن المهامّ الإداريّة في بعض الظروف التي لا تناسب هذا الطرف أو ذاك. فبقاء طرح المسألة بهذا الشكل الضيّق القطاعيّ المصلحيّ لا يخدم المبدأ العام السليم والمطلوب أي التسيير التشاركيّ للجامعة.
والأهمّ من ذلك في تقديرنا هو الانكباب الجدّي على صياغة مشروع ناجع واضح متكامل لهذا المفهوم وترجمته إلى إجراءات مؤسّسيّة وترسيخ قواعد التعامل المتوازن السليم بعيدا عن هاجس التموقع والنزعة المطلبيّة في غير محلّها. فمشاركة مختلف النقابات، وهو حقّ من الناحية المبدئيّة وشرط من شروط الحوكمة الرشيدة، لا يعني تكبيل الإدارة أو السكوت عن التجاوزات أو تعطيل آليّات محاسبة المخلّين بواجباتهم باسم التضامن النقابيّ. فالأصناف المختلفة في الجامعة اليوم أصبحت مهيكلة نقابيّا بطريقة أفضل ولها تطلّعات مشروعة ومطالب متراكمة منذ سنوات ولكنّ السعي إلى الهيمنة وفرض الأمر الواقع لن يوصلنا إلى تحقيق الهدف الأسمى.
ولا نخفي أنّ مختلف الأطراف الجامعيّة تفقد أحيانا، عن وعي أو عن غير وعي وبسبب من الحماسة المفرطة، البوصلة وتشدّ الحبل أكثر ممّا يجب دون أن تعي أنّ ذلك لا يصبّ بالضرورة في صالح المشروع التسييريّ المنشود.
غير أنّ ما يطمئن بعض الطمأنة أنّه رغم التجاوزات والضغوط يوجد دائما العقلاء ومن يراعون مصلحة المؤسّسات ويجتهدون للعمل بعيدا عن الحسابات الفئويّة وتضخّم الذات وبعيدا عن البطولات الزائفة. فالثابت أنّ الجامعة يسيّرها الجامعيّون فهذا جزء من مفهوم الحرّيّات الأكاديميّة والثابت كذلك أنّ الجامعة لا تقتصر على إطار التدريس لأنّ نجاحها في مهمّتها يتطلّب إدارة قويّة حديثة ناجعة. هذا دون أن ننسى الطرف الغائب الأساسيّ عند الحديث عن التسيير التشاركيّ وهو الطلبة ولا بدّ من إيلائهم المكانة التي يستحقّونها رغم مشاكل التمثيل الطلاّبي وما أكثرها!

أملنا أن نخرج من مجرّد الشعار، شعار التسيير الديمقراطيّ التشاركيّ والحوكمة الرشيدة، إلى صياغة التصوّرات الكفيلة بالنهوض بجامعتنا والخروج بها من وضعها المتردّي.      

* افتتاحيّة شهر جوان 2014 لمجلّة أكاديميا

mardi 3 juin 2014

بداية الفصل الأوّل من رواية "الطلياني"




الزقاق الأخير

   لمْ يفهم أحد من الحاضرين في المقبرة يومها لمَ تصرّف عبد النّاصر بذاك الشّكل العنيف. ولمْ يجدوا حتى في صدمة موت الحاج محمود سببًا مقنعًا.
   كان الإحساس العام أنّ النار تخلّف الرّماد. فأين وقار الحاج محمود وأناقته في جبّته السكرودة التونسيّة وشاشيّـته الإسطنبوليّ أو في بدلته الإفرنجيّة وقبّعته المستديرة، على حدّ السّواء، من طيش ابنه بسروال "الدجينز" وسترة "الدّنقري" والشّعر الأشعث واللّحية المعفاة؟ فحتى وسامة الفتى، التي جمعت جمال الأصول الأندلسيّة لأمّه وجدّته ومخايل الوسامة التّركيّة لأبيه وجدّه، تلاشت في تلك الهيئة التي جعلته أقرب ما يكون إلى "هبّاطة" الميناء و"بانديّة" الحيّ الذين لم ينالوا ولو حظًّا يسيرًا من التّعليم.
   كانت مقبرة الزلاّج في حالة خشوع، لا تسمع في أرجائها إلاّ التّكبير وأصوات القرّاء يرتّلون ما تيسّر من آي القرآن الكريم. وكان موكب الدّفن كبيرًا على قدر ما يكنّه أهل الحيّ للحاج محمود وللعائلة كلّها من تقدير. فالموتى لا يتساوون، والجنازة دليل على رأس مال المتوفّى وعلى ما في رصيد العائلة من المعاني والرموز والمكانة.
    حضر يومها، إضافة إلى العائلة الموسّعة، الجيران وأبناء الحيّ والأحياء المجاورة وأناس عاديّون عديدون وأصدقاء ابنيْ المغفور له من الفنّانين والمثقّفين والجامعيّين ورجال الإعلام وحتى رجال السّياسة وبعض الوزراء. وأكثرهم كان من أصدقاء عبد النّاصر وأخيه صلاح الدّين الباحث الجامعيّ المرموق والخبير لدى مؤسّسات ماليّة دوليّة.
  أقيمت صلاة الجنازة في الباحة الكبرى للمقبرة. فخيّم الصمت واصطفّ النّاس يؤدّون الواجب. كنت، منذ سمعت النبأ، إلى جانب عبد الناصر الذي لم أفارقه إلاّ لساعات قليلة. كان معنا جمع من رفاقنا. وقفنا على الجانب الأيمن من الباحة حذو عرصة ننتظر الفراغ من صلاة الجنازة لنشيّع الحاج إلى مثواه الأخير مع المشيّعين. اقترب منّا توفيق خال عبد النّاصر. سمعته يوشوش له، يدعوه إلى الوقوف مع الواقفين للصلاة:"عيب! التحق بأخيك في الصّفّ الأوّل ماذا يقول عنّا النّاس؟ استرنا على الأقلّ يوم دفن والدك". نهره عبد الناصر ممتعضًا حانقا:"تعرف كما يعرفون أنّني لا أصلّي ولا أصوم"
   سار الحشد وراء سيارة البلديّة في اتّجاه طريق سيدي أبى الحسن الشاذلي فتقدّم عبد النّاصر الصّفوف. التفت فلمح الإمام. كان بدينًا يلبس جبّته العكريّ. حدّق متثبّتا فوقعت عيناه على عينيه. طأطأ الإمام رأسه مرتبكًا. ظلّ ينظر إليه وهو يسير في الموكب وراء سيّارة دفن الموتى مثلنا.
   حين وصلنا إلى مكان الدّفن علت أصوات المكبّرين من كلّ جانب. وُضِع التّابوت قرب حفرة القبر وشرع في قراءة الفاتحة ثمّ تتالت الأدعية. لم يبسط عبد الناصر يديه عند تلاوة الفاتحة وترديد الأدعية دون بقية الخلق المتحلّقين حول القبر والتّابوت. رأيته شاخصًا في جارهم الإمام الذي كان يتحاشى أن ينظر إليه ويتعمّد تلاوة القرآن وترديد الأدعية مغمضا عينيه. كانت عمامته تكاد تحجب تينك  العينين.
    بدا عبد النّاصر متوتّرًا. ربّت خاله على كتفه ثمّ تفطّن صلاح الدين إلى توتّره فعانق أخاه الصّغير. سالت على خدّيه دمعات حين احتضنه. أغمض عينيه ومسح دموعه. ما إن فتحهما حتى رأى الإمام داخل الحفرة على يساره يتسلّم الجثّة استعدادًا للحدها.
   لا أحد من الجمع الغفير المتحلّق حول القبر فهم لِمَ علا صراخ الإمام. لم يشهد الحادثة إلاّ من كان في الدّوائر الأولى.
-"يلعن دين والديك، يا منافق، يا نذل، يا ساقط، اُخرج من غادي يا نيـ***.. "
   كان الإمام يتأوّه ويئنّ أنينًا مرًّا. نزفت الدّماء من فمه فاختلطت بقميصه السّكري وبدعيّته فاتحة اللّون ولطّخت قطرات منها جواربه البيضاء. كان يتألّم ويتوجّع في شبه غيبوبة.
   تعالى الصّخب واختلطت الأصوات: "الإمام غارق في دمائه"، "عبد النّاصر الطلياني ضرب الإمام"، "لقد جنّ ابن الحاج محمود المسكين"، "لا أدري ماذا وقع، لا أرى إلاّ الإمام ينزف فمه دمًا"، "الطلياني يصرخ ويسبّ الإمام"، "ابن الحاج في حالة هستيريا"، "عيب والله عيب أن يقع هذا في جنازة"، "أستغفر الله العظيم، عشنا وشفنا"، " استرنا يا ربّ".
   من كانوا في الدّائرة الأولى رأوْا عبد النّاصر يوجّه ضربة بحذاء " البرودكان" إلى وجه الإمام الذي كان في الحفرة يستعدّ لدفن المرحوم. كانت صرفقتها مسموعة ممّا يدلّ على قوّتها. دخل عبد النّاصر في حالة هيجان صارخا يرمي الإمام الشّيخ علاّلة بأقذع النّعوت التي لا تليق إلاّ بأسافل القوم. لم يكفه ذلك، ارتمى عليه يريد إشباعه لكمًا وربّما نوى خنقه لولا أنّني انتزعته منه ثمّ أخذته مع بعض الأصدقاء بعيدًا وهو سادر في صياحه وسبابه وتهديده، يرغي ويزبد إلى أن فقد الوعي.
   عجّل الحاضرون بدفن الحاج محمود ولم يقف أيّ من أفراد العائلة لتقبّل العزاء من الحاضرين. فقد ألهت الدّهشةُ الجميعَ، صلاح الدين والخال توفيق وكبار العائلة والمعزّين أيضا، عن إتمام مراسم التعزية.
   حصل هذا في أواخر شهر جوان أو بداية شهر جويلية من سنة 1990 تاريخ وفاة الحاج محمود. كان الحاضرون يومها، قد عاينوا أوّل فضيحة في الحيّ، وربّما في البلاد، يذهب ضحيّتها الميّت. 

mardi 13 mai 2014

الاتّحاد وجائزة نوبل للسلام

لماذا رشّح الجامعيّونالاتّحاد العام التونسيّ للشغل 
لنيل جائزة نوبل للسلام؟

في معترك الانتقال الديمقراطيّ الصعب الذي تمرّ به بلادنا وفي ظلّ التخوّفات المشروعة من انتكاس التجربة التونسيّة، يأتي ترشيح جمع من رؤساء الجامعات التونسيّة للاتّحاد العام التونسي للشغل لنيل جائزة نوبل للسلام معبّرا عن موقف أخلاقيّ ومدنيّ جدير بالتوضيح.
فالجامعة، باعتبارها حاضنة لقيم الحضارة وأخلاق التمدّن والمثل الإنسانيّة العليا ومناهضة بالضرورة للبربريّة والعنف، لا يسعها إلاّ أن تشير إلى ما تراكمه الشعوب من تجارب وخبرات في إرساء الحوار بصفته آليّة للسلم وصياغة المسارات الديمقراطيّة والعمل على نزع فتيل الأزمات والنزاعات الداخليّة والخارجيّة.
والواقع أنّ ما شهدته تونس منذ أشهر خلت، خصوصا إثر الاغتيال البشع للشهيد محمّد البراهمي وقبله الشهيد شكري بلعيد، كان ينذر بحرب أهليّة حقيقيّة في سياق إقليميّ متفجّر إثر ما يعرف بالربيع العربيّ. وهذا ما نشاهده الآن، هنا وهناك في العالم العربيّ، من عنف وإرهاب وتقاتل ومخاطر كثيرة تهدّد المنطقة العربيّة.
ولا ريب أنّ تونس استطاعت مرّة أخرى أن تمثّل استثناء نرجو ألاّ يكون ظرفيّا. فهي عند الكثيرين من المراقبين والفاعلين المحلّيّين والدوليّين أمل من الآمال الجدّيّة لانتصار المبدإ الديمقراطيّ.
ولا يمكن في هذا كلّه التغاضي عن الدور الحاسم للاتّحاد في اللّحظة المناسبة. فقد استطاع بمبادرته، في ظلّ الاحتقان الشديد وبكثير من الصبر والجهد والأناة، أن يقوم بدور سيذكره التاريخ في الخروج من النفق المظلم وإرجاع الأمل وتهدئة النفوس الغاضبة وفرض الحوار الوطنيّ وسدّ الطريق أمام نزعات العنف والإرهاب. ولسنا نحتاج إلى خيال واسع لنتصوّر المآلات المأسويّة داخليّا وإقليميّا لو لم يتدخّل الاتّحاد أو لو لم تكن في تونس هذه المنظّمة الاستثنائيّة بتاريخها ومناضليها وثقة قطاع واسع من التونسيّين فيها وقدرتها على التجدّد والخروج من حيّز المطلبيّة الضيّق.
ولكن من المفيد التنبيه إلى أنّ هذا لم يكن من باب الصدفة ولا هو ظاهرة عرضيّة أو موقف أملاه الخوف من صراع كان ينذر بسفك الدماء وإزهاق الأرواح.
فما وقع حين تقدّم الاتّحاد بمبادرته ثم حين شرّك بعض المنظّمات في جمع أهمّ الفرقاء السياسيّين على طاولة الحوار، رغم تمنّع البعض، بحثا عن حلول هادئة ومتوازنة بواسطة النقاش إنّما هو استثمار لرصيد رمزيّ سابق وأسلوب عمل ظلّت معتمدة حتّى في أعتى فترات الدّكتاتوريّة.
فالجميع يعلم أنّ الاتّحاد كان يضمّ جلّ التيّارات السياسيّة التي لم تجد في مشهد سياسيّ يحكمه الاستبداد متنفّسا لها للعمل. ولكنّه استطاع بوصفة سحريّة لا يدرك سرّها إلاّ المناضلون داخله من إدارة الحوار الصعب بينها وتأسيس آليّاته وتطويره ليكون الدفاع عن قيم الحرّيّة والكرامة وعن تصوّرات مجتمعيّة أساسها العدالة الاجتماعيّة والنظام الديمقراطيّ الرابط المشترك بين تلك التيّارات السياسية والأجندا الوحيدة المعترف بها. فما وقع في الحوار الوطنيّ إنّما هو نقل لهذه الخبرة المتراكمة والتجربة الطويلة من مجال محدود هو المنظّمة الشغيلة إلى المجال الوطنيّ الواسع. وما الحوار الوطنيّ إلاّ مشاركة من الاتّحاد في ترشيد العمل السياسيّ بتونس على أساس التوافق والتفاهم بين أحزاب لم تكن أمامها، في ظلّ دكتاتوريّة مقيتة، فرصة للعمل الجماعي والحوار والتفكير المشترك في سياق أزمة خطيرة كانت تهدّد بحرب الكلّ ضدّ الكلّ. فالحوار الوطنيّ بهذا المعنى صورة مكبّرة في مستوى وطنيّ من طريقة في العمل جرّبها الاتّحاد داخله فصحّت لذلك أمكن له توسيع مداها.
وبهذا الاعتبار يمثّل ما قام به الاتّحاد من خلال مبادرته ورعايته للحوار الوطنيّ ابتكارا لشكل من أشكال إدارة الأزمات السياسيّة في مراحل الانتقال الديمقراطيّ وابتداعا لحلول سلميّة تقوم على التسامح ونبذ العنف صيانةً لمسار الثورة المواطنيّة السلميّة. وهي ثورة ينسى الكثيرون أنّ هياكل الاتّحاد في الجهات المحرومة والمدن الكبرى قد احتضنتها منذ بدايتها معبّرة عن شوقهم إلى الحرّيّة ومعزّزة لقدراتهم على التحرّك الاحتجاجيّ السلميّ. فدخل هذا البلد الصغير بلغة الجغرافيا سفر التاريخ المدني الحديث ليكتب صفحات ستكون مرجعا ولا شكّ في سعي البشريّة إلى التخلّص من البربريّة حتّى تنتصر قيم الحضارة وأخلاق التمدّن.
والثابت أنّ هذا العمق المدنيّ هو النسغ الذي تتغذّى منه شجرة الاتّحاد الوارفة. ولعلّه من المفيد أن يتذكّر ضعيفو الذاكرة أنّ التجربة النقابيّة التونسيّة لم تكن في محيطها الإقليميّ والقاريّ رائدة فحسب منذ عشرينات القرن العشرين بل كانت بالخصوص استثناء تونسيّا لا يقلّ دلالة عن مبادرة تونس منذ أواسط القرن التاسع عشر بإلغاء العبوديّة قبل الولايات المتّحدة الأمريكيّة ولا مبادرتها في أوائل تأسيس دولة الاستقلال بإلغاء العمل بتعدّد الزوجات.
فلا وجه عندي لنسيان هذا التاريخ أو تناسيه لأنّه الأساس المكين الذي ننزّل فيه موقع الاتّحاد وأدواره الوطنيّة. إنّه لحظة فارقة في الإرث المدنيّ التونسيّ مازالت مؤثّرة إلى اليوم وتجعل منه مظهرا من المظاهر تميّز هذا البلد بثورته المدنيّة. وإنّي لأحبّ أن أرى في الطابع السلميّ للثورة التونسيّة حلقة من مسار تمدينيّ تحديثيّ طويل يعود إلى ثلاثينات القرن التاسع عشر ومن ركائزه الثابتة الاتّحاد العام التونسيّ للشغل.
ولعلّ في ترشيح الاتّحاد لجائزة نوبل للسلام، بقطع النظر عن إسناد الجائزة من عدمها، تكريما من الجامعيّين التونسيّين قبل كلّ شيء لشعب عُرف عنه حبّ الحياة ورفض العنف والإرهاب والتعلّق بقيم الحرّيّة والمدنيّة بقدر ما هو اعتراف بأنّ من حسن حظّ تونس أنّ فيها منظّمة قادرة على مواجهة العفاريت التي نبّهنا غرامشي إلى انفلاتها من عقالها في فترات الأزمات حين يعسر على العالم الجديد أن يولد ويتعذّر على العالم القديم أن يضمحلّ.
    


vendredi 11 avril 2014

تكريم جورج طرابيشي المترجم والناقد الأدبيّ والمفكّر

كلمة بمناسبة تكريم جورج طرابيشي
(كلمة ألقيت بمناسبة تكريم "جمعيّة الأوان" و"رابطة العقلانيّين العرب"
للأستاذ جورج طرابيشي يوم السبت الخامس من أفريل 2014 ببيت الحكمة - تونس)


يطيب لي أن أكون بينكم في هذا الحفل، مع هذه النخبة النيّرة، لتكريم المفكّر والناقد والمترجم جورج طرابيشي.
وأودّ، بدءا، أن أتقدّم بالشكر الجزيل إلى جمعيّة "الأوان" على هذه الفرصة التي أتاحتها لنا  كي نلتقي ونتذاكر بعض ما في متن التنوير العربيّ تقديرا لمن أسهم في بنائه وتدبّرا لبعض فضاءاته المساءليّة ومعالجة لوضع رهاناته في ما يعيشه الإنسان العربيّ اليوم من منعطف تاريخيّ حاسم.
واسمحوا لي أن أجلو ما في هذا التكريم المعرفيّ من أبعاد رمزيّة عدّة. فالمحتفى به مكتبة من مكتبات الثقافة العربيّة الحديثة، مكتبة قائمة بذاتها، ولا مبالغة، بترجماتها الغزيرة ومؤلّفاتها اللاّفتة في النقد الأدبيّ وفي قضايا الفكر والثقافة والإيديولوجيا. وأكبر ظنّي أنّ هذا الإسهام الشخصيّ المتميّز لا يعود فحسب إلى سياسة مؤسّسة نشر لامعة كان على رأسها مثقّف من طراز نادر هو المرحوم بشير الداعوق بل يعود أساسا إلى أنّ جورج طرابيشي كان واحدا من جيل جديد من المثقّفين العرب أقبل منذ أوائل الستينات على الكتابة بقصد بناء ثقافة جديدة. وهو جيل سمّاه جورج طرابيشي بجيل "الرهانات الخاسرة"، أي جيل الخيبات القوميّة والثوريّة (الانقلابيّة) والاشتراكيّة. واليوم نرجو على أيّة حال ألاّ تكون نتيجة الرهان على الديمقراطيّة خيبة أخرى له ولنا.
 تقلّب جورج طرابيشي، كما هو معلوم، بين تصوّرات إيديولوجيّة كتب عنها وعمل على نشرها. وهذا الذي قد يراه البعض مطعنا في مسيرة هذا المثقّف وأضرابه نراه عنوان حيويّة جيل رائد بحث عن سبل خلاص مّا وعاش بحثه في حماسة لم تخل من اندفاع وعاش خيباته أيضا بكثير من المرارة. فسمة عدم الاستقرار، لدى الأذكياء النزهاء من أبناء جيل "الرهانات الخاسرة" هذا، تشفّ عن حسّ نقديّ رفيع وتمرّد أصيل على اليقين الزائف.
ولسنا نريد بهذا أن نحمّل طرابيشي وزر المراهنين الخاسرين، في هذا المسار الثقافيّ التاريخيّ، ولكنّنا نرى في ذلك ديناميكيّة فكريّة وإيديولوجيّة وسياسيّة، كانت بتزمّتها وانغلاقها أحيانا وإسقاطاتها التاريخيّة وتهافتها النظريّ أحيانا أخرى، جزءا من أفق التعبير عن شوق جيّاش عارم لتحديث المجتمع وتنوير الثقافة العربيّة. وما الخيبات والخسارات والأخطاء الموجعة جدّا أحيانا إلاّ استكشاف للدروب المغلقة والسبل الخاطئة. ولكنّها سبل ودروب من المفترض أن تتعلّم منها الثقافة العربيّة ما لاتحتاج إليه لتعرف ما تحتاج إليه كما قال الخليل بن أحمد الذي اختطّ مسلكا من مسالك عدّة في سبيل بناء معقوليّة في عهد من عهود التأسيس في تاريخنا الثقافيّ القابع فينا.
واعتقادي الشخصيّ أنّ مسيرة جورج طرابيشي الفكريّة، بتعرّجاتها المختلفة، تستجمعها عبارة واحدة: ضرورة النقد المستمرّ موقفَ قلقٍ لا يقنع بحدود المنجز ولا يطمئنّ إلى الثوابت بل يدفع دوما إلى أفق آخر ويعمل على تعرية كلّ الأوهام المكوّنه لجوهر الإيديولوجيا، تلك العدسة المقلوبة التي تبني تمثّلا مقلوبا عن القوى المعتملة في الواقع على حدّ استعارة ماركس.
وهل عرف العرب، في القرن المنقضي، أشدّ وقعا من فداحة الهزيمة، هزيمة 1967؟ فقد جعلت المثقّف الذي بقيت له مسكة من وعي نقديّ يراجع مسلّماته وينقد أوهامه عسى أن يستأنف ممكنات الأمل بقول وتصوّر جديدين؟
وفي هذا السياق، سياق تعبير جورج طرابيشي بوجه من الوجوه عن شواغل مثقّفي جيل الستينات الحداثيّين، ننزّل انتقاله من تصوّرات للحداثة تدفع التراث وكتبه المصفرّة بظاهر اليد إلى الاشتغال النقديّ على هذا التراث الفاعل في نسيج الفكر والحياة وذلك بالتعمّق في متونه المتراكبة المتشعّبة وبالاستنارة بمعارف العصر في إعادة قراءته. وهذا الانتقال في ظنّي، وأنا أستحضر ما تيسّرت لي قراءته من مكتبة طرابيشي الضخمة، دليل ناصع على أنّ الرجل عاش أسئلة ثقافته المتدافعة المتجدّدة بإصغاء المثقّف إلى نبض البحث الحيّ وباستعداد متواصل لمراجعة النفس كلّما اقتضت حركة الفكر في عمق السياق الثقافيّ ذلك.
أيّها الحضور الكريم، 
اسمحوا لي أن أتحدّث عن علاقتي بجورج طرابيشي الذي ألتقيه اليوم لأوّل مرّة. فنحن من جيلين متباعدين في الزمن لكنّنا متواصلان في الفكر ورهانات الكتابة والفعل الثقافيّ وذاك كلّه عابر للحدود جميعا أجيالا وأعمارا وأوطانا واختيارات إيديولوجيّة.
 كنت مثل جلّ أبناء جيلي من مرتادي مدرسة الجمهوريّة أطالع باللّغتين بيد أنّني نهلت الكثير ممّا يخصّ ثقافة الغرب الحديث من بعض ما عرّب طرابيشي في الماركسيّة خصوصا والفلسفة عموما. وما كنّا نهتمّ بلغة الكتاب بل بروح اللّغات ولغة الفكر في المكتوب. وأكثر ما كان يشدّنا في ترجمات طرابيشي انتخابه لمؤلّفات فاتحة ولعناوين جاذبة واختيار المرء في عبارة الجاحظ قطعة من عقله. نعم، وأضيف، وأنا أتحدّث عن جورج طرابيشي، هذا الاختيار قطعة من مشروعه الفكريّ النقديّ. فهذه الاختيارات كانت تفتح لنا آفاقا واسعة وتنبّهنا إلى كتّاب ومفكّرين مهمّين. ولا أريد أن يحمل قولي على أنّه رغبة عن الحديث عن محتوى ترجمات الرجل، فمنكم من سيتحدّث عنها حديث العارف المختصّ لا المتذكّر مثلي. غير أنّني شخصيّا مازلت إلى اليوم استخدم، من حيث أدري ولا أدري، العديد ممّا اقترح في باب المصطلح الفلسفيّ والنقديّ. وهذا دليل قويّ، في ما يبدو لي، على أنّ الكثير ممّا قدّمه في باب تحديث العربيّة وثقافتها تسرّب إلى لغة جيلي على الأقلّ فأثّر تأثيرا يصعب قيس مداه في أفكارنا وأسلوب تفكيرنا ولكنّه قائم بلا خلاف.
و إلى اليوم أذكر زيارة جورج طرابيشي إلى تونس سنة 1982. كان الفتى سنتها من تلاميذ الباكالوريا وقد قرأ بعناية وتركيز كتابه عن الحكيم، "لعبة الحلم والواقع" وهو منبهر بعمق التحليل وطرافة المأخذ وجدّة المداخل إلى مدوّنة الحكيم. وقد استقبله يومها بدار الثقافة ابن رشيق جمع غفير من المثقّفين والتلاميذ كما كان الكتّاب الجادّون يستقبلون زمن كانت الثقافة مطلبا أساسيّا في مجتمعنا.
وأحمل في جراب الذكريات استياءً من محاضرة جورج طرابيشي مردّه نقده اللاّذع لأديب محبوب عندنا تربّينا على كتاباته وفنّه. كان الفتى الغرّ يومها يعتقد انّ الكتّاب الكبار لا يطيح أحدهم بالآخر رغم اطلاعه على تشنيع ماركس بهيغل وهجاء لينين، ببذاءة مدهشة، على كاوتسكي. بيد أنّ الفتى الذي كانَ أصبح اليوم يتفهّم أنّ موقف طرابيشي من الحكيم وغير الحكيم محمول على نزعة نقديّة جذريّة، وقائم، في كثير ممّا كتب، على السجال الفكريّ وتوليد الرأي من الرأي المضادّ بقدر ما هو قائم على جرأة أدبيّة في ثقافة ترتاب من النقد والجدل غارقة في نرجسيّات لا تفصل بين الكاتب ومقالته.
والحقّ أنّني من الذين كانوا يقبلون دوما على قراءة كتابات طرابيشي فيجدون متعة المعرفة وبهجة القراءة بسبب ما فيها من حيويّة فكريّة. فكتبه تمتّع وتثقّف. وفيها ميزة أخرى أظنّ أنّها من صفات الكتابات الصادرة عن حيرة وهمّ ثقافيّ أصيلين: إنّها كتب تغيّر ما بنفسك إذ ترجعك إليها لتراجع ما استقرّ في عقلك وتلقي عليك من الأسئلة عسيرها بما فيها من نبرة سجاليّة مرتفعة، وإذ تنقل إليك هواجسها وإشراقاتها بما فيها من مخالفة لللمعهود أو سعي إلى قول ما لم يقل. وأنا ممّن تستهويهم مثل هذا القراءات التي هي بمثابة دعوة إلى رحلة شاقّة شيّقة، مرهقة ممتعة لأنّك تخرج منها على حال غير التي دخلت بها إليها. وما الذي يطلبه المرء من الكتّاب أكثر من هذا؟
أيها الحضور الكريم،
اسمحوا لي بان أرحّب باسمكم بالأستاذ جورج طرابيشي وان أعبّر عن ابتهاجي بهذا اللّقاء المعرفيّ حول مكتبته الزاخرة راجيا له دوام الصحّة ليواصل بعقله الشابّ على الدوام إشعاعه وإسهامه في مشروع التنوير والتحديث بنقد الأوهام القديمة والمعاصرة في آن.

وأرجو لكم جميعا أن تستمتعوا بهذه المأدبة الثقافيّة الفاخرة الحافلة بأطاييب الفكر النقديّ.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            

jeudi 20 mars 2014

عن بعض أوهام استقلاليّة الجامعات




أخيرًا، بعد سنتين من إضاعة الوقت والعناد غير المبرّر، التزمت وزارة التّعليم العالي، بتمكين الجامعات من استقلاليّتها والانتقال بها إلى صيغة مؤسّسة عموميّة ذات صبغة علميّة وتكنولوجيّة. ونعتبر هذا القرار المبدئي خطوة مهمّة على بداهتها عندنا، في اتّجاه إعادة صياغة العلاقات بين الوزارة والجامعات والمؤسّسات المنضوية تحتها.
غير أنّ هذا القرار يخفي جملة من الإشكالات التي تحتاج إلى معالجة رصينة عقلانيّة حتى لا تكون الاستقلاليّة المنشود مجرّد تخفّف الوزارة من أعباء اليوميّ ومشاكله ونقلها إلى الجامعات. فالمفترض أن تكون عمليّة الانتقال هذه انتقالا إلى تصوّر جديد في حوكمة الجامعات ومؤسّسات التّكوين والبحث فرصة لتطويرهما.
ولعلّ الوهم الأوّل الذي ينبغي التنبيه عليه بتوضيحه واتّخاذ الموقف المناسب منه هو جعل الاستقلاليّة رديفًا، ولو في مرحلة أولى، لتسهيل الإجراءات الماليّة وطرق التصرّف وتمكين الجامعات من سهولة أكبر في الصّرف بحكم خضوعها المنتظر إلى التّشريع التّجاري.
ولئن كان نظام المحاسبة العموميّة عائقًا، علاوة على المناشير والقوانين الصادرة عن الوزارة الأولى ووزارة المالية، أمام إنجاز مشاريع كثيرة وتعطيل آليّات العمل فإنّ الاكتفاء بمعالجة جزء من هذا الإشكال من خلال تغيير صبغة الجامعات تمثّل، في تقديرنا، اختزالاً خطيرًا للمقصود باستقلاليّة الجامعات.
فالمطلوب أكثر من مجرّد تسهيل قواعد الصّرف والتّصرّف إذ أنّ الاستقلاليّة باعتبارها التّجسيد الفعلي للحرّيات الأكاديميّة تقتضي تحكّم الجامعات في المدخلات جميعًا بصفتها مؤسّسات تبحث عن النّجاعة والمردوديّة في تقديم خدماتها وأداء مهامّها.
والواقع اليوم يثبت أنّ مختلف مكوّنات العمل الجامعي ممركزة بيد وزارة التّعليم العالي على نحو يجعل الجامعات لا تؤدّي مهامّها. فلا وجود لجامعة اليوم تختار مواردها البشريّة من إطار تدريس وإطار إداري وحتى عملتها. وهذه الجامعات لا تتحكّم في رصيدها العقاري ولا تملك بناءاتها وتجهيزاتها. علاوة على أنّها لا تختار طلبتها. فكيف يمكنها أن تشتغل وأن تحاسب على برامجها وأهدافها؟
والمطلوب هنا فتح النّقاش الجدّي لمراجعة هذا الخلل الجذري دون مسبقات. فإذا أخذنا مثلاً مشكلة التّوجيه الجامعي فإنّ الاكتفاء بالنّظام المعمول به الآن لا يساعد على تطوير الجامعات وتحسين التّكوين والوصول إلى الجودة ومحاسبة المؤسّسات على قدرتها التّشغيليّة وإدماج طلبتها. وليس من العسير الوصول إلى تصوّر جديد يمكن تطبيقه تدريجيًّا يراعي مبدأ "لكلّ حامل باكالوريا مقعد في الجامعة" بقدر ما يراعي ضرورة أن تكون للجامعات معاييرها الخاصّة والنوعيّة في انتقاء الطّلبة. فالمهمّ عندنا ان نعترف بأنّه بافمكانى أحسن ممّا هو موجود وأنّ التوجيه الجامعيّ الحالي لن يساهم إلاّ في تأبيد المشاكل.
أمّا الوهم الثاني الذي ينبغي مقاومته فهو الاعتقاد بانّ الاستقلاليّة ستكون في صالح جامعات السواحل الأقدم دون جامعات الدواخل الأحدث. وهذه كذبة كبيرة ووهم خطير. فالوزارة عاجزة فعليّا بتحكّمها في المدخلات جميعا عن تطوير هذه الجامعات مهما فعلت. خذ لك انتداب الأساتذة مثلا. فالمنظومة الحالية للانتداب بمركزيّتها وبآليّة النقل بعد أربع سنوات تجعل هذه الجامعات ومؤسّساتها في حالة نقص دائم. والحال انّه ليس يعسر علينا أن نتصوّر نظاما غير ممركز للانتداب مثلما معمولا به في جلّ جامعات الدنيا بما في ذلك في المغرب، وهو بلد شبيه جدّا ببلدنا. فما الذي يمنع من تمكين الجامعات الداخليّة أساسا منفردة أو مجتمعة من حريّة اختيار إطارها التدريسي وفتح مناظرات مع التزام الجامعات الكبيرة في دورة انتداب أو أكثر بعدم فتح خطط جديدة؟ فكلّ الدلائل تشهد على أنّ نظام الانتداب والترقية الحالي غير ناجع في تلبية الحاجيات على الأقلّ؟
وإضافة إلى هذا يمكن التفكير، بالنسبة إلى الجامعات الداخليّة، في انتقال متدرّج بحسب رغبة تلك الجامعات أو استعداداتها للانتقال إلى صيغة جديدة في حوكمتها حتّى تكون لنا جامعات نموذجيّة تختبر المسالك الجديدة في حوكتمها وأخرى تلتحق بها على نحو متدرّج.
أمّا الوهم الثّالث فهو الاعتقاد بأنّ الاستقلاليّة هي ترك حبل القرارات الأكاديميّة وغير الأكاديميّة على غارب الجامعات.  وهو فهم خاطئ لأنّ الاستقلاليّة تقتضي ضربًا من التّعاقد مع الوزارة التي تظلّ راسمة للسّياسات العامّة للدولة والاستراتيجيّات المشتركة التي ينبغي أن تنخرط فيها الجامعات. لذلك فحقيقة الاستقلاليّة ليست تفصّيًّا من المسؤوليّة بإزاء الوزارة بل هي تمكين للجامعات من وسائل العمل لبناء مشاريع على أسس عقلانيّة موضوعيّة حتّى تؤدّي ووظائفها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة. يشترط هذا التصوّر، على ما يوجد في القوانين الحاليّة غير المطبّقة، نوعين من العقود: فمن ناحية عقود أهداف بين الجامعات والوزارة يتمّ على أساسها تمويل الدّولة لهذه الجامعة أو تلك ثمّ من ناحية أخرى عقود أهداف بين المؤسّسات والجامعات التي تتبعها.
فالمسألة قائمة على ضرب من التّراتب في الوزارة والجامعات والمؤسّسات والالتزامات المتبادلة بينها على أساس برامج واضحة. وهذه الالتزامات المتبادلة تفرض التّقييم الدّاخلي والخارجي والمحاسبة بالخصوص. فلا استقلاليّة دون التزامات ولا التزامات دون محاسبة.

لقد بدأت "معركة الاستقلاليّة " على ما نأمل تؤتي أكلها ولكنّ الطريق طويلة شاقّة. ولا مناص من السير في هذه الطريق الوعرة بوعي وجدّيّة وإخلاص عسانا نوقف انحدار منظومتنا الجامعيّة واهتراءها قبل فوات الأوان. فالرهان ليس دائرا على شكل الحوكمة، وليست الاستقلاليّة هدفا في حدّ ذاتها بل الرهان معقود على مضامين التكوين وتحمّل المسؤوليّة الأخلاقية والحضاريّة بإزاء أبناء تونس ومستقبل الذكاء التونسيّ. فمن كان له تصوّر آخر للوصول إلى ذلك غير طريق الاستقلاليّة فليقنعنا به مادامت المنظومة الحاليّة تكاد تعلن إفلاسها.

jeudi 6 mars 2014

لا تحديث ولا تنوير إلاّ باللّغة العربيّة



لم أر أعجب من علاقة التونسيّين وجزء واسع من نخبتهم الحداثيّة بلغتهم الوطنيّة!
فقد طفت المسألة اللّغويّة في بلادنا على السطح مرّة أخرى بمناسبة مناقشة الفصل 38 من الدستور ولكنّها سرعان ما غاصت في التوازن الهشّ الذي تترجمه مفردات الهوّيّة والانفتاح. فمن هويّتنا لغةُ الضاد بمحمولها التاريخي والرمزيّ ومن مظاهر تفتّح التونسيّين إتقانهم للّغات الأجنبيّة واستعدادهم، نخبا ودولة باسم الحداثة، أن يتركوا لغتهم الوطنيّة التي تتبنّاها الدولة باعتبارها عنوان سيادة في مرتبة دونيّة.
لا أدري، وأنا استمع إلى صيحات الفزع التي تعالت،لم تذكّرت ردود فعل النخبة الحداثيّة في تونس على تعريب الفلسفة في السبعينات. كانت المواقف حادّا: يريدون تجفيف منابع الفكر التقدّمي وإطفاء شعلة التنوير والقضاء على الحداثة حتّى لكانّ التنوير والحداثة والتقدّميّة لا تقال إلاّ بلغة موليار وإذا قيلت بلفظ عربيّ تقهقرت بنا إلى ظلمات الانحطاط وأرجعتنا إلى صحراء الجزيرة العربيّة وكبّلتنا بنير الرجعيّة. والمفارقة أنّنا اليوم بفضل تعريب الفلسفة أصبحت لنا نخبة من أفضل الفلاسفة العرب تدعّم البحث الفلسفيّ بالعربيّة وتسهم في تحديث قطاع واسع من أمّة العرب.
كان من البيّن أنّه موقف إيديولوجيّ يقيم ضربا من التلازم الزائف ضيّق الأفق بين العربيّة والتراث والفكر الماضويّ المنغلق من جهة وبين الفرنسيّة ومواكبة العصر والانفتاح على الثقافات الأخرى من جهة ثانية.
إنّه تقابل حادّ لا سند له إلاّ أوهام قائليه. فأعظم مصلح في تاريخ بلادنا ، ونقصد الطاهر الحدّاد، كان أحاديّ اللّسان من أبناء جامع الزيتونة المعمور وأشهر شاعر تونسيّ معاصر أمدّ الثورة التونسيّة بشعارها المدنيّ الفتّاك لا يتقن غير العربيّة. ولكنّ أحاديّة اللّسان عندهما لم تمنعهما من أن يعبّرا عن روح الحداثة وأن يمثّلا علامتين ما تزالا حيّتين في المشروع الثقافيّ والاجتماعيّ الإصلاحي التونسيّ.
لسنا نمتدح بهذا العجز عن تعلّم اللّغات أو التقصير فيه ولسنا ندعو إلى الانغلاق اللّغويّ والفكريّ ولكنّنا نحتجّ بالشابي والحدّاد على الربط المتعسّف بين الحداثة واللّغات الأجنبيّة من ناحية وبين العربيّة والرجعيّة من ناحية أخرى. بل إنّنا نزعم أنّ التحديث الحقيقيّ الأصيل بالنسبة إلى مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة لا يكون ناجعا نافعا إلاّ إذا كان باللّغة العربيّة ومن خلالها. فالكتابة بهذه اللّغة والتعبير بها عن شواغل الفكر والثقافة والعلم والاجتماع المعاصر هي السبيل الوحيدة لتبديل العقليّات عندنا وتجذير المفاهيم الحديثة. فلا حداثة إلاّ إذا أمكن التحديث اللّغويّ ولا تحديث لغويّا إلاّ بالاشتغال على هذه اللّغة ونقل المفاهيم إليها وإخصابها فيها والإبداع بها. أمّا التعويل على قول حداثتنا بلغات الثقافات الأخرى فلا يعدو أن يكون إثراء لتلك اللّغات لا أثر له في ثقافتنا.
وما ندعو إليه هو تخليص المسألة اللّغويّة من هذا النزاع الإيديولوجيّ البائس المعادي للعربيّة. فبدل التوجّس خيفة من كلّ ما له صلة بالعربيّة ينبغي إيلاؤها ما تستحقّ من عناية لا باعتبارها عنوان هويّة فحسب وإنّما باعتبار تنمية العربيّة والنهوض بها في سائر مناحي الحياة جزءا من التنمية الشاملة وتكريسا لما نصّت عليه المواثيق الدوليّة من حقوق لغويّة لمختلف المجموعات والشعوب. ولا سبيل إلى ذلك إلاّ رسم الدولة لسياسة لغويّة واضحة تكون عنوان سيادتها بما أنّ اللّغة في نهاية المطاف مسألة سياديّة بامتياز.
ولا يحقّ لمن يتعلّل بفقر المكتبة العلميّة العربيّة ولم يكتب بها بحوثه أو على الأقلّ يترجم إليها بعضها أن يحتجّ بذلك لرفض التعريب وصدّ كلّ محاولة في اتجاه ذلك. ولغة العلم اليوم على كلّ حال ليست هي الفرنسيّة التي تسود جامعاتنا ولا مبرّر في كثير من الاختصاصات لأن تدرّس بتلك اللّغة. أفلم ترفض المؤسّسات الساهرة على حظوظ الفرنسيّة في بداية السنة الجامعيّة الحاليّة (2013 - 2014) تدريس بعض المقرّرات في مستوى الماجستير بالأنجليزيّة دفاعا عن الفرنسيّة وعن السيادة الوطنيّة؟ فلم نجعل، إلى الآن في بلادنا، الفرنسيّة "لغة ذات مكانة خاصّة" رغم أنّ دستور 1959 والدستور الحالي يقرّ بأنّ العربيّة لغة الدولة ورغم أنّ الفرنسيّة اليوم مجرّد لغة أجنبيّة في أسوإ الحالات ولغة ثانية في أفضلها ستتزحزح شيئا فشيئا على الأرجح إلى مرتبة اللّغة الثالثة وراء الأنجليزيّة ؟
إنّ وجه العجب في هذا كلّه أنّنا باسم الانفتاح على الثقافات واللّغات الأجنبيّة نقلب المعادلة لتصبح ثقافتنا الوطنيّة في درجة أدنى ولغتنا العربيّة في مرتبة ثانويّة. فلتتعدّد اللّغات عندنا ولكنّ لخدمة لغتنا الوطنيّة لتكون جسرنا إلى خلاصة الذكاء الإنسانيّ، ولنتّصلْ بكلّ ثقافات الدنيا ولكن لغاية إثراء الجانب المبدع في ثقافتنا الوطنيّة.     

إذا لم نع هذا سنترك لغتنا العربيّة لأئمّة المساجد ونسلّم هوّيتنا العربيّة الإسلاميّة للمزايدين بهما والحال أنّ التحديث والإصلاح والتنوير يمرّ حتما عبرهما. أفلا يعقلون؟ 

mercredi 29 janvier 2014

رسالة مفتوحة إلى وزير التعليم العالي الجديد


بعد التهنئة بتكليفك بالإشراف على وزارة الذكاء التونسيّ أودّ أن أطمئنك بانّ القطاع الذي تشرف عليه من أيسر القطاعات التي يمكن التعامل معها لسبب بسيط هو أنّك ستتعامل مع النخبة التي تربّت في مدرسة الجمهوريّة على النقد والحوار والإقناع.بيد أنّ هذه النخبة لا تتسامح، كما تعلم، مع من يتصرّف معها بمنطق فوقيّ لا يحترم هياكلها العلميّة والنقابيّة الممثّلة. وهي إلى ذلك لا تتردّد في الدفاع بشراسة على قيمها الجامعيّة وحرّياتها الأكاديميّة.
ورغم ذلك فقد صبرت وصابرت طيلة سنتين من وزارة سلفك ولا أظنّها بقابلة أو قادرة على مزيد تحمّل ممارسة الهواة في قطاع يتأخّر كلّ يوم ويسير حثيثا نحو التفكّك والانهيار. ولكنّ الأمل يظلّ قائما شريطة التشخيص الدقيق وإنفاذ الحلول العاجلة. لقد ملّ الجامعيّون التونسيّون الانتظار.
والواقع أنّ وزارتنا بصفتها مشرفة على السياسة العامّة للتعليم العالي بالبلاد جزء من المشهد العامّ فيه. فقد عاد الطلبة والأساتذة إلى قاعاتهم في مفتتح هذه السنة الجامعيّة في كثير من التوجّس والحذر مثل سائر التونسيّين في مختلف القطاعات. فمن هذه الناحيةانتظر الجميع شيئا ما لم يأت ونرجو ألاّ يكونوا مثل غودو. فدورك الأساسيّ بعث الأمل في النفوس التي كلّت.
ولكنّ هذا لا يمنعنا من التساؤل عن الخلل أين يكمن؟ لم يشعر الفاعلون في الوسط الجامعيّ ألاّ شيء تغيّر في الجامعة منذ الثورة ؟ لم أصبحت الوزارة تتّخذ قرارات تحت الضغط الطلاّبي أو ضغط نقابات الأساتذة الموظّفين والعملة فتأتي تلك القرارات أحيانا فاقدة لأيّ سند قانونيّ أو مبدئيّ عدا الترضيات وإسكات الأفواه الصارخة؟ والأمثلة هنا عديدة لا مجال لذكرها ولكنّها قنابل موقوتة ستنفجر يوما في وجه الحكومة إذا أرادت تطبيق القانون.

إنّ ما هو مطلوب في التعليم العالي أبسط من هذا بكثير وأعمق غورا في الآن نفسه. إنّ المطلوب بكلّ بساطة أن تتحلّوا سيّدي الوزير بروح جامعيّة عالية مسنودة بجرأة سياسيّة لا مناص منها لتحقيق نقلة نوعيّة للجامعة التونسيّة تضعها على السكّة الصحيحة وتخفّف من مركزيّة سلطة الإشراف وما تقع فيه من أخطاء بدائيّة وتردّدات وعجز أحيانا عن حلّ إشكالات كان يمكن حلّها بترك الأمور بين أيدي الهياكل الأكاديميّة والبيداغوجيّة لتحسم فيها دون أن تتعرّض للضغوط والمساومات.

ولكنّ الأيدي المتردّدة الخائفة المرتعشة لا يمكنها أن تصنع مستقبل جامعتنا فنحن نحتاج فعلا إلى رباطة جأش سياسيّة. فالكلّ يذكر أنّ ما تحقّق للجامعة التونسيّة في يومين أو ثلاثة من إشراف السيّد أحمد إبراهيم على الوزارة لم يتحقّق لها مثله طيلة السنتين المنصرمتين. فإذا اعتبرنا أنّ تعميم الانتخابات على جميع المسؤولين الأكاديميّين جوهر هذه المكاسب فإنّ ما كان منتظرا هو مزيد السير في اتجاه مطابقة المعايير الدوليّة للحرّيّات الأكاديميّة في التسيير الجامعي باعتبارها حجر الزاوية في بناء جامعة حقيقيّة مستقلّة ناجعة فاعلة تؤدّي ما ينتظره منها المجتمع.

فما معنى انتخاب مسؤول لا يملك أدوات تنفيذ ما يخطّط له من مشاريع فيظلّ رهين مدير في الوزارة تربّى على مركزيّة القرار والطاعة العمياء أو مدير كحاطب اللّيل لا يعرف كوعا من بوع ورهين إدارات تشتغل بمنطق غير رشيد لم تزده حالة التسيّب والانتظار إلاّ عطالة وفسادا وإمعانا في السفاهة. 

لقد أضاع من سبقك، لأمر مّا غير مفهوم لدى الكثيرين ولا مقبول عندنا، فرصة ذهبيّة ليسجّل اسمه في الصفحات النيّرة من تاريخ جامعاتنا بإحداث نقلة نوعيّة فيها. لكنّك مطالب بأن تشرع منذ يومك الأوّل في تكريس استقلاليّة الجامعات فعليّا، الآن وهنا. وهو مطلب بسيط في ظاهره والقوانين الموجودة منذ 2008 تسمح به ويكفي تطبيقها. فهذا لا يتطلّب جرأة سياسيّة كبيرة ولكن من نكد الدهر علينا، نحن المسؤولين الجامعيّين، أن يصبح مثل هذا الطلب القانوني في هذا الزمن الذي انقلبت فيه المعايير مطلبا ثوريّا !

إنّه مطلب بسيط نعم ! ولكنّه الخطوة الأولى في طريق تحصين الجامعة والرفع من أدائها فبدونه لن يتحقّق شيء وستظلّ دار لقمان على حالها إن لم تنهر تماما.
نرجو لك التوفيق في إدارة وزارة الذكاء التونسيّ.