dimanche 19 février 2012

رسالة إلى طالبتي التي تزوّجت عرفيّا


رسالة إلى طالبتي التي تزوّجت عرفيّا

منّوبة في 13 فيفري 2012
 تحيّة طيبة
    أكتب إليك بعد أن قرأت في إحدى الصحف السيارة حديثا نسب إليك ونسبك لكلّيّة الآداب بمنوبة.و من المرجّح أنّني لم أدرّسك ولكن اسمحي لي أن أعتبرك من طالباتي مادمت مسؤولا عنك جامعيّا ولو من الناحية الإداريّة والأكاديميّة على الأقلّ.
   لا أدري إن كان عليّ أن أهنئك بزواجك عرفيّا من زميل لك بقسم الفرنسيّة وإن لم أكن راضيا  عن هذه الصيغة من صيغ الارتباط بيد أنّك تعلّمت ولا شكّ في دروس الفلسفة بالمعهد  معنى الحرّيّة في الاختيار وتحمّل المسؤوليّة في ما تقدمين عليه بخيره وشرّه.وفي الحالات جميعا لم أكتب إليك لألومك أو لأدينك أو لأتهمك أو لأنتصب واعظا بليدا بل لأفضي إليك ببعض ما عنّ لي من خواطر وأنا أقرأ تبريرك لما أقدمت عليه داعيا لك بالسعادة والهناء والتوازن النفسيّ والتمتع بمباهج الحياة فعلى الأرض حقّا ما يستحقّ الحياة كما قال الشاعر.فلا تبتئسي لما تسمعين من الناس متديّنين وغير متديّنين من نقد وانتقاد وقلّة تفهّم لدوافعك وإن كان منهم مخاطبك في هذه الرسالة.لقد اخترت سبيلا أخرى غير السبيل المسطورة فلا تضيعي على الأقلّ القصد الذي قصدت والهدف الذي رسمت.
ابنتي العزيزة،
   قرأت عنك أنّك أقدمت على الزواج عرفيّا لتلبية حاجتك الجنسيّة وما تشعرين به نحو صديقك ابتعادا منك عن المعاصي والمحظورات والمحرّمات والعلاقات غير المشروعة دينيّا.وفسّرت اختيارك لهذه الصيغة في الارتباط تفسيرا اقتصاديّا على اعتباره أنّه زواج لا يتطلّب إنفاقا ولا ولائم ولا غيرها من المصاريف التي أصبحت ثقيلة عليك وعلى أبناء جيلك كما كانت،والحقّ يقال، ثقيلة على الأجيال التي سبقتكم.
   أودّ بدءا أن أعبّر لك عن تفهّمي لك عميق التفهّم وربّما فهمت منك شيئا غير الذي قصدت.فقد صدمت بموقفك هذا مجتمعا ونخبا توهّمت أنّها مطمئنّة بفضل منظومة حقوقيّة متطوّرة على حقوق المرأة والأسرة لذلك اندهش أهل الحداثة والفكر اليساري وأحفاد الزعيم الخالد الحبيب بورقيبة من هذه الحلول كما انزعج الذين يتبعون السراط السنيّ المالكيّ القويم  ممّا أقدمت عليه فهم لا يذهبون إلى ما يذهب إليه أهل الملل والنحل والمذاهب الأخرى من شيعة وسلفيّة طلعت لهم من الفضائيّات كالعفاريت ولا رادّ لها عندهم.
    لذلك وجّهت إليك سهام النقد باسم القانون.فقد خالفت ما تنصّ عليه مجلّة الأحوال الشخصيّة من منع للزواج بغير الصيغة الرسميّة.ووجّهت إليك سهام النقد باسم المدافعين عن حقوق المرأة لأنّ ما أقدمت عليه يسقط عمليّا حقوقا لك، قد لا تعرفينها أو لا تتصوّرين أهميّتها عندك في قادم الأيام، كالنفقة والاعتراف بالأبناء وحقّك في الإرث ولو لم يكن تناصفا وغير ذلك من الحقوق التي كفلها لك القانون التونسيّ. ووجّهت إليك أيضا من جهة ثالثة ضروب من النقد باسم الإسلام الذي يوجب عند من نقدك إشهار الزواج وإلا اعتبر دعارة مقنّعة.
    أعرف أنّ الأمر ثقيل عليك لكثرة السهام من كلّ صوب ولكنني متأكّد من أنّك ستواصلين مغامرتك عنادا نفهمه ممّن هم في سنّك من جهة وتعبيرا ، من جهة أخرى، عن طاقة فيك كامنة على الاحتجاج والإصرار على الدفاع عن النفس رأينا صورة منها يوم تمسكّت بالدراسة وإجراء الامتحانات دون التخلّي على النقاب.
   ولا أخفي عليك أنّك في وضعيّة صعبة أرجو لك أن تجدي لها بذكائك مخرجا.فللصدام مع المجتمع والدولة ثمن باهظ لا أتمنّاه لك.فاحذري مثل هذا الصدام ولا تعوّلي كثيرا على نقابك الذي تخفين به وجهك عن المجتمع.فالدولة تزيل الحجب والأنقبة جميعا متى شاءت ومتى لزم الأمر. ولا يغرّنّك ما يدور في الوسط الضيّق الذي وجدت نفسك فيه لأنّه وسط مقطوع عن الواقع يعيش ما عاشته عبر التاريخ المجموعات المغلقة التي لا تزيدها قلّة مريديها إلاّ توهما للقوّة والحقّ وهي أوهى من بيوت العنكبوت.ولا يذهبنّ في وهمك أنني أخيفك أو أهدّدك بالدولة وقوّتها فأنا معك يهمني أمرك لأسباب سأفصلها في ما سيأتي ولست ممن يدعوك إلى ما لا ترغبين فيه.
ابنتي العزيزة،
   أصدقك القول أنّك ، بقطع النظر عن النقد الذي وجه إليك ولأمثالك، قد طرحت عليّ شخصيّا وعلى النخب التونسيّة وعلى المجتمع سؤالا خطيرا مهمّا لم يجد له من نقدك إلاّ ردودا جاهزة أعترف لك أنّها تعبّر عن خوف منك أكثر ممّا تعبّر عن تفهّم وسعي إلى إيجاد الجواب الذي يريحك ويريح من يفكّر بأسلوبك.
    لقد قلت لنا بلغة متلعثمة وإن بدت واضحة وبخطاب مأزوم وإن بدا واثقا من نفسه: "كيف تريدونني أن أوفّق بين شهوة الجسد والغريزة التي ركّبها اللّه فيّ وحقّي في المتعة الجنسيّة وبين أحكامكم عن الزنا وتجريمه وركام المحرّمات الدنيّة والقانونيّة ونفاق المجتمع المهووس بالجنس ، المتسربل بالتقوى الكاذبة ؟".
   وأصدقك القول مرّة أخرى أنّك على حقّ.وأحب أن أصارحك بأنّك بسؤالك هذا قد أدخلت عليّ بعض السرور ومزيد الشعور بالفخر ببنات تونس الرائعات وأنت منهنّ.
     فربّما فاتك أنّ مثل هذه الجرأة في طرح مسألة متعة المرأة الجنسيّة، وهي مما أقرّه الإسلام للمرأة على ما أعلم دون غيره من الأديان،لا يمكنها أن تصدر إلاّ من بنت من بنات المدرسة التونسيّة التي علّمت المرأة التونسيّة ففاقت نسبة الطالبات في التعليم العالي نسبة زملائها الذكور وتجاوزتهم في النتائج الممتازة ونسب النجاح الدراسيّ.فصوتك الذي اعتبره بعض المبكوتين المهووسين برائحة الأنثى عورة صوت قويّ حديث رغم الإهاب الدينيّ الذي يغلّفه.
    وهو صوت نشاز في العالم الإسلاميّ الذي يقمع المرأة ويسكتها خوفا من جرأتها ومن فتنة قولها لا من جسدها وأنوثتها فحسب.إنّه جبن الرجل الضعيف المتحكّم بالترهيب والتخويف في رقاب النساء وليس حرصه على الدين وتعاليمه.فأنت يا بنيّتي وإن كنت منتقبة أو متحجّبة ممّن وضعت فيه مدرسو تونس الحديثة من الجرأة والعقل النقديّ ما لا يستطيع إنس أو جنّي أن يخرجه من قلبك.فعظّي على دينك بالنواجذ كما تعظّين ، من حيث تشعرين أو لا تشعرين، على حداثتك الأصيلة بالنواجذ أيضا وإن كره الكارهون.
    وربّما فاتك أيضا ، وهو أمر أجد لك فيه الأعذار كلّها لعيب فينا نحن أساتذتك لا فيك، أنّك ابنة كلّيّة الآداب بمنّوبة.وهي كلّيّة من مفاخر منظومة التعليم العالي ببلادنا رغم كلّ ما يكال لها من اتهامات بعضها صحيح و كثيرها كاذب. وهذه الكليّة كما تعرفين يتوسّطها نصب سمّاه مجلسها العلميّ منذ سنوات " مشكاة الأنوار" فجمعوا بذلك بين عنوان كتاب للعقل الجبّار الذي مثّله حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي وبين الإيحاء المقصود إلى العقل النقديّ الحديث الذي أنتجه عصر الأنوار الغربيّ.فكنت ، وأنت ابنة قسم الفرنسيّة بكلّيّة الآداب ، جامعة بين النورين:نور الدين الموافق للفطرة ونور العقل في أقوى تجلّياته رغم السواد الذي تلتحفين.ولكن لا يعرف المرء بلباسه ولا يدلّ اللباس على حقيقة المرء على ما هو شائع قولا وعيانا. 
     لقد فاتك الأمران معا ولكن لم يفتك أن تعبّري بلغة تبدو للغافل المتسرّع لغة الظلام عن سؤال من أسئلة الأنوار التي تخرج من مشكاة النفس اّلإنسانيّة المتشوّقة للحياة والمتعة وطيّبات ما رزقنا الخالق المبدع.لذلك أنا فخور بك، يا بنيّتي، وإن خالفتُ ما اخترت لك من سبل في اللباس والزواج وما استقرّ عندك من فهم للدين والشريعة.
   والحقّ أنّ من ينقدك اليوم لم يقدّم لك إجابات شافية عن سؤالك.فما فعلت لا يرقى إلى الأخطار التي يمثّلها الاغتصاب والتحرّش الجنسيّ والمتاجرة بأجساد النساء واستغلالهنّ جنسيّا بل لا يبلغ صورا من العلاقات الجنسيّة المريعة كزواج المحارم و ما ينتج عنه من أبناء والاعتداء الشنيع على الأطفال والقاصرين والقاصرات بل الاتصال الجنسيّ، نساء ورجالا، بالحيوانات الأليفة في بعض أريافنا التونسيّة بالخصوص.واسألوا القضاة ومراكز الشرطة والحرس والأطباء إن كنتم لا تصدّقون.
     وهي ظواهر لا تعود كما يريد الأتقياء، من السلفيّين وغير السلفيّين، إيهامنا بذلك إلى خروج المرأة إلى الحياة الاجتماعيّة ولا إلى تدهور الأخلاق. ففي كتب الفقه، يوم كان الفقهاء يعرفون مجتمعاتهم ويعملون على حلّ مشاكلها، وفي كتب الأدب شعرا ونثرا أدلّة وشواهد أخبار ونوادر تبرز أنّ الأمر لا يتّصل بحجب المرأة في البيت.
   ولا تنزعجي يا بنيّتي فأنا ، وإن اختلفت معك في ما ذكرته لك ، أشهد أن ما فعلته شبيه ، بما يسمّيه بعض من نقدك بما نعرفه في بلادنا أمس واليوم من علاقات تسمّى حرّة ومعاشرة زوجيّة دون عقد وخيانات زوجيّة أساسها تعدّد العلاقات الجنسيّة وغير هذا من الظواهر.وهو شائع منتشر عندنا وعند غيرنا من المجتمعات الإسلاميّة التي لا تجرأ على أن تنظر إلى واقعها مدّعية التديّن وتحكيم الشريعة.وهو شائع أيضا لدى الجميع بقطع النظر عن انتماءاتهم الإيديولوجيّة والفكريّة دينيّها ولائكيّها ولا فرق إلاّ في التبرير الذي يستند أحيانا إلى آيات غير بيّنات من ماركس وفرويد وإيريك فروم وغيرهم أو إلى فتاوى بائسة يطلقها من نصبوا أنفسهم علماء بالدين يبحثون عن ختان البنات و الزواج بالرضيع و إرضاع الكبير وغيرها من المسائل التافهة الخطيرة ليكشفوا عن أمراضهم الجنسيّة وهوسهم بالجسد الذي يدعون إلى قمعه وحجبه.
طالبتي العزيزة،
     ما يخفيه كلامك وما لا نريد أن نعترف به هو أنّنا مجتمعات مكبوتة مهووسة بالجنس ولكن ثقافة التحريم والخوف والتستّر على المعاصي تمنعها من أن ترى نفسها في المرآة.إنّها مجتمعات تعيش بؤسا جنسيّا معمّما وتدّعي في الآن نفسه طهرانيّة كاذبة باسم الدين فلا تجد لها من مخرج إلا مخالفة تعاليم الدين في السرّ لقوّة الغريزة التي لا تعرف لها تصريفا وفق المجاري السائدة أو استمرار الكبت وما يحمله معه من عذاب صامت وألم عميق ووجع ممضّ.
    لهذا يا بنيّتي لا أدينك ولا أقسو عليك بقدر قسوتي على من  يزعمون أنهم رعاة القيم والدين وحماة القانون ومصالح المجتمع.فقد كفّوا منذ أمد بعيد عن الإصغاء إليكم وإلى الناس  وأصبحوا يدعونكم إلى ما استنبطته عقول الأسلاف وأودعوه كتبهم ناسين أنّهم كانوا رجالا وهم اليوم ينبغي أن يكونوا رجالا يجدّدون القول الدينيّ على ما تقتضيه أسئلتكم.بل لعلّهم يحتاجون إلى أن يفكّروا بما تشعر به المرأة التي تطالب باسم الإسلام نفسه بحقوقها التي منحها لها الخالق بما في ذلك الحقّ في الجسد والتصرّف فيه والحقّ في المتعة شأنها شأن الرجل لتخرج من منزلة الوعاء الذي يفرغ فيه فقهاء الكبت سموم هلوساتهم.فلئن لم تبرز عندنا فقيهات فإنّ قراءة الدين من وجهة نظر المرأة المقموعة أمر ممكن ولا جدال.
    و الواقع يا بنيّتي أنّ الإجابات الموجودة عن سؤالك هي بضاعة قديمة تكتفي بتذكيرك وأخواتك بالتعفّف والإكثار من الصلاة وغضّ البصر والتحذير من الزنا والمعاصي والتهديد بالنار وبئس المصير.
     ولا يذهبنّ في وهمك أنّ الزواج العرفيّ حلّ كما قد توهمت.نعم قد يحلّ جانبا من مشكلتك الجنسيّة ولو ظرفيّا ولكنه يا بنيّتي صيغة في الارتباط تدلّ على أنانيّة الرجل وانتهازيّته وجبنه.فهو لا يرتضي هذه الصيغة لأخته أو ابنته ولا يريد أن يتحمّل مسؤوليّته والإيفاء بالتزاماته الأخلاقيّة بإزائك ( أن يسكن إليك دون نيّة الانفصال مسبقا احتراما لذاتك وكرامتك الإنسانيّة لا استجابة لشهواته الجنسيّة) والاجتماعيّة ( أن يحمي حقوقك عند الإنجاب والميراث وحقوق طفلك ومكانتك الاجتماعيّة باعتبارك امرأة قد تشتهي الأمومة يوما من الأيام) والاقتصاديّة ( أن يكون قادرا على التعاون معك في التغلّب على مصاعب الحياة وما تتطلّبه ماديّا إن لم نتحدّث عن القوامة التي يعرفها في الكتب ويباهي بها ولكنه لا يتحمّل تبعاتها).
   لقد بذلت يا بنيّتي من حيث لا تشعرين جسدك لمن لا يحترم ذاتك وكرامتك ولا يراك إلاّ جسدا يفرغ فيه كبته مع تفصّ من جميع الالتزامات باسم تصوّر عن الدين لا يرى أبعد من حلّ مشكلته الجنسيّة على حسابك.
ابنتي العزيزة،
 اعرف أن لغة المنع والتحريم والتجريم والعقاب والتهديد في خطاب السياسة وخطاب الدين لم تعد تنفع مع جيلكم، جيل الثورة.ورجائي أن يتفطّن رجال الدين عندنا من أهل السنة المالكيّة بالخصوص إلى ذلك ليشرعوا في التخفّف من القوالب الجاهزة الموروثة ويفكروا في قضاياكم بلغة جديدة أقرب إلى الحياة التي تنشدون : حياة الحرّيّة والتفتّح العقليّ والفكر والجسدي والجنسيّ في إطار المساواة بين المواطنين المؤمنين وغير المؤمنين مهما كان جنسهم عند الولادة مع الرفق أكثر ببناتنا اللاتي يحملن تاريخا مرعبا من الاضطهاد الجنسيّ والنظرة الدونيّة وإيجاد الحلول المبرّرة دينيّا على حسابهنّ.فأنا، يا بنيّتي، ممّن يعتقدون أنّ لرجال الدين دورا ،شأنهم شأن مختلف الفاعلين الاجتماعيّين ، في إيجاد الحلول لمشاكل الناس وبالخصوص لشبابنا المتديّن على نحو يجمع بين الدين والدنيا جمعا لا يغلّب الدين ليخسر أبناؤنا الدنيا ولا يجعل دنياهم تسير على غير هدى.
    وفي انتظار ذلك اعترف لك أنني لا أملك لسؤالك جوابا وإن كنت أحدس حدسا أنّ الأمور لا يمكن أن تكون على ما اخترت ففي ما اخترت من الشرور الممكنة لكينونتك وكرامتك أكثر من الخير الذي تتوقّعين  أو المنفعة التي تبحثين عنها.ورغم ذلك أكرّر لك أنني أتفهمّك و أتعاطف معك فأنت ضحيّة مجتمع مكبوت منافق ولست جلاّدا يريد أن يحطّم منظومة الحداثة التونسيّة على ما قد يبدو من ردود فعل ناقديك.
      سلاما يا بنيّتي لنفسك التواقة المريدة.
        
    

jeudi 2 février 2012

الجامعة والسياسة



مثل الرجل الذي أراد أن يغيظ زوجته
( صدر في العدد الثاني من مجلّة " أكاديميا " ، فيفري ، 2012)

  

  يروي طه حسين في سيرته الذاتية أنّ طلبة الجامعة المصريّة  
    الفتيّة أضربوا في بداية القرن الماضي بسبب إعلان إيطاليا
    الحرب على تركيا وغزوها لطرابلس. وكان صاحب الدرس
     المستشرق الإيطالي كارل نيلّينو فقال لطلبته "مثلكم مثل 
     الذي أراد أن يغيظ إمرأته فخصى نفسه".



    وحتى لا نبالغ في الانحياز لموقف قد يبدو للبعض قائما، في سياقه المخصوص، على حميّة قوميّة من نيلينو، وقد يبدو للبعض الآخر، خارج سياقه، أقرب إلى الوعظ والإرشاد منه إلى التفهّم الواقعي للجامعة في علاقتها بالمواقف السياسيّة فإنّ تاريخنا وتواريخ غيرنا تشهد على دور الطلبة ومؤسساتهم الجامعية في الاحتجاج السياسي ومقاومة الظلم والاستبداد والدفاع عن الحقوق. فلم تكن الجامعة ،عندنا وعند غيرنا، بمعزل عن السياسة.

غير أنّ الوجه الآخر من العملة أنّ الجامعة وجدت نفسها في بعض الفترات رهينة صراعات بين تيارات سياسية تخوض معاركها في ساحاتها. وهو أمر لا يمكن فصله عن انزلاق دولة الاستقلال إلى نظام قوامه هيمنة الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة منذ بداية الستينات وصياغته لمجتمع يقوم على ما سمّي بالحزب الدولة. فنتج عن ذلك، شيئا فشيئا،خنق المجتمع السياسي باحتكار الفضاء العام ومنع المجتمع المدني من التنظّم للتعبير عن شواغله. وما الأزمة الطويلة التي عاشها، وما يزال، الاتحاد العام لطلبة تونس منذ ، وما المنع ىالذي تعرّض إليه الاتحاد العام التونسي للطلبة إلاّ شاهدان من شواهد هذه السياسة المستبدّة.
ولذلك كان الجامعيّون، قبل الرابع عشر من جانفي، يتفهّمون اتخاذ بعض التيارات السياسية اليسارية والقومية والإسلامية لساحات الجامعات متنفّسا للتعبير السياسي ويغضّون الطرف أحيانا عن تجاوزات غير مقبولة لأنّ مهمّتهم الجامعيّة تقتضي منهم ترشيد النضال الطلابي ومرافقة تلك الطاقات الهائلة التي تنطوي عليها النّخب الطلاّبية.
لقد كانت ساحات المؤسسات الجامعيّة الكبرى ببلادنا مشاتل لتخريج الخطباء الذين نرى اليوم عددًا منهم في الأحزاب السياسية الناشئة بعد الثورة ونرى عددًا آخر من الاتجاهات جميعا يساهمون في المشهد الإعلامي والسياسي ويشرفون على بعض هياكل الدولة فيمدّونها بالخبرة السياسية اللاّزمة لتسيير دواليبها، ونرى فريقا ثالثا في المجلس التأسيسي بأغلبيّته ومعارضته. وهذا شرف للجامعة يعتزّ به الجامعيّون بمختلف أجيالهم.

فقد كانت آليّات المرافقة والمساندة والتوجيه والترشيد بواسطة الحوار والإقناع أساس التعامل بين النّخبة الجامعيّة أساتذة وطلبة. وساهمت هذه الآليّات في أغلب الأحيان في رسم قواعد للتعايش داخل الحرم الجامعي. وهي قواعد مثلت حصيلة الأزمات التي عاشتها الجامعة التونسية منذ أواخر الستينات إلى اليوم. وأوّلها التوازن بين الحق في الاحتجاج بالأشكال القانونية المتاحة وبين الحقّ في الدراسة لمن يرفض الإضراب أو الاعتصام أو غيرهما من أشكال الاحتجاج وثانيها التخلّي عن العنف بين الفرقاء السياسيين والنقابيين والتمسّك بأصول العمل والحوار السياسيين بعيدا عن الثّلب والتّجريح والتّهجّم على الأشخاص. فالطالب المناضل نقابيا وسياسيا يحتاج إلى أخلاقيات للنضال احتراما للفضاء الجامعي، أوّلا وقبل كلّ شيء، وإبراز الطابع النوعي لتحرّكاته باعتباره من النخبة.
أما القاعدة الثالثة فهي الامتناع عن المرض الطّفولي للعمل النقابي الذي ظهر في بداية النضال النّقابي في جميع بلدان العالم وهو تهشيم ممتلكات المؤسّسة وتجهيزاتها.

وتشهد التجربة أنّه لم يكن من المتيسّر دائما الالتزام بهذا الخطّ الأحمر أو ذاك. لأنّ مرتادي الجامعة الذين يشكّلون المجموعات النقابية والسياسية متعدّدة مشاربهم ويختلفون في تكوينهم الفكري ولا يمتلكون دائما الحسّ النقابي السليم والوعي السياسي الكافي والأسس النظرية المناسبة. فقد عرفت الجامعة أجيالا مختلفة وتيارات متعدّدة تنبت أحيانا كالفطر وتنقسم داخلها إلى مجموعات بطريقة سرطانية تتحمّل الجامعة في نهاية المطاف انعكاساتها.
ولكن ّالناظر ولو بسرعة ودون إلمام مدقّق بالتيارات السياسية منذ سبعينات القرن الماضي، دون أن يكون بالضرورة من المؤرّخين أو المعايشين لهذه التيارات، يلاحظ بيسر أنّنا نشهد، منذ أربعين عاما، في كلّ عقد تقريبا، ظهور مجموعات متطرّفة ،من اليمين واليسار على حدّ السّواء، تحمل أفكارا جديدة غريبة وتتبنّى سلوكات في التعبير عن آرائها لا تخلو من حدّة وعنف. وفي كلّ مرّة نكتشف بعض الحقائق المرّة التي أصبحت بمثابة المبادئ في فهم ما يعتمل في الجامعة من تيارات.
فإذا وجدت شقّا متطرّفا فاسأل عمّن يقف وراءه خارج الحرم الجامعي. وإذا سألت وجدت أجندا غير جامعيّة لمواجهة النظام القائم يتّخذ أصحابها ساحة الجامعة ملجأ بسبب انسداد آفاق العمل السياسي في الفضاء العمومي أو لعجز جذريّ عن العمل الشعبيّ أو لاكتساح الفضاء الجامعي بعد اكتساح مواقع أخرى في المجتمع. فرهان بعض المجموعات السياسية على الجامعة هو رهان لفرض إرادتها وتصوّراتها على مؤسسة تضمّ شبانا يحملون طاقة هائلة على الفعل ويتميّزون بقدرة أكبر على التأثّر بحكم المرحلة النفسية والفكرية التي يعيشونها. هذا إذا لم نلق بالاً لمناورات النّظام السّياسي والأمني القائم واندساس عناصر منه داخل المجموعات المغلقة.

ولا أريد في هذا السياق التذكير بالصّدامات العنيفة بين مجموعات طلاّبية وطلبة الحزب الحاكم بعهديه ولا بتعطيل الدروس لفترات طويلة ولا بإلغاء بعض دورات الامتحان ولا بالمعارك الدامية بين الطلبة أنفسهم ولا بالتدخّل العنيف لقوى الأمن ولا باحتجاز بعض العمداء والمديرين ولا بالاعتداء على أساتذة ولا باستعمال الهياكل النقابيّة والمصلّيات في المؤسسات الجامعية لأغراض حزبيّة وسياسية ولا بالاعتصامات ولا بمن ذهب ضحيّة العنف البوليسيّ والعنف بين الطلبة المنتمين لتيارات سياسية مختلفة ولا بمن حرموا من الدراسة بالتجنيد أو الطرد أو السّجن ولا بمن قتلوا ولا بمن دمّروا مستقبلهم العلمي والاجتماعي جرّاء أفكار لا أظنّهم مازالوا يؤمنون بها اليوم.
إنّ التّداخل البغيض بين السّياسة والعمل النّقابيّ في الجامعة آلية جهنّمية تدمّر الأفراد وتقضي على أحلامهم وتعطّل المؤسسات الجامعيّة عن أداء مهامّها في التكوين والبحث وتوفير النخب اللاّزمة للبلاد. ولكنّها في الحالات جميعا، وهذا هو الدرس المهمّ، ليس فيها نفع لا قليل ولا كثير، للأحزاب والمجموعات السياسية التي تقف وراءها. فمنطق العمل السّياسي بما فيه من شهوة إلى السلطة وقدرة على الفعل الاجتماعي والسّياسي يرتبط بالفضاء العامّ وبالمجتمع السّياسيّ والمدنيّ وليس بمؤسّسة إنتاج المعرفة وتداولها وتجديدها. فلا نعرف في التّاريخ حزبا وصل إلى السّلطة عن طريق الضّغط السّياسي من خلال ذراعه الطلاّبيّة أو عن طريق الهيمنة على الجامعة أساتذة وطلبة. فَلْتَكُفَّ المجموعات السّياسية عن السّذاجة في فهم السّياسة ولِتُغَيِّرْ ما بنفسها بدل التشبّث بأضغاث الأحلام.

إنّ هشاشة الجامعة، باعتبارها مفتوحة للجميع دون استثناء في المبدإ، طبقيا أو جنسيا أو سياسيا أو نقابيّا، هو، وياللمفارقة، مصدر قوّتها. فهي مؤسسات تخدم المجتمع كلّه، بما في ذلك، الأحزاب من خلال مدّها بالنّخب الفكريّة والعلميّة والتقنيّة.
ومن وجوه القوّة في الجامعة، ويحسبها البعض ضعفا، أنّها تقبل جميع الإيديولوجيات والأفكار والآراء والمذاهب والمعتقدات والتّصوّرات، بما في ذلك الغريبة والشاذّة، ولكنّها تلتزم بمواصفات في تناولها تناولا تحدّده المراسم العلميّة التي اتّفقت عليها المجموعة العلميّة الدوليّة وتضبطه التقاليد الجامعيّة.
وكلّ من يطمع في فرض تصوّراته على العلم الحديث فاشل ولا جدال، فشلَ الستالينيّة في فرض تصوّرات للعلم وصفت بالماركسية أو فشل بعض الفرق الدينيّة الإسلاميّة ماضيا وحاضرا في فرض رؤيتها للتاريخ أو للنّصوص الدينيّة وحتى لبعض المسائل التي حسمها العلم الحديث.
فإلى أين نريد أن نذهب بجامعتنا في سياقنا السّياسي الجديد ؟
إنّ الجامعة في لفظها ومعناها رابط يجمع ولا يفرّق وهي في لفظها الأعجميّ تتّصل بالمفاهيم والقيم والمناهج الكونية والكلّية لذلك فما نطالب به الجامعيّين قبل السّياسيّين وطلبتنا بمختلف نزعاتهم ومشاربهم قبل قياداتهم السّياسيّة هو التمسّك بالميثاق الضّمنيّ الذي تقوم عليه الجامعة مهما كانت الظروف والقوى المتدخّلة الآن وهنا.
فرهانات الجامعة ليست سياسية حزبيّة ولكنّها ذات طابع كونيّ في سوق للتعليم العالي مفتوحة وأمام تطوّر سريع مذهل للمعرفة.
وليعلم أهل السياسة عندنا أنّ كلّ تدخّل في الشّأن الجامعي بالتحرّكات الاحتجاجية المختلفة إنّما هو تقليص من قدرة مؤسّساتنا على مواكبة المستجدّات اليومية. فتأخّرنا الحاصل عن قطار المعرفة الحديثة كبير ولم يعد لنا الوقت لمزيد إضاعة الجهود في حلّ مشاكل لا يد للجامعيين طلبة وأساتذة فيها.

لقد تفهّمنا في الجامعة ظروف الاستبداد التي حرمت الجميع من حقوقهم وتمكّنّا من أن نحافظ في الحرم الجامعي على هامش للحرّية والاستقلاليّة النسبيّة رغم كلّ الضغوطات. لذلك وجد طلبتنا فيه ملجأ حين صودر الفضاء العام.ولكننا بعد الثورة لا نجد من المقبول ولا من المعقول أن تكون جامعتنا، جامعة الجميع، ميدانا لمعركة مهما كانت مفرداتها بين الفرقاء السياسيين والإيديولوجيين. إنّها تتّسع للجميع ولكن بشروطها لا بشروط هذا الطرف السياسي أو ذاك التوجّه الإيديولوجيّ وشروط الجامعة بسيطة هيّنة: الحرّيات الأكاديميّة والتقاليد الجامعيّة.
غير أنّنا لا نريد العودة إلى منطق التّصحّر الفكري والفقر السّياسيّ ومنع العمل النّقابي والجمعياتي والمدني بالجامعة على ما شهدنا في العقود السّابقة. لذلك نحن ندعو طلبتنا إلى أن يكونوا ضميرنا الحيّ باستنباط وسائل للنضال والاحتجاج السلميّ دفاعا عن حقوقهم وتحسينا لوضعيتهم ومعالجة مشاكلهم المادية والبيداغوجية وما أكثرها!، والتعبير عن مواقفهم وآرائهم الفكرية والإيديولوجية والسياسيّة في الفضاء الجامعي. لهم أن يتنظّموا نقابيا كما يشاؤون وأمامهم فرص عديدة لبعث جمعيات ونوادٍ فاعلة ناجعة يخدمون بها مجتمعهم وجامعتهم ويطوّرون فيها حسّهم المدنيّ.
كيف يمكن أن يدافع طلبتنا عن حقوقهم دون إيقاف للدّرس وتعطيل للمؤسسة ؟ هذا هو السؤال.
كيف يمكن أن ينتظم طلبتنا سياسيّا وأن يمارسوا ما هم به مقتنعون إيديولوجيا دون أن تصبح الجامعة رهينة لهذا الفريق السياسي أو لذاك التيار الإيديولوجي؟ هذا هو السّؤال.
والإجابة عنه، لا تكون في تقديرنا، إلاّ بعقد جامعيّ تلتزم به الأطراف الجامعيّة والسّياسية. ولكنّه عقد لا يحتاج إلى أن يكون مكتوبا لأنّه الأصل في الجامعة وتستمدّه من التقاليد. فلا ننسى أننا أخذنا مفهوم الجامعة من الغرب ولسنا في حاجة إلى إعادة ابتكار العجلة كما يقول الفرنجة ولا نريد لبعضنا قليل الرّأي فكريّا ،ضيّق الأفق سياسيّا أن يفعل ما فعله الرجل الذي أراد أن يغيظ امرأته فخصى نفسه على ما روى نيلينو لطلبة الجامعة المصريّة.

dimanche 8 janvier 2012

افتتاحيّة العدد الأوّل من مجلّة " أكاديميا "



يصدر العدد الأول من مجلّة أكاديميا بعد سنة من الحركيّة الهائلة التي أنشأتها ثورة التونسيين في الرابع عشر من جانفي2011. فلتكن مجلّة جامعة منّوبة هذه ،على سبيل الاعتراف لشباب تونس الرائع ومنه شبابنا الطالبي. ولتكن أيضا هديتنا لشبابنا الذي تحرّر وحرّرنا جميعا ليفتح لنا آفاقا رحبة للعمل والقول والتفكير والتعبير.
لقد رأينا شباب مؤسّساتنا الجامعيّة في ذاك الصباح الفاتن أمام وزارة الداخليّة يهتف برحيل الطاغية ويردّد، بحماس الثائرين وإصرار الأحرار، النشيد الوطنيّ.وبعضهم كان قد غادر السجون قبل أيّام من ذاك اليوم الاستثنائيّ بعد أن دفع ضريبة الاحتجاج على القهر والحيف والاعتراض على الفساد والاستبداد. وقد كنّا نجد التهم واهية : نشاط نقابيّ دافعوا به عن زميلاتهم وحقهنّ في السكن الجامعيّ، والتعبير عن رأي سياسيّ اتخذوا ساحات المؤسّسة الجامعيّة فضاء للاصداع به بعد انّ غلّقت أمامهم المنافذ إلى الفضاءات العموميّة ومنعوا من حقّ التنظّم السياسيّ والمدنيّ.
ولكنّ فورة الثورة كانت تعتمل عميقا وكانت تيّاراتها التحتيّة تتكثّف : من رفع الصوت عاليا ضدّ زيارة شارون إلى بلادنا إلى أحداث الحوض المنجميّ التي شارك فيها طلبتنا فحوكم بعضهم وسجن منهم من سجن مع النقابيّين والناشطين السياسيّين. وقبل هذا وذاك، كانت الحركة الطلاّبيّة وأبناؤها أبرز المدافعين عن حقّ التونسيّين في التعليم والتنظيم والتعبير واستقلاليّة المنظمات عن الآلة الجهنّميّة، آلة الحزب-الدولة.
إنّهم أبناء هذه الحركة بنضالاتها ورمزيتها وبتجاوزاتها وحماستها. لذلك يستحقّون منّا هذا الفضاء الإعلاميّ للتعبير عن قضاياهم وشواغلهم وأحلامهم وطموحاتهم وإبداعهم وإنتاجهم.
لقد كانت الجامعة التونسيّة، منذ تأسيسها، وما تزال، من أبرز عناوين التحرير والتنوير والتجديد والتحديث في بلادنا.ومهما يكن تقييمنا لما يفوق الخمسين عاما من نشأتها فالتاريخ يؤكّد انّها كانت مصعدا اجتماعيّا لأبناء الطبقات الكادحة والفئات الفقيرة في المدن والأرياف. وهو يثبت، ولا ريب، أنّها صنعت، بفضل أجيال من أساتذتها المخلصين،نخبا ممتازة وكفاءات عليا هي رصيد الذكاء التونسي وزهرة دولة الاستقلال وتضحيات التونسيّين جميعا.
ويثبت التاريخ أيضا أن الجامعة التونسيّة أدّت وظائفها الأساسيّة بتركيز التفكير العلميّ الحديث ونقل المعارف الجديدة والاسهام في تطوير ما تيسّر تطويره منها وتكوين إطارات تربويّة وعلميّة رفيعة المستوى.
وعلى الرغم من محاولات التخريب المنهجيّ للجامعة واحتقار المستبدّ الجاهل للعلماء والجامعيين والمبدعين والمثقفين عموما فإنّ المعين لم ينضب وحافظت الجامعة، بفضل نخبها المستقلّة فكريّا والمخلصة للقيم والتقاليد الجامعيّة وبفضل نقابيّيها النوعيّين وطلبتها المتميّزين المجتهدين، على المقوّمات الأساسيّة لمؤسّسات البحث والتعليم العالي.
وليس من باب الصدفة أن تكون أوّل قطاع، في تقديرنا، يحقّق انتقاله الديمقراطيّ في ظرف وجيز لم يتجاوز الأشهر الخمسة. فأصبحت هياكله العلميّة والبيداغوجيّة في المؤسّسات والجامعات منتخبة. ولكنّنا مازلنا للأسف ننتظر فتح ملفّ التمثيل الطلاّبيّ في فصله النقابيّ أساسا. وأملنا معقود على شبابنا الطالبي الذي برهن على حسّ مدنيّ رفيع وإحساس بالمواطنة خصوصا في الأزمات القليلة التي عرفتها الجامعة بعيد الثورة وفي مفتتح هذه السنة الأكاديميّة الجارية.
نرجو أن تكون الجامعة قد استعادت الأمل وإن لم تفقد ثقتها في قدراتها الكثيرة الغزيرة، حتى في أحلك الظروف. وما أكاديميا، مجلتكم الجديدة هذه، إلاّ حيّز للنقاش والحوار والتداول في الشأن الجامعيّ في انتظار تنفيذ جوانب أخرى من خطتنا الاتصاليّة ونقصد بالخصوص جريدتنا الإلكترونيّة وإذاعة "أكاديكمياأف.أم" وتلفزيون "أكاديكميا تي.في". فلا ننسى أن من حسن حظّنا في جامعة منّوبة وجود المعهد الوحيد الذي يدرّس الصحافة والاتصال ببلادنا.
فمطالعة مفيدة للجميع في انتظار بهجة الأذن عند الإنصات إلى إذاعتنا ومتعة العين عند مشاهدة تلفزتنا.

mercredi 9 novembre 2011

رسالة مفتوحة إلى السيّدات والسادة نواب حزب حركة النهضة بالمجلس الوطني التأسيسي





السيدات والسادة النوّاب الأفاضل،
  أتقدّم إليكم بخالص التهنئة على الثقة التي وضعها فيكم الناخبون التونسيّون و في الحزب الذي رشّحكم.و لا يسعني إلاّ أن أرجو لكم دورا فاعلا في صياغة دستور جديد يقطع دابر الاستبداد والفساد ويؤسّس لدولة مدنيّة.
   ويطيب لي أن أحدّثكم بخطابي هذا ، وأنا لا أعرف منكم معرفة شخصيّة إلا واحدا أو اثنين ،بعد ما لاحظت ، كما لاحظتم ولا ريب، ما عاشته نخبنا قبل الحملة الانتخابيّة وبعدها من تجاذب خطير حول مسائل كبرى ذات طابع حضاريّ مهمّ ولكنّها للأسف أضحت أداة للاستقطاب السياسي والانشقاق الثقافي بدل أن تكون محلّ نقاش معمّق يرمي إلى معالجة مستقبليّة لا إلى التناول السياسيّ الظرفيّ.
   ولا مراء في أنّ حصول قائمات حزب النهضة على ما يناهز التسعين مقعدا من مقاعد المجلس الوطنيّ التأسيسيّ لهو حدث هام سيؤثّر ، أيّما تأثير، في المشهد السياسيّ والثقافيّ التونسيّ.
   ولئن كنت تاركا الوجه السياسيّ من المسألة لأصحابه، لريبة متأصّلة فيّ من السياسيّين والأحزاب ولرغبة عن الخوض في " السياسة الصغرى " بحساباتها ومنطقها، فإنّني ، من موقعي باحثا جامعيّا في اللّغة العربيّة وآدابها ومثقفا يطمح إلى أن يدلي برأي في شؤون مدينته وأسئلة ثقافته وقضايا أمّته وحضارته، لحريص الحرص كلّه ،على الخوض في " السياسة الكبرى " وأقصد سياسة المعنى التاريخيّ والحضاريّ.فهي عندي خير وأبقى.ولهذا السبب أتوجّه إليكم اليوم بخطابي هذا.
   واسمحوا لي ، سادتي النوّاب، أن أذكّركم بأنّكم ، من حيث تشعرون أو لا تشعرون، جزء من النخبة التونسيّة التي يشهد التاريخ بأنّها تحمل في ذاكرتيها القريبة والبعيدة إرثا مدنيّا ثريّا يمثّل عندي استثناء تونسيّا أعتزّ به مثلما تعتزّون به على ما أقدّر. وهو إرث بدأ بإلغاء الرقّ ووضع وثيقة عهد الأمان وإحداث التعليم العصريّ ومرّ بتأسيس الجمهوريّة وقيمها وتكوين النقابات والعناية بالتعليم الحديث وتعميمه وتعليم البنات وطرح قضايا المرأة والأسرة وتطوير اللّغة العربيّة ولم ينته بمنع تعدّد الزوجات وتوحيد القضاء وتحديث الإدارة وتأسيس أول جمعيّة للدفاع عن حقوق الإنسان.ولولا الوقوع تحت نير دكتاتوريّة الزعيم الأوحد ثم دكتاتوريّة الجهل والعائلة المالكة الجشعة لكانت الطموحات أكثر وأغزر.وها قد منحكم التاريخ فرصة نادرة لتساهموا من موقعكم السياسيّ والفكري في إثراء رصيد رأس المال الرمزيّ التونسيّ فأرجو ألاّ تتركوا حسابات السياسة وضغوط الإيديولوجية وقيود الانضباط الحزبيّ تدفعكم إلى إهدارها.
    وفي جميع الحالات فإنّ لحزبكم ، حزب حركة النهضة ،دورا على ما أظنّ سيكتبه التاريخ إذا أراد هذا الحزب أن يكون مروره من المجلس الوطنيّ التأسيسيّ حدثا تاريخيّا عظيما لا مجرّد واقع فرضه سياق انتخابيّ لا يدوم. فالأيّام ، كما تعلمون، دول ولكنّ أسماء خير الدين والحدّاد والشابيّ والحاميّ وحشّاد وبورقيبة وغيرهم ،على ما بينهم من اختلافات ، ستظلّ رموزا ومراجع بسبب أفكارهم الجريئة والمعاني الكبرى التي دافعوا عنها ونمط التفكير الذي أرادوا به الحياة فاستجاب لهم القدر وقد كانوا قلّة قليلة لم ترض بالعيش بين الحفر رغم ما لاقوه من اضطهاد أو تهجّم باسم  الدين  أو الهوّيّة العربيّة الإسلاميّة أو ثوابت الشعب والأمّة وغير ذلك ممّا يستعمل ،عندنا وعند غيرنا عربا وغير عرب ومسلمين وغير مسلمين ،لمنع الأرواح الحالمة المبدعة من التحليق في سماء الحرّيّة .إنّه قمع الشعوب ونخبها المستشرفة باسم الشعوب و رموزها لتأبيد بؤسها وشقائها.
   واسمحوا لي أن أرى في حزبكم ، حزب حركة النهضة ، مقارنة بغيره من الأحزاب الإسلاميّة أو ذات المرجعيّة الإسلاميّة في العالم العربي على الأقلّ، نتاجا طبيعيّا لهذا الاستثناء التونسيّ رغم الإرث الإخواني الذي تنهض عليه وغيره من المؤثرات الملتبسة ورغم ما يشقّه من تيّارات وما يعتمل داخله من تردّد مأتاه العلاقة مع الأطراف الإسلاميّة الأخرى.ولكن ذلك لم يمنع النهضة من أن تقدّم نفسها على أنّها حزب مدني يدعو إلى دولة مدنيّة وديمقراطيّة تضمن الحرّيات الفرديّة والعامّة وتقبل بمجلّة الأحوال الشخصيّة و لا تدعو إلى تطبيق الحدود باسم الشريعة.إنّه خطاب مدنيّ سمعناه مشافهة وكتابة من بعض قيادات النهضة وإن سمعنا بعض ما يخالفه من قيادات أخرى كما سمعنا من إطارات أدنى في النهضة ومن قواعدها الخطابين معا بما يشي بوجود حركيّة سياسيّة وفكريّة يمكن أن تشفّ عن وعي سياسيّ منبن على خلفيّة عقائديّة جديدة إذا حسم أمر الجمع بين منطق الأحزاب ومنطق الجماعات والحركات الذي يتجلّى في تسمية الحزب نفسه.ولكنّنا نحكم بالظاهر والآتي كاشف لا محالة للسرائر الإيديولوجيّة والبواطن السياسيّة.
    ورغم ذلك فقد اطلعت على ملامح برنامج حزبكم الذي رشحكم.وهو برنامج لا يتضمّن ما قد يؤوّل على انّه مدخل إلى دولة دينيّة على النمط الاستبداديّ.غير أنّني لم أجد فيه ، والحقّ يقال ،ما قد يجعل مرور النهضة بالمجلس الوطنيّ التأسيسيّ إسهاما حقيقيّا في ترك بصمة لا تمّحي بعد ّأن ينفضّ المجلس.نعم ، قد لا تكونون في هذا وحدكم ولكن انطلاقكم من أرضيّة عقائديّة دينيّة يجعل ما تنتظره النخب من النهضة أعمق وأبعد شأوا وأقصد النخب التي تطرح، حتّى داخل حزبكم وفي ضواحيه الفكريّة القريبة، الأسئلة الجذريّة للحضارة العربيّة الإسلاميّة وتبحث عن سبل عودتها إلى مدار الفعل التاريخيّ والتفاعل مع خلاصة الذكاء البشريّ.ولكنّ الانضباط الحزبيّ والخوف على مشروعها الوليد والتعلّل بمدى مناسبة التوقيت يجعلها عازفة عن الجهر بما سأحدثكم به في هذه الرسالة.

السيدات والسادة النوّاب المحترمون،
    إنّني ممّن يعتقدون أنّ حزب حركة النهضة وممثّليه في المجلس الموقّر قادرون ، إن شاؤوا ،على فضّ إشكالين خطيرين من إشكالات واقعنا الحضاري العربيّ الإسلاميّ اليوم.وهما إشكالان قد لا يكونان في الأهمّيّة العاجلة لمسائل مثل التشغيل وتحسين مستوى العيش ومعالجة التفاوت بين الجهات وتحريك دواليب الاقتصاد ولكنهما برمزيتهما وما قد يكشفانه من جرأة في التناول وقوّة في المعالجة سيتركان أثرا عميقا في الفكر الإسلاميّ وسيفتحان الباب مشرّعا لمصالحة "المسلم الحزين" مع إرثه وعصره وإنسانيّته التي يستعيد بها كونيّته وكونيّة القيم التي سيصنعها.وأقصد مسألتي علمانيّة الدولة والمساواة في الميراث.
    وليكن واضحا من البداية أنّني ممّن يعتقدون أنّ الممانعة بإزاء هاتين المسألتين باسم الإسلام أو الهوّيّة أو توقيت طرح الأمر أو الرأي العام أو غيرها من التعلاّت لن تنفع في المديين المتوسّط والبعيد.فالمسألتان ستحسمان بقوّة التاريخ المتسارع مثلما حسم التطوّر الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ تاريخيّا مسائل كانت تبدو من صلب الشريعة والدين كالعقوبات المهينة من قطع يد السارق ورجم الزاني والزانية أو كنظام الاسترقاق وأحكامه المنزّلة والمستنبطة فقهيّا.فليكن الأمر في مسألتي علمانيّة الدولة والإرث بوعينا بالتاريخ ومساراته وباجتهادنا وحسن نظرنا بدل أن يكون بقهر التاريخ العاصف وانتشار الوعي الحديث على هامش الضمير الدينيّ للمسلم المعاصر إن لم يكن ضدّه.
  حضرات النواب الكرام،
    لئن كانت علمانيّة الدولة ومسألة اللائكيّة بتجاربها المتنوعة أيسر تناولا لوجود الأنموذج التركيّ في فضائنا الإسلاميّ فإنّ مطالبة النهضة نفسها قبل خصومها بها والعمل على تضمينها في الدستور الجديد سيكون انقلابا جذريّا داخل المرجعيّة الإسلاميّة. فعلمانيّة الدولة التركيّة فرضها الزعيم أتاتورك بالقوّة ولكنّ علمانيّة الدولة التونسيّة إذا ثبتت ستخرج ، ولأوّل مرّة على ما نعلم ، من رحم المرجعيّة الدينيّة الإسلاميّة فتدعّم الاستثناء التونسيّ وتجعل الأنموذج التونسيّ أهمّ وستشجّع الحركات الإسلاميّة في العالمين العربيّ والإسلاميّ على التخلّص من الحكّام المستبدّين باسم الدين الإسلاميّ مثلما شجّعت الثورة التونسيّة شعوبا أخرى على التعبير عن حلمها بالحرّية والكرامة.وإنّي لأعرف من أبناء الحركة الإسلاميّة في تونس داخل النهضة وخارجها من يمتلك مفاتيح التأويل المناسب تأويلا ينشئ خطابا في اللاّئكيّة بمرجعيّة إسلاميّة تنويريّة.وفي بعض الاجتهادات المنتشرة لدى عدد من أتباع حزبكم ما يفسّر المسألة ويجد لها تخريجات موصلة للغرض سواء بتبني التمييز بين العلمانية الجزئيّة والعلمانيّة الشاملة أو بتأويل قرآنيّ لمدنيّة الدولة أو بالاحتفاظ بالمفهوم وتجنّب التعبيرات الواضحة والعزوف عن استعمال لفظي " اللائكيّة" و" العلمانيّة " واستبدالهما بلفظ " المدنيّة".فالمهم هو الصدق في أداء المفهوم والاقتناع به ثم إقناع الناس بأنّ الأمر  ليس على ما يصوّر للعامّة على انّه مناقض للدين.
   وعلى هذا قياس قضيّة الإرث.بل هي أهمّ لما لها من بعد رمزيّ دينيّا ومدنيّا.فقد اتهم الدين الإسلاميّ بأنّه معاد للمرأة وحقوقها اعتمادا على بعض الأحكام الواردة في القرآن الكريم كتعدّد الزوجات وضرب المرأة والإرث والممارسات الاجتماعيّة في عهود مختلفة من التاريخ الإسلاميّ كالحجاب والنقاب وختان البنات والحريم وملك اليمين.ولا فائدة من التذكير بأنّ الكثير ممّا قيل لم يأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخيّ لمسألة المرأة في المجتمعات العربيّة ولا في غيرها.ولكنّ الثابت أنّ غير المسلمين هم أوّل من بادر لأسباب تاريخيّة وحضاريّة بالدعوة إلى تحرير المرأة. وللأسف مازلنا إلى اليوم رغم زوال السياقات التاريخيّة التي كوّنت تلك الصورة عن المرأة المسلمة نرى آثار تلك السياقات البائدة تظلم المرأة في كثير من بلاد المسلمين.ولولا الاستثناء التونسيّ لما حازت المرأة التونسيّة الحقوق التي تعضّ عليها اليوم بالنواجذ وقبلتها النهضة ووعدت بعدم المساس بها.مع الإشارة إلى أنّنا كنّا على الأرجح سندرج هذا الأمر في رسالتنا المفتوحة هذه لو لم يتجرّأ بورقيبة وتعامل مع وضعيّة تعدّد الزوجات بمنطلقات دينيّة جامدة ووفق مقتضيات مراعاة السياسيّين للوعي السائد لدى الجمهور.
   ومن الناحية المدنيّة لا يخفى عليكم ، سادتي النوّاب أنّ مسألة المساواة بين الجنسين أضحت من معايير التنمية البشريّة وأنّ التوجهات الدوليّة ، رغم الواقع المرير للنساء في جلّ البلدان ،بما في ذلك بعض البلدان التي تتشدّق بحقوق الإنسان،سائرة إن عاجلا أو آجلا نحو مطلق المساواة بين النساء والرجال.
    ولمّا سمعنا من بعض قيادات النهضة وعودا بتدعيم حقوق المرأة التونسيّة و إثرائها فقد رأينا أن ندرج مسألة المساواة في الميراث ضمن رسالتنا هذه.ولا يحتجّ علينا كما قد قرأنا من أحد قياديّي النهضة بوجود نصّ صريح في مسألة الإرث. فالمعطّل من الأحكام التي فيها نصّ صريح غير قليل ولا أفهم لم يستثنى حكم الميراث منها. ولا يحتجّ علينا أيضا بأنّ نصّ الميراث يتيح صورا عديدة عند التطبيق يتساوى في ثلاثين منها الرجال والنساء في الميراث وترث المرأة في حالات عشر أكثر من الرجل وتنفرد في بعض الحالات الأخرى بالميراث دون الرجل ولا يفوق الذكر الأنثى في الإرث إلاّ في أرع حالات .فالمسألة لا تقاس بالذراع لأن الحكم الصريح نفسه غير مطبّق في العديد من أريافنا ومدننا لأسباب اجتماعيّة تتصل بمنزلة المر’ نفسها ومدى قدرتها على الدفاع عن نفسها والمطالبة بحقوقها مهما كانت منقوصة. لا يحتجّ علينا بهذا كلّه لأنّ قصدنا في رمزيّة ما نطلبه تدعيما للمساواة التامّة وتفاعلا إيجابيّا مع التوجّهات الكبرى في عالمنا اليوم وليس مجرّد رغبة في الدخول في جدل فقهيّ أو تحليل اجتماعيّ لأسباب عدم تطبيق الشريعة.فما يهمّنا أمر حضاريّ أكبر عندنا مردّه إلى السؤال التالي: أتدعونا أصول الفقه ومقاصد الشريعة و "روح التحرّر في القرآن " إلى أن نطوّع الواقع للنصّ أم إلى أن نطوّع النصوص بالنظر والتأويل الحسن إلى الواقع ونوازله و إلى السياقات وخصائصها؟ إلى متى يرفع الناس ، بفعل العادة والكسل والقراءة الحرفيّة وتعطيل آليّات إنتاج المعنى من النصّ، شعار الجاهليّة:"إنّا وجدنا آباءنا على هذا...."؟
   ولئن كان منع تعدّد الزوجات اجتهادا جريئا من الزعيم بورقيبة الذي اتهم باحتقار هوية الشعب والقفز على الواقع الاجتماعيّ فإنّ التسوية بين الرجال والنساء بما في ذلك  الإرث  وتضمينها في الدستور المقبل سيكون جرأة من النهضة ونخبها النيّرة تدعّم ولا جدال الاستثناء التونسيّ وتفتح أما نساء العالمين العربيّ والإسلاميّ آفاق الحريّة واسعة.

السيدات والسادة النوّاب الكرام،
    أعرف ، كما لمستم ولا شكّ ، أنّني أخاطبكم من غير موقعكم الفكريّ والفلسفيّ ولكنّني أعرف أنكم ، مثلي، على قدر من الإلمام بهذه المسائل إن لم يكن إلمامكم بها يفوق ما عندي.ومهما يكن تقبلكم لقولي هذا فثقوا أنني لا أحدّثكم من منطلق سياسيّ ضيّق لأنّني ممّن مازالوا يؤمنون بأنّ للتاريخ غائيّة غائمة عامّة هي الحرّيّة لجميع الناس فلا تهدروا هذه الفرصة التاريخيّة مهما بدت لكم المهمّتان عسيرتين.نعم ، أعرف أنّ حزبكم قد يخسر جمهورا  من " الحركة" ولكنّه سيربح أنصارا جددا فلا مناص لحزب يريد أن يدخل التاريخ من أن يكون في حجم اللّحظة التاريخيّة وأن يكون قادرا على فتح مسارات جديدة في الفكر والاجتماع.
فقد أراد شعبنا الحياة رغم إحكام الدكتاتور لقبضته فاستجاب القدر .وعلى نخبه اليوم ، ومنها أنتم ، أن تطلب ما يبدو مستحيلا بحساب الموروث الرمزيّ والفقهيّ والاجتماعيّ لتكون حياة شعبنا أجمل في الواقع وأرقى في مضمار المدنيّة وأرفع في درجات الفعل الحضاريّ الخلاّق.
  إنّ شعبنا صغير، بمقياس العدد، فقير ، بمقياس الخيرات ، ولكنّه برهن على أنّه عظيم بثورته السلميّة المدنيّة وغنيّ بذكاء نخبه الرائعة ، لو تأمّلنا وتخلّصنا من جلد الذات وصراع الديكة.وما أطلبه منكم إنّما هو الارتقاء إلى الطموحات الحضاريّة التي عبّر عنها شعبنا عفويّا فالتقطتها الشعوب الأخرى بغريزتها الثوريّة .ولا يتطلّب ذلك منكم إلاّ بعض  الاجتهاد حتّى تفتحوا السبيل ، إذا شئتم، أمام الشعوب العربيّة والمسلمة المقهورة باسم الدين كذبا وبهتانا وبفعل الاستبداد والفساد واقعا وعيانا.
    

dimanche 23 octobre 2011

الفرقاء في المجلس التأسيسيّ


 عن سؤال صحيفة المغرب:ماذا تنتظر من المجلس التأسيسي؟
كانت إجابتي مهذّبة تلمّح ولا تصرّح  

  

    لا أنتظر شيئا كثيرا من المجلس الموقّر.سيكون ما كان متوقعا:اختلافات وتجاذبات وصراعات تشفّ عن مأزق ثقافي وحضاري أعمق من لعبة السياسيين وحساباتهم ولكن لضيق الوقت وللحاجة إلى التوافق سنرى التنازلات والتوازنات الهشّة باسم " المصلحة العليا للوطن".
    سيكون ما كان متوقعا : تحالفات واختيارات وتوافقات لتقاسم كعكة الثورة بعد ان فقدت شحنتها الشعريّة الفاتنة. والمؤسف انّ سقف المطالب والوعود الانتخابيّة كان عاليا علوّ البؤس والحرمان والقهر غير أنّ الحلول الوسطيّة ستؤدّي إلى خيبة الأمل.
هل انا متخوّف ؟
     أبدا.فقد علّمنا التاريخ أنّ للدولة منطقها وأنّ سياسيينا ومثقفينا يثقون في هذا الكيان الوهميّ ( الدولة ) أكثر من ثقتهم في أنفسهم وأفكارهم.لذلك من المنتظر ، بعد اختيار سيادته في حلته الجديدة واختيار ورئيس الوزراء وحكومته السنيّة أن نشهد لأوّل مرّة في بلادنا وفي الفضاءين الحضاريين القريب والبعيد انبثاق السلطة المضادة مهما كان اللون الإيديولوجيّ والسياسي للأغلبيّة.
  سيكون ما كان منتظرا : "لا خوف بعد اليوم" وترجمته الواقعيّة لا سلطة بدون سلطة مضادّة.وهذا أهمّ مكسب للثورة وللمجلس التأسيسي ولما بعده.

vendredi 7 octobre 2011

أسطورة الشابّي: عودة إلى الشعريّ والسياسيّ




   

  1
 تعود ذكرى الشابي في هذه السنة الاستثنائيّة لترسّخ صورة استثنائيّة عنه شاعرا وطنيّا وثوريّا بعد أن مجّت الأسماع صفة الوطنيّة،لفرط الكذب الذي أصبحت تدلّ عليه، وبعد أن خال الناس أنّ لفظ الثورة،لشدّة استحكام الأنظمة الشموليّة في بلاد العرب أوطاني، قد دخل المهمل من ألفاظ المعاجم.
   تعود ذكرى أبي القاسم حاملة معها صدى بعيدا جدّا من بيت شعري له مفعول السحر سرعان ما امتزج بأصوت مبهرة مجلجلة تردّد صرخة الشعب وتجسّد معاني القصيدة على قارعة الطريق.
     وما الصدى كالصوت وما الخبر كالعيان.لحظة فاتنة تختزل ما كان وما هو كائن وما سوف يكون كأنّ الثورة تعيد من خلالها ما قالته ، في يوم غائم من أيام ألمانيا بعيد الحرب الأولى على لسان روزا لوكسمبورغ: "كنت وها أنذا وسأكون".صدقت النبوءة ،وستصدق كلّ حين، ما دامت رحى حرب الطبقات دائرة وجلّت الشعوب، وستظلّ أبدا بهيّة جليلة،  ما دام فيها عرق من الإرادة ينبض. 
  2
     هل كان الشابي أسطورة صنعتها المؤسّسة المدرسيّة والسياسيّة ؟ أهو رمز قدّ من حاجة مؤسّسة الأدب والهياكل الثقافيّة إلى رأس مال رمزيّ تتداوله وتنفقه في سوق الفنّ؟ هل كان الشابي كذبة سمجة لصناعة الوطنيّات البائسة حين لم يجد التونسيّون أدبا وطنيّا يفاخرون به؟
   أصغينا في أواخر سنة 2009 بكليّة الآداب والفنون والإنسانيّات إلى باحث شاب يتحدّث، في ندوة مخصصة للاحتفال بمائويّة الشابي، عن أسطورة الشابي شاعرا وطنيّا.والحاصل من حديثه أنّ الشابي لم يكن شاعرا متمرّدا أو شاعرا ثوريّا بل لم يكن شاعرا وطنيّا إذا قورن بمفدي زكريا الجزائري ، فقراءة "أغاني الحياة" لا تكشف عن شاعر يحمل مشروعا وطنيّا بما يسوّغ رفعه إلى مصاف الشاعر الوطنيّ.
  ولمزيد التشفّي ، قتلا للأب ( الشعريّ ) أوقلّة فهم للأدب، لم يتورّع الباحث الشاب عن الزعم أنّ الاحتفال بمائويّة الشابي في تلك السنة كان من باب المزحة أكثر منه من باب النشاط الشعري أو الفكري أو العلميّ مقارنة بمشروع الشاعر يانيس ريتسوس اليونانيّ الذي احتفل العالم سنة 2009  أيضا بمائويته.
  لقد اكتملت الدائرة عند باحثنا ذي الفكر النقديّ الوقاد أو هكذا شبّه له:لا وطنية حقّا في شعر الشابي عربيّا و عالميّا.إنّه أسطورة صنعتها السياسة ووظّفتها.والمعلوم أنّ ما قيل  ترديد لفكرة عن الشابي روّجها بعض من يعمل بمبدإ خالف تعرف ولكنّ باحثنا الشاب كان " شجاعا" في طرحها في ندوة علميّة وإن كان ما اعتبره بحثا في علاقة السياسي والشعري لا يستند إلى نظريّة نقديّة ولا يحتكم إلى منوال أو منهج مما تعتدّ به المؤسسات الأكاديميّة.
3
   هل كان الشابي أسطورة ؟
    يكذّب التاريخ الثقافي لتونس مزاعم الباحث الشاب وأضرابه.فلم يكن من باب الصدفة أن يلقي الشابي محاضرته عن "الخيال الشعريّ عند العرب" سنة 1929 بعد أن أصدر الثعالبي " تونس الشهيدة " سنة 1920 وكتب محمد الصالح مزالي كتب " تطوّر تونس الاقتصادي" في السنة نفسها وأصدر الحدّاد " العمال التونسيون وظهور الحركة النقابيّة" سنة 1927 ثم كتابه " إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" سنة 1930.
    إنّ نظم الأحداث التاريخيّة يكشف لنا أن الشابّي، ابن الجامع الأعظم، حين طرح سؤال اللّغة بمحمولها الرمزيّ والخيالي وهي تتوق إلى أن تقول تحوّلات العصر و أوجاع الإنسان التونسيّ وآماله لم يكن إلاّ صوتا قويّا ضمن أصوات ارتفعت لتعبّر عن المشروع الثقافي التونسيّ نذكر منها صوت الحدّاد ، ابن الجامع المعمور،الذي طرح سؤال المجتمع بوجهيه العمّال والمرأة وصوت الثعالبي الذي ألقى سؤال التحرّر الوطنيّ وصوت العلاّمة الإمام محمّد الطاهر بن عاشور الذي سعى منذ سنة 1910 إلى الإجابة عن سؤال تحديث التعليم الزيتوني وصوت محمّد الصالح مزالي الذي تناول سؤال شروط النهضة الاقتصاديّة.
    كان الزمن زمن الأسئلة الحارقة الجوهريّة عن الفكر والثقافة والمجتمع والاقتصاد والسياسة: أسئلة ملحّة قلقة صيغت بلغة بدت متجاوزة لعصرها أحيانا أو متخلّفة عنه ولكنّها لم تخرج البتّة كالنباتات الشيطانيّة من أدمغة أصحابها بما أنّ " الإنسانيّة لا تطرح على نفسها إلاّ الأسئلة التي تستطيع أن تجيب عليها"  كما قال كارل ماركس ذات تأمّل فلسفيّ.
  4
  إنّها أسئلة جيل عبّر بها عن حيرة أمّة تسعى وإن بتلعثم إلى صياغة مشروع تحرّرها الوطنيّ.وهو جيل مثّل خلاصة شوق إلى الحياة قويّ وضعت أسسه مؤسّسات ثقافيّة واجتماعيّة وسياسيّة سابقة عنه أو مزامنة له أبرزها الخلدونيّة التي تأسست سنة 1896 وجمعيّة قدماء الصادقيّة (1905) وحركة الشباب التونسيّ (1907) والحزب الحرّ الدستوريّ (1920) وجامعة عموم العملة التونسيّين مع محمّد علي الحامي (1924).
   تفاعلت الأسئلة والتقت الإرادات الجامحة في ضرب من الشوق إلى التحديث العميق والبحث عن سبل أخرى للعيش والإقامة في العالم.
5
هل كان الشابي أسطورة؟
لم يكن أبو القاسم بروحه القلقة وغريزته الشاعرة ونشدانه للحرية والانعتاق ونزعته إلى التمرّد والانشقاق إلاّ صورة من تحوّلات عميقة في النسق الثقافيّ السائد اتخذت فيه تلك النخبة النيّرة التي جمعت أبناء جامع الزيتونة المعمور إلى أبناء المدرسة الصادقيّة من الثقافة والفكر أداة لمقاومة الهيمنة الاستعماريّة وتغيير مجرى التاريخ وصياغة مكوّنات الهويّة ، عروبة وإسلاما، صياغة تقوى بها على مواجهة العصر.وربّما كان في هذا بعض ما يشرّع ترسيخ صورة الشابي شاعرا وطنيّا وبعض ما أتاح للتونسيّين أن يصنعوا منه رمزا لمشروعهم التحرّري وأن يُحِلُّوه في نفوسهم وضمائرهم محلاّ رفيعا وأن يُحَلُّوا نشيد ثورتهم ( نشيدهم الرسميّ بعد ذلك ) بذاك البيت البسيط العميق: إذا الشعب يوما أراد ...
6
لقد كان السياق الثقافيّ العام دالاّ على أنّ الشابيّ ، بمدوّنته ومشروعه التحديثيّ،كان ينبغي أن يوجد وفق منطق حتميّات التجديد والاندفاع العام نحو " النور العذب الجميل": نور الحرّيّة والفضاءات الرحبة التي طمحت إليها النخب التونسيّة بقدر ما طمح إليها الزعماء السياسيّون من الزعيم باش حانبة إلى الزعيم بورقيبة ورفاقه.
إذا صحّ هذا فإنّ خصوصيّة التجربة الفرديّة للشابيّ لا تنفصل عن السياق الثقافيّ العام لتكتسب من معنى التاريخ وشرعيّته معناها ومشروعيتها.
7
   لا تنبت الأفكار كالفطر ولكنها تترعرع في مؤسّسات ثقافيّة واجتماعيّة تحتضنها وتسندها لتكبر وتزكو.هذا الدرس الهيغليّ مازال صالحا إلى اليوم.لذلك كان الشابي كما كان الحدّاد والثعالبي حَمَلَة أسئلة تفترض وجودهم لأنّهم أبناء التاريخ وأصواته القويّة التي تحمل سرّه المكنون وتكشف عن فتنته المضمرة.
   ليكن قولنا مستندا إلى منطق غائيّ قابل للدحض والنقض ولكنّنا أمام ميتافيزيقا المعنى وقد تجسّد في الواقع وحلم الفكرة التي استحالت قوّة ماديّة حين تغلغلت في روح الشعب ونخبه.
8
ليس من باب المبالغة والتمجيد أن يزعم قارئ من القرّاء أنّ الشابي شاعر استثنائيّ في المتن الشعريّ التونسي والعربيّ على الأقلّ.وليس من باب الادّعاء والنرجسيّات الوطنيّة العقيمة أن يتحمّس بعضنا  فيدرج الشابي في سياق تصوّرات عالميّة حديثة عن الشعر.فلا ننسى أنّه  كان أحاديّ اللسان منقطعا عن منجزات الشعر العالميّ في عصره انقطاعا لا يكفي معه الاطلاع المحدود الذي وجده في الترجمات المكتوبة أو الشفويّة لدى صديقه الحليوي بالخصوص.غير انّ هذا الزيتونيّ الذي اطلع على ثقافة رثّة محنّطة تقليديّة كان صاحب "غريزة شاعرة" أصيلة مكّنته من تأليف عجيب بين طاقات الإبداع في اللّغة العربيّة وروح اللّغات الأخرى التي لا يتقنها لا قراءة ولا مشافهة مثلما ألّف سميّه الزيتونيّ الطاهر الحدّاد بين الموروث من منطق التشريع الفقهيّ والأصوليّ وما فتحته الحداثة الاقتصاديّة والاجتماعيّة من ممكنات تاريخيّة. وهذا بعض السرّ الذي لم يستوعبه بعض حداثيّينا الذين يرطنون بلغات أعجميّة كتبت بها الحداثة الغربيّة دون أن يستكنهوا سرّ العربيّة لغة وتقاليد ثقافيّة فقعدوا عن الوصول إلى التأليف الأصيل الخلاّق بين الثقافات المختلفة وتعدّد الأصوات في الإنسانيّة الحديثة.

   9
    ليس من باب التحقير أو التهجين أن نحكم بضعف المنجز الشعريّ لأبي القاسم سواء من حيث طريقة التعبير وبناء العالم التخييليّ أو من حيث أساليب القول .وليس من باب الاستنقاص وقلّة الإنصاف أن نرى في جلّ شعره تمارين أسلوبيّة متلعثمة تكرّر بعض القديم تكرارا سمجا فتقع دونه أو تسعى إلى أن تقول شيئا مختلفا فتخفق إخفاقا بيّنا.فالجيّد من قصائد الشابي لا يتجاوز في الديوان كلّه أصابع اليدين في أحسن الحالات مع تفاوت داخل القصيدة الجيّدة الواحدة.
10
من قلب هذه المفارقة الماثلة في "أغاني الحياة" وفي "الخيال الشعريّ عند العرب" تشكّلت أسطورة الشابيّ بالمعنى التهجينيّ الذي صوّره شجرة قليلة الثمار الزكيّة حجبت ، عند باحثنا الشاب وغيره، غابة الشعر التونسيّ.
 ومن قلب هذه المفارقة أيضا تشكّلت أسطورة الشابيّ بالمعنى التأسيسيّ الخلاّق الذي صوّره شاعرا وطنيّا ثوريّا استثنائيّا يلخّص توقا جارفا عارما إلى التحديث في الشعر والثقافة والحياة.
  وسرّ المفارقة هيّن بسيط لو ندريّ:إنّ الشابيّ من طبقة نادرة في طبقات الشعراء المحدثين عندنا وعند غيرنا وهي طبقة شعراء التجربة الذين يختلط عندهم جيّد الشعر بما دونه وتعجز الأساليب أحيانا وطرائق الكتابة عن قول ما في ضمائرهم المتلجلجة وخيالهم الجامح .فأفق التجربة عند الشابي وأضرابه من طبقته العالية هو كينونة الشعر التي لا تختصر في قصيدة تفرغ في قوالب لغويّة ولا تختصر في حزمة من النصوص الشعريّة يسمّيها الناشر أو الشاعر ديوانا .ولكنها تجربة تتأسّس على سؤال الإقامة الشعريّة في العالم .وهي تقتضي خوض تجربة على نحو جذريّ لا تكون معه النصوص المنجزة إلاّ أطلالا وآثارا باقية تشهد على أطياف غائمة من تلك التجربة دون أن تكون قادرة على قولها قولا بيّنا مفصّلا مدقّقا.فقد جعل الجهد والاجتهاد والمجاهدة للإجابة عن سؤال الكينونة بما هي إقامة أبا القاسم الشابيّ صاحبَ مشروع شعريّ منفتح بعيد المدى صنع في أعطافه عالما شعريّا فاتنا بلا ضفاف: هو أفق لا حدود وهو تعدّد واختلاف لا تنميط وتماثل.
11
هذه هي الطينة التي عجن منها الشابيّ وتلك هي الأنوار العذبة الجميلة التي تتجلّى في مرايا شعره.فما يتبقّى من روح الشابيّ إنّما هو فضاء رحب يوسّع آفاق القارئ ليدخل في لعبة مثيرة شيقة تتفتّح فيها العيون محدّقة في مرايا الحبر: كلّما أمعن القارئ فيها رأى وجهه ورأى مرآة مختلفة وراء المرآة تعكس إلى حدّ الدوار تجربة الشعر الجذريّة مهما تبدّلت شروط التاريخ ومراسم القراءة فتتفاعل الذات القارئة مع المقروء وتشارك الشاعر أوجاعه وهواجسه لتكتب الذات أوجاعها وهواجسها :تكتبها بالخيال وتكتبها بالجسد وتكتبها في الحديقة الفرديّة السرّيّة وتكتبها في الفضاء العام والشوارع حين يصبح الكلام الشعريّ يصنع التاريخ الجديد و يصوغ تباشير "الصباح الجديد" ليصلّي القارئ الواطن في هيكل الحرّيّة مهلّلا :" الشعب يريد ...." .
12
  هل كان الشابي أسطورة؟ نعم لأنّ شعره لحظة من اللّحظات التأسيسيّة للحداثة التونسيّة.
  هل كان الشابي رمزا وطنيّا؟ نعم فبشعره صنعت لحظة ثوريّة تاريخيّة فاتنة.
  هل كان الشابي شاعرا ثوريّا؟ نعم فقد كان واقعيّا فطلب المستحيل الذي أخرجه مخرج الممكن.
   لقد كان الشابيّ ببساطة هي من تحصيل الحاصل شاعرا وكفى.

     
         

   

vendredi 23 septembre 2011

الفيلسوف والسياسيّ والصكوك على بياض




1

  قال الفيلسوف عند ترشّحه على رأس قائمة من قائمات حزب النهضة :" ...إنّ حركة النهضة في تونس هي ذروة ما وصل إليه الفكر الإصلاحيّ في العالم الإسلامي"
2
 يقول صاحب الحاشية :"نتفهّم الاعتماد على بلاغة الغلو والمبالغة والإفراط في الخطاب  السياسيّ ، ونتفهّم ما تقتضيه الحملات الانتخابية من حماسة واندفاع وبحث عن معسول الكلام والوعود ولكننا لا نتفهّم التوقيع على صكوك بيضاء خصوصا إذا كان الموقع من أهل الفكر والفلسفة وكان الصكّ بيد أهل السياسة يتصرّفون فيه داخل سوق نقديّة لم تتشكّل بعد ويودعونه في مصارف منتصبة هنا وهناك لم تبرهن بعد عمليّا على شفافيّة في المعاملات وتقييد الحسابات."   
3
  يقول المؤرّخ الحزين : "سبق للتونسييّن ونخبهم المثقّفة والسياسيّة أن وقّعوا على صكّ أبيض سنة 1987 لشخص افتكّ بالغصب  مصرفا حديثا كان على حافة الإفلاس وكانت النتيجة اختلاسات ومحاباة وامتيازات للعائلة المالكة .وما انفك الفساد يستشري إلى أن بلغ سيل النهب الزبى .ولولا الزبائن الذين اطردوا صاحب المصرف وعصابته لما انتصبت المصارف الأخرى تتنافس في سوق المعاملات لبيع أوراق نقديّة قديمة أعيد طبعها على نحو ساهم في الرفع من نسب التضخّم بالبلاد."
4
   جاء في النشرة الاقتصاديّة "لقد تم تحرير السوق الماليّة التونسيّة  بتحرير الدينار التونسيّ ولم يعد البنك المركزيّ التونسيّ هو الوحيد المؤتمن على عمليات صرف العملة الأجنبيّة بيعا وشراء فخرجت  العملات الأجنبية المختلفة من السوق السوداء إلى العلن : عملات أوروبية ( فرنسيّة بالخصوص) وأمريكيّة وخليجيّة وتركيّة وأفغانيّة ومصريّة  إلخ .وهو ما يهدّد بأزمة ماليّة حادة قد تنتهي بالتخفيض مرّة اخرى من قيمة الدينار التونسيّ الذي كان سببا في تحرير بعض الأسواق الماليّة في العالم العربيّ ودخول بعضها الآخر في أزمات عنيفة حادّة."
5
  قال العالم بالصيرفة:" لا فرق بين البنوك الإسلاميّة والبنوك العادية المعروفة في بلادنا إلاّ في أسلوب التقييد المحاسبيّ أما الزبون والعميل فهو المتضرّر دائما بالربا الصريح أو بالربا الملفوف في أكياس من الأخلاق الحميدة المحكمة الربط بخيوط من الدين".
6
قال صاحب الحاشية وصديقه المؤرّخ الحزين:"لقد أثبت ربيع العرب وأثر الفراشات التي تزيّنه في بلاد الدنيا أنّ الناس ملّوا الجنّات الموعودة وأكاذيب الساسة وميكانكيّي الإيديولوجيات ومزوّقي الأفكار الميتة وسلاطين المال وخدمهم بل يطلبون سياسيّا المثل الأعلى الليبيرالي ( الحرّيّة) وينشدون اقتصاديّا تغييرا جذريّا في السوق الماليّة العالميّة ( الكرامة) لا مجرّد فتح لحسابات هنا وهناك في فروع  البنوك الإسلاميّة أو الربويّة".
7
  علّق صاحب الحاشية ثانية :" نرجو ألاّ ندفع بمثل هذه التصريحات المتهوّرة فاتورة أخرى باهظة الثمن أو أن نعضّ أصابعنا ندما حين نكتشف أنّ نتيجة الحساب سالبة والرصيد أحمر"