jeudi 6 mars 2014

لا تحديث ولا تنوير إلاّ باللّغة العربيّة



لم أر أعجب من علاقة التونسيّين وجزء واسع من نخبتهم الحداثيّة بلغتهم الوطنيّة!
فقد طفت المسألة اللّغويّة في بلادنا على السطح مرّة أخرى بمناسبة مناقشة الفصل 38 من الدستور ولكنّها سرعان ما غاصت في التوازن الهشّ الذي تترجمه مفردات الهوّيّة والانفتاح. فمن هويّتنا لغةُ الضاد بمحمولها التاريخي والرمزيّ ومن مظاهر تفتّح التونسيّين إتقانهم للّغات الأجنبيّة واستعدادهم، نخبا ودولة باسم الحداثة، أن يتركوا لغتهم الوطنيّة التي تتبنّاها الدولة باعتبارها عنوان سيادة في مرتبة دونيّة.
لا أدري، وأنا استمع إلى صيحات الفزع التي تعالت،لم تذكّرت ردود فعل النخبة الحداثيّة في تونس على تعريب الفلسفة في السبعينات. كانت المواقف حادّا: يريدون تجفيف منابع الفكر التقدّمي وإطفاء شعلة التنوير والقضاء على الحداثة حتّى لكانّ التنوير والحداثة والتقدّميّة لا تقال إلاّ بلغة موليار وإذا قيلت بلفظ عربيّ تقهقرت بنا إلى ظلمات الانحطاط وأرجعتنا إلى صحراء الجزيرة العربيّة وكبّلتنا بنير الرجعيّة. والمفارقة أنّنا اليوم بفضل تعريب الفلسفة أصبحت لنا نخبة من أفضل الفلاسفة العرب تدعّم البحث الفلسفيّ بالعربيّة وتسهم في تحديث قطاع واسع من أمّة العرب.
كان من البيّن أنّه موقف إيديولوجيّ يقيم ضربا من التلازم الزائف ضيّق الأفق بين العربيّة والتراث والفكر الماضويّ المنغلق من جهة وبين الفرنسيّة ومواكبة العصر والانفتاح على الثقافات الأخرى من جهة ثانية.
إنّه تقابل حادّ لا سند له إلاّ أوهام قائليه. فأعظم مصلح في تاريخ بلادنا ، ونقصد الطاهر الحدّاد، كان أحاديّ اللّسان من أبناء جامع الزيتونة المعمور وأشهر شاعر تونسيّ معاصر أمدّ الثورة التونسيّة بشعارها المدنيّ الفتّاك لا يتقن غير العربيّة. ولكنّ أحاديّة اللّسان عندهما لم تمنعهما من أن يعبّرا عن روح الحداثة وأن يمثّلا علامتين ما تزالا حيّتين في المشروع الثقافيّ والاجتماعيّ الإصلاحي التونسيّ.
لسنا نمتدح بهذا العجز عن تعلّم اللّغات أو التقصير فيه ولسنا ندعو إلى الانغلاق اللّغويّ والفكريّ ولكنّنا نحتجّ بالشابي والحدّاد على الربط المتعسّف بين الحداثة واللّغات الأجنبيّة من ناحية وبين العربيّة والرجعيّة من ناحية أخرى. بل إنّنا نزعم أنّ التحديث الحقيقيّ الأصيل بالنسبة إلى مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة لا يكون ناجعا نافعا إلاّ إذا كان باللّغة العربيّة ومن خلالها. فالكتابة بهذه اللّغة والتعبير بها عن شواغل الفكر والثقافة والعلم والاجتماع المعاصر هي السبيل الوحيدة لتبديل العقليّات عندنا وتجذير المفاهيم الحديثة. فلا حداثة إلاّ إذا أمكن التحديث اللّغويّ ولا تحديث لغويّا إلاّ بالاشتغال على هذه اللّغة ونقل المفاهيم إليها وإخصابها فيها والإبداع بها. أمّا التعويل على قول حداثتنا بلغات الثقافات الأخرى فلا يعدو أن يكون إثراء لتلك اللّغات لا أثر له في ثقافتنا.
وما ندعو إليه هو تخليص المسألة اللّغويّة من هذا النزاع الإيديولوجيّ البائس المعادي للعربيّة. فبدل التوجّس خيفة من كلّ ما له صلة بالعربيّة ينبغي إيلاؤها ما تستحقّ من عناية لا باعتبارها عنوان هويّة فحسب وإنّما باعتبار تنمية العربيّة والنهوض بها في سائر مناحي الحياة جزءا من التنمية الشاملة وتكريسا لما نصّت عليه المواثيق الدوليّة من حقوق لغويّة لمختلف المجموعات والشعوب. ولا سبيل إلى ذلك إلاّ رسم الدولة لسياسة لغويّة واضحة تكون عنوان سيادتها بما أنّ اللّغة في نهاية المطاف مسألة سياديّة بامتياز.
ولا يحقّ لمن يتعلّل بفقر المكتبة العلميّة العربيّة ولم يكتب بها بحوثه أو على الأقلّ يترجم إليها بعضها أن يحتجّ بذلك لرفض التعريب وصدّ كلّ محاولة في اتجاه ذلك. ولغة العلم اليوم على كلّ حال ليست هي الفرنسيّة التي تسود جامعاتنا ولا مبرّر في كثير من الاختصاصات لأن تدرّس بتلك اللّغة. أفلم ترفض المؤسّسات الساهرة على حظوظ الفرنسيّة في بداية السنة الجامعيّة الحاليّة (2013 - 2014) تدريس بعض المقرّرات في مستوى الماجستير بالأنجليزيّة دفاعا عن الفرنسيّة وعن السيادة الوطنيّة؟ فلم نجعل، إلى الآن في بلادنا، الفرنسيّة "لغة ذات مكانة خاصّة" رغم أنّ دستور 1959 والدستور الحالي يقرّ بأنّ العربيّة لغة الدولة ورغم أنّ الفرنسيّة اليوم مجرّد لغة أجنبيّة في أسوإ الحالات ولغة ثانية في أفضلها ستتزحزح شيئا فشيئا على الأرجح إلى مرتبة اللّغة الثالثة وراء الأنجليزيّة ؟
إنّ وجه العجب في هذا كلّه أنّنا باسم الانفتاح على الثقافات واللّغات الأجنبيّة نقلب المعادلة لتصبح ثقافتنا الوطنيّة في درجة أدنى ولغتنا العربيّة في مرتبة ثانويّة. فلتتعدّد اللّغات عندنا ولكنّ لخدمة لغتنا الوطنيّة لتكون جسرنا إلى خلاصة الذكاء الإنسانيّ، ولنتّصلْ بكلّ ثقافات الدنيا ولكن لغاية إثراء الجانب المبدع في ثقافتنا الوطنيّة.     

إذا لم نع هذا سنترك لغتنا العربيّة لأئمّة المساجد ونسلّم هوّيتنا العربيّة الإسلاميّة للمزايدين بهما والحال أنّ التحديث والإصلاح والتنوير يمرّ حتما عبرهما. أفلا يعقلون؟ 

mercredi 29 janvier 2014

رسالة مفتوحة إلى وزير التعليم العالي الجديد


بعد التهنئة بتكليفك بالإشراف على وزارة الذكاء التونسيّ أودّ أن أطمئنك بانّ القطاع الذي تشرف عليه من أيسر القطاعات التي يمكن التعامل معها لسبب بسيط هو أنّك ستتعامل مع النخبة التي تربّت في مدرسة الجمهوريّة على النقد والحوار والإقناع.بيد أنّ هذه النخبة لا تتسامح، كما تعلم، مع من يتصرّف معها بمنطق فوقيّ لا يحترم هياكلها العلميّة والنقابيّة الممثّلة. وهي إلى ذلك لا تتردّد في الدفاع بشراسة على قيمها الجامعيّة وحرّياتها الأكاديميّة.
ورغم ذلك فقد صبرت وصابرت طيلة سنتين من وزارة سلفك ولا أظنّها بقابلة أو قادرة على مزيد تحمّل ممارسة الهواة في قطاع يتأخّر كلّ يوم ويسير حثيثا نحو التفكّك والانهيار. ولكنّ الأمل يظلّ قائما شريطة التشخيص الدقيق وإنفاذ الحلول العاجلة. لقد ملّ الجامعيّون التونسيّون الانتظار.
والواقع أنّ وزارتنا بصفتها مشرفة على السياسة العامّة للتعليم العالي بالبلاد جزء من المشهد العامّ فيه. فقد عاد الطلبة والأساتذة إلى قاعاتهم في مفتتح هذه السنة الجامعيّة في كثير من التوجّس والحذر مثل سائر التونسيّين في مختلف القطاعات. فمن هذه الناحيةانتظر الجميع شيئا ما لم يأت ونرجو ألاّ يكونوا مثل غودو. فدورك الأساسيّ بعث الأمل في النفوس التي كلّت.
ولكنّ هذا لا يمنعنا من التساؤل عن الخلل أين يكمن؟ لم يشعر الفاعلون في الوسط الجامعيّ ألاّ شيء تغيّر في الجامعة منذ الثورة ؟ لم أصبحت الوزارة تتّخذ قرارات تحت الضغط الطلاّبي أو ضغط نقابات الأساتذة الموظّفين والعملة فتأتي تلك القرارات أحيانا فاقدة لأيّ سند قانونيّ أو مبدئيّ عدا الترضيات وإسكات الأفواه الصارخة؟ والأمثلة هنا عديدة لا مجال لذكرها ولكنّها قنابل موقوتة ستنفجر يوما في وجه الحكومة إذا أرادت تطبيق القانون.

إنّ ما هو مطلوب في التعليم العالي أبسط من هذا بكثير وأعمق غورا في الآن نفسه. إنّ المطلوب بكلّ بساطة أن تتحلّوا سيّدي الوزير بروح جامعيّة عالية مسنودة بجرأة سياسيّة لا مناص منها لتحقيق نقلة نوعيّة للجامعة التونسيّة تضعها على السكّة الصحيحة وتخفّف من مركزيّة سلطة الإشراف وما تقع فيه من أخطاء بدائيّة وتردّدات وعجز أحيانا عن حلّ إشكالات كان يمكن حلّها بترك الأمور بين أيدي الهياكل الأكاديميّة والبيداغوجيّة لتحسم فيها دون أن تتعرّض للضغوط والمساومات.

ولكنّ الأيدي المتردّدة الخائفة المرتعشة لا يمكنها أن تصنع مستقبل جامعتنا فنحن نحتاج فعلا إلى رباطة جأش سياسيّة. فالكلّ يذكر أنّ ما تحقّق للجامعة التونسيّة في يومين أو ثلاثة من إشراف السيّد أحمد إبراهيم على الوزارة لم يتحقّق لها مثله طيلة السنتين المنصرمتين. فإذا اعتبرنا أنّ تعميم الانتخابات على جميع المسؤولين الأكاديميّين جوهر هذه المكاسب فإنّ ما كان منتظرا هو مزيد السير في اتجاه مطابقة المعايير الدوليّة للحرّيّات الأكاديميّة في التسيير الجامعي باعتبارها حجر الزاوية في بناء جامعة حقيقيّة مستقلّة ناجعة فاعلة تؤدّي ما ينتظره منها المجتمع.

فما معنى انتخاب مسؤول لا يملك أدوات تنفيذ ما يخطّط له من مشاريع فيظلّ رهين مدير في الوزارة تربّى على مركزيّة القرار والطاعة العمياء أو مدير كحاطب اللّيل لا يعرف كوعا من بوع ورهين إدارات تشتغل بمنطق غير رشيد لم تزده حالة التسيّب والانتظار إلاّ عطالة وفسادا وإمعانا في السفاهة. 

لقد أضاع من سبقك، لأمر مّا غير مفهوم لدى الكثيرين ولا مقبول عندنا، فرصة ذهبيّة ليسجّل اسمه في الصفحات النيّرة من تاريخ جامعاتنا بإحداث نقلة نوعيّة فيها. لكنّك مطالب بأن تشرع منذ يومك الأوّل في تكريس استقلاليّة الجامعات فعليّا، الآن وهنا. وهو مطلب بسيط في ظاهره والقوانين الموجودة منذ 2008 تسمح به ويكفي تطبيقها. فهذا لا يتطلّب جرأة سياسيّة كبيرة ولكن من نكد الدهر علينا، نحن المسؤولين الجامعيّين، أن يصبح مثل هذا الطلب القانوني في هذا الزمن الذي انقلبت فيه المعايير مطلبا ثوريّا !

إنّه مطلب بسيط نعم ! ولكنّه الخطوة الأولى في طريق تحصين الجامعة والرفع من أدائها فبدونه لن يتحقّق شيء وستظلّ دار لقمان على حالها إن لم تنهر تماما.
نرجو لك التوفيق في إدارة وزارة الذكاء التونسيّ.

mardi 7 janvier 2014

مأساة الكاتب حين يركب صهوة السلطة

 عن مذكّرات البشير بن سلامة "عابرة هي الأيّام"

حين شرعت في مطالعة الجزء الأوّل من مذكّرات البشير بن سلامة الكاتب دائما والوزير سابقا: "عابرة هي الأيّام" تراءت في ذهني صور ثلاث منمّطة عن الرجل. أولاها للروائيّ صاحب "عائشة" التي قرأتها منذ أحقاب وللكاتب الذي طالعت في سنيّ الشباب عددا من كتاباته وترجماته عن اللّغة والشخصيّة التونسيّة والتاريخ الوطنيّ. كانت صورة كاتب خصب الإنتاج لعلّها توارت وراء صورة السياسيّ. فالصورة الثانية تجسّم وزيرا من وزراء بورقيبة وأصدقاء مزالي. أحدهما نعتبره مريضا بالسلطة فكنّا، على عبقريّته التي لا تنكر، نكرهه ونحبّه في آن ككلّ أب يحتاج لنكبر إلى قتله رمزيّا. والأخر لم يترك لنا، مذ كنّا طلبة في أوائل السنوات الثمانين، إلاّ أن نمقت حكمه الذي أداره بلسان يغزل الحرير وهو يخفي به سياسة فاشلة. غير أنّ البشير بن سلامة، بين هذا وذاك، كان، في عيون الكثيرين، وزيرا للثقافة في تونس حمل مشروعا حقيقيّا، ولعلّه الوحيد، رغم مرور الشاذلي القليبي ومحمود المسعديّ من وزارة الثقافة.
أمّا الصورة الثالثة فيبرز فيها مفكّر آمن بالتوْنسة والأمّة التونسيّة جاعلا منها إيديولوجيا لحزب الدستور عازلا لبلادنا عن محيطها العربيّ عند البعض والإسلاميّ عند البعض الثاني وهو شوفينيّ غير مؤمن بالأمميّة عند البعض الثالث. وهو بذلك كلّه من مثقّفي السلطان الذين برّروا استبداد الزعيم ونزعته القطريّة وكرهه للعروبة وما إلى هذا ممّا كان جلّ أبناء جيلي، من مختلف الملل الفكريّة والنحل الإيديولوجيّة، يعتقدون فيه ولعلّهم ما يزالون.
هكذا بدأت رحلتي مع البشير بن سلامة في مذكّراته مثقلة بمسبق الأحكام والآراء غير أنّني  لم أكن أنشد بين سطور الكتاب شيئا آخر غير بهجة قراءة أسلوب فصيح رائق وربّما متعة التعرّف إلى بعض أسرار السياسة في عهد سابق. ربّما كنت أنشد كذلك شيئا لم أتبيّنه على نحو واضح وإن بدا لي قريبا من البحث عمّا يكون من اتّصال وانفصال في ما يحلو لي أن أسمّيه بالاستثناء الثقافي التونسيّ ووحدة المشروع الثقافيّ التونسيّ منذ بناء الدولة الوطنيّة الحديثة بالخصوص. وهذا تقريبا سؤالي غير الواعي تماما وبه دخلت الكتاب باحثا في الروح دون التفاصيل التاريخيّة متسائلا عن النهج أكثر من صعوبات الطريق والمآلات.
والحقّ انّه لم يكن من العسير، بعد الفراغ من الكتاب، أن أتأكّد من بعض الصور التي ترسّخت في الذهن وتنقيح بعضها الآخر وبناء صورة جديدة عن المؤلّف في لحظة بوحه. لذلك فقولي عن الأيّام العابرة للبشير بن سلامة قول يجيب عن أسئلتي أكثر ممّا يطرح أسئلة صاحبه أو يعرض أفكاره أو يناقش ما طرح من مسائل وقدّم من وقائع. إنّه تعلّة لحديث متقاطع مع البشير بن سلامة وإشارة خاطفة إلى أنّ الصدى، صدى ما يكتب، قائم موجود مؤثّر وإن لم يستمع إليه لكسل التونسيّين في الكتابة ونزعتهم إلى الإفراط في النقد إفراطا يبدو محوا للكتّاب والأشخاص بالتجاهل والتناسي.
وسنكتفي في هذا المقال بالحديث عن علاقة البشير بن سلامة ببورقيبة وبمحمّد مزالي تاركين الوجه الأهمّ، وجه المثقّف والمنظّر للشخصيّة التونسيّة ووزير الثقافة، إلى حين صدور الجزء الثالث من المذكّرات وقد وعدنا بأن يخصّصه للثقافة.
البورقيبيّ نقيض بورقيبة !
لم يخف البشير بن سلامة في مذكّراته موقفا يبدو متناقضا في مساره السياسيّ والأدبيّ. فهو يلحّ في أكثر من موضع على أنّه كان يريد في بداية مساره الفكريّ والمهنيّ أن يرضي رغبته في الكتابة وأن "يخوض غمار الأدب ". ولكنّ الطريف في الأمر أنّه يحاول، في مسعى أدبيّ أيضا، إلى أن ينظر إلى علاقته بالسياسة، وقد خاضها من مواقع حزبيّة وسياسيّة متقدّمة، نظرة المثقّف الذي يعيشها ويفكّر فيها في الآن نفسه كأنّه لم يخلق لها أ انجرّ إليها انجرارا.
يقول ( ص، 12):"وجدتني (...) في خضمّ هذا كلّه متأمّلا، كشاهد وكفاعل، لا في الأحداث في حدّ ذاتها، بل في الإنسان وهو يخوض معركة الوجود في صراع يوميّ لإثبات ذاته". فالعابر الطارئ الزائل يصبح عنده موضوعا للتأمّل الوجوديّ ساعيا إلى استكناه الوجه العميق الكامن وراء الأحداث. وقد كان هذا التوتّر بين الحقلين الأدبي والسياسيّ ممّا دفعه إلى أن يرى نفسه نقيضا لبورقيبة. يقول (ص، 40):"..أشعر دائما أنّني لست في عجلة من أمري وكأنّ اللحظة العابرة تتلوها أخرى مثلها تتحدّى الفعل، تستخفّ بالعدم، تؤجّل ساعة الموت، تدفعه إلى المابعد، إلى اللاّنهاية، وإلاّ لماذا في حياتي كلّها لا أسعى لاغتنام الفرص بل أخطئها (...) هذا هو نقيض لجوهر كلّ ما هو سياسيّ الذي هو، قبل كلّ شيء، اغتنام فرصة، وإنجاز فعل. وآمنت في قرارة نفسي أنّني إذن نقيض لبورقيبة. وكيف يجتمع النقيضان؟"
فهل تكمن مأساة البشير بن سلامة الشخصيّة في هذا تحديدا؟ لا يحتاج الأمر إلى تخمين. فقد تحدّث عن الوزير الأسبق الباهي الأدغم متأسّفا على ما تعرّض له من نكران لأفضاله. وفي هذا السياق اعتبره مجسّدا أحسن تجسيد لما اعتبره وجها مأساويّا في الشخصيّة التونسيّة ( ص،300). فهي شخصيّة أساسها ما أسماه بـ"فلسفة العبور". وهي فلسفة في ما يبدو قوامها اعتقاد الواحد منّا أنّه مارّ عابر فيرى نفسه ضحيّة لسلبيّاته ولا يجد من يقدّره حقّ قدره فيتنكّر له مجتمعه مثلما أشار إلى ذلك بيرم الخامس صاحب "صفوة الاعتبار". أفلا يكون منظّر الشخصيّة التونسيّة العارف بخصائصها، تأمّلا وتحليلا، مثالا آخر على هذه المأساة؟
ربّما كان الوحيد الذي فهم فلسفة العبور وتحدّاها، حسب البشير بن سلامة، هو الحبيب بورقيبة الذي "حرص على ألاّ يكون مجرّد عابر، ضحيّة لسلبيّاته، ولقمة سائغة لتنكّر مجتمع لا يقدّر قيمة رجالاته".
فنقيض بورقيبة السعيد بانتصاره على منزلة العابر هو رجال كثر عاشوا مأساتهم الوجوديّة عاجزين عن أن يؤكّدوا، وهما أو واقعا، نزعة البقاء والخلود فيهم. ولعلّ البشير بن سلامة في تمثّله لتجربته السياسيّة والأدبيّة لا يخرج عن هذا البعد المأساويّ. أفلم يسمّ رباعيّته الروائيّة باسم جامع هو "العابرون"؟ ألم يختر لمذكّراته التي اعتبرها بمثابة سيرة ذاتيّة "عابرة هي الأيّام"؟ ونترك للقارئ أن يكتشف في جملة من الوقائع الواردة في هذه السيرة الذاتيّة شعورَ صاحبها بنكران الجميل والتناسي والضيم والتجاهل والإقصاء.
بيد أنّ ما نرجّحه، علاوة على خصوصيّة الكاتب واختياراته، أنّ مأساة البشير بن سلامة وجه من مأساة جيل فتح عينيه على زعيم سياسيّ نادر الوجود فوقع في عشقه ولكنّه كان على استعداد دائم لمحوهم من ساحة السياسة تباعا. فلئن تجنّب عيوب الشخصيّة التونسيّة التي وصفها البشير بن سلامة فقد اعتبر نفسه الوحيد الجدير بتمثيلها التمثيل الحقيقيّ بوجوه النبل فيها... والنذالة أيضا وبالخصوص. وللقارئ أن يكتشف ما يؤيّد هذه المفارقة في فكر البشير بن سلامة الذي عرّف نفسه بأنّه "بورقيبيّ نقديّ "كما لو كان يجمع بذلك، أو يريد أن يجمع في قراءة بعديّة، بين هيامه، كأبناء جيله، بالزعيم الفذّ والشعور بالدونيّة إزائه رغم الاعتزاز بالنفس وبالقدرات الكامنة فيه. وهل أقسى من هذه المأساة: أن تكون بورقيبيّا ونقيض بورقيبة؟
ولعلّ من أمتع صفحات سيرة البشير بن سلامة تحليله لشخصيّة الرئيس بورقيبة من خلال ما أسماه الهاجس العقليّ ( ص ص، 488 - 491 وص ص، 505 - 506 بالخصوص). ولكن القارئ يتساءل بعد أن يؤكّد له الكاتب أنّه فهم اللّعبة مذ كان رئيسا لديوان محمّد مزالي بالإذاعة والتلفزة (ص489 ) لماذا لمْ يبتعد عن غمار السياسة وقد وضعته الأقدار، وهو الذي يريد أن يكون مثقّفا، أمام "رجل عظيم" مثل بورقيبة. وهذاه الوضعيّة، كما قال أحد الكتّاب متحدّثا عن ماكيافال، "أسوأ ما يمكن أن يقع"؟ بل إنّ البشير بن سلامة اقترب منه ليقامر ب"استقلاليّته" و"روحه النقديّة" و"همّة المثقّف الساكنة في كيانه" على حدّ اعترافه ( ص 490).
الصديق الوفيّ لمزالي
يبدو البشير بن سلامة في خضمّ السياسة على قدر كبير من الوفاء. فرغم كلّ ما فعله الزعيم ظلّ الرجل بورقيبيّا لم تنفع في تبديل صورته التي انتقشت في عقله ووجدانه عنه. ومن يعرف الصلة المتينة بين ابن سلامة ومزالي من خلال مجلّة "الفكر" على الأقلّ لن ينتظر إلاّ وفاء نادرا منه لأستاذه وصديق عمره في الأدب كما في السياسة. فعلاوة على هذه الصداقة كان مزالي لا يتوانى عن مساعدة البشير بن سلامة وتقريبه منه والدفاع عنه حتّى إنّ القارئ لا يتردّد في الحديث عن أيادي مزالي البيضاء عليه على نحو غريب لا نجد ربّما له نظيرا في دنيا السياسة والسياسيّين.
ورغم النقد اللاّذع الذي وجّهه "البورقيبيّ الناقد"، كما يحبّ أن يصف نفسه، لوجوه سياسيّة كثيرة من وسيلة بورقيبة وإلى سياسيّين معروفين عنده وعند الناس بالخسّة ( للقارئ أن يكتشف أسماءهم في المذكّرات إن تصريحا وإن من خلال الأحرف الأولى لأسمائهم!) وحتّى لبورقيبة نفسه فإنّه بلغ في حديثه عن المرحوم محمّد مزالي مبلغ التصوير المثاليّ لرجل لم يجد له ولو زلّة واحدة ولم ينقده حتّى في ما نقده الناس من أدائه السياسيّ وقد ترك البلاد على حافة الإفلاس.
وهذا، على ما فيه من نبل شخصيّ قد يحمد بين الصديق والصديق، لا ينفع البتّة في تقديم تصوّر موضوعيّ لأداء الرجل الذي كان باستمرار وزيرا في حكومات بورقيبة المتعاقبة وظنّ ولو لفترة من الزمان، أو أوهمه الزعيم، أنّه خليفة له في خضمّ المعركة الطاحنة من أجل الخلافة. فهل قدّم بن سلامة فعلا ما يعتقده في شان محمّد مزالي أم أنّ واجب الصداقة غلب واجب الذاكرة؟
ومهما يكن من أمر فإنّ الثابت أنّ البشير بن سلامة كان نزيها في بيان فضائل مزالي عليه. وهي فضائل في الأدب و"الفكر" (بالمعنيين) لا تنكر ولكنّها في السياسة يمكن أن تقرأ على أنّها ممّا ساهم في مأساة البشير بن سلامة نفسه. فقد قلّص له المسافة النقديّة التي أرادها لنفسه بالنأي عن "الانقياد إلى قانون القطيع" و"التحليق خارج السرب" (ص 420).
قد يرى البشير بن سلامة جوانب من هذا الحسّ النقديّ الذي يزعم أنّه لم يفارقه في ما أثبته من شهادات على ما عاينه بنفسه أثناء المسؤوليّات السياسيّة المختلفة في الحزب والدولة والحكومة (ومتى كانت هذه المؤسّسات متمايزة في ذلك العهد والذي بعده؟) من خساسة وطمع ومؤامرات ودسائس وزيف وكذب على الناس. إلاّ أنّ هذا أضعف الإيمان لأنّه بدءا من صميم السياسة ولأنّه، من ناحية أخرى، ممّا أضحى سائرا بين الناس بعد أن كشفت شهادات كثيرة عنه.
وبالمقابل فإنّ ما نجده فعليّا في "عابرة هي الأيّام" وفي شأن الوزير محمّد مزالي هو ضرب من التبرير لفترة من تاريخ بلادنا ساهمت سياسة الوزير الأوّل آنذاك في تأزيمها. أمّا ما عدا ذلك من إلقاء المسؤوليّة على بورقيبة أو زوجته أو المتصارعين على الخلافة وعلى الجنرال بن عليّ سيء الذكر فإنّه لا يبرّئ محمّد مزالي من المشاركة في المهزلة التي عاشتها البلاد آنذاك. وفلم يكن مزالي، في عيون أبناء جيلي، إلاّ مساهما في إخراج مسرحيّة سمجة سوّقها "للشعب الكريم" خدمة للزعيم إلى أن قُضي عليه  فيها سياسيّا وفقد، إلى الأبد، ما قد يكون جمعه من رصيد الوزير المثقّف. فهل كان مزالي فعليّا "نقيض بورقيبة" كما وصف البشير بن سلامة نفسه أم كان ممّن عاشوا في أكنافه إلى أن أجهز عليه بلا شفقة ولا رحمة انطلاقا من الهاجس العقليّ الملازم لبورقيبة الذي تحدّث عنه صاحب هذه السيرة الذاتيّة؟ وهل يمكن اعتبار محمّد مزالي شخصيّة مأساويّة أخرى احتكّت اكثر ممّا يجب برجل فذّ استثنائيّ مثل بورقيبة ولكنّه ذئب قاس لا يعرف في السياسة أخلاقا ولا يعترف بمن خدمه؟

قد تكون هذه الصورة التي خرجت بها من مطالعة "عابرة هي الأيّام" للبشير بن سلامة، صورة مأساة المثقّف الذي يطمح إلى لعب دور سياسيّ فيكتوي بنار السياسة، شهادة أخرى على أنّ حديث محمّد مزالي وجماعة مجلّة "الفكر"، ومنهم البشير بن سلامة، عن الأدب باعتباره ملحمة، ردّا على مأساويّة تصوّر المسعديّ للأدب، لا يعدو أن يكون حديثَ جيلٍ كان منتشيا بالاستقلال وبناء الدولة الحديثة قبل أن يعرف أنّ للدولة وسياستها منطقا آخر غير رحيم.    

mardi 13 août 2013

المكابرة والمقامرة والمغامرة


1
لعلّهم اتفقوا أو هم بصدد التوافق. لا يهمّ ذلك كثبرا. ستمرّ العاصفة، ولو مؤقّتا، لتبقى الآثار محفورة عميقا في الوجدان والواقع. فما حدث،كلّ ما حدث، مع مجلسنا التأسيسيّ الخارج من صناديق الانتخابات مكلّلا بشرعيّة بلا ضفاف ومع مؤسّستي الرئاسة والحكومة الناشئتين عن منطق الغنيمة والمحاصصة يدعو إلى العجب من السلوك السياسيّ الجديد للهواة والمزايدين والمتعطّشين للحكم ويدعو كذلك إلى السخط على الفشل الذريع في الالتزامات والعهود على الأقلّ. ورغم ذلك لا نسمع إلاّ لغة المكابرة والغرور السياسيّ والابتزاز العاطفيّ أُضيفت إليها بعضُ أفاويح الثوريّة الزائفة والديمقراطيّة الصندوقيّة حصرا والمؤامرة الخفيّة والانقلابيّة البائسة وشيءٌ من ملح الوطنيّة المنجّية من المحاسبة. لغة تدعو إلى الغثيان والتقزّز.
لتطئمنّ قلوب حكّامنا جميعا ولتمت معارضتنا بغيظها فلست أُعنى بالشرعيّة المهترئة ولا بالتفسير التآمري للفشل ولست أدعو إلى حلّ الحكومة ولا الرئاسة. لست مغامرا ولا مكابرا. ولكنّني أعجب في خضمّ هذا كلّه من سوء التقدير والعجز عن رؤية الواقع الحالي في تحوّلاته والسياق الإقليميّ والدوليّ في حركيّته.
فقد وارى المشيّعون جثّة الشهيد محمّد البراهمي في تلك الحفرة المظلمة ولكنّهم واروا أيضا وبالخصوص جسما سياسيّا قد تعفّن منذ أمد، منذ اغتيال الشهيد الآخر شكري بلعيد على الأقلّ. فقد انتهت صلوحيّته ونجاعته حين كابر المكابرون وتبيّن أنّهم صورة أخرى، ضمن منطق وضع اليد على غنيمة رمزيّة الثورة وأجهزة الدولة، من التجمّع المنحلّ. فقد خرجوا من التعبير عن بعض المجتمع إلى التمكين للجماعة. وكان ذلك إيذانا، عندنا، بالانقلاب الواقع لا بالانقلاب المحتمل.
2
لست أعجب إلاّ من الارتباك الذي دفع سياسيّين ووزراء ونوابا من مجلسنا الشرعيّ إلى التعامل مع جريمة الاغتيال كما لو أنّها جريمة قتل عاديّة جديرة بصفحات الجرائم والمحاكم في أحسن الأحوال. فيتكفّل بها الأمن تحقيقا والقضاء إنفاذا للحقوق وكفى اللّه السياسيّين شرّ التفكير والتدبّر وتحمّل المسؤوليّات جميعا. بل بلغ العيّ السياسيّ والفجاجة الأخلاقيّة ببعضهم إلى أن أنكر كلّ مسؤوليّة للفريق الحاكم في الاغتيال كأنّ الأمر متعلّق بدفع تهمة فحسب والدليل، عندهم، أنّ هذا يحدث في جميع البلدان والديمقراطيّات. منطق مضحك إلى حدّ البكاء المرّ على المنحدر الذي بلغناه.
لقد اتفق الجميع على أنّه اغتيال سياسيّ بكلّ وضوح وبساطة. وهو ضرب من الجرائم التي لا يُكتفى فيها بتحديد الفاعلين وضبط الدوافع ليغلق الملفّ. إذ الفارق النوعيّ بين الجريمة العاديّة والجريمة السياسيّة يكمن في أنّ الأولى تكتفي بذاتها وتنتهي بانتهاء الكشف عن ملابساتها ولكنّ للثانية سياقا تتنزّل فيه قبل وقوعها وأثناء حدوثها وكلّ ما يترتّب عنها من نتائج ومسؤوليّات.
3
ليكن: حزب الأغلبيّة بريء من دم الشهيدين مادامت السلفيّة الحمار القصير الذي يركبه كلّ راكب، والمغامرون المتمرّدون يحاكون جماعة الانقلاب المصريّ ولكنّ تونس ليست مصر وسيفشل الذين يكيدون للصناديق والشرعيّة الأبديّة.
ليكن ما تشاؤون ولكن من يتحمّل كلّ هذا الدم؟ من تراخى وبرّر ودافع عن المجرمين ومشاريع المجرمين أفرادا ومجموعات؟ من انزلق لسانه أكثر من مرّة ليكشف عن تصوّرات عنيفة أصيلة في تصوّراته الفكريّة وفي كلّ مرّة يخرج ناطق متلعثم ليوضّح المقاصد في حين أنّ النصّ محكم صريح؟ من رفض التوقيع على ميثاق مناهضة العنف؟ من عطّل كتابة الدستور باعتراضاته على ما ثبت في منظومة الحقوق والحرّيّات الكونيّة وتخوّفاته من أن نصبح مثل الغرب الكافر؟  وللأسئلة أن تتوالد في وصف حالتنا وسياق الاغتيال السياسيّ ولو على نحو إنكاريّ.
ليكن ما يشاؤون ولكنّني محتار في تسمية كلّ هذا: رعونة، غطرسة، غباء، غرور سياسيّ صندوقيّ ، ابتزاز، صلف، مكابرة، مقامرة،حماقة، قصر نظر...ولكم أن تواصلوا البحث في التسميات.

ولكنّ الثابت أن الأخطاء تكاثرت ولم تعد المقامرة والمكابرة تنفعان. فالأرجح أنّ رياح الجغرافيا السياسيّة التي أوصلت حكّامنا إلى كراسيهم قد تغيّرت بعد أن عجزوا، كما عجز نظراؤهم الذين حوّلوا ربيع العرب إلى خريف مخيف، عن الإيفاء بتعهّدين أساسيّين في اللّغة الدوليّة: اجتثاث الإرهاب وبناء الديمقراطيّة. إذا صحّ هذا فالمكابرة، في سياق الحال، رديف للمقامرة وقد تمهّد لمغامرة غير مأمونة العواقب. 

mercredi 3 juillet 2013

حين يستاء الوزير الفاشل مرّتين


1
تساءل أحد وزراء الفشل في حكومتي الفشل الأولى والثانية، وهو يستمع إلى نوّاب البرلمان الأوروبي في بروكسال، "نحن بصدد حضور مساءلة أمام المجلس الوطني التأسيسي التونسي ؟؟ شيء من احترام سيادة تونس يرحمكم اللّه". هذا ما تناقلته بعض الصحف. ولكن الوزير الذي وصل إلى وزارتين بمنطق توزيع الغنيمة لا لكفاءة تميّزه أكّد لإحدى الإذاعات أنّه يرى " تونس مقاطعة أوروبّيّة من خلال تعامل النوّاب الأوروبيين مع أعضاء الحكومة التونسيّة".
لمْ يسأل الوزير قبل ذلك لم ذهب هو وأعضاء الحكومة إلى هناك؟ وهل كان يعتقد أنّ الدخول إلى الحمّام الأوروبيّ كالخروج منه؟ هل كان ينتظر التصفيق على الثورة المغدورة أم مزيد المساعدات والقروض والصمت عمّا يقع؟ هل قرأ يوما ولو مقالا صحفيّا عن السياسة الخارجيّة وعلاقة بلادنا واقتصادنا بأوروبا؟ هل نسي أن بن علي ووزراءه سبق لهم أن تذمروا بدورهم ممّا تذمّر منه اليوم والتجؤوا مثله إلى معجم الشقشقة اللّفظيّة عن السيادة والوطنيّة واللّعب على العواطف التي لا تصرّف في بنوك السياسة الدوليّة ولا حتى في البنوك الوطنيّة؟ لمَ لمْ يتذكّر حديث السيادة عندما تفاوضت حكومته الأولى والثانية مع المقرضين والمموّلين لرهن البلاد واقتصادها؟
2
سأل البرلمانيّون الأوروبيّون الحكومة التي يرأسها من رشّ الناس في سليانة وحرّض على شكري بلعيد أكثر من مرّة وعجز بعد ذلك، وإلى الآن، عن الكشف عن قتلته، سألوه عن الإسلام السياسيّ وعلاقته بالحركات المتطرّفة وواقع حرّيّة التعبير والجدول الزمني للدستور وعن قتلة بلعيد ورابطات حماية الثورة المغدورة. هذه هي الأسئلة التي رأى فيها وزيرنا النابغة وحيد عصره مساسا بالسيادة الوطنيّة فأثارت استياءه. وحين يطرحها التونسيّون يصبحون من واضعي العصيّ في عجلة الترويكا ومن المنقلبين على الشرعيّة. ألم يكن من الأجدر أن يقدّم الإجابات عن أسئلة حقيقيّة تشغل بال التونسيّين وغير التونسيّين؟ بل هل يملك، وهو السياسيّ الذي يدّعي الثوريّة، هذه الإجابات المطلوبة الآن وهنا؟
كنّا نودّ لو حدّثنا أيضا، مادام الشيء بالشيء يذكر، عن وجود ممثّل شبكة دستورنا الذي رفع ورقة تطالب بالكشف عن حقيقة اغتيال شكري بلعيد. ألم يذكّره ذلك بحديث بن عليّ وإعلامه عن الاستقواء بالأجنبيّ والمساس بمصالح تونس في الخارج وتجريم كلّ من يعارضه خارج البلاد ويبلّغ صوت النخبة السياسيّة في المحافل الأوروبيّة والدوليّة؟ أليست هذه العصا عنده من تلك العصيّة؟ ألم يلاحظ أنّه بكلامه الوطنيّ جدّا يكشف عن أنّه يعيد إنتاج خطاب المخلوع وأزلامه ويستبطن آليّاته المضمرة والظاهرة؟
فلم أدخل الوزير الفاشل مرّتين يده في عشّ الدبابير إن كان يخشى اللّسع؟
3
كلّ هذا ويريدون منّا احترامهم واحترام سياسة الهواة والجائعين المتلهّفين على كعكة السلطة باسم الشرعيّة والثورة؟ فلماذا أدخلوا كلّ من هبّ ودبّ إلى البلاد لتخريبها ووقفوا يتسوّلون على الأعتاب باحثين كالذئاب المسعورة عن فتات مأخوذين بسكرة السلطة وحلاوة الحكم؟ ماذا فعلوا عدا الضحك على الذقون والتدرّب على حلاقة رؤوس الأيتام جميعا، أيتام الثورة وأيتام بن عليّ وأيتام الأمل الذي دمّروه؟
حصّنوا ثورتكم بأمثال هؤلاء الوزراء، مارسوا السياسة بمنطق الوطنيّات البائدة كلّما حشرتم في الزاوية، واصلوا فشلكم في ترتيب العلاقات مع الشركاء والأصدقاء والأعداء أيضا. قد تنتصرون مرّة أخرى بمنطق بن عليّ نفسه وإن تغيّرت المفردات وتبدّل القاموس. فهل، لجلّ المؤمنين بشرعيّة بلا ضفاف، أسطع من هذا بيانا على الفشل وانقضاء أجل الصلوحيّة السياسيّة لحكومة العجز والفشل؟



jeudi 20 juin 2013

محاولة لاستعادة اللّغة الخشبيّة

ولد الكانز وأضرابه


1
ليس لنا إلاّ أن نهلّل ونكبّر لصدور الحكم العادل على الفرخ المسمّى "ولد الكانز". فقد نال جزاء التجرّؤ على أمننا الجمهوريّ والتحريض على العنف في أغنية قبيحة بذيئة تمجّد المخدّرات وتدعو إلى الهجوم عن حماة حياتنا وعلى قضائنا الذي تتهمه بعدم الإنصاف.فلنحيّ جميعا قوانيننا الرائدة في زجر مثل هذه الحالات التي لا تناسب تقاليد بلادنا المعتدلة المتسامحة.
أمّا ما قاله بعض المسؤولين الغربيّين عن الأحكام الصادرة ضدّ أبنائنا السلفيّين وضدّ الفرخة أمينة والفاسدات الثلاث المتعرّيات أمام المحكمة فلا عبرة بها ولا باتهام مدوّنتنا القانونيّة بالدكتاتوريّة السالبة للحرّيّات. إنّهم ببساطة حاقدون يكرهون ثورتنا ويحتقرون هوّيّتنا ويحسدوننا على عدالتنا. فلنعتبر مواقفهم الحقيرة تلك دليلا على نجاحنا في هذه المرحلة الانتقاليّة التي يشهد القاصي والداني بسيرها الحثيث نحو تحقيق أهداف الثورة وتطهير البلاد من الجراثيم. لقد نجحنا وكلّ ناجح محسود.
إنّ هذه الأغنية الحقيرة لا تمثّل ثقافة الثورة المجيدة النبيلة . فقد كتبها وغنّاها جهلة مارقون لا يتورّعون عن وصف الصناديد من رجال أمننا بالكلاب، هذا الأمن العتيد الذي شرّفنا دائما وحفظ ماء وجوهنا وأبكانا أيام المظاهرات، قبل الثورة وبعدها، بلطفه ودفاعه المستميت عن الشعب ونشر الشماريخ ذات الدخان الكثيف في سماء تونس الصافية، أقصد شماريخ العزّة والكرامة. ثمّ يأتي هؤلاء الأوباش اليائسون الهامشيّون لينفثوا سمومهم ويخرجوا سهامهم ضدّ أوفى من أنجبت هذه الأرض الطيّبة.
2
إنّ الكلب، عند العرب، يجسّد معنى الوفاء وحفظ الودّ. ولكنّ هؤلاء المتنطّعين على الفنّ الراقي والأدب الصحيح السليم لا يعرفون "كتاب الحيوان" للجاحظ ولم يسمعوا قطّ بكتاب " البيان والتبيين" ولا " بالعمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" لجدّهم القيرواني ابن رشيق.إنهم أعجز من أن يطالعوا من هذه الكتب التي تعلّم الفنّ السامي والأدب الراقي صفحة واحدة.
 يخربشون كلام السوقة والرعاع والدهماء، ويحلّونه ببعض القوافي السقيمة، ويدندنونه بألحان مكرورة لا رونق فيها تدمّر الHعصاب، مخرجين ذلك كلّه بأصوات منكرة شبّهها العزيز الحكيم في محكم تنزيله بأصوات الحمير. يصفق لهم ذوو الأذواق المنحطّة فيذهب في وهمهم أنّهم فنانون وشعراء ومطربون.
و الأنكى أنّ الفاسدين من المثقّفين المتشدّقين بالحداثة الزائفة المدّعين الدفاع عن حرّيّة التعبير والصحفيّين من أزلام النظام البائد وإعلام العار يدافعون عنهم وعن بذاءاتهم لغاية في نفس يعقوب. إنهم يدمّرون أسس ثقافتنا الوطنيّة العربيّة الإسلاميّة ويهدّدون انسجام مجتمعنا التونسيّ الوسطيّ الذي يأبى التطرّف ويدعو إلى الاعتدال. ولكنّ النفوس التي جبلت على الحقد والكره والانبتات الحضاريّ تشجّع هؤلاء الذين لم يتورّعوا في إحدى الأغنيات التي تصف أمننا الجمهوريّ بالبقر عن القول " كرّهتونا في الوطن" . لقد اعترفوا بأن لا صلة تربطهم بوطننا العزيز فليغادروه إلى بلدان أخرى حاقدة علينا تكرهنا وتكره تقاليدنا وثقافتنا مثلما فعل الزنديق الذي تهجّم على ديننا الحنيف ونبيّنا الأكرم فمنحته فرنسا الإمبرياليّة الصليبيّة حقّ اللجوء. إنهم أيتام فرنسا وجندها الخفيّ المكلّف بتخريب أمننا الثقافيّ.
3
إنّنا ندعو من هذا المنبر إلى مراجعة الحكم الصادر ضدّ المدعوّ " ولد الكانز" وأضرابه. فسنتان سجنا لا تكفيان لمسح الإهانة التي تعرّضت لها شرطتنا وأصابت قضاتنا الموصوفين في الأغنية الملعونة نفسها بالكلاب. إنّهم مارقون عن القانون، معادون لأسس العيش المشترك، ولا يحترمون دولة القانون والمؤسّسات. لقد أخرجوا أنفسهم من الإجماع الرائع في بلادنا، ولا يرتجى منهم خير في الذود عن الوطن ورايته.
ولا نقبل، بصفتنا مواطنين صالحين، أن تدوس مثل هذه الحشرات كرامة شعب ثار من أجل كرامته بدوس كرامة جهاز أمننا ورجاله وكرامة قضائنا العادل الساهر بعيون يقظة على مسارنا الانتقالي والديمقراطيّ مدافعا دفاعا مستميتا عن تطبيق القانون بكلّ حزم دون وصاية أو تدخّل من أيّ جهة كانت.
علينا جميعا أن نتكاتف ضدّ هذا الخطر المحدق بأمننا الفنيّ والثقافيّ ووحدتنا الإيديولوجيّة الصمّاء وذوقنا الجماليّ الرفيع السليم وإلاّ انتشرت البذاءة وعمّ القبح في بلادنا النظيفة الجميلة.وإذا لم نفعل ذلك الآن فإنّ السيل الجارف سيأتي على الأخضر واليابس ويومها لن ينفع ندم. اللهمّ إنّي بلّغت.

      

mardi 11 juin 2013

عودة التجمّعيّين

عادوا كأنّ شيئا لم يقع





1
يعودون اليوم بلا حياء. يتقوّى عودهم ويشتدّ يوما بعد يوم. كأنّ لاشيء وقع. يتنصّلون من الدكتاتور كما لو أنّهم لم يستفيدوا منه ولم يناصروه. أصبحوا هم أيضا من ضحاياه ونسوا أنّهم كانوا جلاّدين يأتمرون بأوامره وينفخون من روحهم الحقيرة في صورته.
نفهم أن ليس للغريق إلاّ التمسّك بقشّة. ونعرف أنّ الشريك في الجريمة يسعى بغريزته إلى التنصّل من المجرم الثابت.
وبالمقابل، يخطب اليوم، ومنذ أيّام، أكثر السياسيّين ودّهم ويتسابقون لتقاسم لحمهم الذي يرونه نافعا شهيا في مأدبة التحالفات والتوازنات والمناورات السياسيّة ويزنون أصواتهم وخبرتهم في التجييش والتعبئة في الحفلات الانتخابيّة.
سعي محموم بائس، في الظاهر، لمنعهم من الوجود بالجملة باسم تحصين الثورة وتحقيق أهدافها. سعي يشارك فيه الذين يغدرون الثورة بإخلاص أو يهدرون رأسمالها بغباء متأصّل.
وفي الباطن تتوزّع القبائل السياسيّة دماء "أزلام النظام البائد" وفلوله، وحتّى رموزه، تارة باسم المحاسبة القضائيّة الفرديّة وطورا باسم الواقعيّة الانتهازيّة التي لا تقال وطورا ثالثا باسم عفا اللّه عمّا سلف مادام باب التوبة ( والأحزاب) مفتوحا لكل من يناصر هذه العشيرة أو تلك.
2
في هذه السوق السورياليّة المنتصبة بعد الثورة ضدّ آلة التجمّع المنتجة للدكتاتوريّة يجد التجمّعيّون بأصنافهم مكانا يسمح لهم بالمناورة والتأثير وتقديم الخدمات لهذا الطرف أو ذاك. أصبح لهم قول يصدحون به ورأي يدلون به على موائد الحوار والنقاش والتفكير في مستقبل البلاد. لهم هامش للمناورة والتحالف وممارسة ما اعتادوا عليه من بحث عن المواقع وتقديم الخدمات للراغبين في خدماتهم كأنّهم يعرفون أنّهم رقم ممكن في معادلات هشّة فيقبلون، بحثا عن تحصين وجودهم واستمراره، سياسة ضرب رأسٍ برأس للتسلّل خفية أو وبوقاحة إلى المشهد العام مقدّرين أنّ العاصفة مرّت ولا سبب للاستمرار في الانحناء يشجّعهم في ذلك تنافس الأطراف المختلفة على خطب ودّهم. إنّه زمن المضحكات والمبكيات والإخفاق والفشل في الالتزام بالحدّ الأدنى من الوضوح والحياء.
ليس الأمر عندنا مرتبطا بالأشخاص فردا فردا. وإن كان لبعضهم من الإثم التاريخيّ في هذه البلاد ما تقعد القوانين السائدة والقضاء الباحث عن استقلاليّته عن المحاسبة عليه. انظر جيّدا لهؤلاء الموقوفين من رموز الاستبداد الذين أفسدوا في الأرض كيف يعجز القضاء عن أن يسمّي جرائمهم ويوثّقها ويدخلها في منطقه العادل مبدئيّا.وسيفرج عنهم، ولا ريب، لعدم كفاية الأدلّة التي رآها الجميع ولكن لا أحد تكفي شهادته للإدانة.
ليس الأمر مرتبطا بالجماعة في كلّيتها فهي كيان مبهم معنويّ تربّى على أخلاقيّاته غير الحميدة أكثر الفاعلين ويقلّده كثير من الماسكين بدفة السفينة اليوم. فثقافة التجمّع أشدّ ترسّخا ممّا يعتقد. لقد سقط الإسم، في صبيحة ذلك اليوم المشهود في السادس عشر من جانفي 2011، ولم يمح المسمّى.
3
لم نسمع أحدا من هؤلاء الذين يعودون اليوم بوقاحة لا نظير لها وبتبجّح غريب ليكشف لنا آليّات الاستبداد ودوره فيه ويعلن على الملإ توبته ويعتذر عن مشاركته في حفل قتل التونسيّين عرقا عرقا ليشرب من دمائهم الدكتاتور. فالاعتراف والاعتذار كافيان عندي للاغتسال من أدران سنوات من العفن الكريه. لا أحد فعل ذلك ولا أحد ممّن يزعم حماية البلاد من عودة الاستبداد دفعهم إلى ذلك ففتحت السلطة المرتبكة العاجزة قصيرة النظر الباب والشبابيك والكوى لعودتهم من المنافذ جميعا. وسيعلم هؤلاء أيّ منقلب ينقلبون وإن استفادوا من خبرة من تربّوا على الولاء للسلطة القديمة وهاهم اليوم يتبارزون في الولاء للهواة الفرحين بالسلطة الجديدة.
كان ما كان يمكن ألاّ يكون. لقد صفّر القطار وسقطت أوراق التين السياسيّة والأخلاقيّة فليكفّوا عن الثرثرة برطانة ثوريّة لا تليق بهم والتحدّث باسم ثورة برّزوا في غدرها ووأدها في المهد. وهنيئا للمؤلّفة قلوبهم المتسربلين بالتقوى والإيمان أو بالدفاع عن مكاسب الحداثة ..حداثة التجمّع القديم ...والجديد.