mardi 21 août 2012

أبناء الغضب على الجدران



1
لا نراهم ولكنّ آثار تصاميمهم البديعة او المبتذلة على الجدران تدلّ عليهم.
لا نعرفهم بيد أنّ رسومهم وأشكال حروفهم وتنوع ألوانهم دلائل منصوبة على أنهم واحد في المهجة والشهوة يتجسّد بأياد عديدة.
لا تملك وزارة الداخليّة كنّشا يسجّل أسماءهم غير أنهم ساخطون يكشفون بالشعارات المحرّضة عن هويتهم.
أبناء الغضب الذين اتخذوا من حيطان المدينة بالخصوص صفحات يسجلون عليها صرخاتهم واحتجاجهم على السائد والقائم ، غضبهم الجذريّ من العالم المشهديّ وبؤسه واغترابه القاتل.
لا ديدن لهم إلا ممارسة العنف الجمالي باحتلال الحيطان وإعادة امتلاكها وتعمير الفضاء العام بالأقوال الساخطة والأشعار والصور والأشكال والألوان.
2
قبل القصبة وخلالها وبعدها ، في ميدان التحرير زمن الدكتاتور وبعده ...وفي بقية القصبات وميادين التحرير حيث رفرفت فراشة الربيع العربي من أثينا إلى وول ستريت ، صنع الغاضبون فنّهم: فنّ الغرافيتي المناضل الملتزم الوحشيّ الرافض الصارخ الخارج عن رقابة شرطة الطريق وبوليس الفنّ الراقي.
وقبلهم، حيثما كانت ثورة أو كان احتجاج اجتماعي أو سياسي ، تنفلق المقالات والمواقف كالزفرة المكتومة ، تخرج كما كلمة السرّ في هيئة صور ورسوم وخطوط وكتابات على الجدران بسيطة فاضحة صريحة عميقة تتسربل بالشعر العفويّ الوحشيّ لتجسّد توحّد القول التحريضيّ  والفعل الثوريّ فتصل المنفصل من شعريّة الحياة وحياة الشعر المنبثق من شهوة الوجود وتوقّد الرغبات الإنسانيّة النقيّة.
ليست بطولات فنية لعباقرة الإبداع الذين اصطفتهم الآلهة وتوّجهم نقاد الفنّ وتجاره، بل هم أبطال مجهولون بلا اسم تحدّوا جدار الخوف من سلطة مبنية على الكذب والوهم.
هم حالمون بتغيير العالم لا يجدون الوقت للتأمّل الفكريّ بل يتأملون الحياة وهم يخوضون غمار فعل التغيير في صيرورته واشتغاله وتشكلّه.
 مات البطل الفرد وحيد عصره ، المتعالي عن شرط الإنسانيّة بزيفه و ريش الطاووس الذي يجلّله
عاش البطل الجماعي العادي المألوف المنغرس في إنسانيّته المجهولة بأصالتها وقيود الألم التي تكبله .  
بلا اسم ولا عنوان، أبطال خارجون من أعطاف أسطورة الواقع البسيط المدنّس بعيدا عن ثرثرة الملاحم الممجّدة للأفراد الموهوبين، يصوغون هوية الثورة باعتبارها لحظة التقاء الشعر بالحياة والتآلف مع الغرابة والدهشة والاحتمالات المبدعة.ومن أسلحتهم فنّ الغرافيتي.
3
أجمل ما في فن الغرافيتي الذي غزا ساحاتنا أثناء الثورة أنّه فن عابر ينبت كالفطر في الشوارع والساحات العامة على محامل غير متوقعة.
أجمل ما فيه أنّه فنّ يصنع ذاكرة الجماعة في لحظة التوتّر والحركة والارتجاج السياسيّ قبل أن تعمل  منظومة توزيع الفن التشكيليّ وتجارته واستهلاكه وإنتاجه وتقبّله ونقده على احتوائه لتدرجه في الدورة الاقتصاديّة والثقافيّة والجماليّة.
أجمل ما في الغرافيتي أنه  يحيلنا مباشرة إلى  فن الخط العربيّ، وهو من ذاكرتنا الإبداعيّة التشكيليّة التي لم تستطع الخروج من بوتقة قواعدها التأسيسيّة منذ ابن مقلة.
ويأتي الغرافيتي ليضع فن الخط العربيّ أمام أزمته: متى يتبرّك الخطّاطون بإنسانيّة البسيط اليوميّ والبشريّ المدنّس بدل التبرّك بروحانيّة موروثة لم يصنعوها؟ متى يصنعون قداسة فن الخط العربيّ من داخل احتمالاته الجماليّة ؟ متى يجدون الحبل السريّ الذي يربطه بالحياة الزائلة ليصنع خلوده بدل الاكتفاء بالخالد ليبرّر وجوده؟

lundi 20 août 2012

حوار مع صحيفة الوسط البحرينيّة

http://www.alwasatnews.com/3619/news/read/692343/1.html



الباحث التونسي المبخوت: لا بد من ربيع للغة

المنامة - حبيب حيدر
«من الأوهام أن نعتقد أن العرب القدماء كانوا يتكلمون الفصحى التي ندرسها اليوم بل هم كانوا يتكلمون لهجات،... والعربية الصافية هي التي تتفاعل مع مقتضيات التحديث، واللغات لا تتقدم إلا إذا أحسنّا تعليمها، ولن نحسن تعليمها إلا إذا طورنا البحث فيها، وما لم نخلق علاقة متينة بين العربية والتكنولوجيا فإن مستقبل العربية مهدد فعلاً».
هذا ما صرح به أستاذ الدراسات اللغوية ورئيس جامعة منوبة التونسية الباحث الأكاديمي شكري المبخوت حين استوقفته للتداول حول مجموعة من الهموم اللغوية والثقافية في هذه اللحظة الراهنة، وبطبيعة الحال كان الربيع العربي بصخبه حاضراً حتى على مستوى الهموم اللغوية وإن لم يتسنَّ الحديث له إلا بما يخص المقام واختصاص المتحدث، حيث كان اللقاء على هامش المؤتمر الخامس والعشرين لوزارة التربية والتعليم بعنون « اللغات مفتاح التعلم» إذ قدم المبخوت ورقة بحثية تحدث فيها عن الكفاية اللغوية التواصلية ومفهومها على المستوى المدرسي والاجتماعي وأهمية الإنتقال من مستوى الكفاية القواعدية إلى مستوى الكفاءة التواصلية التي تهتم بالإتقان في الممارسة والتطبيق.
خلال مؤتمر «اللغات مفتاح التعلم» أكدتم على الكفاية التواصلية ودورها في المقام المدرسي، ما أهم الأطر التي من خلالها تتعزز الكفاية التواصلية على المستوى الاجتماعي؟
- المفاهيم الأساسية التي حاولت ترسيخها في مداخلتي بالمؤتمر هي أن الكفاية التواصلية أن يتمكن المتعلم ضمن عمل مستمر، وطيلة سنوات أن يصبح قادراً على التكيّف في المجتمع بالتخاطب بلغة عربية تمكنه من أداء الأغراض، ومن التعامل مع الوضعيات المختلفة التي يجد نفسه فيها، وأن يتقمص دورها الاجتماعي والثقافي واللغوي على الوجه المطلوب، لأنها الغاية القصوى، من دون الدخول في تفاصيل تقنية ومفاهيم مدققة تهم أهل الاختصاص، القصد الأساسي هو أن تكون إنساناً مواطنا قادراً على أن يتفاوض داخل المجتمع وأن يتحاور وأن يقنع ويقتنع وأن يجد الحلول للمشكلات اليومية، وهذه الحلول تمر عبر اللغة أساساً، هذه هي الغاية القصوى للكفاية التواصلية التي تساهم بها المدرسة في تكوين الإنسان المتوازن داخل المجتمع.
ما مستقبل اللغة العربية في ظل التعدد اللهجي واللغوي في البيئة العربية، سواء على مستوى الفرد أو الجماعات اللغوية. وخصوصاً وأنتم تشتغلون على هذه المساحات؟
- مشكلة اللغة العربية أن هناك أخطاراً حقيقية محدقة بها، لكن علينا أن نتعامل بكثير من الواقعية والحزم في الآن نفسه، نقصد بالواقعية أنه لا يمكن نكران العلاقة المتينة بين اللهجات أوالتعدد اللهجي واللغة العربية الفصحى، فمن الأوهام أن نعتقد أن العرب القدماء كانوا يتكلمون العربية الفصحى التي ندرسها اليوم، بل هم كانوا يتكلمون لهجات، وما نجده في العالم العربي اليوم هو ظاهرة طبيعية جداًّ، لأن كل لغة فصيحة إنما تمثل المشترك لمجموعة من اللهجات بما في ذلك الإنجليزية، وهذا ما ننساه دائماً، إذن علينا أن نتعامل بواقعية مع هذا الجانب، وهو اللهجة التي تستعمل في الحياة العامة والدارجة التي تستعمل في الخطاب المكتوب أو عند المشافهة في مواضيع مشتركة عامة؛ كالمواضيع السياسية أو الاجتماعية وغير ذلك في وسائل الإعلام مثلاً وبالتالي هناك حلول بيداغوجية تربوية، لهذه العلاقة الواقعية بين اللهجات والفصحى.
بالنسبة إلى المسألة التربوية؛ كيف يمكن للمربي انطلاقاً من الرصيد اللغوي الذي يأتي به المتعلم إلى المدرسة، وهو رصيد لغوي من اللهجة المحلية كيف يمكنه أن يرتقي به وأن يلائمه مع العربية الفصحى إلى أن يصل إلى معايير الفصحى، بالنسبة إلى التعدد اللغوي واللغات الأجنبية، في تقديرنا لا يمكن للغة العربية أن تتطور وحدها، وإنما ينبغي تدعيم وتدريس اللغات الأجنبية لأننا في حاجة لتلقيح العربية بالترجمة من خلال دخول أصوات أخرى للغة العربية، لأنه لا توجد عربية مطلقة، وإنما العربية التي نبحث عنها هي عربية حديثة مؤدية للأغراض الحديثة وخصوصاً في مجتمع يشهد تطوراً تكنولوجياًّ كبيراً، فعلينا أن نتخلى عن نزعة المحافظة على عربية نتوهم أنها صافية لأن العربية الصافية الحقيقية هي التي تتفاعل مع قضايا عصرها وتتفاعل مع مقتضيات التحديث في المجتمعات.
وكيف ننتقل في المقام المدرسي من مستوى الكفاية إلى مستوى الكفاءة التواصلية الوظيفية، والتي يستطيع من خلالها المتعلم نقل هذه التعلمية من المقرر أوالكتاب المدرسي إلى واقع الحياة؟
- المدرسة تكوّن الطلاب لكي يتحصلوا على وعي إضافي يرقى بالوعي الاجتماعي، وإذا كانت المدرسة انعاكاساً لواقع المجتمع؛ فلا خير فيها، وإنما مهمتها في سياقنا العربي أن تكون قاطرة للتجديد ولبناء فكر جديد نقدي متحرر يجعل الطالب قائماً بذاته مستقلاً ويمكنه أن يثري مجتمعه بالأفكار الجديدة، لأن التعلم ليس أن تأخذ لغة فقط، وأن تعيدها في المجتمع لكي يسمع المجتمع لغته، وإنما التعلم هو إنتاج أيضاً والقدرة على إنتاج معرفة جديدة، وإثراء المجتمع بخبرات جديدة والمساهمة في إيجاد الحلول، ودور المجتمع دور خطير جداًّ؛ لأنه دور تنموي في العمق لتنمية المجتمع، ولا ننسى أن المدرسة مفهوم حديث باعتبارها مؤسسة، والتحديث في العالم العربي يعيش مشاكل وعلى رأسها مشكلة المدرسة التي لم تستطع إلى الآن أن تجد المنافذ التي تجعلها قاطرة لتجديد الأفكار ولتجديد الذهنيات والمجتمع في حد ذاته.
كيف تجد إنجازات البحث اللغوي على المستوى العربي مع رهانات الحداثة والعلوم الإنسانية وما تبشر به؟
- أنت تفتح جرحاً غائراً وتصب الملح عليه، لأن الدراسات اللغوية في العالم العربي في وضع يدعو إلى الرثاء، وضع يدل على أننا ندعي حب لغتنا وأمتنا لكننا لم نفهم كيف نجعل هذا الحب مترجماً إلى فعل واقعي علمي يدوم، أقول هذا إجمالاً لأننا مازلنا نكرر ما يقوله النحاة بطريقة لا ترقى إلى عبقرية النحاة العرب، مازلنا منغلقين على التطور العلمي في اللغة وفي اللسانيات والبحوث اللغوية في العالم كله، مازلنا منغلقين على ذلك، أشبه الأمر بمن يكتفي بالتراث العلمي العربي في البصريات أو في الكيمياء والحال أن هذه العلوم تطورت كثيراً، ولأن لغتنا من أعمدة هويتنا فكأنها مقدسة لا تمس والحال أنها لغة لن تزيد هويتنا ترسيخاً إلا إذا طورنا البحث فيها وجعلناها في مستوى عالمي راقٍ من حيث دراستها ووصفها، فنحن نحترم النحاة العرب بل نعتز بأننا ننتمي إلى حضارة أنتجت مثل هؤلاء الذين كانوا مستجيبين لعصرهم، ومن العار علينا أن نظل عالة عليهم، والحال أن العالم يتقدم بقوة وبخطى حثيثة في الدراسات اللغوية، أنا أعبر عن شيء من الحزن إزاء هذا الوضع على رغم المحاولات في بعض البلدان العربية، أخص تونس والمغرب، ولكن ما زال المطلوب كثيراً جداًّ لغياب مؤسسات علمية ومراكز بحث لها تمويلات كافية لكي تجدد النظر في لغتنا العربية ولكي تطوّر فهمنا ومعرفتنا باللغة العربية.
ألا تعتقد أننا نتواصل باللغة يومياًّ ونشتغل بها عملياًّ لكننا لا نشغلِّها بشكل منجز متواصل مع أدوات البحث العلمي الحديث؟
- لولا جهود بعض الأفراد والمبدعين لكانت العربية لغة محنطة عاجزة عن العصرنة، واللغات لا تتقدم إلا إذا أحسنّا تعليمها، ولن نحسن تعليمها إلا إذا طورنا البحث فيها، وهذا هو الإشكال، نعم هي تتطور بصفة تلقائية بفضل جهود بعض الأفراد ولكن نريد أن نطورها في مدارسنا في جامعاتنا ولن تتطور إلا بتطوير البحث العلمي.
كيف السبيل الآن لتخليص درس العربية من هواجس شكليات الضبط والنحو والإعراب إلى مستوى الكفاية التواصلية والحالة الوظيفة بشكل عملي؟
- ليس من المطلوب في الكفاية التواصلية، تدريس القواعد وهو أمر ضروري، فالإشكال لا يعود إلى القواعد في حد ذاتها؛ ففي جميع المدارس تدرس هذه القواعد، ولكن ما هو الحد الضروري والكافي لهذه القواعد وفي أي سياق وبأي تصور وبأية منهجية في التدريس، فلا يكفي اليوم أن يتعلم طلبتنا ابن عقيل بل هو مضر لأن الحفظ لا يعني إتقان اللغة، فأن نعرف الفاعل والمفعول والجار والمجرور والنعت والمنعوت لا يعني أننا نتقن اللغة، فهذه معرفة نظرية، كمن تدرسه أن الحاسوب فيه لوحة مفاتيح، وفيه شاشة، وهو لا يمسك الحاسوب ولا يستعمله، كذلك حفظ القواعد دون معرفة كيفية ترسيخها بالاستعمال، وبأنشطة وتدريبات مفيدة عملية ترهق الطالب ولا تفيده وترفع كفاءته التواصلية.
ننزل إلى واقع اللحظة الراهنة؛ كيف تجد اللغة العربية اليوم وواقعها التداولي واشتغالها حديثاً في ظل اللحظة الرهنة المشغولة بحراك الربيع العربي؟
- ينبغي هنا أن نبحث عن ربيع للغة، قبل كل شيء، فاللغة العربية حسب المناطق الكبرى تعيش مجموعة من المشاكل المختلفة، إذا أخذنا مثلاً الخليج العربي وبشكل انطباعي حين نتجول في بلدان الخليج في جلها على الأقل لا نجد للغة العربية الحضور الذي ينبغي أن توجد به في هذه المجتمعات، فبحكم ربما وجود تعدد عرقي أو تعدد لأجناس مختلفة؛ فاللغة التي تستعمل أكثر بالنسبة إلى السائح هي اللغة الإنجليزية، وهذا أمر غير طبيعي ينبغي الانكباب على معالجته، لابد هنا من سياسات لغوية واضحة ومن إرادة واضحة لجعل العربية؛ أقصد الفصحى أو الدارجة، جعلها بالفعل آلة رسمية ووطنية، وهناك عدة حلول لذلك ليس هذا مقامها، وإذا أخذنا المغرب العربي فله خصوصية أخرى؛ فهناك التعددية اللغوية بشكل مختلف، في تونس هناك ثنائية بين العربية والفرنسية عموماً، وعكس ما يراه بعض التونسيين؛ فإن العربية مسيطرة في المجال الاجتماعي والإعلامي مع بعض السيطرة في مجال الانتقال من العربية إلى الفرنسية، عموماً وضعية العربية ليست كما يتوهم؛ بل هي وضعية حسنة. إذا أخذنا الجزائر؛ الوضعية تقريباً شبيهة بتونس ولكن فيها مشاكل أخرى؛ لأن هناك اللغة الأمازيغية، إذن هناك تعددية لغوية فعلية حادة نوعاً ما في المغرب، ولابد من دراسات مدققة حتى نعرف وضعية العربية في كل بلد عربي، وهذا من مهام المؤسسات القومية المشتركة، لتقوم بدورها لكي توجد ربيعاً للغة العربية وضمن حراك الربيع العربي.
ومن الأشياء المفيدة واللافتة للانتباه مثلاً في تونس عديد الفرانكفونيين في مستوى المدونات حين فهموا أن المجتمع منتم إلى ثقافته منتم إلى هويته العربية انتقلوا من الكتابة بالفرنسية إلى الكتابة بالعربية وهذا الاعتزاز باللغة الذي هو جزء من الاعتزاز بالانتماء الوطني وهو جزء من الاعتزاز بالهوية.
ما نصيب اللغة العربية من الحراك التواصلي الالكتروني... في ظل تسارح تكنولوجي خلق عوالم افتراضية، أصبحت تغير كثيراً في الواقع المعيشي، بل تزيل سلطة وتضع سلطة أخرى، وأصبح النص الإلكتروني الافتراضي يصنع عالماً آخر يغير في الواقع بينما أيديولوجيات كثيرة ورؤى أصبحت غير نافعة للتغيير وأصبحت تلاحق هذا العالم الافتراضي... وتحاول أن تستغل هذا الواقع لتقول بقايا رسالتها بعد أن قال هذا الواقع الافتراضي رسالته ونصه وصنع عالمه الذي يريده؟
- علاقة اللغة العربية بالعالم الافتراضي عملية معقدة تؤكد وتثبت أن حضور العربية في الفضاء الرقمي حضور ضعيف جداًّ، ولكن المفارقة أن هذا الحضور الضعيف ما انفكت مؤشراته تتطور بنسب كبيرة بطبيعة الحال في وعي البلدان العربية، وهذه المفارقة أن تكون اللغة العربية وهي اللغة السادسة عالمياًّ، أن تكون حاضرة في الانترنت في الشبكة في الفضاء الرقمي، لكن الإشكال ليس هنا، نود أن تكون العربية حاضرة بنسب أكبر، ونوعية الحضور هو السؤال لتعلم أنه ما لم نخلق العلاقة المتينة بين العربية والتكنولوجيا؛ فإن مستقبل العربية مهدد فعلاً، لأننا نتحدث عن مجتمع المعرفة واقتصاد الذكاء اللامادي في نهاية الأمر، ومجتمع المعرفة يقوم على تحالف ثلاثة أشياء أولاً وأساساً وأستطيع أن أقول بنسبة خمسين في المئة اللغة، وثانياً الأداة التكنولوجية، وثالثاً رأس المال وتوظيفه في الصناعات التي تعتمد على اللغة سواء في معالجة اللغة آلياًّ أو في حل المشكلات اللغوية، في التحليل الآلي للخطابات، أو في صناعة المضامين الرقمية، وخاصة في مجال الترفيه والثقافة، وهو قطاع مخصب ومنتج للثروة ذات القيمة المضافة، كل قطاع البلدان العربية في جلها لا توظف ولا تستثمر المال فيه على رغم أنه سيمكن اللغة العربية من أن تتطور وسيخلق الثروة لأنه مثمر ومربح، ولكن ما يعطل هذا غياب الرؤية الاستراتيجية ويعطلها بعض المحافظة، فمثلاً الخط العربي على المستوى الرقمي غير مقيّس إلى الآن، لأنه ليست فيه المقاييس والمواصفات التي تخضع للرقمنة، بسبب تصور محافظ للخط العربي، وقس عليه بقية المشاكل الموجودة، من هنا أعتقد أنّنا العرب نضيِّع فرصاً كبيرةً للنهوض بلغتنا واستثمارها واستغلالها وتوظيفها في خلق الثروة وتشغيل الشباب العاطل، وتكوين النخب المتميزة ذات التكوين العلمي الرفيع، فالقضية ليست قضية حمية دينية أو قومية أو وطنية بل اقتصادية، أعتقد أننا نضيع الكثير من الوقت والفرص في تكوين أهم شيء وهو رأس المال البشري الذي يبقى وسيتطور وسينمو ويزكو بعد أن ينفذ النفط وغيره من الثروات، هذه هي عموما الوضعية، ولا أريد أن أجعل الأمور سوداء.
ما هي الرسالة التي استطاع المؤتمر من وجهة نظرك أن يحققها بعد ما قدمته من مداخلات، وما تلقيته من ملاحظات المعلمين والمشتغلين في المجال التربوي، كيف تجد رسالة المؤتمر؟
- رسالة المؤتمر بسيطة؛ وهي أن تعلّم اللغات في هذا العصر هو المدخل إلى التحديث المنشود وتطوير مجتمعاتنا، فلا يمكن أن توجد مجتمعا يمكن أن يتطور من دون تعليم متطور ومن دون معرفة وانفتاح على اللغات، هذا أمر ثابت، لكن علينا ألا نتوهم أن المؤتمر هو المرحلة الحاسمة التي ستحل هذه المشاكل وإنما هو محطة للتنبيه إلى ما ينبغي أن يكون وبداية التفكير فيما سيكون وكيف يمكن أن نجعله وهو ما يحتاج بطبيعة الحال إلى تعهد وتقييم مستمر.


صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3619 - السبت 04 أغسطس 2012م الموافق 16 رمضان 1433هـ 

lundi 13 août 2012

إمرأة بورقيبة


  

في ذكرى  13 أوت 1956

1
      أصبح المشهد النادر معروفا: الزعيم الحبيب بورقيبة ينزع على الملإ حجاب بعض النسوة وهن يبتسمن في حرج غير خاف. تبدو هذه الصورة المتداولة في الشبكات الاجتماعيّة شديدة البلاغة مفتوحة ،في ذلك الزمن ،بداية الاستقلال ، والآن أيضا ،على فتنة الحرّيّة وغوايتها.
   لم تكن الحركة التي أتاها "ّالمجاهد الأكبر" ناتجة عن ديناميكية اجتماعيّة ومدنيّة جعلت حرية المرأة مطلبا شعبيا عاجلا و لمــّا تمرّ على الاستقلال إلا بضعة أشهر.و لكنّها بما تضمنته من تجاوز للوقائع معبّرة عن حنوّ على المرأة وانتصار لقضاياها، دالّة ، في الان نفسه، على شوق عارم لتغيير البناء الاجتماعي.
  لقد كانت مسألة رمزيّة في مواجهة القراءة النصية الجامدة الموروثة.فالثابت أن رجال الدين التونسيين الذين تبنّوا الفكرة لم يجعلوا منها موضوعا للجدل النظري والفقهي المجدّد لأصول النظر في الواقع المتحوّل بل ربما كانوا يتبنون الموقف الذي ساد بقوة السلطة السياسية في ذلك الظرف الاستثنائي وفي غمرة الاحتفال بالكرامة الوطنية المستعادة تبنّـيّا محتشما نظرا إلى ضعف الحجج الدينيّة البورقيبية مقارنة بالحجج الفقهية المسنودة بممارسة امتدت قرونا فتجذّرت عميقا في النصوص والنفوس.
2
       لم تكن مجلّة الأحوال الشخصيّة إلا محاولة نجحت وأخفت وراءها محاولات أخرى مخفقة وإن كان  أفقها المساواة التامةّ بين الرجال والنساء.
    لقد استطاع الزعيم في ما يبدو الاستفادة من نفس شروط الاستبداد في الحضارة العربية الإسلامية ليصنع سياقا تاريخيا حديثا فعلا.فالحاكم المسلم المستبدّ يتكئ على الدين ويستغلّ جيش الفقهاء المستعدّين لتبرير كلّ شيء.  
      بسبب من غياب مثل هذا الإصلاح الدينيّ والفلسفيّ لم نعجب حين رأينا في نصف قرن من حياة مجلّة الأحوال الشخصيّة محاولات التيارات الدينيّة بتونس في بعض الفترات سواء مع ظهور حركة الاتجاه الإسلامي منتصف السبعينات وفي بداية الثمانينات وبعد  السابع من نوفمبر1987  و لسنا نعجب أيضا بعد الثورة من سعي بعض التيارات الإسلاميّة إلى مراجعة هذه المجلّة باسم الشريعة للعودة ولو رمزيّا إلى تعدد الزوجات والتخلّي عن التبنّي.
     واليوم في المجلس التأسيسيّ،بعد أكثر من نصف قرن، تعود الأطراف ذات المرجعيّة الدينيّة إلى الممانعة في تعريف حقوق المرأة بصفتها مواطنة وكيانا إنسانيّا قائما بذاته.و البديل عندها يرتكز على لعب بالألفاظ وبلاغة رثّة خطيرة تستبدل الحقّ في المواطنة بتعريف نسبيّ أساسه التكامل داخل الأسرة التي أصبحت ، وهذا اخطر، تعرّف على أنّها خليّة طبيعيّة.والغريب ان بعض النسوة يصوّتن ضدّ مصلحتهنّ وضدّ تيار التاريخ الجارف.فهل من اغتراب أشدّ اغترابا من هذا؟
      المشكلة هنا مرّة اخرى ثقافيّة بامتياز.
3
     لئن كمن ذكاء بورقيبة وجرأته في فرض دخول الإنسان التونسيّ المسلم في مدار الحداثة فإنّ ما تفعله الدول الإسلاميّة اليوم في مجال حقوق النساء إنما هو مزيد إهدار الوقت لمواجهة تغيير آت لا ريب فيه في حين أنّ بورقيبة ربح بضربة واحدة نصف قرن من الانتظار على الأقل.
       نعم، انتصر بورقيبة منذ نصف قرن في هذه المعركة الأساسيّة وباعتماد ذاك الأسلوب.ولكن الحاضر الإسلامي الحالي والراهن التونسيّ في هذه الفترة التأسيسيّة يتطلّبان استراتيجيّة أخرى تقوم على عكس التكتيك البورقيبي:الانطلاق من كونيّة المعايير الدوليّة وجوهر الحداثة ثم إعمال النظر في مرجعيتنا الثقافية الخصوصيّة اعتمادا على أنّ جوهر الإسلام تحرّر مطلق.
4
كلّ عام ونساؤنا التونسيّات الرائعات يرمزن إلى الحرّية لهنّ وللرجال وللمغتربات والمغتربين عن معايير العصر وعن روح التحرّر في القرآن العظيم.

lundi 6 août 2012

رمضان بورقيبة وأشباهه



1
    لم يكن بورقيبة كما يزعم منتقدوه وأعداؤه لائكيا أو معاديا للدين. إنّه مندرج في التقليد الثقافي التاريخي لقادة دول الإسلام في تعاملها مع المتن الدينيّ أكثر من تأثره بمنطق أتاتورك أو اليعاقبة الفرنسيين. فقد وظّف الدين في شؤون الحياة جميعا ليبرّر اختياراته الاجتماعيّة في شأن المرأة والأسرة بأقيسة اجتهاديّة وتأويلات للنصّ مقدّما نفسه مجتهدا في الإسلام مستلهما شعار الفقهاء " هم رجال ونحن رجال" بحسب اختلاف النوازل والأزمان.
    قد يروق هذا لمن يبحث عن فهم حديث تنويري لديننا ولكنه رهان خاسر ولا ريب لأنه يتضمن خلطا مرفوضا بين الفعل السياسيّ و ممارسة الاجتهاد الدينيّ .
  ولا تبرير لما أقدم عليه الزعيم إلاّ نظرته الأبويّة لمجتمع منهار يحمل إرثا من التخلف والانحطاط وبقايا الاستعمار و يرزح تحت كلكل البطالة والفقر والمرض والجوع والجهل والعادات البالية التي يتوهم انها من صلب الدين.
2
    لقد انتدب بورقيبة نفسه لتعليم شعبه فكان يلقى عليه عبر المذياع محاضراته في مدرسة المدنيّة الحديثة: محاضرات تتراوح بين مقاومة التخلف و شروط الهندام اللائق والطعام الصحيّ .
كان الزعيم يحلم بلد يشبه شعبا وقيما اجتماعيّة وأخلاقيّة سويسرا والدنمارك والسويد.
   وفي هذا السياق جاءت دعوته لإفطار رمضان فكانت فضيحة مجلجلة تمسّ ركنا مكينا من أركان الدين المعلومة بالضرورة.
  كان ذلك في خطاب روتيني حول ضرورة بناء اقتصاد منهار وتشغيل مائة وخمسين ألف عاطل عن العمل في مجتمع يعدّ أربعة ملايين ساكن: مائة وخمسون ألف عامل ليشقّوا الطرقات ويستصلحوا الأراضي.إنّه مشروع العمل في الحظائر مقابل مائتي مليم يوميا أي ما يعادل رطلين من اللحم.
   فعرّج الزعيم في الخامس من فيفري سنة 1960 ، قبل رمضان بأسابيع ثلاثة،على ما يشهده الاقتصاد خلال الشهر الفضيل من انهيار للإنتاج تتذرّع له العامة بمشقة الصيام.
3
    يشغّل السياسيّ الذي يلبس لبوس الإمام آليّات التأويل.والمقصد هو أن ينهض المؤمن بالأمة لتقوى على اعدائها: الفقر والتخلّف وبقايا الاستعمار.فلم يتبق إلاّالتبرير الدينيّ:ألم يأمر الرسول أصحابه عند فتح مكة بالإفطار آمرا المترددين منهم " أفطروا لتقووا على عدوّكم"؟.
فدعا الزعيم شعبه، قياسا وتمثيلا ، إلى الإفطار إعلاءً للجهاد في سبيل التقدم ودحر الفقر والخصاصة على صيام رمضان. وخلاصة رأيه واضحة صريحة : "إن ديننا دين فروض قائمة على العقل والمنطق (…) ولكن ما يتعارض منها مع ضرورة الحياة وما تقتضيه الحياة والكفاح من أجل الحياة فإنّها تسقط بطبيعتها ويصبح المسلم في حلّ منها" .
     وبقطع النظر عن صواب القياس وصحة الاجتهاد فقد ظلّت حاجة المؤمنين إلى نمط الجهاد الذي أمرهم به الدين  أقوى من حاجتهم إلى نوع الجهاد الذي دعاهم إليه الزعيم السياسي في براغماتية مقيتة لا ترى الإنسان إلاّ آلة منتجة مفرغة من الرموز.فربّما زيّنت حماسة التحديث وضغوط الواقع الاقتصادي الصعب لبورقيبة أن المساس بالعقائد يسير يسر تغيير المعاملات وسائر نواحي الاجتماع الإنسانيّ.
   نعم يحقّ له ولغيره الاجتهاد في شؤون الدين والدنيا ولكن الثابت انه لا يحق لأي كان خصوصا للسلطان أن يفرض اجتهاده على المؤمنين ولا على غير المؤمنين ولا يحقّ له التدخّل في ما ارتضوه ،تقليدا او اقتناعا، من روابط بينهم وبين خالقهم.
هذا درس رمضان للسياسيين المنتصبين أئمّة للناس رقباء على ضمائر الخلق وما أكثرهم اليوم وإن باسم الدفاع عن الإسلام  والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


mardi 31 juillet 2012

أناشيد رمضان ..تجديد الروح




-1-
   أصوات تعمّر الذاكرة ، ذاكرتنا الفرديّة والجماعيّة، قد نسمعها متى شئنا ولكنّ وقعها وإيقاعها في رمضان بعض سرّ هذا الشهر وتجربته الروحيّة الفاتنة.
   أصوات تملأ النفس خشوعا ورهبة : صوت المنشد الدينيّ يبتهل للخالق المبدع أو يدعو الواحد الأحد ،صوت بشريّ يصدح رقيقا لطيفا في تضرّعه قويّا جهوريّا في تساميه علّه يصل يبلغ السماوات العلى.
    وبصمة رمضان التي لا تمحي من الأذن تلك الرعشة الحنون في صوت الشيخ على البرّاق وهو يدعو إلى حفل الإفطار مؤذنا بغروب شمس اليوم.فلا رمضان عندي دون أذان الشيخ البرّاق.
   رمضان الأصوات حافل بهيّ شأنه شأن رمضان الروائح ومباهج العين ، وأطاييب الروح و فاكهة المعنى.
-2-
   رمضان في الإذاعات والفضائيّات شهر أيضا للمدائح النبويّة والابتهالات الدينيّة والإنشاد الذي يسبّح للملكوت ويدعو إلى قيم الإسلام وعبادة الرحمان الرحيم.
 ولا شكّ أنّ لهذا اللون من الفنّ الدينيّ تاريخا يعرفه أهل العلم بالموسيقى والمقامات والأصوات. وله أصول وقواعد تشكّلت عبر العصور وجوّدتها أجمل الأصوات العربيّة وطوّرها كبار الملحّنين والموسيقيّين. ولهذا النوع من الفنون الدينيّة خصائص وميزات ندركها حدسا وعلمها عند المختصّين والعارفين.
 ولكنّنا نحبّ ان نتحدّث عن جانب منها فحسب لافتٍ نحسب أنّنا في حاجة إلى نقده والتفكير فيه.ونقصد تلك القصائد التي يبتهل بها وتلك القطع الشعريّة التي تلحّن فتجلو الأصوات الجهوريّة معانيها.فالحقّ أنّ ما ينتهي إلى مسامعنا في رمضان وغير رمضان من غناء دينيّ بمختلف أنماطه كلماته من صنف النظم الذي يكرّر المألوف ولا يبتكر الجديد.فكأنك، لشدّة تشابهه، تسمع نصّا واحدا طويلا يجزأ إلى مقاطع في كل مرّة يغنّى منه مقطع.إنّه أشبه بما سبق لك سماعه لولا حسن هذا الصوت أو ذاك.
  ولا تثريب في الأمر لو لم تخرج الموسيقى العربيّة من قالب التكرار الطربيّ لتغامر في مفاوز الهرمونيا والتعدّد الصوتيّ.
ولا عيب في استرجاع المعاني المتداولة لو لم يخض الشعر العربي منذ ما يناهز القرن تجارب عدّة لتجديد مسالك القول وتحديث الأساليب على نحو يعبّر عمّا يعتمل في نفس الإنسان العربيّ المعاصر.

-3-
   كيف يمكن للشعر الذي يقول تجربتنا الروحيّة الفرديّة والجماعيّة ويخاطب بعدَ المقدّس فينا أن يظلّ مشدودا لطرق القدماء في القول ومنهجهم في استنباط المعاني؟
   ألا يجدر بشعرائنا ان يقولوا المقدّس ، يستلهمونه أو يطرزون على حواشيه روحانيتهم العميقة، بلغة عصرنا وعلى مقتضى أوجاع الروح وأشواقها اليوم؟
   لمَ نسمع الدين والروحانيّات بآذان الأسلاف وهم رجال ، في عصرهم ، تفاعلوا ، في عصرهم ، مع المتن الديني وجها من التفاعل، ونحن رجال  ونساء يدعونا عصرنا ، كما دعاهم ، إلى أن نحلّق بأجنحتنا الخاصّة في سماء الروح وينتظر منا اهل زماننا ان نحاور الّلغة المعجزة وما تحمله من شوق إلهيّ بلغة تساير ما في قلوب المؤمنين اليوم ..في الآن والحال التاريخيّين.
    مسافة تحتاج إلى مقايضة، إنّها المسافة القائمة بين الذاكرة التي نستعيدها استعادة تكرار قد نحنّ إليه وبين الذاكرة التي نبتكرها لنقول بها وجودنا النفسيّ ورمزيّتنا الحديثة ومغامرتنا الروحيّة.   
    

vendredi 27 juillet 2012

روح الجمهوريّة



  
-1-
تحلّ الذكرى والنخب عندنا في معمعان الأسئلة الحارقة والبحث عن التوازنات الهشّة أو الصلبة والتساؤل عن الجامع الثقافيّ بين المواطنين  الأحرار. عيد للجمهوريّة توّج منذ المجلس التأسيسيّ الأوّل مسار التحديث غير القابل للنكوص وإن شهد تعرّجات وتقلبات وأزمات.
   عيد للجمهوريّة ...يعود ولكن أبما مضى أم لأمر فيه تجديد.فالسياق جديد حقا والحلم أكبر إلاّ انّ ثقافتنا كمن يراوح مكانه منذ نصف قرن.مازلنا نسأل عن الهوية كما لو أننا ، جميعا ، أتينا من المرّيخ ، مازلنا لم نخرج من الثنائيّات القاتلة التي نعيشها متأزمين بين وهم الأصول التي لا أصل لها إلاّ في المتخيّل ومعنى التاريخ الذي يحثّ الخطى نحو الآتي القابع في ممكنات الواقع.
     ماذا نريد من جمهوريّتنا ولا وجه باديا للتراجع عنها ؟ماذا نريد من مجلسنا التأسيسيّ ليكرّس قيم الجمهوريّة الثانية كما يحلو للبعض أن يقول؟ ولكن متى استوفينا ممكنات الجمهوريّة الأولى أم هي الرغبة في القطع مع الماضي أقوى من مبدإ الواقع؟
-2-
  حين تشكّل المجلس التأسيسيّ الأوّل كانت النيّة معقودة على إنشاء ملكيّة مقيّدة بدستور.كان ذاك هو السقف المحدّد سلفا. غير ان المجلس ،وهو سيّد نفسه و حاكم بأمره مطلق يستند إلى الإرادة الشعبيّة، قلب الملكيّة إلى جمهوريّة بإرادة النخب قبل إرادة الشعب.
   فلا معنى حينئذ للاتكاء على الجموع والعدد والكثرة للانقلاب على الجمهوريّة وقيمها وعلى مدنيّة الدولة باعتبارها الصيغة الوحيدة الممكنة تاريخيّا ، دون تردّد أو تأويل أو استغفال ، للتوافق مع المعايير الدوليّة في صياغة العقود السياسيّة.
   يحقّ لعشاق الشقشقة اللفظيّة أن يتخاصموا في شأن اللائكيّة والعلمانيّة ،العلمانية الجزئيّة أو الشاملة، ولهم أن يعودوا إلى ما شاؤوا من النماذج السياسيّة عبر التاريخ ولهم أن يختاروا مرجعيّاتهم وأصول نظرهم.فلا مشاحة في الاصطلاح وإن جاز النقاش في المفاهيم ومضامين المصطلحات .
-3-
الثابت أنّ الجمهورية والديمقراطيّة لا تنبنيان إلاّ على ما هو بشريّ يعترف ببشريّته ولا تستند إلى أمر أعلى من إرادة الشعب: هذا هو الدرس الأول البسيط في المواصفات الدوليّة للأنظمة السياسيّة.وعلى الحالمين بغير هذا أن يخرجوا من اللعبة أصلا لأنّهم سيكونون في موقع من يمارس كرة القدم على مقتضى قواعد كرة اليد وأصولها.
   ولا معنى للإرادة الشعبيّة دون قيم الجمهوريّة:قيم المساواة أمام القانون وعدم التمييز مطلقا وقيمة الحريّة في التفكير والتعبير والاعتقاد وكل هذا مدنيّ في أصله وفصله.
    ولا معنى للجمهوريّة إذا لم تكن نسيجا ثقافيّا جامعا ومنظومة قيميّة مشتركة بين المواطنين الذين خرجوا من منزلة الرعايا ، عن وعي حاد بهذه القيم يعضّون عليها بالنواجذ ويعملون بهدي منها ويلتزمون بها ويذكّر بها بعضهم البعض.
ليس المهم ما سيوضع في الدستور الجديد على معنى انّه سيكون ولا شكّ تعبيرا مكثّفا عن قيم الحريّة والكرامة والعدالة والتضامن .فالرهان الأكبر اليوم في ثقافتنا السياسيّة والاجتماعيّة دائر على تجديد مفهوم المواطنة وصيغها وصورها و أشكال المشاركة وتجسيمها ،الرهان الأكبر دائر على إنشاء جمهوريّة ثانية تجعل المواطن أصل الفعل السياسيّ العام وعماد المدينة الجديدة.
وهل لنا ولإخوتنا في الوطن من اختيار غير هذا؟
 
 

mardi 17 juillet 2012

الوسطيّة و مدرسة الدولة




1
من أعاجيب ثورتنا المباركة ،كما أصبح يقال في اللّغة الخشبيّة الجديدة ،أنّها على عكس منطوق اللفظ وفحواه ثورة يتنادى الجميع فيها بالوسطيّة إلاّ من رحم ربّك في الكلام.
  فالثورة الحقّ ، في الثقافة الكونيّة إلغاء جذريّ للنظام القائم واستبداله بنظام جديد لا رجعة فيه. ولكنّنا نشهد هرولة في اتجاه مغاير لما يقتضيه هذا المفهوم من جذريّة وغلوّ وأخذ للكتاب ، كتاب الثورة، بقوّة.نشهد هرولة نحو الوسط.كلّهم أصبحوا وسطيّين فلا يمين ولا يسار ممدوحين.
   ولئن كان الوسط في الثقافة السياسيّة الحديثة ،منذ الثورة  الفرنسيّة ،بحثا عن الاعتدال بين اليمين واليسار  بعيدا عن التوجهات الراديكاليّة للثوريّين فإنّ الانزلاق التاريخيّ للتصوّر الوسطيّ جعله رديفا للتوافق والإجماع والمصلحة العامة والاعتدال. نعم وراء ذلك شيء من المثاليّة التي لا تريد ان تعترف بنفسها.
2
من استعارة فضائيّة وزّع المجال السياسيّ بها إلى وسط ويمين ويسار إلى الانجرار إلى ذمّ اليمين المحافظ وتقبيح اليسار الجذريّ ومدح الوسط المعتدل:رحلة للمفهوم تداخلت فيها الفضاءات بان أصبح لليمين وسطه ويساره ولليسار أقصاه ووسطه وللوسط كذلك نصيبه.ولكن الوسط ظلّ واسطة العقد ، في الإدراك العام، وواسطة العقد محلّ اللؤلؤة النفيسة العزيزة كما تقول المعاجم.
فبأيّ آلاء الوسطيّة تكذّبون؟
  إنّنا نشهد في ثقافتنا السياسيّة ما بعد الثورة انزلاقا آخر للمصطلح ودلالته بعد أن أخرجته الترجمة من جهة والتلاعب الإيديولوجيّ من جهة اخرى من معناه السياسيّ الحديث لتحمله على غير محامله الأصليّة.
فاستعمال مصطلح الوسطيّة في بلادنا اليوم جعله مرادفا لأجود ما في العقائد والأعمال والسلوكات والأخلاق.بحكم الدلاليّة القرآنيّة الواردة في الآية 143 من سورة البقرة " وكذلك جعلناكم أمّة وسطا".وعليها بنيت معاني العدل والعدالة والاعتدال والحقّ والخير وجميع القيم السمحاء السامية.
هي مثل عليا  أوسع من ان يحتويها نظام سياسيّ بعينه لأنّ الأحزاب ، مهما كانت " نظافتها" و" طهارتها" أضيق من أن تجسّدها.
إنّها مغازلة مفضوحة لذاكرة الكلمات أكثر من كونها تعبيرا عن واقع فكري او سياسيّ.طهارة مزعومة  يكشفها دنس السياسة اليوميّ.
3
لا ريب أن الناس أشدّ اطمئنانا لما يبعد عن الغلوّ والتطرّف وأنّهم يفضّلون عيش الثورة خبرا لا عيانا وقد يغالون في اللفظ ولكنهم لا يحبّون المغالاة في المعنى. فمما استقرّ في وجدانهم الثقافي العام أنّ خير الأمور أوسطها.
ولكن حين نرى نداء الوسطيّة يعلو على كلّ نداء ونسمع صوت الاعتدال غالبا  كلّ صوت حتّى ممن هو يمين يريد أ ن يبحث لنفسه عن يسار متطرّف أو يمين متطرّف ينتصب بينهما وسطا ، حينها يحقّ لنا ان نتساءل :أيوجد وسط حقّا؟
ألا يصبح كلّ حزب ، في دنيا السلطان عندنا كما هو الشأن عند غيرنا،وسطيّا بالضرورة ليوفّق بين الأطراف يمينا ويسارا على ما بينها من اختلاف وتعدد في الإيديولوجيا والسياسة؟
حينها الا يكون الخطاب الوسطيّ مجرّد تمرين أسلوبيّ وتجربة في التعبير تفرضها المدرسة ...مدرسة الدولة؟